الافتتاحية
ثوران النفوس ..
2016/12/27
بقلم د. هناء عبيد
0
1001
65
العدد :

الثورة حدث استثنائى فى حياة الأمم، يترك بصمة هائلة على نفسية الشعوب، ووجدانها، وقيمها، ومستقبلها. فالثورة بطبيعتها، التى تعد خروجا جذريا عن المألوف، تطلق عقال المشاعر المختلفة، مثل الخوف، والزهو، والحماسة، وتعطل، ولو جزئيا، من الروادع والتقاليد المجتمعية، وتغير فى بنية القيم تغييرا قد يستمر لأجيال عديدة قادمة. 

وفى الذكرى السادسة لانطلاقة الانتفاضات الثورية العربية، يتناول عدد مجلة الديمقراطية الأبعاد النفسية للثورات؛ محدداتها، ومساراتها، بما فى ذلك احتمالات الانتكاس عنها وعوامله النفسية. فبالرغم من التحليلات المكثفة التى تتناول ثورات الربيع بإحباطاتها وتقلباتها، إلا أن الاهتمام لا يزال محدودا بدراستها من زاوية علم النفس السياسى، بالرغم من الحضور الواضح للعوامل النفسية فى البيئة الثورية وما بعدها.

وبالرغم من الإحباط السائد من مآلات الموجة الثورية العربية، يبدو «الإحباط» سُنة من السنن النفسية للثورات، التى ترفع سقف الأمل والتطلعات، وتمثل انقطاعا عن المألوف، وتدفع إلى السطح مخزونا هائلا من الأسئلة الوجودية والتحديات. فكثير من الظواهر، التى قد نظنها حكرا على منطقتنا، تبدو فى ميزان التاريخ أحداثا و«حالات» مألوفة تصاحب الثورات. فعلى سبيل المثال، كان القرن التاسع عشر تعبيرا عن الصراع بين الثورة الفرنسية والارتداد عليها. وتمتد بوادر دراسة ظواهر مثل العنف اللغوى، والشحن العاطفى، وسيكولوجية الجماهير للفترة التالية على الثورة الفرنسية على وجه الخصوص. كما أن الميل المحافظ، الذى يعقب الثورات ويمثل نوعا من الرِدَّة عن اندفاعاتها التغييرية فى فترات الثقة والعنفوان الأولى، يشكل ما يشبه قانونا لسيكولوجية الفعل الجمعى، حيث يستدعى التغيير المفاجئ والجذرى، وما يصاحبه من تحديات أو فوضى، رغبة عند قطاعات شعبية مؤثرة فى استعادة «النظام» وعودة الأمور إلى نصابها، والذى عادة ما يتم من خلال استدعاء النزعة الوطنية، التى تشكل السردية القادرة على الحشد العاطفى الموازى للقوة الوجدانية التى تمثلها الثورة.

على هذه الخلفية، تشتبك موضوعات العدد مع الأبعاد النفسية المختلفة لمرحلة ما بعد الثورات، بالتركيز على ثورة الخامس والعشرين من يناير فى مصر وتداعياتها. فتتناول دراسة العدد قيمة الطاعة والعوامل الفردية والشخصية المرسخة لها، وكيف تفاعلت ثورة يناير مع المخزون القيمى الذى يكرس قيمة الطاعة، من خلال ثلاث موجات، انتهاءً بما تسميه الدراسة حالة من الطاعة القلقة أعقبت الثورة.

فى ذات السياق، تتناول موضوعات الملف عددا من القضايا والظواهر على حدود التماس بين الظاهرة النفسية والسياسية فى ارتباطها بالثورة. ويبدأ الملف بمقال افتتاحى يتناول بشكل نظرى سمات الشخصية التى تعزز من قيم التطرف والجمود، وتجعل المجتمعات أكثر ميلا إلى إنتاج الشخصيات التسلطية والميول المحافظة. كما تركز مقالات الملف على قضايا، مثل علاقة الثورة بالدين، وكيف تستحيل الثورة معتقدا يتمتع بدرجة تشبه القداسة. وتقدم التحليلات قراءات تتسم بالجدة إزاء ظواهر مثل: التقلبات النفسية لجماهير الثورة المصرية, فى مقارنة بين جمهورى 25 يناير و30 يونيو، ونقاط التماهى والاختلاف بين كل منهما، والعوامل النفسية الحاكمة لتلك التقلبات. كما تقدم تحليلا لظاهرة بالغة التأثير هى العنف اللغوى، فى سياقاته السياسية وعلاقته بالاستقطاب المجتمعى، والذى بلغ مدى بعيدا فى الفرز والاستبعاد العاطفى، بل والتأثير على تعريف الحق فى الحياة. فى ذات السياق، يتناول الملف ظاهرة صدمة ما بعد الثورات، والتى تطال بوجه خاص المنخرطين بشكل مباشر فى الفعل الثورى، فضلا عن ظاهرة الإحباطات، وشيوع قيم السلبية، والعزوف، واللامبالاة فى مرحلة ما بعد الثورة. وأخيرا، تتناول موضوعات الملف المزاج العام السائد فى المنطقة العربية، فى تفاعلاته المتذبذبة مع الثورة، وقضية الرشادة فى الاختيار الثورى، والبيئة النفسية الحاكمة للاختيارات السياسية، فضلا عن قضايا نوعية، مثل الميكانيزمات النفسية للإعلام فى اشتباكها مع الظاهرة الثورية.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق