انتخابات
روسيا‮ .. ‬بوتين‮ ‬يعود‮ ‬إلى‮ ‬الكرملين‮ ‬
2012/03/15 - د‮. ‬هانى شادى*

‬اقترح ميدفيديف ترشيح بوتين للرئاسة في‮ ‬مارس‮ ‬2012 ووافق الحزب وبوتين على الاقتراح‮ .‬ما‮ ‬يعني‮ ‬أن الرجلين اتفقا في‮ ‬نهاية عام‮ ‬20007 عندما ورث بوتين الحكم لميدفيديف على أن‮ ‬يُعيد الثاني‮ ‬السلطة إلى الأول بعد مرور فترة رئاسية واحدة‮ .

‬وهذا‮ ‬يعكس بشكل واضح طبيعة نظام‮ "‬الديمقراطية الموجهة‮" ‬في‮ ‬روسيا الذي‮ ‬أسس له الرئيس الروسي‮ ‬الأسبق بوريس‮ ‬يلتسين وعمل فلاديمير بوتين على ترسيخه على مدار ولايتين رئاسيتين‮ ( ‬2000 ــ‮ ‬2008‮)‬ ومن خلال وجوده في‮ ‬منصب رئيس الوزراء منذ‮ ‬2008.


لقد كان بوتين هو الحاكم الفعلي‮ ‬لروسيا حتى عندما تولى رئاسة الوزراء‮ ‬،‮ ‬ولم‮ ‬يقدم ميدفيديف على مدار ولايته الرئاسية سوى تعديل الدستور لتمديد فترة حكم رئيس الدولة من أربع إلى ست سنوات تمهيدا لعودة بوتين إلى عرش الكرملين،‮ ‬والذي‮ ‬يتكهن الكثيرون بأنه سيستمر في‮ ‬حكم روسيا حتى عام‮ ‬2024 . وبذلك لعب ميدفيديف دور‮" ‬الوريث أو الرئيس الدُمية‮ "  ‬خلافا لبوتين الذي‮ ‬لعب ومازال دور‮ " ‬الوريث أو الرئيس القوي‮ " ‬منذ أن ورثة بوريس‮ ‬يلتسين الحكم في‮ ‬نهاية‮ ‬1999. أما الناخب أو الشعب الروسي‮ ‬في‮ ‬هذه المعادلة ـــ من وجهة نظر السلطة الحاكمة ــــــ فلا وجود له‮ ‬،‮ ‬وكل ما عليه هو الذهاب إلى صناديق الاقتراع في‮ ‬مارس‮ ‬2012 للتصويت كما‮ ‬يرغب بوتين ولصالحه‮.


إن قرار ميدفيديف بإعادة السلطة إلى بوتين استوجب شكر‮ " ‬زعيم الأمة‮ " ‬الذي‮ ‬قرر أن‮ ‬يترأس‮  ‬ميدفيديف‮  ‬قائمة حزب السلطة‮ " ‬روسيا الموحدة‮ " ‬في‮ ‬الانتخابات البرلمانية في‮ ‬الرابع من ديسمبر‮ ‬2011 بالرغم من أن ميدفيديف ليس عضوا في‮ ‬هذا الحزب‮ . ‬كما طُرح احتمال أن‮ ‬يتولى ميدفيديف رئاسة الحكومة الروسية التي‮ ‬سوف تتشكل في‮ ‬مايو‮ ‬2012. فالرجل القوى في‮ ‬روسيا ــ فلاديمير بوتين ـــ أثبت أنه‮ "‬الزعيم الأوحد‮ " ‬الذي‮ ‬يقرر كيفية نقل السلطة الرئاسية ولمن تُنقل وعلى الجميع التنفيذ بما في‮ ‬ذلك الناخب الذي‮ ‬يجب عليه أيضا التصويت في‮ ‬انتخابات محسومة النتائج سلفا‮ .


واعتبر خبراء روس أن تبادل الأدوار من جديد بين بوتين وميدفيديف في‮ ‬2012 قد صدم المراقبين والباحثين‮. ‬وأشارت‮  ‬صحيفة‮ "‬ار بي‮ ‬كا ديلي‮" ‬إلى أن هذا السيناريو‮ "‬لا‮ ‬يٌرضِي‮ ‬أحدا‮". ‬وقال أركادي‮ ‬دفوركوفيتش مساعد ميدفيديف للشؤون الاقتصادية‮ "‬إن هذا لا‮ ‬يدعو للسرور‮". ‬أما جليب بافلوفسكي‮ ‬أحد مستشاري‮ ‬الكرملين السابقين في‮ ‬تصريحات نقلتها شبكة‮ »‬نيوز رو‮«‬ الإلكترونية‮ ‬،‮ ‬فقد قال‮ " ‬إنه على‮ ‬يقين من أن تنازل ميدفيديف عن حقه في‮ ‬ولاية ثانية جاء نتيجة تهديدات وابتزاز تعرض له‮ ". ‬ومن المعروف أن دميتري‮ ‬ميدفيديف أفصح أكثر من مرة عن رغبته في‮ ‬تولي‮ ‬رئاسة روسيا لفترة رئاسية ثانية‮ .


إن عودة بوتين إلى الكرملين في‮ ‬2012 كانت متوقعة ولا تعد مفاجأة‮ ‬،‮ ‬غير أن المفاجأة تكمن في‮ ‬الإعلان عن ذلك مبكرا،‮ ‬حيث كانت معظم التكهنات تشير إلى أن هذا سيحدث بعد الانتخابات البرلمانية في‮ ‬ديسمبر‮ ‬2011 وليس قبل تلك الانتخابات‮ . ‬ويفسر البعض ذلك بأن بوتين قرر إنهاء موضوع السلطة الرئاسية بشكل مبكر حتى لا تتضخم لدى ميدفيديف وبعض مُريديه إمكانية ترشحه لولاية ثانية‮ . ‬ووصفت الباحثة الروسية ليليا شيفتسوفا الاتفاق بين ميدفيديف وبوتين على عودة الأخير إلى الكرملين بأنه‮ "‬ساديَّة‮" ‬من قبل السلطة في‮ ‬حق الشعب‮ . ‬وقالت‮ : " ‬إن ما حدث‮ ‬يُفقد السلطة شرعيتها لدى الشعب لأن الفريق الحاكم أوضح أنه لا‮ ‬ينوي‮ ‬تداول السلطة مع أحد،‮ ‬وينوي‮ ‬البقاء في‮ ‬السلطة حتى الموت‮ " . ‬وأضافت‮ " ‬أن السلطة في‮ ‬روسيا بتصرفها هذا قد تفتح الطريق لحلول الربيع العربي‮ ‬في‮ ‬روسيا‮ ". ‬أما المنتديات والمدونات الروسية في‮ ‬الإنترنت،‮ ‬وهي‮ ‬معظمها للشباب ومتوسطي‮ ‬العمر‮ ‬،‮ ‬فسادها الغضب‮. ‬ولعل أبرز ما قرأته على صفحات هذه المدونات والمنتديات عبارة‮ " ‬من العار علينا أن نعيش في‮ ‬بلد مثل روسيا‮ ‬يتم فيها تبادل السلطة على طريقة بوتين وكأن الشعب مجموعة من الخراف‮ ".


وفي‮ ‬استطلاع للرأي‮ ‬جرى بعد الإعلان عن عودة بوتين إلى عرش الكرملين عبر‮ ‬22٪ من الروس عن تفضيلهم الهجرة إلى الغرب‮. ‬وهذه هي‮ ‬النسبة الأعلى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي‮. ‬ويبين الاستطلاع أن دوافع الهجرة لدى هؤلاء تتلخص في‮ ‬استشراء الفساد وهيمنة أصحاب الخلفيات والميول الأمنية على الاقتصاد والسياسة،‮ ‬والتضييق على حرية الرأي‮ ‬والصحافة،‮ ‬وانسداد الأفق في‮ ‬تحقيق الذات‮ . ‬ويعتقد هؤلاء‮  ‬أن روسيا باتت وطناً‮ ‬طاردا للمواهب وللناس ولا‮ ‬يساعد على البقاء فيه أو على العمل والزواج وتنشئة الأطفال‮.

نموذج الديمقراطية الموجهة


يرى الباحث الروسي‮ ‬فلاديمير بريبيلوفسكي‮ ‬أن‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬تمثل تلك النظم التي‮ ‬لا تُعتبر ديكتاتورية بالكامل،‮ ‬وتحاول إرضاء دول العالم الأول والرأي‮ ‬العام فيها،‮ ‬وتطبق المظاهر الشكلية للديمقراطية بهدف التغطية على الجوهر التسلطي‮ ‬لحكمها‮. ‬أي‮ ‬أن نظم‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬هي‮ ‬نظم تسلطية بدرجة أو بأخرى تستخدم‮ "‬الستار الديمقراطي‮" ‬للتغطية على طبيعتها التسلطية‮. ‬ويصنف بعض الباحثين الروس نظم الحكم في‮ ‬الدول‮ ‬غير الديمقراطية إلى شكلين من نظام الدولة والإدارة السياسية‮: ‬وهي‮ ‬النظم الشمولية والديكتاتورية الصريحة،‮ ‬ونظم‮ "‬الديمقراطية الموجهة‮ ".


إن نظم‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬تتضمن بعض الحريات والحقوق التي‮ ‬تُستخدم في‮ ‬الأساس للاستهلاك الخارجي‮ ‬أمام الرأي‮ ‬العام الدولي،‮ ‬وللاستهلاك الداخلي‮ ‬أيضا أمام قوى المعارضة التي‮ ‬يعمل نظام الديمقراطية الموجهة على إضعافها باستمرار‮. ‬وتختلف الديمقراطية الموجهة عن النظام التسلطي‮ ‬الصريح بأنها مغلفة ببعض مظاهر الديمقراطية الدستورية الحديثة‮ ( ‬الديمقراطية السياسية الليبرالية‮ ) ‬حيث تُوجد انتخابات برلمانية ورئاسية ودستور وحرية مُقيدة للتعبير عن الرأي‮.


ففي‮ ‬روسيا‮ ‬،على سبيل المثال،‮ ‬نلاحظ وجود ملامح لحرية التعبير عن الرأي،‮ ‬حيث‮ ‬يمكن للجميع التحدث،‮ ‬ولكن في‮ ‬الغرف والقاعات المغلقة‮ . ‬وهذه الحرية‮ ‬غير موجودة عمليا في‮ ‬التلفزيون‮ ‬،‮ ‬لكنها موجودة في‮ ‬بعض الصحف،‮ ‬وفي‮ ‬الأحاديث الشفهية وبعض الإذاعات‮ . ‬وهذا‮ ‬يرجع إلى أن السلطة تدرك أن مثل هذه الحرية المقيدة للتعبير عن الرأي‮ ‬لن تؤثر كثيرا على الوضع في‮ ‬روسيا ولذلك تسمح بها‮ ( ‬أي‮ ‬حرية التعبير وليس التغيير‮). ‬وهذا ما‮ ‬يميز روسيا عن أوزبكستان وتركمانيا في‮ ‬الفضاء السوفيتي‮ ‬السابق‮ . ‬ولكن هذه الحريات المقيدة ـــ في‮ ‬رأي‮ ‬بعض الباحثين الروس ـــ ربما تتشابه مع الوضع الذي‮ ‬كان قائما في‮ ‬مصر نهاية عهد الرئيس المخلوع حسني‮ ‬مبارك،‮ ‬وتتشابه أيضا مع ما هو موجود في‮ ‬كازاخستان حاليا‮ .


إن نظام‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬في‮ ‬روسيا وضع أساسه الرئيس الروسي‮ ‬السابق بوريس‮ ‬يلتسين عندما قصف البرلمان في‮ ‬1993 بالدبابات،‮ ‬وأقر دستورا جديدا‮ ‬يمنحه صلاحيات قصوى في‮ ‬مواجهة السلطة التشريعية‮ ‬،‮ ‬وأيضا عندما شاب التزوير الانتخابات الرئاسية لعام‮ ‬1996‮ ‬التي‮ ‬فاز بها‮ ‬يلتسين ليستمر لولاية ثانية بمساعدة المال السياسي‮ ‬الملتحم مع السلطة‮ ‬،‮ ‬وأخيرا عندما ورَّث الحكم لفلاديمير بوتين في‮ ‬نهاية عام‮ ‬1999.

وجاء بوتين ليرسخ الديمقراطية الموجهة في‮ ‬روسيا على مدار ولايتين رئاسيتين‮ ( ‬2000 ــــ‮ ‬2008‮)‬ وعبر توليه منصب رئيس الوزراء في‮ ‬مايو‮ ‬2008.ومع عودة بوتين إلى عرش الكرملين في‮ ‬2012 يبدو أن الديمقراطية الموجهة في‮ ‬روسيا ستبلغ‮ ‬ذروتها،‮ ‬حيث تبين أن السلطة الحاكمة ونخبتها ترغب في‮ ‬البقاء في‮ ‬الحكم مدى الحياة،‮ ‬وترفض تداول السلطة بين القوى السياسية في‮ ‬المجتمع بطريقة شفافة ونزيهة‮ . ‬وكما‮ ‬يقول فلاديمير بريبيلوفسكي‮ " ‬إن هذا‮ ‬يهدد بالانتقال من الديمقراطية الموجهة إلى النظام التسلطي‮ ‬الصريح‮". ‬وبعبارة أخرى،‮ ‬يمكن القول إن‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬قابلة للتحول إلى التشدد والتسلط وربما الديكتاتورية‮ .


ولكن بعض الباحثين الروس في‮ ‬العلوم السياسية‮ ‬يدافع عن‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬التي‮ ‬رسخها بوتين على اعتبار أنها ضرورية لحماية مصالح الدولة وتحديث روسيا‮. ‬ويبدو أن استخدام مصطلح‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮"  ‬لوصف النظام في‮ ‬روسيا قد أزعج بوتين والنخبة الحاكمة كثيرا والتي‮ ‬تحاول التأكيد على أن روسيا جزء لا‮ ‬يتجزأ من أوروبا والعالم الغربي‮ ‬وتقدم‮ " ‬النموذج الروسي‮ ‬للديمقراطية‮ " ‬على أنه أحد نماذج الديمقراطية الغربية ممزوجا بالخصوصية الروسية أو متكيفا مع ظروف روسيا التاريخية والثقافية‮ . ‬ولذلك نرى فلاديسلاف سوركوف نائب رئيس ديوان الكرملين المقرب من بوتين في‮ ‬عام‮ ‬2006 يطرح في‮ ‬مواجهة‮ "‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬مصطلح‮ " ‬الديمقراطية السيادية‮ " ‬الذي‮ ‬يعني‮ ‬الديمقراطية التي‮ ‬تدافع عن استقلال ومصالح الدولة،‮ ‬وغير المفروضة من الخارج‮ ( ‬أي‮ ‬من الغرب‮ ) .


وتتنوع التقييمات والآراء حول طبيعة‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬في‮ ‬روسيا‮ . ‬فالباحثان الروسيان الكسندر تسيبكو وسيرجي‮ ‬ماركوف‮ ( ‬المؤيدان لبوتين‮ ) ‬يعتقدان بأن نظام الديمقراطية الموجهة‮ ‬يتسم بطابع انتقالي‮ ‬ويعتبر حلقة وسطى أو مرحلة وسطى على الطريق من النموذج السوفيتي‮ ‬إلى المجتمع المدني‮ . ‬غير أن الباحث الكسندر ربتسوف‮ ‬يرى أن الديمقراطية الموجهة تعني‮ ‬أساسا الانتقال من الليبرالية إلى نظام شمولي‮ ‬جديد‮ .


ويرى الباحث الروسي‮ ‬في‮ ‬معهد علم السياسة المقارن التابع لأكاديمية العلوم الروسية بوريس كاجارليتسكي‮ ‬في‮ ‬مقال بعنوان‮ " ‬الديمقراطية الموجهة،‮ " ‬أن النظام الذي‮ ‬تشكل في‮ ‬عهد‮ ‬يلتسين كان‮ ‬يعمل للحفاظ بدرجة كبيرة على‮ "‬واجهة ديمقراطية‮" ( ‬إعلام حر نسبيا ونظام تعددية حزبية وانتخابات‮ ) ‬بهدف إرضاء الغرب،‮ ‬وفي‮ ‬الوقت نفسه عمل هذا النظام للحفاظ على الرقابة والسيطرة الصارمة للكرملين على الوضع السياسي‮ ‬في‮ ‬البلاد‮ . ‬ويقول كاجارليتسكي‮: " ‬إذا كان النظام في‮ ‬عهد‮ ‬يلتسين اتسم بالعفوية والفوضى‮ ‬،‮ ‬فإنه على العكس من ذلك كانت لبوتين مصلحة كبيرة في‮ ‬تحقيق درجة قصوى من التحكم في‮ ‬المجتمع من أجل أن تُدار وتُوجه الديمقراطية بشكل دقيق ومحسوب كما هو الحال في‮ ‬النظم الشمولية‮ ".


ويرى‮  ‬م‮ . ‬فيشمان أن‮  " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬تمثل نظاما من السلطة‮ ‬يراعي‮ ‬من الناحية الشكلية الإجراءات الديمقراطية في‮ ‬ظل ممارسة ضغوط على الناخبين وإجبارهم على اختيار محدد ترغب فيه السلطة‮. ‬ويحدد فيشمان بعض عناصر هذا الضغط،‮ ‬ومنها العمل الدعائي‮ ‬عبر التليفزيون لصالح مرشحي‮ ‬السلطة‮ ‬،‮ ‬وعدم منح المرشحين المعارضين في‮ ‬الانتخابات نفس فرصة مرشحي‮ ‬السلطة‮ ‬،‮ ‬والتوصل إلى اتفاقات سرية بين السلطة المركزية وحكام المناطق لا‮ ‬يدري‮ ‬بها الناخب‮ ‬،‮ ‬والضغط على النظام القضائي‮ ‬لمنع تسجيل الأحزاب‮ ‬غير المرغوب فيها‮. ‬فالناخب هنا عليه فقط أن‮ ‬يُبارك نتائج الانتخابات،‮ ‬ويُبارك رغبة السلطة الحاكمة عندما‮ ‬يذهب إلى التصويت‮ ‬،‮ ‬ولكنه في‮ ‬نفس الوقت‮ ‬يُحرم من حق الاختيار الحقيقي‮ .


ويعتقد بعض الباحثين الروس أنه لا‮ ‬يمكن مطابقة النظام السياسي‮ ‬الروسي‮ ‬الحالي‮ ‬بالكامل مع نموذج الديمقراطية الموجهة،‮ ‬إذا فهمنا هذا المصطلح كآلية لتزوير إرادة الناخبين وتوزيع أصواتهم على مرشحي‮ ‬السلطة في‮ ‬الانتخابات‮. ‬ويعتقد هؤلاء أيضا بوجود انتخابات حقيقية في‮ ‬روسيا،‮ ‬ويقولون بأنه لا‮ ‬يمكن توزيع أو تزوير أكثر من‮ ‬10٪ من أصوات الناخبين‮. ‬ولا‮ ‬يتفق مع هذا الرأي‮ ‬فيتالي‮ ‬تريتياكوف الذي‮ ‬يرى أن الديمقراطية الموجهة هي‮ ‬واقع موضوعي‮ ‬وفعلي‮ ‬في‮ ‬روسيا‮ ‬،‮ ‬وأن السلطة تزور الانتخابات وتستخدم الموارد الإدارية والمالية للدولة من أجل ذلك‮ ‬،‮ ‬ويُرجع هذه الحالة في‮ ‬أحد جوانبها إلى سلبية السكان‮ .


تزوير الانتخابات البرلمانية والسيناريوهات المحتملة في‮ ‬روسيا


    إن الحالة التي‮ ‬تم بلوغها في‮ ‬عهد بوتين من التأمين شبه الكامل للسلطة من أي‮ ‬مخاطر أو تهديدات فعلية أو محتملة واء في‮ ‬السياسة أو الاقتصاد‮ ‬يُقيمها بعض الباحثين الروس بأنها أصبحت خطرة وزائدة عن الحاجة،‮ ‬حيث باتت السلطة منفصلة عمليا عن الشعب والمجتمع في‮ ‬جميع قراراتها‮ . ‬ويرى دميتري‮ ‬فورمان أن سلطة بوتين‮ ‬يمكن من الناحية النظرية أن تواصل السير في‮ ‬نفس الطريق‮ ‬،‮ ‬ولكن هذا لن‮ ‬يضمن لها مواصلة التحكم في‮ ‬المجتمع لأن هذا التحكم سيصل في‮ ‬يوم من الأيام إلى نهايته ويصبح‮ ‬غير فعال في‮ ‬إدارة البلاد‮ . ‬فهذا التحكم الكبير بدأ‮ ‬يُزعج الشعب بدرجة ما،‮ ‬حيث أظهر استطلاع للرأي‮ ‬أن‮ ‬61٪ من المستطلعين طالبوا بعودة الانتخابات المباشرة لحكام المناطق المكونة للاتحاد الروسي‮ ‬التي‮ ‬ألغاها بوتين في‮ ‬عام2004.


ويقول البعض في‮ ‬روسيا إن‮ " ‬الواجهة الديمقراطية الشكلية‮ " ‬بدأت في‮ ‬التصدع وخاصة مع عودة بوتين إلى الكرملين في‮ ‬عام‮ ‬2012 وبات إصراره هو وفريقه على وصف روسيا بأنها دولة ديمقراطية صعبا‮. ‬ولذلك‮ ‬يتكهن باحثون روس بأن‮ ‬يلجأ بوتين بعد عودته للكرملين إلى تخفيف حدة سيطرة سلطته على المجتمع،‮ ‬ولكن ثمة من‮ ‬يرى أيضا أن هذا قد‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى تفكيك النظام الذي‮ ‬رسخه بوتين نفسه‮ .


إن تخفيف هيمنة السلطة على المجتمع في‮ ‬روسيا بدرجة أو بأخرى حاول القيام بها دميتري‮ ‬ميدفيديف خلال رئاسته‮ (‬2008 ـــ‮ ‬2012‮)‬ من خلال ترك متنفس لعدد محدود للغاية من الصحف المعارضة سواء الحزبية‮  ‬أو‮ ‬غير الحزبية‮ . ‬وفي‮ ‬هذا السياق نلاحظ أن دميتري‮ ‬ميدفيديف قد أجرى أول مقابلة صحفية له بعد انتخابه في‮ ‬مارس‮ ‬2008 مع صحيفة‮ " ‬نوفايا جازيتا‮ " ‬الليبرالية المعارضة‮ . ‬بجانب ذلك أدخل ميدفيديف تعديلات على النظام الانتخابي‮ ‬تسمح للحزب الذي‮ ‬يحصل على‮ ‬5٪ من أصوات الناخبين في‮ ‬الانتخابات البرلمانية أن‮ ‬يُمثل بمقعد واحد في‮ ‬البرلمان‮ ‬،‮ ‬وإذا حصل الحزب على‮ ‬6٪‮ ‬ يُمثل بمقعدين وذلك في‮ ‬ظل الالتزام بعتبة الــ‮ ‬7٪ التي‮ ‬تسمح لمن‮ ‬يتجاوزها بتشكيل تكتلات نيابية داخل مجلس الدوما‮ .

وفي‮ ‬السابع عشر من أكتوبر‮ ‬2011 صادق ميدفيديف على تعديلات في‮ ‬قانون الانتخابات تخفض حاجز دخول الأحزاب إلى البرلمان من‮ ‬7٪ إلى‮ ‬5٪ كما كان الحال في‮ ‬عهد‮ ‬يلتسين‮) ‬على أن‮ ‬يبدأ العمل بهذه التعديلات في‮ ‬الانتخابات البرلمانية لعام‮ ‬2016 وليس مع انتخابات‮ ‬2011 كما كان‮ ‬يتمنى الكثير من الأحزاب الصغيرة‮ . ‬

في‮ ‬الوقت نفسه أظهرت نتائج الانتخابات البرلمانية التي‮ ‬جرت في‮ ‬الرابع من ديسمبر‮ ‬2011 أن حزب السلطة‮ " ‬روسيا الموحدة‮ " ‬الذي‮ ‬يتزعمه فلاديمير بوتين حصل بصعوبة على حوالي‮ ‬50٪‮ ‬من أصوات الناخبين بعد عمليات تزوير كبيرة رصدتها كاميرات الهواتف المحمولة وتقارير المراقبين الدوليين من منظمة الأمن والتعاون الأوروبي‮ . ‬وأعلن زعيم الحزب الشيوعي‮ ‬الروسي‮ ‬جينادي‮ ‬زوجانوف الذي‮ ‬حصل حزبه في‮ ‬تلك الانتخابات على حوالي‮ ‬20٪ من أصوات الناخبين‮ ‬،‮ ‬أعلن أن نظام بوتين سرق من الشيوعيين حوالي‮ ‬15٪ من الأصوات أضافها للحزب الحاكم‮ .

‬وتجدر الإشارة أن الحزب الحاكم في‮ ‬روسيا كان قد حصل في‮ ‬الانتخابات البرلمانية لعام‮ ‬2007 على‮ ‬64‭.‬3٪ من أصوات الناخبين وتمتع آنذاك بالأغلبية الدستورية في‮ ‬مجلس الدوما بحصوله على‮ ‬315 مقعدا من أصل‮ ‬450 مقعدا هي‮ ‬عدد مقاعد الدوما‮ . ‬غير أن الحزب الحاكم سيُمثل‮ ( ‬بعد التزوير‮ ) ‬في‮ ‬مجلس الدوما الجديد بحوالي‮ ‬238 مقعدا فقط‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬سيتمتع بالأغلبية البسيطة وليست الدستورية‮ .

‬وسيصل عدد مقاعد الحزب الشيوعي‮ ‬الروسي‮ ‬الذي‮ ‬جاء في‮ ‬المركز الثاني‮ ‬إلى92 مقعدا مقابل‮ ‬57 مقعدا في‮ ‬2007 وسيكون لحزب روسيا العادلة‮ (‬أسسه الكرملين في2007 لمنافسة الحزب الشيوعي‮ ‬حوالي‮ ‬64مقعدا‮ ( ‬مقابل‮ ‬38 في‮ ‬2007 وللحزب الليبرالي‮ ‬الديمقراطي‮ ‬بزعامة فلاديمير جيرينوفسكي‮  ( ‬وهو من الأحزاب الموالية للكرملين أيضا‮  ‬56مقعدا‮ ‬40 مقعدا في‮ ‬انتخابات‮ ‬2007 .


لقد أدى تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية لصالح الحزب الحاكم،‮ ‬والذي‮ ‬لا‮ ‬يتمتع بشعبية كبيرة في‮ ‬روسيا إلى خروج مظاهرات احتجاجية في‮ ‬موسكو وبطرسبورج‮ (‬مسقط رأس بوتين‮) ‬وعدد آخر من المدن الروسية تهتف بسقوط بوتين وتطالب بانتخابات نزيهة‮ ‬،‮ ‬وهو ما لم تتوقعه السلطة الحاكمة في‮ ‬روسيا‮ .

‬وتعكس هذه النتائج أن النظام السياسي‮ ‬المعتمد على‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬الذي‮ ‬رسخه فلاديمير بوتين بدأ‮ ‬يعاني‮ ‬من عدم الاستقرار،‮ ‬وأن الشارع الروسي‮ ‬ممثلا في‮ ‬الأحزاب والحركات السياسية‮ ‬غير الممثلة في‮ ‬البرلمان،‮ ‬ومعها الكثير من شباب الجامعات وطلاب المدارس من‮ ‬غير المنظمين سياسيين بدأ التحرك بعد سبات طويل استمر على مدار السنوات العشر الأخيرة على أقل تقدير‮ . ‬وهذا‮ ‬يعكس بدرجة ما التذمر في‮ ‬المجتمع الروسي‮ ‬من سيطرة السلطة ومن‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮"  ‬في‮ ‬ظل تفاعل قطاعات شبابية‮ ‬غير قليلة في‮ ‬روسيا مع الربيع العربي‮ .


وتبدو الأوضاع في‮ ‬روسيا مرشحة للمزيد من التوتر،‮ ‬حيث‮ ‬يرفض المتظاهرون ومعظمهم من الشباب عودة بوتين إلى الحكم من جديد في‮ ‬مارس‮ ‬2012. ويتكهن مراقبون باستمرار المظاهرات في‮ ‬روسيا خلال الشهور القادمة أيضا بسبب الأوضاع الاقتصادية المتردية،‮ ‬واستشراء الفساد،‮ ‬وسيطرة قلة قليلة بزعامة بوتين على مقدرات البلاد‮ .

‬وكانت الحركة الاحتجاجية في‮ ‬روسيا،‮ ‬والتي‮ ‬تطالب بالحرية والديمقراطية والكرامة الانسانية قد تأثرت كثيرا بثورة‮ ‬25 يناير في‮ ‬مصر،‮ ‬حيث خرجت هذه الحركة الاحتجاجية إلى شوارع العاصمة الروسية في‮ ‬مارس‮ ‬2011 تحت شعار‮ " ‬روسيا ستسير على خطا الثورة المصرية‮ " .


عندما رفض بوتين في‮ ‬نهاية‮ ‬2007 تعديل الدستور للسماح له بالاستمرار في‮ ‬الحكم أُصيب بعض الباحثين بالدهشة لأنه كان قادرا آنذاك على فعل ذلك بسهولة‮ . ‬فقد فضل آنذاك‮ " ‬زعيم الأمة‮ " ‬أن‮ ‬يترك كرسي‮ ‬العرش في‮ ‬الكرملين والانتقال إلى منصب رئيس الوزراء في‮ ‬محاولة لإعطاء انطباع بأنه‮ ‬يلتزم بمواد الدستور التي‮ ‬تنص على عدم أحقية الشخص الواحد تولي‮ ‬رئاسة روسيا لولايتين متتاليتين‮ . ‬

ونعتقد أن بوتين تخوف آنذاك من أن تعديل الدستور لصالح استمراره في‮ ‬الحكم كان‮ ‬يمكن أن‮ ‬يحطم‮  " ‬الواجهة الديمقراطية‮ " ‬ويُرسخ بشكل نهائي‮ ‬ما‮ ‬يُقال عن أن حكمه‮ ‬يتسم بطبيعة تسلطية وفردية‮ . ‬وكأن بوتين في‮ ‬عام‮ ‬2007 ــــ عندما حان وقت نقل السلطة الرئاسية ـــــ توقف عند الحد الذي‮ ‬كان‮ ‬يمكن إذا تخطاه لانزلق إلى نموذج النظم التسلطية والاستبدادية الصريحة‮ . ‬ولذلك هو قرر آنذاك اختيار الوريث‮ ( ‬ميدفيديف‮ ) ‬ليس من صفوف أعوانه في‮ ‬أجهزة الأمن والمخابرات وإنما اختار شخصا من خارج هذه الأجهزة‮ .


ويرى باحثون روس أن ما قام به ميدفيديف من تعديل في‮ ‬الدستور الروسي‮ ‬لتمديد فترة ولاية رئيس الدولة وإقراره بمبدأ تعيين رئيس المحكمة الدستورية‮ ‬يتناقض مباشرة مع تصريحاته ووعوده‮ . ‬كما أن إقراره بصواب مرسوم بوتين في‮ ‬عام‮ ‬2004 بإلغاء الانتخاب المباشر لحكام المناطق وتعيينهم من قبل رئيس الدولة‮  ‬يتعارض أيضا مع ما قيل ويقال عن ميوله الليبرالية والديمقراطية‮ . ‬فعندما سئُل ميدفيديف عن رأيه في‮ ‬إلغاء انتخاب حكام المناطق‮ ‬،‮ ‬قال بهذا الشأن‮ : " ‬أنا لا أرى إمكانية أو ضرورة لتغيير هذا القرار لا الآن‮ ‬،‮ ‬ولا بعد مئة سنة قادمة‮ ".

‬ونتيجة‮ " ‬للنغمة الليبرالية‮ " ‬في‮ ‬تصريحات ميدفيديف‮ ‬،‮ ‬وضع الغرب والقوى الليبرالية في‮ ‬روسيا آمالا عريضة عليه‮ ‬،‮ ‬ووصفوا رئاسته‮ " ‬بعهد إذابة الجليد‮ " ‬على‮ ‬غرار فترة حكم الزعيم السوفيتي‮ ‬السابق نيكيتا خروشوف‮ . ‬ولكن كل هذا ذهب أدراج الرياح أثناء المؤتمر الثاني‮ ‬عشر لحزب السلطة‮ " ‬روسيا الموحدة‮ " ‬في‮ ‬الرابع والعشرين من سبتمبر‮ ‬2011 عندما أعلن ميدفيديف بنفسه ترشيح بوتين للرئاسة في‮ ‬2012 . موقف ميدفيديف هذا أفقده المصداقية لدى قطاعات مهمة في‮ ‬المجتمع الروسي‮ ‬وبدأ الشباب على وجه الخصوص في‮ ‬الانترنت‮ ‬يصفه بالضعيف والمستسلم‮ . ‬وفي‮ ‬أثناء لقاء لميدفيديف مع طلبة كلية الصحافة بجامعة موسكو في‮ ‬2011‭/‬10‭/‬20 ألقت الشرطة القبض على عدد من طلاب هذه الكلية رفعوا لافتات كُتب عليها‮ " ‬هل أخذت‮ ‬يا ميدفيديف الإذن من بوتين قبل أن تأتي‮ ‬إلى كليتنا‮ " .


    يتسم نظام‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ " ‬بتناقضات عميقة تتفاقم مع الوقت،‮ ‬وتؤدي‮ ‬إلى أزمة النظام وربما الإطاحة به‮ . ‬ويتمثل التناقض الأساسي‮ ‬للديمقراطية الموجهة في‮ ‬التناقض بين‮ " ‬المضمون‮ " ‬التسلطي‮ ‬و‮" ‬الواجهة الديمقراطية الشكلية‮ " ‬للنظام‮ . ‬ومع الوقت تفقد هذه‮ " ‬الواجهة‮ " ‬بريقها وتتحول الانتخابات إلى مسرحية روتينية‮  ‬لا‮ ‬يهتم بها الناخب لأنه‮ ‬يعلم أنها محسومة سلفا لصالح الفريق الحاكم وزعيم الأمة‮ ‬،‮ ‬وتصبح شعبية‮ " ‬الزعيم الأوحد‮ " ‬محل شك الكثيرين‮ . ‬فمثلا‮ ‬،‮ ‬أظهر استطلاع للرأي‮ ‬قامت به هيئة الإذاعة البريطانية في‮ ‬نهاية‮ ‬2010‮ ‬في‮ ‬روسيا أن‮ ‬37٪ فقط من المشاركين‮ ‬يؤيدون عودة بوتين إلى الكرملين‮ . ‬وهذا،‮ ‬كما نرى‮ ‬،‮ ‬يتناقض مع استطلاعات الرأي‮ ‬التي‮ ‬تقوم بها مؤسسات روسية تصل فيها شعبية بوتين إلى‮ ‬70٪.


ويرى العديد من الباحثين الروس أن أزمة نظام الديمقراطية الموجهة في‮ ‬روسيا حتمية‮ ‬،‮ ‬لكن التنبؤ بأشكالها وتوقيت انفجارها ليس بالأمر اليسير‮. ‬ويقول دميتري‮ ‬فورمان إن السيناريو‮ " ‬المرجو‮ " ‬هو إحداث‮  ‬ثورة من أعلى‮ " ‬عن طريق التفكيك الواعي‮ ‬والمنظم للنظام القائم والانتقال إلى الديمقراطية على‮ ‬غرار ما جرى في‮ ‬الاتحاد السوفيتي‮ ‬في‮ ‬عهد جورباتشوف‮ . ‬وبشكل عام‮ ‬يرى البعض أن السيناريو الأول المحتمل هو الانتقال الناجح إلى ديمقراطية تداول السلطة بشكل حقيقي‮ ‬،‮ ‬وهو ما‮ ‬يتطلب تفكيك النظام القائم‮ . ‬أما السيناريو الثاني‮ ‬فيتعلق بمرور روسيا بدورة جديدة من حكم بوتين المتأزم‮ .


وفيما‮ ‬يتعلق بمستقبل الديمقراطية الموجهة في‮ ‬روسيا تسود وجهة نظر تقول بأن هذه الديمقراطية الموجهة هي‮ ‬خطوة نحو العودة إلى ما‮ ‬يشبه النموذج السوفيتي‮ ‬للحكم،‮ ‬ولكن في‮ ‬ظل ظروف مغايرة‮ . ‬ويرى فيتالي‮ ‬تريتياكوف أن ما حل مكان الديمقراطية‮ "‬المسخ‮" ‬في‮ ‬عهد‮ ‬يلتسين من ديمقراطية موجهة‮ ‬يشكل نموذجا سلطويا ممزوجا بمسخ ديمقراطي‮ ‬يتجلى في‮ ‬شكل جمهورية رئاسية،‮ ‬وفي‮ ‬صورة دولة بيروقراطية فادحة الفساد‮. ‬ويعتقد أن هذا النظام إما أن‮ ‬يتحول إلى الاستبداد المباشر والصريح أو‮ ‬ينتقل إلى الديمقراطية الدستورية الحديثة‮ (‬يقصد الديمقراطية السياسية الليبرالية‮ ).


ويقول الباحث الكسندر ميخانيك بانخفاض كفاءة الديمقراطية الموجهة في‮ ‬روسيا بوتين‮ . ‬ويرى أن آلية الديمقراطية الموجهة استنفدت نفسها،‮ ‬حيث تسيطر السلطة التنفيذية،‮ ‬وتحديدا الرئيس،‮ ‬على السياسة والاقتصاد ووسائل الإعلام في‮ ‬ظل أحزاب سياسية ضعيفة ومجتمع مدني‮ ‬ضعيف‮ . ‬ويتفق ميخانيك مع ترتياكوف في‮ ‬أن مستقبل الديمقراطية الموجهة في‮ ‬روسيا هو الاتجاه نحو النظام التسلطي‮ ‬الكامل أو إلى الديمقراطية الحديثة‮ .


عندما سيعود بوتين إلى الكرملين في‮ ‬2012 ستكون روسيا‮ ‬غير روسيا التي‮ ‬ورثها لدميتري‮ ‬ميدفيديف في‮ ‬عام‮ ‬2008 . فالوضع الاقتصادي‮ ‬سيكون أكثر تعقيدا وخاصة إذا تراجعت أسعار النفط والغاز وتواصل هروب رؤوس الأموال‮ . ‬فقد فقدت روسيا في‮ ‬عام‮ ‬2011وحده حوالي‮ ‬50 مليار دولار خرجت منها بسبب الخوف وعدم اليقين،‮ ‬وفضلاً‮ ‬عن الأزمة الاقتصادية العالمية‮ . ‬وفي‮ ‬حال تراجع أسعار النفط العالمية سيتواصل عجز ميزانية الدولة في‮ ‬روسيا والذي‮ ‬عاد إلى الظهور مع الأزمة العالمية بعد أن كانت ميزانية الدولة تحقق فائضا خلال السنوات السابقة‮ .


بجانب ذلك لم‮ ‬يتمكن بوتين أو ميدفيديف من تخفيف حدة استشراء الفساد في‮ ‬البلاد والذي‮ ‬يؤثر سلبا على الاقتصاد والعملية السياسية ومزاج المواطنين الذين باتوا‮ ‬يشعرون بالانزعاج الشديد من المحسوبية‮ .

‬ففي‮ ‬نهاية عام‮ ‬2010 وحسب تصنيف منظمة الشفافية العالمية كانت روسيا في‮ ‬مركز متقدم بين دول العالم التي‮ ‬يستشري‮ ‬فيها الفساد حيث احتلت المركز‮ ‬154 من أصل‮ ‬178 دولة بجوار الكونغو‮. ‬فتزاوج السلطة والمال‮ ( ‬وهو أحد مصادر الفساد‮ ) ‬لا‮ ‬يتجلى في‮ ‬سيطرة رجال بوتين على القطاعات الأساسية للاقتصاد الروسي‮ ‬وحسب‮ ‬،‮  ‬وإنما‮ ‬يتجلى أيضا في‮ ‬احتلال أبناء الوزراء والمسئولين الكبار مناصب مهمة في‮ ‬الشركات والمؤسسات المالية الكبرى في‮ ‬روسيا‮ .

‬وكانت صحف روسية قد سلطت الضوء على هذه الظاهرة في‮ ‬إطار تعليقها على توجيهات الرئيس ديمتري‮ ‬ميدفيديف التي‮ ‬حث فيها كبار المسؤولين على ترك مناصبهم في‮ ‬مجالس إدارة الشركات والبنوك الحكومية وشبه الحكومية الكبيرة‮ . ‬ويصف‮ ‬يولي‮ ‬نيسنيفيتش،‮ ‬عضو في‮ ‬منظمة‮ "‬الشفافية العالمية‮ " ‬والأستاذ في‮ ‬كلية الاقتصاد في‮ ‬موسكو هذه الظاهرة بأنها‮ "‬نومينكلاتورا‮" ‬جديدة‮ ( ‬هذا المصطلح كان‮ ‬يستخدم لتوصيف النخب الحاكمة في‮ ‬الحقبة السوفيتية‮ ) ‬ظهرت في‮ ‬روسيا بعد حكم‮ "‬الأوليجاركية‮" ‬في‮ ‬التسعينيات‮.


ويرى نيكولاي‮ ‬بيتروف من مركز‮ " ‬كارنيجي‮" ‬في‮ ‬موسكو أن المحسوبية ومحاباة الأقارب ظاهرة ملاصقة للنظام القائم في‮ ‬روسيا‮ . ‬ويقول‮ "‬عندما‮ ‬يكون والدك وزيرا منذ أكثر من‮ ‬10 سنوات،‮ ‬يكون لديك الوقت لإنهاء دراستك،‮ ‬وأن تصبح نائب رئيس في‮ ‬شركة مهمة‮ ‬،‮ ‬وهو منصب‮ ‬يشغله محترفون ممن هم في‮ ‬عقدهم الخامس في‮ ‬الغرب‮ ".

‬ويضيف بيتروف‮ " ‬أنه في‮ ‬بلد‮ ‬يتفشى فيه الفساد وتضارب المصالح‮ ‬،‮ ‬فإن الصلات العائلية في‮ ‬الشركات الكبرى تصبح مصدرا إضافيا للدخل‮ ". ‬ولا‮ ‬يتوقف الأمر هنا على أولاد المسؤولين في‮ ‬السلطة التنفيذية،‮ ‬بل اتضح أيضا أن عددا من زوجات وأبناء نواب البرلمان‮ ‬يمتلك‮ ‬يخوتا وبيوتا في‮ ‬الخارج،‮ ‬ولكن الباحثة الروسية أولجا كريشتانوفسكايا،وهي‮ ‬عضو في‮ ‬حزب السلطة‮ " ‬روسيا الموحدة‮ "‬الذي‮ ‬يتزعمه بوتين،‮ ‬ترى أن وجود أبناء المسؤولين الكبار في‮ ‬الشركات الكبرى هو أمر منتشر في‮ ‬أنحاء كثيرة من العالم ولا‮ ‬يقتصر على روسيا فقط‮ .


في‮ ‬نفس الوقت بات المواطن الروسي‮ ‬يضيق ذرعا من التضييق على حرية الصحافة ووسائل الإعلام الأخرى‮. ‬وفي‮ ‬هذا الشأن‮ ‬يقول بافيل جوسيف رئيس لجنة المجلس الاجتماعي‮ ‬الروسي‮ ‬لشئون السياسة الإعلامية وحرية التعبير‮ : "‬إن أكثر من‮ ‬150 صحفيا روسيا تعرضوا للمضايقات والتهديدات والضرب خلال الأشهر العشرة الأخيرة من عام‮ ‬2011 بسبب مقالات كتبوها عن استشراء الفساد في‮ ‬البلاد‮". ‬ومن جانبها تؤكد اللجنة الدولية لحماية الصحفيين أن روسيا شغلت المرتبة الخامسة من حيث مقتل الصحفيين بسبب نشاطهم المهني‮ ‬في‮ ‬عام‮ ‬2010. وبالرغم من أن البرلمان الروسي‮ ‬أقر تعديلات قانونية تشدد العقوبات على مرتكبي‮ ‬الاعتداءات على الصحفيين في‮ ‬روسيا‮ ‬،‮ ‬إلا أن حرية التعبير لا تزال في‮ ‬خطر،‮ ‬حيث تُفرض على الصحافة الكثير من الخطوط الحمراء‮. 


علاوة على ذلك،‮ ‬فإن المجتمع الروسي‮ ‬خلال السنوات الأربع الأخيرة بدأ في‮ ‬استخدام الانترنت وشبكات التواصل الاجتماعي‮ ‬على نطاق ملحوظ،‮ ‬حيث بلغ‮ ‬عدد المستخدمين للشبكة العنكبوتية في‮ ‬2010 حوالي‮ ‬40 مليون مواطن روسي‮ ‬،‮ ‬وربما سيتزايد هذا التوجه في‮ ‬السنوات القادمة‮ . ‬ويبدو أن استعداد قسم كبير من المواطنين الروس للتضحية بحرياتهم المدنية والديمقراطية مقابل تحسين مستوى معيشتهم على وشك الانتهاء‮. ‬فالمجتمع الروسي‮ ‬في‮ ‬حاجة ماسة لعملية تحديث واسعة وتنويع للاقتصاد المعتمد على المواد الأولية‮ ‬،‮ ‬وهي‮ ‬مهمة‮ ‬يشكك الكثيرون في‮ ‬إمكانية قيام بوتين بها في‮ ‬السنوات القادمة‮ . ‬ويرى البعض أن أية إصلاحات سيقوم بها بوتين مستقبلا ستتركز على ضمان استمرار السلطة في‮ ‬يده ويد النخبة الحاكمة‮ .


في‮ ‬ضوء ما سبق‮ ‬يُطرح سؤال هام بشأن ماذا‮ ‬يمكن أن‮ ‬يقدم بوتين للمجتمع الروسي‮ ‬بعد عودته إلى عرش الكرملين من جديد؟‮ ‬يرى البعض أنه قد‮ ‬يقوم بإصلاحات جديدة من‮ " ‬أعلى‮ "‬،‮ ‬كالعادة‮ ‬،‮ ‬ويُطلق أصحاب هذا الرأي‮ ‬على هذا الاحتمال‮ "‬سيناريو ستوليبين‮ " ‬رئيس الحكومة الروسية بين عامي‮ ‬1906 و1911‮ ‬.في‮ ‬يوليو‮ ‬2011‮ ‬تذكر بوتين رئيس الحكومة الروسية القيصرية بيوتر ستوليبين بمناسبة الاحتفال بمرور150 سنة على مولده‮ . ‬ووصف بوتين‮  ‬أثناء هذه الاحتفالية ستوليبين بالسياسي‮ ‬الوطني‮ ‬الحكيم الذي‮ ‬خدم روسيا في‮ ‬ظل ظروف صعبة للغاية،‮ ‬حيث بادر بإجراء الإصلاح الزراعي،‮ ‬وطور شبكة السكك الحديدية،‮ ‬وعمل على تنمية سيبيريا‮ .


ومن المعروف أن القيصر نيكولاي‮ ‬الثاني‮ ‬عين ستوليبين رئيسا للحكومة الروسية في‮ ‬وضع سياسي‮ ‬صعب في‮ ‬روسيا بعد ثورة‮ ‬1905، وكان عليه أن‮ ‬يتصدى لأي‮ ‬ثورة أو هزات اجتماعية جديدة‮ . ‬وتقول بعض المصادر الروسية إن ستوليبين كان‮ ‬يتسم بالقسوة الشديدة مع الثوريين والحركات الثورية التي‮ ‬كانت قائمة وقتذاك‮ . ‬ولكن هل‮ ‬يمكن لبوتين أن‮ ‬يقوم بإصلاحات جديدة في‮ ‬الاقتصاد وفي‮ ‬نفس الوقت‮ ‬يُبقي‮ ‬سيطرته الصارمة على النظام السياسي؟‮ 

‬يرى البعض أن هذا سيتوقف بدرجة كبيرة على ما إذا كانت هذه الإصلاحات ستؤدي‮ ‬إلى تحسين فعلي‮ ‬لمستوى معيشة قطاعات واسعة من السكان‮ . ‬ومع الأخذ في‮ ‬الحسبان أن بوتين والمقربين منه‮ ‬يسيطرون على المفاتيح الرئيسية للاقتصاد‮ ‬،‮ ‬فان أي‮ ‬إصلاحات مستقبلية ستكون مقيدة‮ . ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن بوتين بدرجة أو بأخرى هو أسير النظام الذي‮ ‬أسسه بنفسه‮ ‬،‮ ‬أي‮ ‬أنه لا‮ ‬يستطيع تغيير النظام‮ . ‬وتجدر الإشارة أن ستوليبين انتهى بشكل مفجع حيث قُتل في‮ ‬سبتمبر1911 قبل ست سنوات تقريبا من ثورة‮ ‬1917 والحرب الأهلية في‮ ‬روسيا‮ .


بجانب ذلك‮ ‬يتصور البعض أن بوتين بعد عودته إلى الكرملين قد‮ ‬يقتفي‮ ‬من جديد نموذج‮ ‬يوري‮ ‬أندروبوف الذي‮ ‬تولى رئاسة الــ‮ " ‬كي‮ ‬جي‮ ‬بي‮ " ‬لفترة طويلة وتولى قيادة الاتحاد السوفيتي‮ ‬في‮ ‬مطلع الثمانينات لمدة‮ ‬15 شهرا‮. ‬ولا‮ ‬يخفي‮ ‬بوتين إعجابه بيوري‮ ‬أندروبوف‮ ‬،‮ ‬فبعد أن أصبح رئيسا رسميا في‮ ‬مارس‮ ‬2000 أعطى تعليمات‮  ‬للاحتفاء بذكرى اندروبوف بشكل سنوي‮. ‬ومن المعروف أن أندروبوف بعد وفاة بريجنيف شرع في‮ ‬تنفيذ مجموعة من الإصلاحات الإدارية والاقتصادية من‮ " ‬أعلى‮ " ‬دون المساس بالنظام السياسي‮ .


وتركزت إصلاحات أندروبوف في‮ ‬الأساس على محاربة الفساد‮ . ‬وكان‮ ‬يرى ضرورة السيطرة بقوة على النظام السياسي‮ ‬وقيادة الدولة للاقتصاد عبر دور أساسي‮ ‬لجهاز الـــ‮ " ‬كي‮ ‬جي‮ ‬بي‮ " . ‬ويعتبر بوتين والمقربون منه أن الفترة القصيرة التي‮ ‬تولى فيها أندروبوف زعامة الدولة السوفيتية كانت فترة عظيمة‮ . ‬ويعتقدون بأنه إذا ظل أندروبوف لفترة أطول على قيد الحياة،‮ ‬لكان قام بتحديث الاتحاد السوفيتي‮ ‬باستخدام نموذج من آليات السوق‮ ‬يشبه النموذج الصيني‮ . ‬وتقول الباحثة الروسية أولجا كريشتانوفسكايا‮ : "‬إن بوتين وحاشيته‮ ‬يعتقدون بأن أندروبوف كان عبقريا،‮ ‬وكان‮ ‬يمكن أن‮ ‬ينجز إصلاحات هامة‮ " . ‬وتضيف أن رجال الاستخبارات في‮ ‬روسيا ومنهم بوتين‮ ‬يعتبرون النموذج الصيني‮ ‬الذي‮ ‬اكتفى بالإصلاحات الاقتصادية دون الإصلاحات السياسية مثالا‮ ‬يُحتذى به‮ . ‬ويعتبر باحثون روس أن الفترة الأولى لبوتين في‮ ‬الكرملين‮ (‬2000 ــــ‮ ‬2008‮)‬ كانت محاولة لإعادة إحياء نموذج أندروبوف في‮ ‬ظل ظروف مغايرة تعيشها روسيا‮ .


بعد الإعلان عن عودة بوتين إلى الكرملين والاحتمال الكبير لاستمراره في‮ ‬رئاسة روسيا حتى عام‮ ‬2024 ظهرت في‮ ‬الانترنت عبر المدونات والمنتديات الروسية،‮ ‬وفي‮ ‬صفوف بعض الباحثين الروس تكهنات باحتمال إصابة روسيا بنوع من الركود على‮ ‬غرار فترة حكم ليونيد بريجنيف للاتحاد السوفيتي‮ . ‬وبعبارة أخرى‮ ‬يفترض البعض أن عودة بوتين إلى الكرملين من جديد ستجعل روسيا تتحول إلى ما‮ ‬يسمى بـــــ‮ " ‬سيناريو بريجنيف‮ ".

‬وتستند هذه التكهنات إلى أن استمرار بوتين في‮ ‬الحكم لفترة جديدة طويلة قد‮ ‬يزيد من ميل النخبة الحاكمة نحو النزعة المحافظة بسبب إيمانها بأنها لن تُزاح عن السلطة لأن زعيمها موجود وسيستمر على الدوام‮ . ‬وإذا استمر بوتين في‮ ‬الحكم حتى عام‮ ‬2024 سيكون بذلك قد حكم روسيا كرئيس لمدة‮ ‬20عاما‮ ‬،‮ ‬وإذا أضفنا الأعوام الأربعة التي‮ ‬تولى فيها رئاسة الوزراء‮ ( ‬2008 ـــ‮ ‬2012‮)‬ سيكون قد حكم روسيا لمدة‮ ‬24 عاما،‮ ‬وهي‮ ‬مدة أقل قليلا من مدة حكم ستالين‮ ( ‬30 سنة‮ ) ‬وأطول من مدة حكم بريجنيف‮ ( ‬18 سنة‮ ).


من السيناريوهات الأخرى المطروحة على الساحة الروسية حاليا سيناريو‮ " ‬الربيع الروسي‮ " ‬على‮ ‬غرار الربيع العربي‮. ‬فمنذ ثورة الورود في‮ ‬جورجيا‮ (‬2003‮)‬، والثورة البرتقالية في‮ ‬أوكرانيا‮ (‬2004‮)‬، والسلطة في‮ ‬روسيا‮ ‬يُطاردها شبح الخوف من تكرار نفس المصير عبر الاحتجاجات الشعبية‮ . ‬وزادت هذه المخاوف أكثر بسبب ثورات الربيع العربي‮ . ‬ولذلك جربت السلطة في‮ ‬روسيا الكثير من الأساليب لتجنب مثل هذه النهاية عبر شن حملة إعلامية على الثورات الملونة،‮ ‬وثورات الربيع العربي‮ ‬من خلال التركيز على أن هذه الثورات ممولة من الخارج وقامت بفعل الغرب وأجهزة المخابرات الغربية‮ . 


ولكن البعض لا‮ ‬يستبعد أن تتزايد الاحتجاجات الشعبية في‮ ‬روسيا مستقبلا‮. ‬فعلى سبيل المثال،‮ ‬يتوقع بوريس نيمتسوف أحد زعماء المعارضة الليبرالية في‮ ‬روسيا أن تؤدي‮ ‬عودة بوتين للكرملين إلى صدمة اقتصادية واجتماعية جادة وهروب كبير لرؤوس الأموال وموجة جديدة من الهجرة إلى الخارج ومواصلة تحلل الدولة‮ . ‬وإذا أخذنا في‮ ‬الحسبان أن إيرادات الدولة من بيع النفط والغاز باتت أقل من المستوى الضروري‮ ‬لتوازن الميزانية التي‮ ‬تعاني‮ ‬من العجز منذ‮ ‬2008‮ ‬فيمكن‮ -‬حسب الباحث نيكولاي‮ ‬بيتروف من معهد كارنيجي‮ ‬بموسكو‮ - ‬توقع تراجع شعبية بوتين في‮ ‬المستقبل ووضعه أمام خيارات صعبة‮ .


ولكن في‮ ‬حال اشتعال الاحتجاجات الشعبية في‮ ‬روسيا‮ ‬،‮ ‬ففي‮ ‬أي‮ ‬اتجاه ستسير ؟‮ ‬يطرح هذا السؤال الكثيرون في‮ ‬روسيا وخارجها‮ . ‬وترى مجلة الإيكونومست البريطانية أن هذه الاحتجاجات الشعبية إما أن تؤدي‮ ‬إلى بداية مرحلة جديدة من العلانية والبريسترويكا والإصلاحات كما جرى في‮ ‬الاتحاد السوفيتي‮ ‬في‮ ‬الثمانيينات‮ ‬،‮ ‬وإما أن تجعل السلطة تسير بقوة في‮ ‬اتجاه نموذج أندروبوف‮ . ‬ونعتقد أنه ليس من السهل حاليا تحديد موعد انفجار الوضع والاتجاهات التي‮ ‬سيسير فيها بوتين بعد عودته إلى الكرملين،‮ ‬ولكن من اليسير رؤية أو توقع أن الأمور قد تخرج من تحت سيطرة السلطة في‮ ‬روسيا‮.


وفي‮ ‬الختام‮ ‬يمكن القول إن المسألة في‮ ‬روسيا تكمن اليوم في‮ ‬كم من الوقت ستستمر‮   " ‬الواجهة الديمقراطية‮" ‬؟ وتكمن أيضا في‮ ‬مدى صمود نموذج بوتين الاقتصادي‮ ‬أمام الأزمة المالية العالمية وأمام أزمة الاقتصاد الروسي‮ ‬نفسه المعتمد بشكل متزايد على تصدير المواد الخام،‮ ‬وفي‮ ‬مقدمتها النفط والغاز‮ . ‬كما أن الأمر سيعتمد بدرجة كبيرة على المدى الزمني‮ ‬لتحمل الشعب الروسي‮ ‬لمعادلة‮ " ‬الخبز مقابل‮ ‬غياب الحرية والديمقراطية‮ ". ‬فشرعية النظام في‮ ‬روسيا لا تزال تعتمد أساسا على كاريزما بوتين،‮ ‬وعلى الأسعار المرتفعة للنفط والغاز‮ ‬،‮ ‬ولكن في‮ ‬ظل ظروف أقل ملائمة سيكون‮ " ‬الزعيم‮ " ‬والنظام ككل أمام خيارات صعبة للغاية‮ .


إن ما جرى في‮ ‬روسيا خلال العشرين سنة الأخيرة من تأسيس وترسيخ لنظام‮ " ‬الديمقراطية الموجهة‮ "‬،‮ ‬واحتكار السلطة،‮ ‬خاصة السلطة الرئاسية لصالح قلة قليلة من مجموعات المصالح،‮ ‬وتبادل هذه السلطة في‮ ‬حدود ضيقة عن طريق‮ "‬توريث‮" ‬الحكم من‮ ‬يلتسين إلى بوتين،‮ ‬وبعد ذلك إلى ميدفيديف ثم عودة بوتين من جديد إلى الكرملين،‮ ‬يمكن أن‮ ‬يتكرر في‮ ‬دول أخرى،‮ ‬ومنها مصر بعد ثورة‮ ‬25 يناير التي‮ ‬لم تُكتمل‮ ‬،‮ ‬ولذلك‮ ‬يصفها البعض بأنها أكثر من انتفاضة وأقل من ثورة‮ . ‬فبناء الدولة المدنية الديمقراطية في‮ ‬مصر‮ ‬يمكن أن‮ ‬يُصبح معرضا للانتقال إلى نموذج الديمقراطية الموجهة الذي‮ ‬يميل بطبيعته نحو تقييد الحريات والانفراد بالسلطة وتحويل المواطنين إلى مجرد ناخبين‮ ‬يذهبون إلى صناديق الاقتراع لاختيار ما ترغب فيه السلطة الحاكمة‮ . ‬ويمكن أن‮ ‬يتم ذلك تحت حجج كثيرة،‮ ‬منها الحاجة إلى الاستقرار،‮ ‬ووقف الفوضى‮ ‬،‮ ‬والتصدي‮ ‬إلى ما‮ ‬يسمى بالمؤامرات الخارجية والمندسين‮ . ‬
ونود هنا التشديد على أن عملية التحول الديمقراطي‮ ‬في‮ ‬حد ذاتها‮   ‬لا تعني‮ ‬بأي‮ ‬حال من الأحوال الانتقال الفعلي‮ ‬إلى الديمقراطية‮ .

‬ولذلك نرى ضرورة ملحة لاستمرار المد الثوري‮ ‬الذي‮ ‬خلفته ثورة‮ ‬25 يناير لتطوير منظومة‮ "‬رباعية الأبعاد‮" ‬تتضمن الديمقراطية المباشرة عبر الشارع،‮ ‬والديمقراطية الاجتماعية،‮ ‬والديمقراطية الاقتصادية،‮ ‬والديمقراطية الدستورية الحديثة،‮ ‬خاصة في‮ ‬ظل الأزمة التي‮ ‬تشهدها الدول الرأسمالية المتقدمة،‮ ‬ومظاهرات‮ " ‬وول ستريت‮ "‬،‮ ‬وكثير من الدول الأوروبية‮ . ‬وإذا كانت تلك المظاهرات تحتج في‮ ‬الأساس على‮ ‬غياب العدالة الاجتماعية والوضع الاقتصادي‮ ‬المتردي‮ ‬والفساد المتمثل في‮ ‬تحالف السلطة العليا والاحتكارات الكبيرة‮ ‬،‮ ‬إلا أنها‮ ‬،‮ ‬في‮ ‬رأينا‮ ‬،‮ ‬تعكس أيضا مدى عجز الديمقراطية السياسية الليبرالية في‮ ‬التعبير عن مصالح قطاعات واسعة من الناخبين،‮ ‬حيث اتضح أن نواب البرلمانات في‮ ‬لدول الرأسمالية المتقدمة لا‮ ‬يعبرون عن طموحات الناخبين الذين منحوهم أصواتهم‮ . ‬ويبدو أن المنظومة الرباعية الأبعاد التي‮ ‬أشرنا إليها سلفاً‮ ‬لا تحتاجها مصر وثوراتالربيع العربي‮ ‬وحدها،‮ ‬بل والعالم أجمع بدوله المتقدمة وغير المتقدمة بشرط عدم الانزلاق إلى نموذج الديمقراطية الموجهة‮.


إعلامى مصرى مقيم فى موسكو-

 

 

 

اكتب تعليقك
الاسم
 
البريد الإلكتروني
  
عنوان التعليق
 
التعليق



العدد رقم 50

ابريل 2013
تواصل معنا