رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

ملف العدد

دأبت أدبيات التحول الديمقراطي على وصف العالم العربي بأنه يمثل «الاستثناءً» ضمن موجات «الدمقرطة» التي شهدها العالم منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين، والتي انطلقت من جنوب أوروبا، ثم امتدت بعد ذلك لتشمل بلادناً عديدة في أمريكا اللاتينية، وآسيا، وشرق ووسط، أوروبا، وأفريقيا جنوب الصحراء.

وفى ضوء ذلك، فقد انشغل كثير من الباحثين العرب والأجانب بتفسير ظاهرة «العجز» أو «الاستعصاء» الديمقراطي» في العالم العربي، وقدموا نظريات عديدة بهذا الشأن، بعضها يتعلق ببنية وطبيعة الثقافة السياسية العربية/الإسلامية، وبعضها الآخر يتصل بظاهرة الاقتصاد الريعى والدولة الريعية، وبعضها الثالث يتمحور حول دور الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، حيث ظلت لعقود تدعم نظم تسلطية في المنطقة طالما ظلت هذه النظم مرتبطة بأهدافها وتخدم مصالحها.

وهناك من الباحثين من ركز على توجهات وسياسات النخب السياسية التي تولت مقاليد الحكم في الدول العربية في مرحلة ما بعد الاستقلال، حيث تفننت في تكريس التسلطية، بل وتحديث آلياتها من خلال صيغ وإجراءات ديمقراطية في شكلها، وتسلطية في مضمونها.

وعلى أثر موجة الثورات والانتفاضات التي اجتاحت العالم العربي منذ أواخر 2010، والتي كان من أبرز تجلياتها إطاحة نظم تسلطية عتيدة، استمرت في سدة السلطة لعقود، كما هو الحال في تونس، ومصر، وليبيا، واليمن، على أثر ذلك راح البعض يؤكد على أن هذه التحولات الكبرى تدحض مقولة «الاستثنائية العربية» في مجال الديمقراطية، حيث أنها تشكل انطلاقة لما بات يُعرف بـ»الربيع العربي».

وبغض النظر عن الجدل حول مفهوم «الربيع العربي» من حيث حجيته العلمية، والدول التي يشملها، وأنماط التغيير السياسي التي تندرج في إطاره، فإن هذه الدراسة سوف تركز على  الدول التي تم تغيير الأنظمة الحاكمة فيها، حيث إنه بعد مضى أكثر من ثلاث سنوات على التغيير السياسي فيها، فإنها لم تشهد حتى الآن تطورات حقيقية وجادة تضعها على الطريق الصحيح للتحول الديمقراطي، وذلك باستثناء تونس، حيث نجح الفاعلون السياسيون بدرجة ما في احتواء تداعيات سلسلة من الأزمات السياسية والأمنية الحادة التي كادت أن تعصف بالمسار الانتقالي برمته، وحققوا توافقاً على خارطة طريق واضحة، تم في إطارها إصدار دستور حداثي ديمقراطي، ويجرى حالياً التحضير للاستحقاقات التالية، خاصة في الانتخابات التشريعية والرئاسية.

وبالمقابل، ضاعت مصر خلال السنوات الثلاثة الماضية في متاهات ثلاث مراحل انتقالية صعبة ومعقدة، أنهكت الدولة والمجتمع على حد سواء، حيث غلب عليها طابع سوء الإدارة، والاستقطاب الديني، والانقسام السياسي، وتراجع هيبة الدولة وسيادة القانون.

كما وقعت ليبيا فريسة لحالة من الفوضى والانفلات تكاد أن تُعيدها إلى عصر ما قبل الدولة.

أما بالنسبة لليمن، ورغم التوافق على وثيقة الحوار الوطني، إلا أن  الدولة ظلت عاجزة على فرض سيطرتها على إقليمها أمام تحديات داخلية هائلة تتمثل بصفة رئيسية في الحوثيين، وقوى الحراك الجنوبي، وتنظيم «القاعدة في جزيرة العرب» من ناحية، وتدخلات إقليمية ودولية كبيرة من ناحية أخرى.

وعلى خلفية ذلك، راحت الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في الدول الأربع تنتقل من سيىء إلى أسوأ.

والهدف من هذه الدراسة هو رصد وتحليل وتقييم أهم العوامل التي أدت – وتؤدى- إلى تعثر عملية التحول الديمقراطي في الدول المعنية في أعقاب إطاحة نظم التسلط والاستبداد والفساد، فضلاً عن تفسير النجاح النسبي الذى تحقق في حالة تونس مقارنة بالحالات الأخرى، وكذلك طرح بعض الرؤى والتساؤلات بشأن المستقبل.

والأطروحة الرئيسية التي تنطلق منها الدراسة مفادها أن السياسات المشوهة التي انتهجتها النظم التي تولت الحكم لعقود في الدول المعنية قد كرست البنى والهياكل التسلطية على المستوى السياسي والديني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي، كما خلقت بيئات ملائمة لتمدد الفساد بمختلف أشكاله، بحيث أصبح له مؤسسات ضخمة وشبكات واسعة وثقافة رائجة.

ومن هنا، فإن عملية تفكيك بنى وهياكل التسلط والاستبداد والفساد إنما تستغرق بعض الوقت، ويتطلب نجاحها توافر عناصر عديدة من أبرزها التوافق بين الفاعلين السياسيين الرئيسيين على خارطة طريق واضحة لعملية التحول الديمقراطي، فضلاً عن توافر المهارة السياسية والكفاءة الإدارية في السلطة القائمة على إدارة المرحلة الانتقالية على النحو الذى يسمح لها بمعالجة المعوقات، وتوفير الشروط والمعطيات الدستورية والسياسية والاقتصادية والثقافية اللازمة لتعزيز عملية التحول الديمقراطي.

وفى هذا السياق، ثمة عدة عوامل تجعل عملية التحول الديمقراطي أكثر صعوبة وتعقيداً، بل ومرشحة للردة والانتكاسة، منها: ارتباك وتخبط السلطة القائمة على إدارة المرحلة الانتقالية، وضعف وهشاشة القوى والأحزاب الديمقراطية، وبروز قوى وأحزاب غير ديمقراطية أو تتعامل مع الديمقراطية من منطلق انتهازي، وتمدد أدوار بعض الفاعلين السياسيين الذين يمارسون العنف من غير الدول (ViolentNon-StateActors)، مما يجعل الدولة تفقد أحد أهم خصائصها وهو احتكار حق الاستخدام المشروع للقوة، وضعف قوى ومنظمات المجتمع المدني، وتعقيدات العلاقات المدنية – العسكرية، ووجود بيئة خارجية غير مواتية أو غير داعمة للتحول الديمقراطي.

وللأسف، فإن هذا هو واقع الحال في الدول المعنية، والخلاف بينها بهذا الخصوص هو خلاف في الدرجة فقط.

وتناقش الصفحات التالية بشيء من التفصيل بعض أهم معوقات التحول الديمقراطي في دول «الربيع العربي».   

رسوخ بنى وهياكل التسلط والاستبداد والفساد:

لم تشهد أي من الدول الأربع (تونس، مصر، ليبيا، اليمن) على مدى تاريخها أية تجربة ديمقراطية حقيقية، بل خضعت لحكام سلطويين، رسخوا هياكل ومقومات التسلط والاستبداد عبر آليات سياسية وقانونية وأمنية واقتصادية وثقافية ودينية.

وقد تمثلت أهم هذه الآليات في مرحلة ما بعد الاستقلال في: إصدار كثير من القوانين والتشريعات الاستثنائية المقيدة لحقوق المواطنين وحرياتهم، وتأسيس عدد كبير من الأجهزة والمؤسسات الأمنية المتنوعة، والإنفاق عليها بسخاء، وجعل مهمتها الرئيسية حماية النظام وتأمين قدرته على الاستمرار في السلطة، والتدخل بأشكال مختلف في شؤون السلطة القضائية، مما أفقدها الاستقلالية، فضلاً عن إحكام السيطرة على قوى ومنظمات المجتمع المدني من خلال إجراءات قانونية وإدارية وأمنية متنوعة، وممارسة لعبة خلق الصراعات المتوازنة عن طريق ضرب قوة سياسية بأخرى، أو قبيلة بأخرى بحيث يتم إنهاك الطرفين، ويظل الحاكم هو القابض على كل خيوط اللعبة السياسية.

كما اعتادت النظم المعنية استخدام أسلوب المنح والمكافآت الاقتصادية والسياسية لشراء الولاء السياسي، وبخاصة من قبل بعض القبائل الرئيسية في كل من اليمن وليبيا، كما تمكنت هذه النظم من احتواء قطاعات واسعة من المثقفين، اعتماداً على وسائل مختلفة، بحيث أصبحوا يدورون في فلكها ويبررون سياستها.

وقد اقترن كل ذلك بتمدد شبكات الفساد والإفساد على نطاق واسع، ووجود إعلام رسمي تمثلت مهمته في الإشادة بالقائد وحكمته، والترويج لإنجازاته، ومهاجمة خصومه.

كما راحت النظم المعنية تستخدم فزاعة «الخطر الإسلامي» في إدارة علاقاتها مع القوى الغربية، حيث قدمت نفسها للغرب باعتبارها خير من يدافع عن مصالحه في المنطقة، وأن البديل لها هي قوى التطرف الإسلامي التي تناصبه العداء.

ومن خلال السياسات والأساليب سالفة الذكر استطاعت هذه النظم أن تؤسس ما عُرف بـ«الدولة البوليسية» أو «دولة المخابرات»، والتي تمكنت في ظلها من أن تعصف بخصومها أو على الأقل تضعفهم إلى حد كبير، وتحقق نوعاً من الاستقرار السياسي السلطوي.

ولذلك فإن موجة الانتفاضات والثورات الفجائية التي شهدتها الدول المعنية منذ أواخر عام 2010 لم تحركها الأحزاب السياسية التقليدية، ولا القوى والتيارات الإسلامية، بل أطلقت شراراتها فئات شبابية، وظفت بفاعلية الانترنت ووسائل الإعلام الاجتماعي في تعبئة الشعوب ضد الحكام، وهو أمر لم يتحسبوا له، بل إنه لم يكن في استطاعتهم التحكم فيه وضبطه.

وبناء على ما سبق، فإن التعامل مع الإرث الثقيل المتمثل في هياكل وبنى التسلط والاستبداد والفساد، التي تكرست على المستوى السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني والإعلامي، أصبح يشكل أحد التحديات الرئيسية في مرحلة ما بعد إطاحة رؤوس النظم المعنية، حيث إن عملية تفكيك هذه البنى والهياكل تستغرق وقتاً، والمهم في هذا السياق هو توافق القوى الاجتماعية، والأحزاب السياسية الرئيسية ومنظمات، المجتمع المدني الفاعلة على التوجهات والسياسات التي يتعين انتهاجها، وعمليات الإصلاح التي يتوجب القيام بها من أجل تحقيق هذا الهدف، وهى سياسات تشمل مجالات الاقتصاد والتعليم والإعلام والثقافة والحقل الديني، فضلاً عن إصلاح البنية الدستورية والقانونية بحيث تتوافق مع أسس ومبادئ الديمقراطية، وكذلك إصلاح قطاعات الأمن والقضاء والإدارة المحلية.

ومن خلال ذلك يمكن التحرك بثبات، وبصورة تدرجية وتراكمية على طريق التحول الديمقراطي.

وهنا تُطرح مسألة طبيعة الفاعلين السياسيين في مرحلة ما بعد إطاحة النظام التسلطي، ومدى إيمانهم بالديمقراطية كاختيار أصيل ونهائي، وحدود  قدرتهم على بناء توافق وطني يمثل ركيزة صلبة للتحول الديمقراطي، وهو أمر تحقق بدرجة ما في تونس، ولم يتحقق في الحالات الأخرى على نحو ما سيأتي ذكره.

التزامن بين معضلتي بناء الدولة وتأسيس الديمقراطية:

تؤكد التجارب والخبرات المقارنة للتحول الديمقراطي على الصعيد العالمي على أن فرص تأسيس نظام ديمقراطي تكون أفضل وأيسر في ظل وجود دولة وطنية راسخة تحظى بالشرعية، وتفرض سيطرتها على إقليمها من خلال احتكار حق الاستخدام المشروع للقوة.

وفى هذا السياق، فإن أحد أبرز معوقات التحول الديمقراطي، وبالتحديد في كل من ليبيا واليمن يتمثل في التزامن بين معضلتي بناء الدولة الوطنية، وتأسيس الديمقراطية.

ورغم تعدد التحديات التي تواجه عملية بناء الدولة الوطنية في البلدين، إلا أن أبرزها يتمثل في ضعف أجهزة الدولة ومؤسساتها من ناحية، وظهور وتمدد أدوار بعض الفاعلين السياسيين الذين يملكون السلاح ويمارسون العنف ضد الدولة والمجتمع من ناحية أخرى.

ففي ليبيا، وبسبب خطايا نظام القذافي، وسياسات «اللادولة» التي انتهجها لنحو أربعة عقود، بدأت أجهزة الدولة ومؤسساتها في التفكك حتى قبل انهيار النظام، وعجزت السلطة الحاكمة ممثلة في المؤسسات الانتقالية عن فرض سيطرتها على إقليم الدولة، خاصة في ظل كثرة الخلافات والانقسامات بين هذه المؤسسات، وضعف الجيش الوليد والشرطة، مما أدى إلى اضطراب المسار الانتقالي برمته.

وفى ظل هذا الوضع، بدت البلاد تعيش حالة من الفوضى العارمة من جراء انتشار الاغتيالات وأعمال الخطف على نطاق واسع، وكثرة الصراعات والمواجهات القبلية المسلحة، خاصة في غرب البلاد وجنوبها، وتكرار عمليات حصار واقتحام مقار المؤتمر الوطني العام، وكثير من الوزارات لممارسة الضغط علي الحكومة من أجل تنفيذ مطالب سياسية أو فئوية، ناهيك عن قيام  جماعات مسلحة بإغلاق ثلاث موانئ نفطية رئيسية في شرق البلاد منذ صيف 2013، مما ألحق أضراراً بالغة بصادرات وعائدات البلاد من النفط.

وقد وصل الأمر إلى حد قيام هذه الجماعات بالشروع في بيع النفط الليبي على نحو ينطوي على تحد سافر لسلطات الدولة، الأمر الذى وضع البلاد على حافة حرب أهلية في مارس 2014. 

وفى ضوء ما سبق، فقد أصبحت قوى ومجالس قبلية، وكتائب ومليشيات مسلحة، وعصابات إجرامية تتقاسم السيطرة والنفوذ على أجزاء واسعة من الأرض والموارد في ليبيا.

وترتب على ذلك نشوب صراعات داخلية حادة على أسس قبلية وجهوية، أسهم انتشار السلاح على نطاق واسع في تغذيتها وتوسيع نطاقها.

ومما يزيد من خطورة الوضع هو إعلان الفيدرالية في إقليم برقة بشكل أحادي، واتجاه مناطق أخرى في ليبيا للسير في نفس الاتجاه.

وجاءت المعارك الحالية التى يقوم بها الجيش الوطنى الليبى بقيادة اللواء خليفة حفتر- القائد السابق للقوات البرية في الجيش الليبى- ضد جماعة الإخوان المسلمين والجماعات المتطرفة والمليشيات التابعة لها، جاءت لتزيد من خلط الأوراق، وتجعل مستقبل ليبيا مفتوح على كل الاحتمالات بما في ذلك خطر التفكك والتقسيم.

وبخصوص اليمن، فقد انتهى الحوار الوطني الذى جاء تنفيذاً للمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية بتوقيع وثيقة ختامية في مطلع عام 2014، تضمنت خارطة طريق للمستقبل، وحلولاً للمشكلات الرئيسية التي تعانى منها البلاد.

لكن التحدي الأكبر يتمثل في مدى قدرة السلطة الحاكمة على تنفيذ بنود هذه الوثيقة، خاصة أن اليمن شهد – ويشهد- في مرحلة ما بعد على عبد الله صالح تصاعداً كبيراً في حدة الصراعات الداخلية المسلحة التي جرت – وتجرى- في مناطق عديدة: من البلاد، وهى صراعات تحدد مساراتها وتغذيها عوامل داخلية عديدة، قبلية وطائفية، وجهوية، فضلاً دور العامل الخارجي.

وقد برز في هذا الإطار، دور الحوثيين الذين يتمركزون في شمال اليمن، حيث خاضوا خلال الأشهر القليلة الماضية مواجهات مسلحة ضد السلفيين، وضد مسلحي قبائل حاشد وبكيل.

وحققوا تقدماً في هذه المواجهات لدرجة أنهم أصبحوا على مشارف العاصمة صنعاء، الأمر الذى قد يجر البلاد إلى حرب أهلية في حال قرروا اقتحامها. 

كما تصاعدت أعمال العنف والإرهاب التي طالت العاصمة صنعاء، وكثيراً من المحافظات والمدن اليمنية الأخرى.

وقد ساعد على ذلك انتشار السلاح على نطاق واسع من ناحية، وتمدد دور «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، الذى يتخذ من اليمن معقلاً رئيسياً له من ناحية أخرى.

كما أن ضعف الجيش والأجهزة الأمنية حال دون تمكين الدولة من فرض سيطرتها على كامل إقليمها.

ونتيجة لكل ذلك وغيره، تفاقمت حدة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، الأمر الذى عزز من موقع اليمن كواحد من أفقر دول المنطقة، وأعلاها من حيث معدلات الفقر والبطالة والفساد.

وعلى الرغم من الأهمية التي تمثلها النتائج التي خلص إليها مؤتمر الحوار الوطني، إلا أن هناك صعوبات حقيقية في تنفيذ بعضها على الأقل، خاصة فيما يتعلق بنزع سلاح المليشيات والجماعات المسلحة، واستكمال عملية إعادة هيكلة الجيش، وتعويض أسر الشهداء والجرحى، وتعمير المناطق المتضررة من الحروب السابقة، وغيرها.

وعلى سبيل المثال، فإنه على الرغم من قرار مؤتمر الحوار الوطني بتحويل اليمن إلى دول اتحادية (فيدرالية)، وإقرار الرئيس اليمنى عبد ربه منصور هادى اقتراح  لجنة تحديد الأقاليم المنبثقة عن مؤتمر الحوار الوطني، والقاضي بأن يكون عدد أقاليم الدولة اليمينة ستة: أربعة في الشمال واثنان في الجنوب، إلا أن قوى رئيسية في الحراك الجنوبي، والحوثيين، والحزب الاشتراكي اليمنى يرفضون هذا القرار لأسباب مختلفة، وهو ما يعنى أن تطبيقه على أرض الواقع لن يمر بسهولة.

كل ذلك وغيره يكشف عن حجم التحديات التي تواجه اليمن في مرحلة ما بعد على عبد الله صالح.

وعلى خلفية ذلك أصدر مجلس الأمن الدولي في فبراير 2014 قراره رقم 2140 تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والذى يقضى بتوقيع عقوبات على معرقلي عملية الانتقال السياسي في اليمن.

وقد نص القرار على تشكيل لجنة لتحديد معرقلي العملية السياسية الذين ستشملهم العقوبات، وقد عزز هذا القرار من حضور العامل الدولي في المسألة اليمينة.

وإذا كان التحدي الأكبر في كل من ليبيا واليمن هو عملية بناء الدولة الوطنية ذاتها على أسس جديدة، فإن الدولة في كل من مصر وتونس، ورغم قدمها ورسوخها، إلا  أنها تعانى من مشكلة ضعف أجهزتها ومؤسساتها، وعجزها عن القيام بوظائفها بفاعلية وكفاءة، وذلك نظراً لاستشراء الفساد فيها، وترهلها وتضخمها، وضعف التنسيق فيما بينها.

وقد زادت حدة هذه السلبيات في مرحلة ما بعد بن على ومبارك لاعتبارات عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها، وهو الأمر الذى يجعل الدولة عرضة لاحتمال الفشل الوظيفي.

ونظراً لذلك، فإن عملية الإصلاح المؤسسي تمثل ضرورة ملحة حتى تكون مؤسسات الدولة قادرة على تحقيق سيادة القانون، وتوفير السلع والخدمات العامة للمواطنين، وفى مقدمتها الأمن.

وكل ذلك وغيره يمثل متطلبات ضرورية لتعزيز عملية التحول الديمقراطي، حيث إن الخبرات والتجارب العالمية المقارنة في هذا المجال تؤكد على أنه لا ديمقراطية بدون أمن، ولاديمقراطية بدون توفير أسس ومقومات احترام حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والمدنية والسياسية.

 الصعود السياسي للإسلاميين ومعضلة الديمقراطية:

من المعروف أن الإسلاميين - بفصائلهم المختلفة - لم يطلقوا شرارة الثورات والانتفاضات التي شهدها العالم العربي منذ أواخر عام 2010.

وإذا كان بعضهم قد شارك فيها بشكل متأخر، فإن بعضهم الآخر لم يشارك فيها من الأصل.

ومع ذلك فقد كانوا من أكبر الرابحين على المستوى السياسي، وهو ما تجلى بوضوح في وصول أحزاب إسلامية إلى سدة السلطة في بعض الدول العربية كما هو الحال في مصر وتونس، وظهور العديد من الأحزاب الإسلامية أو ذات المرجعيات الإسلامية الجديدة.

ومن اللافت في هذا المشهد هو تمدد الدور السياسي لبعض القوى والأحزاب السلفية التقليدية، خاصة في مصر.

وعلى خلفية ذلك، راح بعض الباحثين يتحدثون عن «لحظة الإسلاميين»، وعن تحول «الربيع العربي» إلى «ربيع إسلامي»، وعن «اختطاف الإسلاميين للثورات العربية» .

ومن ناحية أخرى، شهدت مرحلة ما بعد الثورات والانتفاضات العربية تصاعداً في دور بعض القوى والتنظيمات السلفية الجهادية في الدول موضع الدراسة.

وعلى الرغم من عدم وجود تعارض بين الإسلام والديمقراطية على مستوى القيم العليا المتمثلة في الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية واحترام حقوق الإنسان والتسامح، وعلى الرغم من أن كثيراً من المفكرين الإسلاميين المعاصرين يعتبرون الديمقراطية بمثابة الصيغة العصرية الملائمة لتطبيق مبدأ الشورى الإسلامي، إلا الصعود السياسي للإسلاميين في أعقاب موجة الثورات والانتفاضات شكل معضلة حقيقية من منظور عملية التحول الديمقراطي، وذلك لعدة اعتبارات:

أول هذه الاعتبارات هو تعميق حالة الاستقطاب الديني والسياسي بين القوى والتيارات الإسلامية من ناحية، والأحزاب والتيارات العلمانية من ناحية أخرى.

وقد برز ذلك بشكل واضح في كل من مصر وتونس.

أما بالنسبة لليبيا واليمن فإن الانقسامات القبلية والجهوية والطائفية كانت ولاتزال هي الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد السياسي في البلدين.

ولكن الفارق الجوهري بين حالتي مصر وتونس بهذا الخصوص تمثل في أن حزب «حركة النهضة» والأحزاب العلمانية الرئيسية في الأخيرة تمكنوا تحت وطأة الأزمة السياسية والأمنية من إدراك خصوصية المرحلة الانتقالية، وانخرطوا في حوار وطني جاد بوساطة ورعاية من قبل بعض منظمات المجتمع المدني، أسفر عن التوافق على خارطة طريق واضحة على نحو ما سبق ذكره (14)، وهو مالم يحدث في مصر، حيث شكل الانقسام الإسلامي – العلماني أحد الملامح البارزة للمراحل الانتقالية الثلاثة، وأثر بالسلب على مختلف الاستحقاقات السياسية والدستورية التي شهدتها البلاد، ولذلك لم يحدث أي تقدم حقيقي على طريق الديمقراطية.

أما الاعتبار الثاني, فيتمثل في بروز عقدة الاستئثار بالسلطة من جانب الإسلاميين.

وهناك يبرز وجه آخر للخلاف بين جماعة الإخوان المسلمين وحزبها «الحرية والعدالة» في مصر, وحزب «حركة النهضة» في تونس.

بمجرد وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى الحكم على أثر فوز الدكتور محمد مرسى في الانتخابات الرئاسية بفارق بسيط على منافسه الفريق أحمد شفيق، سعت الجماعة للاستئثار بالسلطة من خلال إقصاء وتهميش القوى والتيارات السياسية الأخرى، وبذل محاولات للسيطرة على أجهزة الدولة ومؤسساتها وتوظيفها لحساب الجماعة، ولذلك دخل الرئيس مرسى في صدام مع القضاء والإعلام والشرطة، ناهيك عن اضطراب علاقته مع القوات المسلحة.

كما أصدر الرئيس إعلاناً دستورياً في نوفمبر 2012 منح نفسه بموجبه سلطات شبه مطلقة.

وقد عمق هذا الإعلان من حالة الانقسام السياسي والاجتماعي في البلاد.

وبالإضافة إلى ما سبق، فقد رفض الرئيس مرسى التجاوب مع قوى وأحزاب المعارضة بشأن اتخاذ خطوات جدية من أجل تعديل الدستور المتنازع عليه (دستور 2012)، وتشكيل حكومة كفاءات وطنية بدلاً من حكومة هشام قنديل التي اتسم أداؤها بالضعف والهشاشة على غرار أداء مؤسسة الرئاسة.

كما تجاهل الرئيس مطالب ملايين المصريين الذين خرجوا إلى الشوارع في موجة ثورية جديدة في 30 يونيو 2013 مطالبين بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، الأمر الذى دفع الجيش للتدخل بشكل حاسم في 3 يوليو 2013، وإطلاق خارطة طريق جديدة أسفرت عن عزل الرئيس مرسى عن السلطة.

وفى أعقاب ذلك، انخرطت الجماعة ومؤيدوها ضمن «التحالف الوطني لدعم الشرعية» في ممارسة أعمال الاحتجاج والعنف والإرهاب بهدف إظهار عجز السلطة الحاكمة، وتعطيل المسار الانتقالي.

وبالمقابل، فإنه في أعقاب انتخابات أكتوبر2011 التي جرت في تونس، تحالف حزب «حركة النهضة» صاحب الأكثرية في المجلس الوطني التأسيسي مع حزبين علمانيين هما حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، وحزب «التكتل من أجل العمل والحريات»، وشكل الأحزاب الثلاثة «ترويكا حاكمة».

وعلى أثر الأزمات السياسية والأمنية التي تعرضت لها تونس خلال عام 2013 من جراء اغتيال شخصيتين بارزتين  في المعارضة هما شكري بلعيد، ومحمد البراهمى، وبعض رجال الجيش، قبل حزب «حركة النهضة» في نهاية المطاف بتقديم تنازلات سياسية من أجل تحقيق التوافق الوطني مع المعارضة العلمانية، وعبور المرحلة الانتقالية.

ومن أبرز هذه التنازلات أنه تخلى عن الحكومة، حيث استقالت حكومة على العريض لصالح تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة برئاسة مهدى جمعة.

كما تخلى عن بعض المطالب التي كان يتمسك بها بشأن محتوى الدستور مثل النص على أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع، والنص على التكامل بدلاً من المساواة بين المرأة والرجل، وغير ذلك.

وكانت النتيجة هي إصدار دستور توافقي ديمقراطي في زمن قياسي.

كما حرص الحزب على تمييز نفسه عن تيارات السلفية الجهادية التي انخرطت في ممارسة العنف ضد الدولة والمجتمع، بل إن الحكومة التي كان يترأسها أحد قياداته (على العريض) اعتبرت جماعة «أنصار الشريعة» السلفية منظمة إرهابية، وشنت حملة أمنية قوية ضدها.

ويبدو أن حزب «حركة النهضة» استوعب جيداً دروس ما حدث للإخوان المسلمين في مصر، وحرص على تجنب تكرار الأخطاء التي ارتكبوها، والتي أسهمت في إقصائهم عن السلطة.

ويتمثل الاعتبار الثالث في تمدد دور السلفيين، حيث لم يقتصر الصعود السياسي للإسلاميين على الجماعات والأحزاب التقليدية المعروفة مثل الإخوان المسلمين في مصر، وحركة النهضة في تونس، بل تمثلت المفاجأة في صعود السلفيين، خاصة في مصر وإلى حد ما في تونس، حيث تم تشكيل عدة أحزاب سياسية سلفية في البلدين.

ومن ناحية أخرى، تنامى دور بعض التنظيمات السلفية الجهادية التي راحت تمارس العنف والإرهاب ضد الدولة والمجتمع.

ومن أبرزها على سبيل المثال: جماعة «أنصار بيت المقدس» في مصر، وجماعة «أنصار الشريعة» في تونس، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» في اليمن، وجماعة «أنصار الشريعة» في ليبيا.

وفى الحالتين كان الصعود السلفي معوقاً للديمقراطية، فالسلفيون الذين انخرطوا في العمل السياسي وشكلوا أحزاباً سياسية وخاضوا الانتخابات، فعلوا ذلك دون مراجعات فقهية جادة لرؤاهم ومواقفتهم السابقة التي كانت ترفض الحزبية والديمقراطية، والانتخابات استناداً إلى رؤى وتفسيرات دينية.

من هنا فإن تصوراتهم ومواقفهم تجاه قضايا جوهرية مثل الدولة المدنية، والديمقراطية والمواطنة، وحقوق المرأة، والأقليات هي تصورات ومواقف ملتبسة وغامضة في أفضل الأحوال، مما يؤكد على أن انخراطهم في العمل السياسي لا يعكس في الأغلب الأعم اختياراً نهائياً والتزاماً أصيلاً بالديمقراطية وما يرتبط بها من عناصر ومقومات، بل يعكس حالة من الانتهازية السياسية والبرجماتية التي تمارسها هذه القوى والأحزاب، وهو أمر لا يصب في مصلحة التحول الديمقراطي.

ومن ناحية أخرى، فإن الممارسات والأنشطة الإرهابية التي انخرطت فيها قوى وتنظيمات سلفية جهادية  في كل من مصر وتونس واليمن وليبيا أثرت – وتؤثر- سلباً على عملية التحول الديمقراطي، حيث إنها تسهم في تعزيز حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، وتدفع الحكومات لانتهاج سياسات أمنية صارمة ضد التنظيمات المعنية، وهو الأمر الذى يفتح الباب بدرجة أو بأخرى لحدوث بعض الانتهاكات لحقوق الإنسان، بحيث تختل معادلة التوازن بين حماية حقوق الإنسان من ناحية ومكافحة الإرهاب من ناحية أخرى، ناهيك عن تأثيراتها السلبية على الاقتصاد الوطني، خاصة في قطاعات السياحة والاستثمار وغيرها.

ضعف وهشاشة القوى والأحزاب السياسية المدنية الديمقراطية:

يُعد ضعف وهشاشة القوى والأحزاب السياسية الموصوفة بـ»المدنية» من ليبرالية وقومية ويسارية من بين العوامل الرئيسية التي تفسر الصعود السياسي للإسلاميين في مرحلة ما بعد الثورات والانتفاضات، وهو أمر كشفت عنه بوضوح نتائج الاستحقاقات الانتخابية التي جرت في كل مصر وتونس، حيث فشلت الأحزاب والقوى المعنية في أن تطرح نفسها كبديل سياسي قوى ومقنع لجماعة الإخوان المسلمين وحزب النور السلفي في الأولى، وحزب «حركة النهضة» في الثانية.

ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة منها: تشرذمها على المستوى السياسي، مما جعلها عاجزة عن تشكيل تحالفات وائتلافات سياسية قوية، وضعف قواعدها الاجتماعية، حيث تتركز في دوائر محدودة في العواصم والمدن الكبرى، ونخبوية خطاباتها الأيديولوجية والسياسية، وكثرة الصراعات والانشقاقات داخل العديد منها بسبب عدم أو ضعف الالتزام بالديمقراطية في إدارة شؤونها الداخلية، فضلاً عن تعامل معظمها مع قضية الديمقراطية بشكل انتهازي، حيث إنها مع الديمقراطية إذا كانت نتائجها في صالحها، وضدها إذا كانت عكس ذلك.

ويشكل هذا الوضع أحد المعوقات الرئيسية للتحول الديمقراطي في الدول المعنية، حيث إنه لا ديمقراطية بدون ديمقراطيين، يؤمنون بمبادئها كاختيار أصيل ونهائي، ويناضلون بشكل سلمى من أجل تحقيقها، ويتفاوضون مع القوى والتيارات الإسلامية من أجل التوافق على خارطة طريق تؤسس لعملية التحول الديمقراطي.

وقد برز في هذا السياق أحد الفروق بين خبرات الدول المعنية.

فعلى الرغم من الحملات الشديدة التي شنتها أحزاب علمانية على حزب «حركة النهضة» في تونس إلا أنها قبلت في نهاية المطاف الدخول في حوار وطني مع الحزب أفضى إلى تصحيح المسار الانتقالي، خاصة في ظل التنازلات التي قدمتها النهضة على نحو ما سبق ذكره.

ولكن هذا لا ينفى حالة الضعف البنيوي التي تعانى منها معظم الأحزاب العلمانية.

أما في حالة مصر، فقد فشلت الأحزاب والقوى السياسية في مصر في صياغة توافق وطني يؤسس للتحول الديمقراطي بسبب زيادة حدة الاستقطاب بين الإسلاميين والقوى والأحزاب المدنية من ناحية، وتعنت الرئيس مرسى وخلفه جماعة الإخوان المسلمين وحزبها «الحرية والعدالة» من ناحية ثانية، وتشرذم الأحزاب المدنية وغلبة الطابع الانتهازي على ممارسات معظمها من ناحية أخيرة.

وفى اليمن، وعلى الرغم من مشاركة الأحزاب السياسية الرئيسية في الحوار الوطني، والذى أسفر عن إقرار وثيقة هامة على نحو ما سبق ذكره، إلا أن من يؤثر بالدرجة الأولى في تشكيل مسارات المشهد السياسي والأمني في اليمن ليس الأحزاب، بل القوى التي تمتلك السلاح مثل الحوثيين، وبعض التكوينات القبلية الكبيرة، وتنظيم «القاعدة في جزيرة العرب».

أما في ليبيا ورغم ظهور العديد من الأحزاب السياسية ذات التوجهات المختلفة في مرحلة ما بعد القذافي، إلا أن تأثيرها يظل محدوداً بحكم حداثة عهدها بالعمل السياسي، وعدم وجود حياة سياسية طبيعية في البلاد على نحو ما سبق ذكره.

ولكن المُلاحظ هنا أن كثرة الخلافات والتجاذبات بين حزب «تحالف القوى الوطنية» ذات التوجهات الليبرالية العلمانية، وحزب «العدالة والبناء» الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا قد أثرت بالسلب على فاعلية السلطات الانتقالية متمثلة في المؤتمر الوطني العام (البرلمان) والحكومة.     

ضعف قوى ومنظمات المجتمع المدني:

تؤكد أدبيات التحول الديمقراطي على أن قوى ومنظمات المجتمع المدني، متمثلة في الجمعيات الأهلية، والنقابات العمالية، والمهنية والاتحادات، والنوادي، والحركات الاجتماعية وغيرها، تستطيع أن تقوم بدور هام ومؤثر خلال مرحلتي التحول الديمقراطي وترسيخ الديمقراطية، وذلك من خلال مسالك عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها.

وبالنظر إلى الدول العربية موضع الدراسة يمكن القول إن ضعف قوى ومنظمات المجتمع المدني يُعد من بين العوامل التي تفسر تعثر عملية التحول الديمقراطي.

فعلى الرغم من وجود عشرات الآلاف من الجمعيات الأهلية والمنظمات النقابية والحقوقية والحركات الاجتماعية في مصر، وعلى الرغم من أن بعضها قام بدور هام خلال ثورة 25 يناير، إلا أنها لم تستطع القيام بدور بارز ومؤثر في مرحلة ما بعد تخلى مبارك عن السلطة، وذلك لأسباب عديدة، بعضها يتعلق بمناخ الاستقطاب الديني والسياسي، الذى وُظف فيه قطاع من منظمات المجتمع المدني كأدوات لقوى وأحزاب سياسية، فضلاً عن القيود القانونية والإدارية والأمنية التي قلصت من فاعلية المجتمع المدني واستقلاليته سواء قبل ثورة 25 يناير أو بعدها، وبعضها الآخر يتعلق بحالة الضعف البنيوي التي يعانى منها كثير من منظمات المجتمع المدني بسبب محدودية العضوية، ونقص التمويل، وغياب أو ضعف المؤسسية والشفافية، فضلاً عن غلبة الطابع الخيرى الديني وليس التنموي الحقوقي على توجه ونشاط القطاع الأكبر من الجمعيات، وهناك أيضاً مشكلة التمويل الأجنبي، وما يقترن بها من تداعيات سلبية على المجتمع المدني.

ولا يمكن في هذا السياق تجاهل ظاهرة الانشقاقات الداخلية والصراعات البينية في صفوف الائتلافات الشبابية والثورية، مما أضعف من دور الشباب في العملية السياسية.

أما في اليمن، فقد شهد المجتمع المدني طفرة كَمية كبيرة خلال السنوات الثلاث الماضية، حيث يتجاوز عدد منظماته المسجلة حالياً العشرة آلاف منظمة.

وعلى الرغم من ذلك، فإن دورها في تعزيز عملية التحول الديمقراطي هامشي ومحدود، وذلك بسبب اضطراب المسار الانتقالي من جراء كثرة الانقسامات السياسية والصراعات الطائفية والقبلية والجهوية في البلاد، وهو الأمر الذى يلقى بتأثيراته السلبية على منظمات المجتمع المدني، لاسيما أن بعضها يُوظف في هذه الصراعات، ناهيك عن أوجه القصور الذاتي الذى تعانى منه هذه المنظمات نتيجة لضعف القدرات، وانعدام الشفافية، وغلبة طابع العمل الخيرى على أنشطتها، واعتماد الكثير منها على التمويل الأجنبي .

أما في ليبيا، فقد أسهمت سياسات نظام القذافي في الحيلولة دون بروز مجتمع مدنى نشط.

وعلى الرغم من الصحوة التي شهدها هذا القطاع في مرحلة ما بعد القذافي، حيث يقدر البعض عدد الجمعيات برقم يتروح ما بين 1800 و1900 جمعية منتشرة في مختلف مناطق ليبيا، إلا أن دور هذه المنظمات بصفة عامة محدود بحكم حداثة عهدها، وتفكك أجهزة الدولة ومؤسساتها، وانزلاق البلاد إلى حالة كارثية من العنف والفوضى على نحو ما سبق ذكره.

ومقارنة بالحالات سالفة الذكر، لعب المجتمع المدني التونسي دوراً هاماً في إنقاذ المسار الانتقالي.

فعلى خلفية الأزمات الأمنية والسياسية التي شهدتها البلاد في عام 2013، والتى قادت إلى تعاظم حالة الاستقطاب السياسي بين حزب «حركة النهضة» من ناحية، وقوى وأحزاب علمانية من ناحية أخرى لدرجة كادت أن تعصف بالعملية الانتقالية برمتها، بادرت أربع من منظمات المجتمع المدني (الاتحاد العام التونسي للشغل، والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وعمادة المحامين) باقتراح  خارطة طريق تضمنت تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة (غير حزبية) تتولى إدارة شؤون البلاد خلال ما تبقى من المرحلة الانتقالية، وتسريع عملية إقرار مشروع الدستور، وتشكيل هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، بحيث يعقب ذلك تحديد موعد الانتخابات.

وقد أجرت المنظمات المدنية الأربع اتصالات ومشاورات مع الفرقاء السياسيين بشأن خارطة الطريق المقترحة، ووافقوا عليها، وانخرطوا في حوار وطني جاد أفضى في النهاية إلى تنفيذ بنودها.

ويجرى حالياً التحضير لاستكمال استحقاقات المرحلة الانتقالية، خاصة فيما يتعلق بإجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية خلال ما تبقى من العام الجاري.

ويُلاحظ أن المنظمات المدنية المعنية لم تكتف بجهود الوساطة بين الفرقاء السياسيين فقط، بل مارست ضغوطاً علي الجميع من أجل إنجاح الحوار وتحقيق التوافق الوطني.

وقد كشف ذلك عن مدى فاعلية بعض قوى ومنظمات المجتمع المدني في تونس وبخاصة «الاتحاد العام التونسي للشغل»، الذى ترجع تاريخ تأسيسه إلى عام 1946. 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة