فالقوى الثورية تعرضت لكثير من الانقسامات والتشويه لكل ما تقوم به من احتجاجات،إذ بات يلصق بها كل ما هو مخالف للقانون،وكل ما يعمل ضد الاستقرار،بل وبالاتهام بالعمالة أحيانا وتلقي التمويل الأجنبي،وهكذا. والثوار من جانبهم لا يشعرون بالتغيير،فليس هناك من أهداف ثورة 25 يناير ما قد تحقق علي أرض الواقع "الحرية،العدالة الاجتماعية،الكرامة الإنسانية". بل إن الشعور السائد لديهم هو أن النظام القديم،برموزه وسياساته وأساليبه،لا يزال هو الحاكم والمتحكم في سير الأمور،وهو المسئول عن تفاقمها. فالحزب الوطني الحاكم السابق - من وجهة نظرهم – لا يزال يعمل رغم حله،فهو متغلغل في البيروقراطية المصرية وفي أجهزة الدولة،وأن الحكومات المتعاقبة ليست سوى صورة منه أو من حكوماته،فالشخصيات نفسها تقريبا هي التي تتولي المناصب الوزارية،وتشغل الوظائف العامة،ومناصب المحافظين،أو علي الأقل تختار من " السلة" ذاتها،وعلي نفس الخلفية.
والشئ نفسه ينطبق علي الهيئات والمجالس التي تشكلت بعد الثورة، بدءا من هيئات "الحوار الوطني"،إلي "المجلس الاستشاري الحالي"،وهو ما أدي إما إلي مقاطعة القوى الثورية لها،أو إلي رفضها،وبالتالي فقدت مصداقيتها ودورها المفترض أن تلعبه في دفع الأمور إلي الأمام،وليس العودة بها إلي الوراء،خاصة أن كل من تولوا المناصب القيادية،وعلي مختلف المستويات،كانوا من الأجيال القديمة،في تجاهل تام،لثورة 25 يناير،التي عبرت - ضمن ما عبرت أو في مقدمته - عن أزمة جيلية لأجيال جديدة،لم يستطع النظام السابق بأركانه المعروفة "حكما أو معارضة" أن يستوعبها أو يعبر عنها.
والإعلام في نظرهم ليس بأفضل حالا،فالذين يسيطرون عليه أو يتحدثون من خلاله بشكل مكثف هم تقريبا الوجوه نفسها،كما تسيطر عليه اللغة السياسية القديمة التي تتحدث كثيرا عن "المؤامرة" والمخططات الخارجية التي تقف وراء الثورة،ويزيد عليهما طبقة رجال الأعمال الشديدة الثراء، والتي تمول بتمويل ضخم كثيرا من الصحف والفضائيات الخاصة،والتي ارتبطت، ولا تزال، بالنظام السابق بحكم المصالح المتشابكة،والتي قد يستحيل تجاوزها.
أما ما هو أخطر من ذلك،فهو الشعور العام لدي تلك القوى – والتي تمثل الأجيال الجديدة في الحياة السياسية المصرية،والتي تربت ونمت خارج إطار الأحزاب والحركات السياسية المعروفة ــ بأن هناك صفقة ما بين السلطة - التي يمثلها المجلس العسكري الآن بحكم إدارته للبلاد في الفترة الانتقالية – وتيار سياسى بعينه،هو التيار الإسلامي بأجنحته المختلفة،سواء كانوا إخوانا مسلمين،أو سلفيين،أو جماعات راديكالية،كانت تنهج العنف قبل أن تراجع موقفها، وأن القوانين الجديدة التي أصدرها المجلس منفردا،سواء لتنظيم الأحزاب أو الانتخابات، صبت في مصلحة تلك القوى بالأساس. فالنص علي عدم قيام أحزاب علي أسس دينية تم الالتفاف عليه بمسألة " المرجعية الدينية"،التي لا يمكن معها التفرقة بين المعياريين من الناحية العملية،وظل مسألة شكلية لم يعمل بها أبدا. كما أن توسيع المساحة الجغرافية للدوائر الانتخابية لم يترك للأحزاب الجديدة المعبرة عن الثورة أو عن التيارات السياسية الأخرى التي تشكلت حديثا مجالا لمنافسة حقيقية متكافئة،سواء من حيث القدرة علي تغطية تلك المساحة الواسعة التي ضمت دوائر عديدة أو أدمجتها،حضرية وريفية تضم مختلف الطبقات الاجتماعية،بحيث يصعب علي أى قوة جديدة مخاطبتها والوصول إليها،أو من حيث الإنفاق المالي علي الدعاية،فضلا عن التجاوز عن استخدام أساليب الدعاية الدينية،التي من المفترض أن قانون الانتخابات يمنعها نظريا. إلي جانب أن الإعلام أعطي مساحة واسعة لأصحاب التيار نفسه،علي اختلاف توجهاتهم،لإعادة تقديمهم بقوة إلي الرأي العام في شكل جديد.
وسواء كانت هذه المظاهر هي نتاج صفقة كما يتردد،أو أنها لا تعدو أن تكون تقييما من المجلس العسكري لتوازنات القوى بين الأطراف السياسية المختلفة، والتي قدرها لصالح القوى الإسلامية، فإن النتيجة تظل واحدة.
ولذلك، لم تفلح الانتخابات التي جرت في هذا المناخ السياسي المشحون في تهدئة أو احتواء القوى الثورية. فالبرلمان القادم سيكون ثلثاه أو ربما أكثر من الإسلاميين،أي من القوى التقليدية،التي تعد هى الفائز الحقيقي في كل ما شهدته مصر من تغيرات سياسية،عقب تنحي الرئيس السابق مبارك ونخبته. والثلث الباقي موزع بين القوى الأخرى التي ليست بالضرورة متجانسة،سواء ليبرالية أو يسارية،ومن بينها القوى الثورية التي لا يكاد تمثيلها يكون محسوسا أو موجودا بشكل فاعل. فنتيجة الانتخابات غير مرضية للأجيال التي بادرت بالثورة علي الأوضاع القائمة،وتطلعت لمستقبل أفضل،قوامه التغيير.
ومن ناحية أخري،فإن القوى الإسلامية التي عانت من عدم الاعتراف القانوني بها،في ظل نظام مبارك،ربما لم تنجح في إعادة تقديم نفسها بعد كقوة للتغيير. فلا تزال الصورة العامة العالقة في الأذهان ترتبط "بالأجندة" القديمة التي تبنتها القوى الإسلامية عموما،والتي تركز علي المظاهر السلوكية والتمييز،وتتجاوز الحقوق والحريات الفردية،وحرية التعبير،والإبداع،وغيرها،خاصة مع صعود التيار السلفي الذي يخوض تجربته السياسية الأولي،ويتم الربط بينه وبين النمط "الوهابي" الذي يخشاه المجتمع المصري. وحتي لو كانت بعض فصائل تلك القوى –خاصة الإخوان المسلمين – قد تغيرت بحكم الواقع وتعقيداته،كما ظهر في بعض تصريحات د. عبد المنعم أبو الفتوح،المرشح المحتمل للرئاسة،وهو محسوب علي نفس التيار حتى وإن ترك الجماعة،أو د. عصام العريان،نائب رئيس حزب الحرية والعدالة،الذراع السياسي للإخوان حول عدم فرض "الحجاب"،أو اختزال الإسلام في تطبيق "الحدود"،فإن هذا التغير ربما لم يصل بشكل واضح إلي جميع أطياف المجتمع أو أنه لم يكن كافيا.
فكثيرون لا يفرقون إلي الآن بين مختلف الاتجاهات الإسلامية،بل ويعتقدون – وقد يكون خطأ – أنها كلها تحمل "أجندة" واحدة. فهل هو خطأ في الاعتقاد الشائع،أم في الخطاب السياسي الإسلامي الذي لم يقدم نفسه بأسلوب جديد لرفع هذا الالتباس ولا يزال الجدل المثار حائرا حول النموذج المستقبلي الذي ستقدمه هل هو تركي؟ أم سعودي أم إيراني،أم باكستاني! هل سيتنازع الإسلاميون أنفسهم حول تلك النماذج
قد لا تكون البرلمانات،التي تأتي مباشرة عقب الثورات،هي المعبرة عن التغيير الكبير المنشود، وقد لا تعبر عن القوة الثورية ذاتها. فالأوضاع القديمة الضاربة بجذورها في الحياة السياسية لا يمكن إنهاؤها بسهولة. بل إن الغلبة دائما ما تكون للقوى التقليدية التي عملت لعقود علي أن تكون هي البديل للنظام الاستبدادي، وهو ما حدث بالفعل في الحالة المصرية. فالقوى الإسلامية كانت هي البديل الجاهز، وهو ما عبرت عنه صناديق الانتخابات،أيا كانت التقييمات للظروف التي سبقتها، أو جرت من خلالها، أو حتى نتائجها. فالمواطنون الذين يئسوا من النظام السابق،وعانوا الفقر والتهميش، وتدهور الخدمات العامة،والرعاية الاجتماعية،وازدياد البطالة، سرعان ما تعلقوا "بالبديل"، حتى وإن لم يختبروه في السلطة بعد. وهو أمر قد يكون طبيعيا ومفهوما في اللحظة الراهنة.
ولذلك،يزداد الغضب،والثورة التي بدأت سلمية قد تصبح عنيفة،إذا ما استمرت عوامل الرفض علي حالها. والدعوات المطالبة بسرعة انتهاء المرحلة الانتقالية،وتسليم السلطة إلي قوى مدنية، لن تفلح بذاتها في الوصول إلي نظام جديد. فالتحديات السياسية أمام الانتقال إلي حكم مدني لا تزال كثيرة، وفي مقدمتها الاختلاف حول الخطوات المطلوبة لهذا الانتقال،ليس فقط في المضمون، وإنما حتي في الجدول الزمني. فبينما ترى بعض القوى، وأولاها "القوى الثورية"، سرعة هذا الانتقال، والقفز علي المراحل المحددة،وفقا للخطة الزمنية التي أعلن عنها المجلس العسكري، ترى القوى الإسلامية ضرورة السير في تلك الخطوات، دونما تغيير، أى استكمال الانتخابات البرلمانية، ثم انتخابات الشورى، بعدها اختيار الجمعية التأسيسية للدستور ثم كتابته،والاستفتاء عليه،وأخيرا إجراء الانتخابات الرئاسية. ورغم ما تبدو عليه هذه الخطة ظاهريا من سلاسة وسهوله،فإنها في الواقع ليست كذلك.
فاستمرار الغضب الذي تعبر عنه المظاهرات والاحتجاجات لا يوفر تلك السهولة والسلاسة. كما أن الخلافات العميقة حول قضية الدستور لن تنتهي بمجرد إقرار البدء فيه،حتي مع فرص الاستمرار في مسار الانتخابات،بما فيها انتخابات مجلس الشورى في ظل التوتر الحالي الذي يسود المشهد السياسي. فاختيار أعضاء اللجنة التأسيسية التي قررها الإعلان الدستوري،وحددها بالمائة شخصية،عليه خلاف كبير،وهو أمر كان متوقعا بقوة منذ اللحظة الأولى التي تقرر فيها أن تكون الانتخابات البرلمانية أولا،أى قبل الاتفاق علي كتابة الدستور الجديد،والاكتفاء بالاستفتاء علي تعديل بعض المواد للدستور القديم،أى دستور 1971، الذى عد معطلا وليس ملغي. كما أن المطالبة بالقفز علي تلك المرحلة بالإعلان عن الانتخابات الرئاسية،ستكون إما وفقا للدستور القديم،أو لأى قانون قادم سيصدره المجلس العسكري،بما له من سلطات تنفيذية وتشريعية في هذه المرحلة،وربما سيكون بدوره محلا لخلاف جديد. ولا تقتصر قضية الدستور علي أسلوب اختيار الجمعية التأسيسية – أى من الأغلبية البرلمانية – أو من خارجها لتكون معبرة عن مختلف الاتجاهات السياسية والفكرية،فضلا عن المتخصصين القانونيين والدستوريين،وإنما حول القضايا الجوهرية في الدستور التي تحدد طبيعة الدولة وتوجهاتها الرئيسية،فضلا عن القضايا الأساسية الخاصة بالحريات العامة والفردية،وحقوق المواطنة،وعدم التمييز،سواء بسبب العقيدة،أو نوع الجنس. فضلا عن شكل نظام الحكم (رئاسيا كان أو برلمانيا)،وحدود سلطات كل من مجلس الشعب،ورئيس الدولة،ثم الخلاف حول الإبقاء علي مجلس الشورى،ونسبة الخمسين في المائة من "عمال" و"فلاحين" في المجالس النيابية.
فلا يزال لكل من التيارات السياسية والفكرية رؤيتها الخاصة،ولم تفلح الفترة الماضية في التقريب بينها،أو التوافق علي أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها،لترسم ملامح النظام الجديد. وحتي عندما حاول المجلس العسكري تدارك أمر " قضية الدستور أولا" - ولو متأخرا - بالإعلان عن وثيقة مبادئ أساسية،ليتضمنها الدستور القادم،والمعروفة "بوثيقة السلمى"،تم رفضها. كما أن الاختلاف حول وضعية الجيش،ودوره في البناء السياسي زاد الأمر تعقيدا،وهو أمر يصعب تجاهله،وفقا لمعطيات الواقع،وتوازنات القوى الفعلية. وما لم يتم الاعتراف من قبل الجميع بأهمية ومحورية تلك القضايا في هذه المرحلة الانتقالية،وما لم يتم التوافق أيضا علي أرضية مشتركة،وحلول توافقية بشأنها،فستظل التحديات تحيط بهذه المرحلة،وتعرضها لانتكاسات وصعوبات،قد تطيل أمدها،ولا تسرع بالانتقال إلي مرحلة جديدة.