رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مكتبة الديمقراطية

 

-المؤلف: جلين جرينوالد 

-الناشر: متروبوليتان بوكس -  MetropolitanBooks- تاريخ النشر: 2014

لم يكن الصحفي جلين جرينوالد يعلم أن رسالة من مجهول سوف تفتح له بابا لأكبر سبق صحفي في حياته، فذلك الشخص المجهول لم يكن سوى إدوارد سنودن، الموظف السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية، الذي قرر فضح ممارسات أحد أكبر أجهزة الاستخبارات في العالم، التي قامت بمراقبة كبرى شركات الإنترنت العالمية مثل جوجل وفيسبوك، وياهو، وبالتنصت على المكالمات التليفونية للأمريكيين والسياسيين من مختلف دول العالم. 

أثارت التسريبات التي كان بطلها الموظف السابق بوكالة الأمن القومي الأمريكية، إدوارد سنودن، جدلا واسعا حول العالم بشأن المدى الذي ذهبت إليه الولايات المتحدة في مراقبة العالم وحتى حلفائها الذين يظنون أن مصالحهم المشتركة مع الولايات المتحدة لن تدفعها للتفكير في التجسس على كبار قادتها.

لكن الصحفي جرينوالد الذي حالفه الحظ بأن يكون أول من فكر سنودن في الاتصال به للإفصاح عن هذا الكم غير المسبوق من  الوثائق السرية، لم يكن يعلم في بداية الأمر أن القصة التي ستغير حياته تماما قد طرقت بابه فجأة عبر رسالة من مجهول تلقاها على بريده الإلكتروني.

ومن بين أسباب اعتماد سنودن على الكاتب الصحفي جرينوالد هو معرفة سنودن السابقة به عن طريق مقالاته المدافعة عن حرية المواطنين في مواجهة سيطرة الدولة والأنظمة، وأيضا بسبب خلفيته القانونية السابقة قبل أن يعمل في مجال الصحافة، وهو ما سيجعل من السهل أن يساعده في تقرير ما يجب أن ينشر للجمهور، وما لا يجب أن ينشر، لأن المعلومات والوثائق التي كانت بحوذة سنودن تخص دولا كبرى وشخصيات محلية وعالمية، ويمكن لأي تسريب أن يحدث أزمات سياسية كبيرة للولايات المتحدة، أو أن يضر بالفعل بالأمن القومي الأمريكي.

وكان جرينوالد من المدافعين عن الحقوق والحريات، وخاصة في عموده بصحيفة الجارديان البريطانية، أحد أعرق الصحف في بريطانيا والتي تتفاخر بأنها «ليست مملوكة لأحد» وبالتالي تكتسب مصداقيتها من تميز الصحفيين فيها الذين من المفترض ألا يخضعون لضغوط أصحاب رأس المال كما هو الحال في العديد من الصحف الأخرى.

وكان من المثير حقا أن يعترف جرينوالد أنه قد تكاسل في بداية الأمر في التعامل مع هذه الرسالة مجهولة المصدر، وساوره الشك تجاه صاحبها، ومن يمكن أن يكون، وما هي أهدافه الحقيقية.

وكان يعتقد أن تلك الرسالة ليس وراءها شيء مهم، وكاد الصحفي أن يخسر سبقا صحفيا هو الأنجح في حياته على الإطلاق، لولا استمرار سنودن – صاحب هذه الرساله- في اقناعه بضرورة اتباع تعليماته والبدء في تنصيب برامج لتشفير البيانات على جهازه الشخصي حتى يتمكن من ارسال معلومات غاية في الأهمية والخطورة، وكذلك البوح بهويته وطبيعة المكان الذي يعمل به.

وينقسم الكتاب إلى ثلاثة أجزاء: الأول يتناول بداية التواصل بينه وبين سنودن وكيف أنه سعى للتواصل معه من أجل الإفصاح عن معلومات غاية في السرية لم يكن جرينوالد يتوقع أن تكون بمثل هذا القدر من الأهمية.

ويتناول الجزء الثاني من الكتاب أبرز المعلومات المسربة من وكالة الأمن الوطني الأمريكية، وكذلك بعض أجهزة الاستحبارات البريطانية.

ويتناول الجزء الثالث رؤية الكاتب لقوة الصحافة ودورها في كشف مثل هذه الأسرار الكبرى للرأي العام وحدود العلاقة بين الدولة والمواطن، وحق الدولة في جمع المعلومات للحفاظ على أمن الوطن فيما لا يخل بحق الأفراد في حماية خصوصياتهم  ومعلوماتهم  ومكالماتهم الهاتفية.

ومما يكشف عنه الكتاب قيام الولايات المتحدة الأمريكية باعتراض طريق شحنات تصدير تضم أجهزة كمبيوتر وأجهزة شبكات الإنترنت (الراوتر) وغيرها من الأجهزة الالكترونية، وفتح عبوات تلك الأجهزة وإعادة ضبطها، أو ربما تزويدها بأدوات أخرى دقيقة حتى يسهل مراقبة البيانات التي تستخدم من خلالها، وذلك قبل إغلاقها مرة أخرى باستخدام لاصقات أصلية لهذه المنتجات، ثم إعادتها إلى طريقها للتصدير.

وبينما كانت الولايات المتحدة تحذر قبل ذلك من استيراد المنتجات التكنولوجية من الصين بزعم أنها تستخدم في جمع المعلومات والتجسس على المستخدمين، وجدت الولايات المتحدة نفسها في مواجهة مؤسفة مع هذه الوقائع التي كشف عنها سنودن، والتي تؤكد توغل أجهزتها الأمنية والاستخباراتية في التجسس على مواطنيها ومواطني العديد من دول العالم بل وقادة الدول الكبرى كما حدث مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.

ووصف الكاتب هذه الخطوة بأنها تمثل «شكلا صارخا من أشكال النفاق» الأمريكي تجاه المواطنين. 

وينتقد الكاتب عمل الكثير من رجال السياسة في الولايات المتحدة الذين يعلمون بعض هذه التفاصيل الخطيرة ويبررون ذلك بحجة الحفاظ على الأمن القومي.  ويكشف الكاتب عن واقعة أخرى حينما طلب بعض الدبلوماسيين الأمريكيين التجسس على آخرين أعضاء في مجلس الأمن والأمم المتحدة من أجل معرفة مواقفهم وخططهم قبل التصويت في قضية معينة.

ويقول الكاتب إن المشكلة تكمن في أن هذا الجهاز تطور بعيدا عن أعين المراقبة المدنية، حتى أصبح بهذا الشكل من التغول الذي يشكل خطرا حقيقياً على أمن المواطنين.  ومن بين ما يتحدث الكتاب عنه أيضا محاولة وكلة الأمن القومي الأمريكية التأكد من قدرتها على التجسس على المكالمات التي تجرى من داخل الطائرات.

ويقول الكاتب إنه لا يوجد هدف أمني محدد من وراء ذلك سوى «حقيقة أنهم يعتقدون إنه لا ينبغي أن يستطيع أي شخص من أن يجرى أي اتصال على وجه الأرض دون قدرتهم على اعتراضه.»

ويقول الكاتب إن وكالة الأمن القومي استطاعت أن تتجسس على دول صديقة مثل ألمانيا وفرنسا، ومثل البرازيل، وعلى شركات إنترنت عملاقة مثل مايكروسوفت، وجوجل، وفيسبوك، مما يجعل الأمر أكثر خطورة من مجرد التنصت على مكالمات المواطنين الأمريكيين الهاتفية.

ويشير الكاتب إلى حقيقة قد تغيب عن كثيريين، وهي أن سنودن لم ينشر بنفسه أي معلومة أو وثيقة، وأنه كان باستطاعته أن ينشر عبر الإنترنت الكثير والكثير من الأسرار والوثائق، لكنه اختار بحكمة أن يتصل بالصحفي الذي سيدرك الأبعاد القانونية لما يصح أن ينشر، وهي نقطة تحسب لسنودن، من وجهة نظر الكاتب. 

ويقول الكاتب أن الوكالة أطلقت برنامجا للتجسس يحمل اسم PRISM، والذي يسمح لها بالدخول مباشرة إلى خوادم (سيرفرات) الشركات التكنولوجية الكبرى، مثل جوجل وفيسبوك وياهو، والوصول إلى ما تبحث عنه.

وهو ما يعني أن الجهاز يخترق خوادم هذه الشركات ويستطيع جمع وتصنيف وأرشفة كل ما ينشر من خلالها بما في ذلك رسائل البريد الإلكتروني وما تحتويه من خصوصية.  وأشار الكاتب إلى طلب سنودن منه في بادئ الأمر بأن يستخدم أحد برامج التشفير لمنع اكتشاف التواصل بينهما عبر البريد الإلكتروني، ورفض الإفصاح عن هويته أو أي شيء يخص التسريبات إلا بعد أن  استخدم الكاتب برنامج التشفير.

ويذكر الكاتب الخطأ الجسيم الذي وقع فيه ديفيد بترويس رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عندما كان في أفغانستان وتبادل رسائل بريدية كشفت عن علاقة جنسية خارج إطار الزواج بينه وبين صحفية أمريكية كانت تكتب كتابا عن سيرته الذاتية.

ويبدو أن الخطأ الذي وقع فيه بتريوس هو استخدامه خدمة البريد الالكتروني لموقع جوجل، دون استخدام أي برامج للتشفير، مما سهل على جهاز الإف بي آي الإطلاع على تلك الرسائل بعد ورود تقارير تشير إلى امكانية اختراق السي آي ايه من خلال تلك العلاقة مع الصحفية الأمريكية.  ويختتم جرينوالد كتابه بالتنويه إلى أهمية الدور الذي تقوم به الصحافة في كشف مثل هذه التجاوزات، وفي الدفاع عن حقوق المواطنين، وعن حريتهم من خلال حماية رسائلهم ومكالماتهم الخاصة.

ويؤكد على أن حفظ الأمن القومي لا يجب أن يجعل من أجهزة الاستخبارات وكالات للتجسس وانتهاك أبسط حقوق المواطنين التي يكفلها القانون.

كما يؤكد الكاتب على  ضرورة أن تعيد الولايات المتحدة النظر في المهام والوظائف التي تقوم بها وكالة الأمن القومي وباقي الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في البلاد.

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة