روسيا .. بوتين يعود إلى الكرملين
2012/03/15 - د. هانى شادى*
اقترح ميدفيديف ترشيح بوتين للرئاسة في مارس 2012 ووافق الحزب وبوتين على الاقتراح .ما يعني أن الرجلين اتفقا في نهاية عام 20007 عندما ورث بوتين الحكم لميدفيديف على أن يُعيد الثاني السلطة إلى الأول بعد مرور فترة رئاسية واحدة .
وهذا يعكس بشكل واضح طبيعة نظام "الديمقراطية الموجهة" في روسيا الذي أسس له الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين وعمل فلاديمير بوتين على ترسيخه على مدار ولايتين رئاسيتين ( 2000 ــ 2008) ومن خلال وجوده في منصب رئيس الوزراء منذ 2008.
لقد كان بوتين هو الحاكم الفعلي لروسيا حتى عندما تولى رئاسة الوزراء ، ولم يقدم ميدفيديف على مدار ولايته الرئاسية سوى تعديل الدستور لتمديد فترة حكم رئيس الدولة من أربع إلى ست سنوات تمهيدا لعودة بوتين إلى عرش الكرملين، والذي يتكهن الكثيرون بأنه سيستمر في حكم روسيا حتى عام 2024 . وبذلك لعب ميدفيديف دور" الوريث أو الرئيس الدُمية " خلافا لبوتين الذي لعب ومازال دور " الوريث أو الرئيس القوي " منذ أن ورثة بوريس يلتسين الحكم في نهاية 1999. أما الناخب أو الشعب الروسي في هذه المعادلة ـــ من وجهة نظر السلطة الحاكمة ــــــ فلا وجود له ، وكل ما عليه هو الذهاب إلى صناديق الاقتراع في مارس 2012 للتصويت كما يرغب بوتين ولصالحه.
إن قرار ميدفيديف بإعادة السلطة إلى بوتين استوجب شكر " زعيم الأمة " الذي قرر أن يترأس ميدفيديف قائمة حزب السلطة " روسيا الموحدة " في الانتخابات البرلمانية في الرابع من ديسمبر 2011 بالرغم من أن ميدفيديف ليس عضوا في هذا الحزب . كما طُرح احتمال أن يتولى ميدفيديف رئاسة الحكومة الروسية التي سوف تتشكل في مايو 2012. فالرجل القوى في روسيا ــ فلاديمير بوتين ـــ أثبت أنه "الزعيم الأوحد " الذي يقرر كيفية نقل السلطة الرئاسية ولمن تُنقل وعلى الجميع التنفيذ بما في ذلك الناخب الذي يجب عليه أيضا التصويت في انتخابات محسومة النتائج سلفا .
واعتبر خبراء روس أن تبادل الأدوار من جديد بين بوتين وميدفيديف في 2012 قد صدم المراقبين والباحثين. وأشارت صحيفة "ار بي كا ديلي" إلى أن هذا السيناريو "لا يٌرضِي أحدا". وقال أركادي دفوركوفيتش مساعد ميدفيديف للشؤون الاقتصادية "إن هذا لا يدعو للسرور". أما جليب بافلوفسكي أحد مستشاري الكرملين السابقين في تصريحات نقلتها شبكة »نيوز رو« الإلكترونية ، فقد قال " إنه على يقين من أن تنازل ميدفيديف عن حقه في ولاية ثانية جاء نتيجة تهديدات وابتزاز تعرض له ". ومن المعروف أن دميتري ميدفيديف أفصح أكثر من مرة عن رغبته في تولي رئاسة روسيا لفترة رئاسية ثانية .
إن عودة بوتين إلى الكرملين في 2012 كانت متوقعة ولا تعد مفاجأة ، غير أن المفاجأة تكمن في الإعلان عن ذلك مبكرا، حيث كانت معظم التكهنات تشير إلى أن هذا سيحدث بعد الانتخابات البرلمانية في ديسمبر 2011 وليس قبل تلك الانتخابات . ويفسر البعض ذلك بأن بوتين قرر إنهاء موضوع السلطة الرئاسية بشكل مبكر حتى لا تتضخم لدى ميدفيديف وبعض مُريديه إمكانية ترشحه لولاية ثانية . ووصفت الباحثة الروسية ليليا شيفتسوفا الاتفاق بين ميدفيديف وبوتين على عودة الأخير إلى الكرملين بأنه "ساديَّة" من قبل السلطة في حق الشعب . وقالت : " إن ما حدث يُفقد السلطة شرعيتها لدى الشعب لأن الفريق الحاكم أوضح أنه لا ينوي تداول السلطة مع أحد، وينوي البقاء في السلطة حتى الموت " . وأضافت " أن السلطة في روسيا بتصرفها هذا قد تفتح الطريق لحلول الربيع العربي في روسيا ". أما المنتديات والمدونات الروسية في الإنترنت، وهي معظمها للشباب ومتوسطي العمر ، فسادها الغضب. ولعل أبرز ما قرأته على صفحات هذه المدونات والمنتديات عبارة " من العار علينا أن نعيش في بلد مثل روسيا يتم فيها تبادل السلطة على طريقة بوتين وكأن الشعب مجموعة من الخراف ".
وفي استطلاع للرأي جرى بعد الإعلان عن عودة بوتين إلى عرش الكرملين عبر 22٪ من الروس عن تفضيلهم الهجرة إلى الغرب. وهذه هي النسبة الأعلى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. ويبين الاستطلاع أن دوافع الهجرة لدى هؤلاء تتلخص في استشراء الفساد وهيمنة أصحاب الخلفيات والميول الأمنية على الاقتصاد والسياسة، والتضييق على حرية الرأي والصحافة، وانسداد الأفق في تحقيق الذات . ويعتقد هؤلاء أن روسيا باتت وطناً طاردا للمواهب وللناس ولا يساعد على البقاء فيه أو على العمل والزواج وتنشئة الأطفال.
نموذج الديمقراطية الموجهة
يرى الباحث الروسي فلاديمير بريبيلوفسكي أن " الديمقراطية الموجهة " تمثل تلك النظم التي لا تُعتبر ديكتاتورية بالكامل، وتحاول إرضاء دول العالم الأول والرأي العام فيها، وتطبق المظاهر الشكلية للديمقراطية بهدف التغطية على الجوهر التسلطي لحكمها. أي أن نظم " الديمقراطية الموجهة " هي نظم تسلطية بدرجة أو بأخرى تستخدم "الستار الديمقراطي" للتغطية على طبيعتها التسلطية. ويصنف بعض الباحثين الروس نظم الحكم في الدول غير الديمقراطية إلى شكلين من نظام الدولة والإدارة السياسية: وهي النظم الشمولية والديكتاتورية الصريحة، ونظم "الديمقراطية الموجهة ".
إن نظم " الديمقراطية الموجهة " تتضمن بعض الحريات والحقوق التي تُستخدم في الأساس للاستهلاك الخارجي أمام الرأي العام الدولي، وللاستهلاك الداخلي أيضا أمام قوى المعارضة التي يعمل نظام الديمقراطية الموجهة على إضعافها باستمرار. وتختلف الديمقراطية الموجهة عن النظام التسلطي الصريح بأنها مغلفة ببعض مظاهر الديمقراطية الدستورية الحديثة ( الديمقراطية السياسية الليبرالية ) حيث تُوجد انتخابات برلمانية ورئاسية ودستور وحرية مُقيدة للتعبير عن الرأي.
ففي روسيا ،على سبيل المثال، نلاحظ وجود ملامح لحرية التعبير عن الرأي، حيث يمكن للجميع التحدث، ولكن في الغرف والقاعات المغلقة . وهذه الحرية غير موجودة عمليا في التلفزيون ، لكنها موجودة في بعض الصحف، وفي الأحاديث الشفهية وبعض الإذاعات . وهذا يرجع إلى أن السلطة تدرك أن مثل هذه الحرية المقيدة للتعبير عن الرأي لن تؤثر كثيرا على الوضع في روسيا ولذلك تسمح بها ( أي حرية التعبير وليس التغيير). وهذا ما يميز روسيا عن أوزبكستان وتركمانيا في الفضاء السوفيتي السابق . ولكن هذه الحريات المقيدة ـــ في رأي بعض الباحثين الروس ـــ ربما تتشابه مع الوضع الذي كان قائما في مصر نهاية عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وتتشابه أيضا مع ما هو موجود في كازاخستان حاليا .
إن نظام " الديمقراطية الموجهة " في روسيا وضع أساسه الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسين عندما قصف البرلمان في 1993 بالدبابات، وأقر دستورا جديدا يمنحه صلاحيات قصوى في مواجهة السلطة التشريعية ، وأيضا عندما شاب التزوير الانتخابات الرئاسية لعام 1996 التي فاز بها يلتسين ليستمر لولاية ثانية بمساعدة المال السياسي الملتحم مع السلطة ، وأخيرا عندما ورَّث الحكم لفلاديمير بوتين في نهاية عام 1999.
وجاء بوتين ليرسخ الديمقراطية الموجهة في روسيا على مدار ولايتين رئاسيتين ( 2000 ــــ 2008) وعبر توليه منصب رئيس الوزراء في مايو 2008.ومع عودة بوتين إلى عرش الكرملين في 2012 يبدو أن الديمقراطية الموجهة في روسيا ستبلغ ذروتها، حيث تبين أن السلطة الحاكمة ونخبتها ترغب في البقاء في الحكم مدى الحياة، وترفض تداول السلطة بين القوى السياسية في المجتمع بطريقة شفافة ونزيهة . وكما يقول فلاديمير بريبيلوفسكي " إن هذا يهدد بالانتقال من الديمقراطية الموجهة إلى النظام التسلطي الصريح". وبعبارة أخرى، يمكن القول إن " الديمقراطية الموجهة " قابلة للتحول إلى التشدد والتسلط وربما الديكتاتورية .
ولكن بعض الباحثين الروس في العلوم السياسية يدافع عن " الديمقراطية الموجهة " التي رسخها بوتين على اعتبار أنها ضرورية لحماية مصالح الدولة وتحديث روسيا. ويبدو أن استخدام مصطلح " الديمقراطية الموجهة" لوصف النظام في روسيا قد أزعج بوتين والنخبة الحاكمة كثيرا والتي تحاول التأكيد على أن روسيا جزء لا يتجزأ من أوروبا والعالم الغربي وتقدم " النموذج الروسي للديمقراطية " على أنه أحد نماذج الديمقراطية الغربية ممزوجا بالخصوصية الروسية أو متكيفا مع ظروف روسيا التاريخية والثقافية . ولذلك نرى فلاديسلاف سوركوف نائب رئيس ديوان الكرملين المقرب من بوتين في عام 2006 يطرح في مواجهة "الديمقراطية الموجهة " مصطلح " الديمقراطية السيادية " الذي يعني الديمقراطية التي تدافع عن استقلال ومصالح الدولة، وغير المفروضة من الخارج ( أي من الغرب ) .
وتتنوع التقييمات والآراء حول طبيعة " الديمقراطية الموجهة " في روسيا . فالباحثان الروسيان الكسندر تسيبكو وسيرجي ماركوف ( المؤيدان لبوتين ) يعتقدان بأن نظام الديمقراطية الموجهة يتسم بطابع انتقالي ويعتبر حلقة وسطى أو مرحلة وسطى على الطريق من النموذج السوفيتي إلى المجتمع المدني . غير أن الباحث الكسندر ربتسوف يرى أن الديمقراطية الموجهة تعني أساسا الانتقال من الليبرالية إلى نظام شمولي جديد .
ويرى الباحث الروسي في معهد علم السياسة المقارن التابع لأكاديمية العلوم الروسية بوريس كاجارليتسكي في مقال بعنوان " الديمقراطية الموجهة، " أن النظام الذي تشكل في عهد يلتسين كان يعمل للحفاظ بدرجة كبيرة على "واجهة ديمقراطية" ( إعلام حر نسبيا ونظام تعددية حزبية وانتخابات ) بهدف إرضاء الغرب، وفي الوقت نفسه عمل هذا النظام للحفاظ على الرقابة والسيطرة الصارمة للكرملين على الوضع السياسي في البلاد . ويقول كاجارليتسكي: " إذا كان النظام في عهد يلتسين اتسم بالعفوية والفوضى ، فإنه على العكس من ذلك كانت لبوتين مصلحة كبيرة في تحقيق درجة قصوى من التحكم في المجتمع من أجل أن تُدار وتُوجه الديمقراطية بشكل دقيق ومحسوب كما هو الحال في النظم الشمولية ".
ويرى م . فيشمان أن " الديمقراطية الموجهة " تمثل نظاما من السلطة يراعي من الناحية الشكلية الإجراءات الديمقراطية في ظل ممارسة ضغوط على الناخبين وإجبارهم على اختيار محدد ترغب فيه السلطة. ويحدد فيشمان بعض عناصر هذا الضغط، ومنها العمل الدعائي عبر التليفزيون لصالح مرشحي السلطة ، وعدم منح المرشحين المعارضين في الانتخابات نفس فرصة مرشحي السلطة ، والتوصل إلى اتفاقات سرية بين السلطة المركزية وحكام المناطق لا يدري بها الناخب ، والضغط على النظام القضائي لمنع تسجيل الأحزاب غير المرغوب فيها. فالناخب هنا عليه فقط أن يُبارك نتائج الانتخابات، ويُبارك رغبة السلطة الحاكمة عندما يذهب إلى التصويت ، ولكنه في نفس الوقت يُحرم من حق الاختيار الحقيقي .
ويعتقد بعض الباحثين الروس أنه لا يمكن مطابقة النظام السياسي الروسي الحالي بالكامل مع نموذج الديمقراطية الموجهة، إذا فهمنا هذا المصطلح كآلية لتزوير إرادة الناخبين وتوزيع أصواتهم على مرشحي السلطة في الانتخابات. ويعتقد هؤلاء أيضا بوجود انتخابات حقيقية في روسيا، ويقولون بأنه لا يمكن توزيع أو تزوير أكثر من 10٪ من أصوات الناخبين. ولا يتفق مع هذا الرأي فيتالي تريتياكوف الذي يرى أن الديمقراطية الموجهة هي واقع موضوعي وفعلي في روسيا ، وأن السلطة تزور الانتخابات وتستخدم الموارد الإدارية والمالية للدولة من أجل ذلك ، ويُرجع هذه الحالة في أحد جوانبها إلى سلبية السكان .
تزوير الانتخابات البرلمانية والسيناريوهات المحتملة في روسيا
إن الحالة التي تم بلوغها في عهد بوتين من التأمين شبه الكامل للسلطة من أي مخاطر أو تهديدات فعلية أو محتملة واء في السياسة أو الاقتصاد يُقيمها بعض الباحثين الروس بأنها أصبحت خطرة وزائدة عن الحاجة، حيث باتت السلطة منفصلة عمليا عن الشعب والمجتمع في جميع قراراتها . ويرى دميتري فورمان أن سلطة بوتين يمكن من الناحية النظرية أن تواصل السير في نفس الطريق ، ولكن هذا لن يضمن لها مواصلة التحكم في المجتمع لأن هذا التحكم سيصل في يوم من الأيام إلى نهايته ويصبح غير فعال في إدارة البلاد . فهذا التحكم الكبير بدأ يُزعج الشعب بدرجة ما، حيث أظهر استطلاع للرأي أن 61٪ من المستطلعين طالبوا بعودة الانتخابات المباشرة لحكام المناطق المكونة للاتحاد الروسي التي ألغاها بوتين في عام2004.
ويقول البعض في روسيا إن " الواجهة الديمقراطية الشكلية " بدأت في التصدع وخاصة مع عودة بوتين إلى الكرملين في عام 2012 وبات إصراره هو وفريقه على وصف روسيا بأنها دولة ديمقراطية صعبا. ولذلك يتكهن باحثون روس بأن يلجأ بوتين بعد عودته للكرملين إلى تخفيف حدة سيطرة سلطته على المجتمع، ولكن ثمة من يرى أيضا أن هذا قد يؤدي إلى تفكيك النظام الذي رسخه بوتين نفسه .
إن تخفيف هيمنة السلطة على المجتمع في روسيا بدرجة أو بأخرى حاول القيام بها دميتري ميدفيديف خلال رئاسته (2008 ـــ 2012) من خلال ترك متنفس لعدد محدود للغاية من الصحف المعارضة سواء الحزبية أو غير الحزبية . وفي هذا السياق نلاحظ أن دميتري ميدفيديف قد أجرى أول مقابلة صحفية له بعد انتخابه في مارس 2008 مع صحيفة " نوفايا جازيتا " الليبرالية المعارضة . بجانب ذلك أدخل ميدفيديف تعديلات على النظام الانتخابي تسمح للحزب الذي يحصل على 5٪ من أصوات الناخبين في الانتخابات البرلمانية أن يُمثل بمقعد واحد في البرلمان ، وإذا حصل الحزب على 6٪ يُمثل بمقعدين وذلك في ظل الالتزام بعتبة الــ 7٪ التي تسمح لمن يتجاوزها بتشكيل تكتلات نيابية داخل مجلس الدوما .
وفي السابع عشر من أكتوبر 2011 صادق ميدفيديف على تعديلات في قانون الانتخابات تخفض حاجز دخول الأحزاب إلى البرلمان من 7٪ إلى 5٪ كما كان الحال في عهد يلتسين) على أن يبدأ العمل بهذه التعديلات في الانتخابات البرلمانية لعام 2016 وليس مع انتخابات 2011 كما كان يتمنى الكثير من الأحزاب الصغيرة .
في الوقت نفسه أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي جرت في الرابع من ديسمبر 2011 أن حزب السلطة " روسيا الموحدة " الذي يتزعمه فلاديمير بوتين حصل بصعوبة على حوالي 50٪ من أصوات الناخبين بعد عمليات تزوير كبيرة رصدتها كاميرات الهواتف المحمولة وتقارير المراقبين الدوليين من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي . وأعلن زعيم الحزب الشيوعي الروسي جينادي زوجانوف الذي حصل حزبه في تلك الانتخابات على حوالي 20٪ من أصوات الناخبين ، أعلن أن نظام بوتين سرق من الشيوعيين حوالي 15٪ من الأصوات أضافها للحزب الحاكم .
وتجدر الإشارة أن الحزب الحاكم في روسيا كان قد حصل في الانتخابات البرلمانية لعام 2007 على 64.3٪ من أصوات الناخبين وتمتع آنذاك بالأغلبية الدستورية في مجلس الدوما بحصوله على 315 مقعدا من أصل 450 مقعدا هي عدد مقاعد الدوما . غير أن الحزب الحاكم سيُمثل ( بعد التزوير ) في مجلس الدوما الجديد بحوالي 238 مقعدا فقط ، أي سيتمتع بالأغلبية البسيطة وليست الدستورية .
وسيصل عدد مقاعد الحزب الشيوعي الروسي الذي جاء في المركز الثاني إلى92 مقعدا مقابل 57 مقعدا في 2007 وسيكون لحزب روسيا العادلة (أسسه الكرملين في2007 لمنافسة الحزب الشيوعي حوالي 64مقعدا ( مقابل 38 في 2007 وللحزب الليبرالي الديمقراطي بزعامة فلاديمير جيرينوفسكي ( وهو من الأحزاب الموالية للكرملين أيضا 56مقعدا 40 مقعدا في انتخابات 2007 .
لقد أدى تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية لصالح الحزب الحاكم، والذي لا يتمتع بشعبية كبيرة في روسيا إلى خروج مظاهرات احتجاجية في موسكو وبطرسبورج (مسقط رأس بوتين) وعدد آخر من المدن الروسية تهتف بسقوط بوتين وتطالب بانتخابات نزيهة ، وهو ما لم تتوقعه السلطة الحاكمة في روسيا .
وتعكس هذه النتائج أن النظام السياسي المعتمد على " الديمقراطية الموجهة " الذي رسخه فلاديمير بوتين بدأ يعاني من عدم الاستقرار، وأن الشارع الروسي ممثلا في الأحزاب والحركات السياسية غير الممثلة في البرلمان، ومعها الكثير من شباب الجامعات وطلاب المدارس من غير المنظمين سياسيين بدأ التحرك بعد سبات طويل استمر على مدار السنوات العشر الأخيرة على أقل تقدير . وهذا يعكس بدرجة ما التذمر في المجتمع الروسي من سيطرة السلطة ومن " الديمقراطية الموجهة" في ظل تفاعل قطاعات شبابية غير قليلة في روسيا مع الربيع العربي .
وتبدو الأوضاع في روسيا مرشحة للمزيد من التوتر، حيث يرفض المتظاهرون ومعظمهم من الشباب عودة بوتين إلى الحكم من جديد في مارس 2012. ويتكهن مراقبون باستمرار المظاهرات في روسيا خلال الشهور القادمة أيضا بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية، واستشراء الفساد، وسيطرة قلة قليلة بزعامة بوتين على مقدرات البلاد .
وكانت الحركة الاحتجاجية في روسيا، والتي تطالب بالحرية والديمقراطية والكرامة الانسانية قد تأثرت كثيرا بثورة 25 يناير في مصر، حيث خرجت هذه الحركة الاحتجاجية إلى شوارع العاصمة الروسية في مارس 2011 تحت شعار " روسيا ستسير على خطا الثورة المصرية " .
عندما رفض بوتين في نهاية 2007 تعديل الدستور للسماح له بالاستمرار في الحكم أُصيب بعض الباحثين بالدهشة لأنه كان قادرا آنذاك على فعل ذلك بسهولة . فقد فضل آنذاك " زعيم الأمة " أن يترك كرسي العرش في الكرملين والانتقال إلى منصب رئيس الوزراء في محاولة لإعطاء انطباع بأنه يلتزم بمواد الدستور التي تنص على عدم أحقية الشخص الواحد تولي رئاسة روسيا لولايتين متتاليتين .
ونعتقد أن بوتين تخوف آنذاك من أن تعديل الدستور لصالح استمراره في الحكم كان يمكن أن يحطم " الواجهة الديمقراطية " ويُرسخ بشكل نهائي ما يُقال عن أن حكمه يتسم بطبيعة تسلطية وفردية . وكأن بوتين في عام 2007 ــــ عندما حان وقت نقل السلطة الرئاسية ـــــ توقف عند الحد الذي كان يمكن إذا تخطاه لانزلق إلى نموذج النظم التسلطية والاستبدادية الصريحة . ولذلك هو قرر آنذاك اختيار الوريث ( ميدفيديف ) ليس من صفوف أعوانه في أجهزة الأمن والمخابرات وإنما اختار شخصا من خارج هذه الأجهزة .
ويرى باحثون روس أن ما قام به ميدفيديف من تعديل في الدستور الروسي لتمديد فترة ولاية رئيس الدولة وإقراره بمبدأ تعيين رئيس المحكمة الدستورية يتناقض مباشرة مع تصريحاته ووعوده . كما أن إقراره بصواب مرسوم بوتين في عام 2004 بإلغاء الانتخاب المباشر لحكام المناطق وتعيينهم من قبل رئيس الدولة يتعارض أيضا مع ما قيل ويقال عن ميوله الليبرالية والديمقراطية . فعندما سئُل ميدفيديف عن رأيه في إلغاء انتخاب حكام المناطق ، قال بهذا الشأن : " أنا لا أرى إمكانية أو ضرورة لتغيير هذا القرار لا الآن ، ولا بعد مئة سنة قادمة ".
ونتيجة " للنغمة الليبرالية " في تصريحات ميدفيديف ، وضع الغرب والقوى الليبرالية في روسيا آمالا عريضة عليه ، ووصفوا رئاسته " بعهد إذابة الجليد " على غرار فترة حكم الزعيم السوفيتي السابق نيكيتا خروشوف . ولكن كل هذا ذهب أدراج الرياح أثناء المؤتمر الثاني عشر لحزب السلطة " روسيا الموحدة " في الرابع والعشرين من سبتمبر 2011 عندما أعلن ميدفيديف بنفسه ترشيح بوتين للرئاسة في 2012 . موقف ميدفيديف هذا أفقده المصداقية لدى قطاعات مهمة في المجتمع الروسي وبدأ الشباب على وجه الخصوص في الانترنت يصفه بالضعيف والمستسلم . وفي أثناء لقاء لميدفيديف مع طلبة كلية الصحافة بجامعة موسكو في 2011/10/20 ألقت الشرطة القبض على عدد من طلاب هذه الكلية رفعوا لافتات كُتب عليها " هل أخذت يا ميدفيديف الإذن من بوتين قبل أن تأتي إلى كليتنا " .
يتسم نظام " الديمقراطية الموجهة " بتناقضات عميقة تتفاقم مع الوقت، وتؤدي إلى أزمة النظام وربما الإطاحة به . ويتمثل التناقض الأساسي للديمقراطية الموجهة في التناقض بين " المضمون " التسلطي و" الواجهة الديمقراطية الشكلية " للنظام . ومع الوقت تفقد هذه " الواجهة " بريقها وتتحول الانتخابات إلى مسرحية روتينية لا يهتم بها الناخب لأنه يعلم أنها محسومة سلفا لصالح الفريق الحاكم وزعيم الأمة ، وتصبح شعبية " الزعيم الأوحد " محل شك الكثيرين . فمثلا ، أظهر استطلاع للرأي قامت به هيئة الإذاعة البريطانية في نهاية 2010 في روسيا أن 37٪ فقط من المشاركين يؤيدون عودة بوتين إلى الكرملين . وهذا، كما نرى ، يتناقض مع استطلاعات الرأي التي تقوم بها مؤسسات روسية تصل فيها شعبية بوتين إلى 70٪.
ويرى العديد من الباحثين الروس أن أزمة نظام الديمقراطية الموجهة في روسيا حتمية ، لكن التنبؤ بأشكالها وتوقيت انفجارها ليس بالأمر اليسير. ويقول دميتري فورمان إن السيناريو " المرجو " هو إحداث ثورة من أعلى " عن طريق التفكيك الواعي والمنظم للنظام القائم والانتقال إلى الديمقراطية على غرار ما جرى في الاتحاد السوفيتي في عهد جورباتشوف . وبشكل عام يرى البعض أن السيناريو الأول المحتمل هو الانتقال الناجح إلى ديمقراطية تداول السلطة بشكل حقيقي ، وهو ما يتطلب تفكيك النظام القائم . أما السيناريو الثاني فيتعلق بمرور روسيا بدورة جديدة من حكم بوتين المتأزم .
وفيما يتعلق بمستقبل الديمقراطية الموجهة في روسيا تسود وجهة نظر تقول بأن هذه الديمقراطية الموجهة هي خطوة نحو العودة إلى ما يشبه النموذج السوفيتي للحكم، ولكن في ظل ظروف مغايرة . ويرى فيتالي تريتياكوف أن ما حل مكان الديمقراطية "المسخ" في عهد يلتسين من ديمقراطية موجهة يشكل نموذجا سلطويا ممزوجا بمسخ ديمقراطي يتجلى في شكل جمهورية رئاسية، وفي صورة دولة بيروقراطية فادحة الفساد. ويعتقد أن هذا النظام إما أن يتحول إلى الاستبداد المباشر والصريح أو ينتقل إلى الديمقراطية الدستورية الحديثة (يقصد الديمقراطية السياسية الليبرالية ).
ويقول الباحث الكسندر ميخانيك بانخفاض كفاءة الديمقراطية الموجهة في روسيا بوتين . ويرى أن آلية الديمقراطية الموجهة استنفدت نفسها، حيث تسيطر السلطة التنفيذية، وتحديدا الرئيس، على السياسة والاقتصاد ووسائل الإعلام في ظل أحزاب سياسية ضعيفة ومجتمع مدني ضعيف . ويتفق ميخانيك مع ترتياكوف في أن مستقبل الديمقراطية الموجهة في روسيا هو الاتجاه نحو النظام التسلطي الكامل أو إلى الديمقراطية الحديثة .
عندما سيعود بوتين إلى الكرملين في 2012 ستكون روسيا غير روسيا التي ورثها لدميتري ميدفيديف في عام 2008 . فالوضع الاقتصادي سيكون أكثر تعقيدا وخاصة إذا تراجعت أسعار النفط والغاز وتواصل هروب رؤوس الأموال . فقد فقدت روسيا في عام 2011وحده حوالي 50 مليار دولار خرجت منها بسبب الخوف وعدم اليقين، وفضلاً عن الأزمة الاقتصادية العالمية . وفي حال تراجع أسعار النفط العالمية سيتواصل عجز ميزانية الدولة في روسيا والذي عاد إلى الظهور مع الأزمة العالمية بعد أن كانت ميزانية الدولة تحقق فائضا خلال السنوات السابقة .
بجانب ذلك لم يتمكن بوتين أو ميدفيديف من تخفيف حدة استشراء الفساد في البلاد والذي يؤثر سلبا على الاقتصاد والعملية السياسية ومزاج المواطنين الذين باتوا يشعرون بالانزعاج الشديد من المحسوبية .
ففي نهاية عام 2010 وحسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية كانت روسيا في مركز متقدم بين دول العالم التي يستشري فيها الفساد حيث احتلت المركز 154 من أصل 178 دولة بجوار الكونغو. فتزاوج السلطة والمال ( وهو أحد مصادر الفساد ) لا يتجلى في سيطرة رجال بوتين على القطاعات الأساسية للاقتصاد الروسي وحسب ، وإنما يتجلى أيضا في احتلال أبناء الوزراء والمسئولين الكبار مناصب مهمة في الشركات والمؤسسات المالية الكبرى في روسيا .
وكانت صحف روسية قد سلطت الضوء على هذه الظاهرة في إطار تعليقها على توجيهات الرئيس ديمتري ميدفيديف التي حث فيها كبار المسؤولين على ترك مناصبهم في مجالس إدارة الشركات والبنوك الحكومية وشبه الحكومية الكبيرة . ويصف يولي نيسنيفيتش، عضو في منظمة "الشفافية العالمية " والأستاذ في كلية الاقتصاد في موسكو هذه الظاهرة بأنها "نومينكلاتورا" جديدة ( هذا المصطلح كان يستخدم لتوصيف النخب الحاكمة في الحقبة السوفيتية ) ظهرت في روسيا بعد حكم "الأوليجاركية" في التسعينيات.
ويرى نيكولاي بيتروف من مركز " كارنيجي" في موسكو أن المحسوبية ومحاباة الأقارب ظاهرة ملاصقة للنظام القائم في روسيا . ويقول "عندما يكون والدك وزيرا منذ أكثر من 10 سنوات، يكون لديك الوقت لإنهاء دراستك، وأن تصبح نائب رئيس في شركة مهمة ، وهو منصب يشغله محترفون ممن هم في عقدهم الخامس في الغرب ".
ويضيف بيتروف " أنه في بلد يتفشى فيه الفساد وتضارب المصالح ، فإن الصلات العائلية في الشركات الكبرى تصبح مصدرا إضافيا للدخل ". ولا يتوقف الأمر هنا على أولاد المسؤولين في السلطة التنفيذية، بل اتضح أيضا أن عددا من زوجات وأبناء نواب البرلمان يمتلك يخوتا وبيوتا في الخارج، ولكن الباحثة الروسية أولجا كريشتانوفسكايا،وهي عضو في حزب السلطة " روسيا الموحدة "الذي يتزعمه بوتين، ترى أن وجود أبناء المسؤولين الكبار في الشركات الكبرى هو أمر منتشر في أنحاء كثيرة من العالم ولا يقتصر على روسيا فقط .
في نفس الوقت بات المواطن الروسي يضيق ذرعا من التضييق على حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى. وفي هذا الشأن يقول بافيل جوسيف رئيس لجنة المجلس الاجتماعي الروسي لشئون السياسة الإعلامية وحرية التعبير : "إن أكثر من 150 صحفيا روسيا تعرضوا للمضايقات والتهديدات والضرب خلال الأشهر العشرة الأخيرة من عام 2011 بسبب مقالات كتبوها عن استشراء الفساد في البلاد". ومن جانبها تؤكد اللجنة الدولية لحماية الصحفيين أن روسيا شغلت المرتبة الخامسة من حيث مقتل الصحفيين بسبب نشاطهم المهني في عام 2010. وبالرغم من أن البرلمان الروسي أقر تعديلات قانونية تشدد العقوبات على مرتكبي الاعتداءات على الصحفيين في روسيا ، إلا أن حرية التعبير لا تزال في خطر، حيث تُفرض على الصحافة الكثير من الخطوط الحمراء.
علاوة على ذلك، فإن المجتمع الروسي خلال السنوات الأربع الأخيرة بدأ في استخدام الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي على نطاق ملحوظ، حيث بلغ عدد المستخدمين للشبكة العنكبوتية في 2010 حوالي 40 مليون مواطن روسي ، وربما سيتزايد هذا التوجه في السنوات القادمة . ويبدو أن استعداد قسم كبير من المواطنين الروس للتضحية بحرياتهم المدنية والديمقراطية مقابل تحسين مستوى معيشتهم على وشك الانتهاء. فالمجتمع الروسي في حاجة ماسة لعملية تحديث واسعة وتنويع للاقتصاد المعتمد على المواد الأولية ، وهي مهمة يشكك الكثيرون في إمكانية قيام بوتين بها في السنوات القادمة . ويرى البعض أن أية إصلاحات سيقوم بها بوتين مستقبلا ستتركز على ضمان استمرار السلطة في يده ويد النخبة الحاكمة .
في ضوء ما سبق يُطرح سؤال هام بشأن ماذا يمكن أن يقدم بوتين للمجتمع الروسي بعد عودته إلى عرش الكرملين من جديد؟ يرى البعض أنه قد يقوم بإصلاحات جديدة من " أعلى "، كالعادة ، ويُطلق أصحاب هذا الرأي على هذا الاحتمال "سيناريو ستوليبين " رئيس الحكومة الروسية بين عامي 1906 و1911 .في يوليو 2011 تذكر بوتين رئيس الحكومة الروسية القيصرية بيوتر ستوليبين بمناسبة الاحتفال بمرور150 سنة على مولده . ووصف بوتين أثناء هذه الاحتفالية ستوليبين بالسياسي الوطني الحكيم الذي خدم روسيا في ظل ظروف صعبة للغاية، حيث بادر بإجراء الإصلاح الزراعي، وطور شبكة السكك الحديدية، وعمل على تنمية سيبيريا .
ومن المعروف أن القيصر نيكولاي الثاني عين ستوليبين رئيسا للحكومة الروسية في وضع سياسي صعب في روسيا بعد ثورة 1905، وكان عليه أن يتصدى لأي ثورة أو هزات اجتماعية جديدة . وتقول بعض المصادر الروسية إن ستوليبين كان يتسم بالقسوة الشديدة مع الثوريين والحركات الثورية التي كانت قائمة وقتذاك . ولكن هل يمكن لبوتين أن يقوم بإصلاحات جديدة في الاقتصاد وفي نفس الوقت يُبقي سيطرته الصارمة على النظام السياسي؟
يرى البعض أن هذا سيتوقف بدرجة كبيرة على ما إذا كانت هذه الإصلاحات ستؤدي إلى تحسين فعلي لمستوى معيشة قطاعات واسعة من السكان . ومع الأخذ في الحسبان أن بوتين والمقربين منه يسيطرون على المفاتيح الرئيسية للاقتصاد ، فان أي إصلاحات مستقبلية ستكون مقيدة . وهذا يعني أن بوتين بدرجة أو بأخرى هو أسير النظام الذي أسسه بنفسه ، أي أنه لا يستطيع تغيير النظام . وتجدر الإشارة أن ستوليبين انتهى بشكل مفجع حيث قُتل في سبتمبر1911 قبل ست سنوات تقريبا من ثورة 1917 والحرب الأهلية في روسيا .
بجانب ذلك يتصور البعض أن بوتين بعد عودته إلى الكرملين قد يقتفي من جديد نموذج يوري أندروبوف الذي تولى رئاسة الــ " كي جي بي " لفترة طويلة وتولى قيادة الاتحاد السوفيتي في مطلع الثمانينات لمدة 15 شهرا. ولا يخفي بوتين إعجابه بيوري أندروبوف ، فبعد أن أصبح رئيسا رسميا في مارس 2000 أعطى تعليمات للاحتفاء بذكرى اندروبوف بشكل سنوي. ومن المعروف أن أندروبوف بعد وفاة بريجنيف شرع في تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية من " أعلى " دون المساس بالنظام السياسي .
وتركزت إصلاحات أندروبوف في الأساس على محاربة الفساد . وكان يرى ضرورة السيطرة بقوة على النظام السياسي وقيادة الدولة للاقتصاد عبر دور أساسي لجهاز الـــ " كي جي بي " . ويعتبر بوتين والمقربون منه أن الفترة القصيرة التي تولى فيها أندروبوف زعامة الدولة السوفيتية كانت فترة عظيمة . ويعتقدون بأنه إذا ظل أندروبوف لفترة أطول على قيد الحياة، لكان قام بتحديث الاتحاد السوفيتي باستخدام نموذج من آليات السوق يشبه النموذج الصيني . وتقول الباحثة الروسية أولجا كريشتانوفسكايا : "إن بوتين وحاشيته يعتقدون بأن أندروبوف كان عبقريا، وكان يمكن أن ينجز إصلاحات هامة " . وتضيف أن رجال الاستخبارات في روسيا ومنهم بوتين يعتبرون النموذج الصيني الذي اكتفى بالإصلاحات الاقتصادية دون الإصلاحات السياسية مثالا يُحتذى به . ويعتبر باحثون روس أن الفترة الأولى لبوتين في الكرملين (2000 ــــ 2008) كانت محاولة لإعادة إحياء نموذج أندروبوف في ظل ظروف مغايرة تعيشها روسيا .
بعد الإعلان عن عودة بوتين إلى الكرملين والاحتمال الكبير لاستمراره في رئاسة روسيا حتى عام 2024 ظهرت في الانترنت عبر المدونات والمنتديات الروسية، وفي صفوف بعض الباحثين الروس تكهنات باحتمال إصابة روسيا بنوع من الركود على غرار فترة حكم ليونيد بريجنيف للاتحاد السوفيتي . وبعبارة أخرى يفترض البعض أن عودة بوتين إلى الكرملين من جديد ستجعل روسيا تتحول إلى ما يسمى بـــــ " سيناريو بريجنيف ".
وتستند هذه التكهنات إلى أن استمرار بوتين في الحكم لفترة جديدة طويلة قد يزيد من ميل النخبة الحاكمة نحو النزعة المحافظة بسبب إيمانها بأنها لن تُزاح عن السلطة لأن زعيمها موجود وسيستمر على الدوام . وإذا استمر بوتين في الحكم حتى عام 2024 سيكون بذلك قد حكم روسيا كرئيس لمدة 20عاما ، وإذا أضفنا الأعوام الأربعة التي تولى فيها رئاسة الوزراء ( 2008 ـــ 2012) سيكون قد حكم روسيا لمدة 24 عاما، وهي مدة أقل قليلا من مدة حكم ستالين ( 30 سنة ) وأطول من مدة حكم بريجنيف ( 18 سنة ).
من السيناريوهات الأخرى المطروحة على الساحة الروسية حاليا سيناريو " الربيع الروسي " على غرار الربيع العربي. فمنذ ثورة الورود في جورجيا (2003)، والثورة البرتقالية في أوكرانيا (2004)، والسلطة في روسيا يُطاردها شبح الخوف من تكرار نفس المصير عبر الاحتجاجات الشعبية . وزادت هذه المخاوف أكثر بسبب ثورات الربيع العربي . ولذلك جربت السلطة في روسيا الكثير من الأساليب لتجنب مثل هذه النهاية عبر شن حملة إعلامية على الثورات الملونة، وثورات الربيع العربي من خلال التركيز على أن هذه الثورات ممولة من الخارج وقامت بفعل الغرب وأجهزة المخابرات الغربية .
ولكن البعض لا يستبعد أن تتزايد الاحتجاجات الشعبية في روسيا مستقبلا. فعلى سبيل المثال، يتوقع بوريس نيمتسوف أحد زعماء المعارضة الليبرالية في روسيا أن تؤدي عودة بوتين للكرملين إلى صدمة اقتصادية واجتماعية جادة وهروب كبير لرؤوس الأموال وموجة جديدة من الهجرة إلى الخارج ومواصلة تحلل الدولة . وإذا أخذنا في الحسبان أن إيرادات الدولة من بيع النفط والغاز باتت أقل من المستوى الضروري لتوازن الميزانية التي تعاني من العجز منذ 2008 فيمكن -حسب الباحث نيكولاي بيتروف من معهد كارنيجي بموسكو - توقع تراجع شعبية بوتين في المستقبل ووضعه أمام خيارات صعبة .
ولكن في حال اشتعال الاحتجاجات الشعبية في روسيا ، ففي أي اتجاه ستسير ؟ يطرح هذا السؤال الكثيرون في روسيا وخارجها . وترى مجلة الإيكونومست البريطانية أن هذه الاحتجاجات الشعبية إما أن تؤدي إلى بداية مرحلة جديدة من العلانية والبريسترويكا والإصلاحات كما جرى في الاتحاد السوفيتي في الثمانيينات ، وإما أن تجعل السلطة تسير بقوة في اتجاه نموذج أندروبوف . ونعتقد أنه ليس من السهل حاليا تحديد موعد انفجار الوضع والاتجاهات التي سيسير فيها بوتين بعد عودته إلى الكرملين، ولكن من اليسير رؤية أو توقع أن الأمور قد تخرج من تحت سيطرة السلطة في روسيا.
وفي الختام يمكن القول إن المسألة في روسيا تكمن اليوم في كم من الوقت ستستمر " الواجهة الديمقراطية" ؟ وتكمن أيضا في مدى صمود نموذج بوتين الاقتصادي أمام الأزمة المالية العالمية وأمام أزمة الاقتصاد الروسي نفسه المعتمد بشكل متزايد على تصدير المواد الخام، وفي مقدمتها النفط والغاز . كما أن الأمر سيعتمد بدرجة كبيرة على المدى الزمني لتحمل الشعب الروسي لمعادلة " الخبز مقابل غياب الحرية والديمقراطية ". فشرعية النظام في روسيا لا تزال تعتمد أساسا على كاريزما بوتين، وعلى الأسعار المرتفعة للنفط والغاز ، ولكن في ظل ظروف أقل ملائمة سيكون " الزعيم " والنظام ككل أمام خيارات صعبة للغاية .
إن ما جرى في روسيا خلال العشرين سنة الأخيرة من تأسيس وترسيخ لنظام " الديمقراطية الموجهة "، واحتكار السلطة، خاصة السلطة الرئاسية لصالح قلة قليلة من مجموعات المصالح، وتبادل هذه السلطة في حدود ضيقة عن طريق "توريث" الحكم من يلتسين إلى بوتين، وبعد ذلك إلى ميدفيديف ثم عودة بوتين من جديد إلى الكرملين، يمكن أن يتكرر في دول أخرى، ومنها مصر بعد ثورة 25 يناير التي لم تُكتمل ، ولذلك يصفها البعض بأنها أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة . فبناء الدولة المدنية الديمقراطية في مصر يمكن أن يُصبح معرضا للانتقال إلى نموذج الديمقراطية الموجهة الذي يميل بطبيعته نحو تقييد الحريات والانفراد بالسلطة وتحويل المواطنين إلى مجرد ناخبين يذهبون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ما ترغب فيه السلطة الحاكمة . ويمكن أن يتم ذلك تحت حجج كثيرة، منها الحاجة إلى الاستقرار، ووقف الفوضى ، والتصدي إلى ما يسمى بالمؤامرات الخارجية والمندسين .
ونود هنا التشديد على أن عملية التحول الديمقراطي في حد ذاتها لا تعني بأي حال من الأحوال الانتقال الفعلي إلى الديمقراطية .
ولذلك نرى ضرورة ملحة لاستمرار المد الثوري الذي خلفته ثورة 25 يناير لتطوير منظومة "رباعية الأبعاد" تتضمن الديمقراطية المباشرة عبر الشارع، والديمقراطية الاجتماعية، والديمقراطية الاقتصادية، والديمقراطية الدستورية الحديثة، خاصة في ظل الأزمة التي تشهدها الدول الرأسمالية المتقدمة، ومظاهرات " وول ستريت "، وكثير من الدول الأوروبية . وإذا كانت تلك المظاهرات تحتج في الأساس على غياب العدالة الاجتماعية والوضع الاقتصادي المتردي والفساد المتمثل في تحالف السلطة العليا والاحتكارات الكبيرة ، إلا أنها ، في رأينا ، تعكس أيضا مدى عجز الديمقراطية السياسية الليبرالية في التعبير عن مصالح قطاعات واسعة من الناخبين، حيث اتضح أن نواب البرلمانات في لدول الرأسمالية المتقدمة لا يعبرون عن طموحات الناخبين الذين منحوهم أصواتهم . ويبدو أن المنظومة الرباعية الأبعاد التي أشرنا إليها سلفاً لا تحتاجها مصر وثوراتالربيع العربي وحدها، بل والعالم أجمع بدوله المتقدمة وغير المتقدمة بشرط عدم الانزلاق إلى نموذج الديمقراطية الموجهة.
إعلامى مصرى مقيم فى موسكو-