مكتبة الديمقراطية
الأرقـــــــــــــــام واستراتيجيات التأثير فى الجماهير
2016/12/27
0
1363
65
العدد :

NumbersandNerves: Information، Emotion، andMeaninginaWorldofData

سكوت سلوفيك، وباول سلوفيك

 

مطبعة جامعة ولاية أوريجون، الولايات المتحدة - 2015

عرض: هانى عبدالخالق

 

تؤثر المعلومات التى تقدم إلينا فى صورة أرقام وإحصاءات فى الصحف، ووسائل الإعلام المختلفة، بشكل كبير، على كيفية إدراكنا للأحداث المهمة التى تجرى فى عالمنا. ولذا، أصبح من الضرورى  معرفة الطرق والاستراتيجيات التى تعمل من خلالها هذه الأرقام لإحداث التأثير المعرفى والشعورى لدى الجمهور الذى يتلقاها.

ومن هذا المنطلق، يصحبنا كتاب «NumbersandNerves»، فى محاولة لتفسير السبب وراء تأثرنا العميق بمأساة أو حادث يقع لشخص واحد، أكثر من تأثرنا بحادث ربما يصل عدد ضحاياه لعشرات، أو مئات، أو حتى آلاف.   ولعل الصورة الشهيرة لغرق الطفل السورى، آلان كردى، على أحد شواطئ تركيا خلال رحلة الهجرة إلى أوروبا مع والديه تجسد هذه الحقيقة. فقد حركت تلك الصورة مشاعر ملايين البشر فى جميع أنحاء العالم، كما لم تحركها من قبل حوادث غرق مئات المهاجرين فى مياه البحر المتوسط التى تقع بشكل متكرر.

 وقد أثبتت العديد من الدراسات التى أجريت فى مجال علم النفس والاجتماع صحة هذا الأمر بالفعل. فربما ينظر البعض لحادث أودى بحياة عشرات الأشخاص على أنه خبر معتاد لا يعنى لهم شيئا، ولا يحركهم للقيام بشيء، بينما ينظر هؤلاء أنفسهم لمأساة شخص واحد  فقط على أنها خبر مفجع يستوجب التحرك والمساعدة.

ويستعرض الكتاب العديد من التجارب والأمثلة التى تشير إلى تزايد التعاطف،  ومن ثم رد الفعل الإيجابى، أو ربما التحرك بشكل عملى، تجاه الصور، أو القصص، أو مشاهد الفيديو التى تظهر معاناة شخص ما، أو مجموعة قليلة من الأشخاص، مقارنة بالتعاطف مع حادث يضم عشرات أو مئات الضحايا، ولا يستخدم مثل هذه الوسائل البصرية أو السمعية للتاثير فى الجمهور.

  كيف يمكننا بدون الأرقام، كما يقول محررا الكتاب، سكوت سلوفيك، وباول سلوفيك، أن نوثق الأحداث الكبرى التى تجرى فى عالمنا، أو نحللها؟ وكيف يمكننا تحديد الطريقة المناسبة للتفاعل مع تلك الأحداث؟

 لماذا تفشل الأرقام؟

لقد بات من الواضح  بالنسبة لكثير من العلماء، وصانعى القرار على حد سواء، أن المعلومات يجب أن تقدم فى صورة أرقام وإحصاءات، حتى يسهل استيعابها، وتحليلها، وإدراك ما يترتب عليها، وكذلك إدراك حجم الأمور وخطورتها أو بساطتها.

لكن المعلومات المقدمة فى صورة أرقام معتادة، والتى تقدم أيضا فى قوالب جامدة، وروتينية، غالبا ما تفشل فى إحداث تأثير قوى على من يتلقاها، وبالتالى لن تدفعه إلى التحرك، أو القيام بخطوات ذات أثر ملموس.  

 كما أن علماء الاجتماع الذين يدرسون عمليات التفكر الإنسانى، والأدباء، والأكاديميين المتخصصين فى استراتيجيات التواصل والإعلام، وجدوا أنفسهم فى حاجة إلى أن يفسروا السبب وراء ضرورة استخدام لغة الأرقام فى وصف ظواهر معينة، مثل انقراض نوع معين من الكائنات، أو نسبة انبعاث غاز ثانى أكسيد الكربون وتأثيره فى عملية التغير المناخى، أو وصف حادث ما باستخدام ألفاظ من قبيل «مجزرة»، أو «إبادة جماعية»، أو «تطهير عرقى».

لكن الأرقام وحدها فى نهاية المطاف، والتى تدعم بقوة موقف الباحثين أو العلماء، أو الصحفيين الذى يوثقون الأحداث، يمكن أن تُحدث تأثيرا محدودا أو ضئيلا للغاية إذا لم تستخدم بطريقة مناسبة.

 فماذا يعنى موت مئات الآلاف من الفقراء، أو المشردين فى القرى، فى إحدى بلاد إفريقيا بالنسبة لسكان مدينة أمريكية على سبيل المثال؟ 

 قوة النموذج الفردى:

يقول الكاتب نيكولاس كريستوف فى مقاله فى الفصل الخامس من هذا الكتاب «إننا اكتشفنا أن الضمير البشرى ربما لا يتأثر بمعاناة جماعية بقدر ما يمكن أن يتأثر ويتجاوب مع معاناة فردية، حتى لو كانت معاناة «كلب جائع» فى أحد شوارع السودان».

 وقد أشارت دراسات عديدة إلى ذلك بالفعل، وهى دراسات أجراها علماء نفس خلال محاولتهم فهم السبب الذى يدفع الناس لعدم التجاوب مع المذابح والمجاعات التى تحدث فى عالم اليوم، وتجاوبهم مع معاناة شخص واحد، أو حتى حيوان واحد.

 وقد نتعجب حينما نعلم أن السبب الذى ربما دفع الرئيس الأمريكى السابق، جورج بوش الابن، والشعب الأمريكى للتجاوب مع بعض المذابح التى وقعت فى السودان خلال فترة حكمه، كان مجرد صورة «كلب» يعانى الجوع فى شوارع السودان،بعدما نشرت فى وسائل الإعلام الأمريكية وأحدثت تعاطفا كبيرا.

 كما أشار كريستوف إلى تجربة أجراها علماء نفس، طالبوا خلالها من مواطنين عاديين أن يتبرعوا بخمسة دولارات، لتخفيف معاناة نحو 21 مليون جائع خارج البلاد. وفى نفس الوقت، طالبوا مواطنين آخرين بالتبرع بنفس المبلغ لفتاة تُدعى «رقية»، عمرها سبع سنوات، وتعيش فى مالى فى إفريقيا، وتعانى هى وأقرانها من الجوع الشديد. 

كانت النتيجة أن الناس أبدوا تجاوبا أقل مع ملايين الجوعى الذين لا يعرفون منهم أحدا، بينما أبدوا تعاطفا وتجاوبا كبيرا مع الفتاة «رقية».

 كان السبب بالطبع هو الطريقة التى قُدمت بها معاناة «رقية» للجمهور. فقد قُدمت كمثال حى ومباشر لمجموعة أكبر من الأطفال والأشخاص الذين يعانون الجوع فى بلادهم. ويعد الدليل الواضح الذى يمكن أن نخرج به من هذه التجربة هو أن البشر يتجاوبون مع معاناة الأفراد أكثر من تجاوبهم مع معاناة الجماعات.

 ويقول ناشطون فى مجال مكافحة الجوع إن نحو 30 ألف طفل يموتون يوميا بسبب الفقر والجوع، ويمكننا أن نفترض أن هذا الرقم ينبغى أن يصدم الجمهور ويدفعهم إلى التحرك وتقديم العون، لكن العكس هو الصحيح، فكلما كان عدد الضحايا أكثر، كان التجاوب مع قضيتهم أقل.

الأرقام وحالة اللامبالاة:

تتطلب الأحداث الكبرى التى قد تقع على نطاق واسع هنا أو هناك، استخدام أرقام معينة لوصفها، وبالتالى تصبح الأرقام هى الشكل الرئيسى الذى نستخدمه فى الخطاب المتعلق بهذه الأحداث.

لكن المدهش فى الأمر هو أنه فى معظم الحالات، تكون تلك الأرقام هى السبب فى حالة اللامبالاة، أو فقدان الحس الذى يصيب الجمهور، وتكون السبب أيضا فى أن الرسائل التى يمكن أن تنقلها مثل هذه الأحداث تصبح خاوية من أى معنى. 

 ومن هنا، يتفق العلماء على أن هناك صلة ما بين «المشاعر» و «الأرقام»، وقد أظهرت العديد من الدراسات التى جرت مؤخرا أنه ما لم تُحدث الأرقام أثرا نفسيا أو شعوريا، فلن تكون ذات دلالة أو معنى على الإطلاق لدى من يتلقاها.

 فذلك الأثر الذى تحدثه الأرقام هو الذى يلعب دورا مهما فى الحكم على الأشياء، وهو الذى يساهم أيضا فى عملية اتخاذ القرار.

 فحينما يفهم الناس حجم أزمة تشتعل فى مكان ما من حولهم، وتقدم إليهم فى صورة أرقام. غالبا ما تكون هناك عقبات فى طريق مساهمة الناس فى حل هذه  الأزمة، ويتمثل ذلك فى فكرة أن الشخص يدرك أن جهوده الفردية ربما لن تكون ذات أثر أو قيمة تذكر فى مواجهة مثل هذه الأزمة الضخمة التى قد تحتاج لتدخل هيئات، أو مؤسسات، أو حكومات، للمساهمة فى حلها.

الأرقام مقابل المشاعر:

 ولذا، يبقى هناك تحدٍّ كبير يتمثل فى فهم الطريقة التى يتعامل بها العقل البشرى مع المعلومات التى تقدم له فى صورة أرقام. وهذا التحدى ليس سهلا على الإطلاق، وإنما ينطوى على عمليات معرفية، وشعورية معقدة تحتاج أن تؤخذ فى الحسبان.

 وفى المقال الذى ساهم به سيمور إبستين فى هذا الكتاب بعنوان «التكامل المعرفى والنفسى للعقل الباطن»، يرى أن البشر يفهمون الواقع -  بمخاطرة ومكاسبه – من خلال توظيف طريقتين متفاعلتين لاستيعاب المعلومات: الطريقة الأولى هى الطريقة المنطقية والعقلانية المبينة على الدليل. والطريقة الثانية، هى الطريقة التجريبية التى تعتمد على تفسير الواقع، من خلال ما يحتويه من صور، ورموز، ودلالات لغوية ومجازية،  ترتبط بالمشاعر.

 بمعنى آخر، نحن نحتاج إلى كل من الأرقام والمعلومات، وكذلك المشاعر والأحاسيس، لكى ندرك حقيقة هذه الأرقام، وبالتالى نتجاوب معها بالشكل المناسب.

 وهذا يعنى أيضا أن جميع البشر تقريبا لديهم مساحة داخلية تحتاج إلى الكلمات المعبرة، والصور، والقصص، ومخاطبة المشاعر، والتى من شأنها أن تساعدهم فى فهم المعانى والرسائل التى تتجسد أمامهم فى الأحداث والأزمات الرئيسية.

 ومن هنا، فإن الأشخاص المؤثرين، والقادة، والناشطين بوجه خاص، والذين يريدون أن تصل رسائلهم وأفكارهم إلى الآخرين، سيحتاجون إلى تعزيز قدراتهم اللغوية، بالإضافة إلى ضرورة فهم الجوانب النفسية المختلفة المتعلقة باستيعاب المعلومات والأرقام، حتى لا تكون الرسائل والأفكار التى يطرحونها مجرد كلمات جوفاء. 

 لقد نجح هذا الكتاب بالفعل فى لفت انتباهنا إلى أن قيمة الحياة البشرية تتراجع فى أنظارنا مع زيادة عدد الأرواح التى نفقدها. ففى بعض الحالات، نسقط فريسة لما يعرف بظاهرة «تلاشى التعاطف»، التى ذكرها إبستين فى مقاله، ونصبح أقل اهتماما، وأقل ميلا للتحرك بشكل مناسب، عندما يزيد عدد الأشخاص الذين يتعرضون للخطر.

ولذا، فإن أول حياة تتعرض للخطر يجب أن تمثل لدينا أهمية قصوى بشكل يدفعنا إلى الإسراع للحفاظ عليها.

 استراتيجيات أخرى:

ويقول ماثيو نيوكومب فى مقال له بعنوان «الشعور بقسوة الأرقام»، إن هناك دورا معقدا تقوم به الأرقام والإحصاءات فى توصيل المعلومات، مثلما حدث فى مذابح رواندا فى التسعينيات، ومن ثم فإن هذه الأرقام يمكن أن تكون عاملا للتمكين وتعزيز الموقف، ويمكن أيضا أن تكون سببا فى إحداث شعور بعدم الاهتمام بالموقف.

 ولمواجهة هذه الحالة من عدم الاهتمام أو اللامبالاة، هناك استراتيجيات مختلفة يمكن اتباعها فى أماكن عديدة، مثل الفصول المدرسية، وقاعات المحاضرات الجامعية، وصفحات الجرائد، والكتب، والمجلات.

وتتمثل هذه الاستراتيجيات فى استخدام الوسائل المساعدة التى تقرب المعنى، وتحدث الأثر المطلوب فى الجمهور، بداية من اللغة البلاغية، والكلمات المؤثرة، والصور البسيطة، والعروض التوضيحية، ومقاطع الفيديو، ورواية القصص،إلى الرحلات، وزيارة أماكن الأحداث، والأشخاص المعنيين بهذه الأحداث.

فمن الضرورى أن يتم دعم ذلك الخطاب العددى بمثل هذه الوسائل المهمة، والتى تكون سببا فى إلهام الجمهور بقوة، وبالتالى تساهم فى تشكيل بوصلتنا البشرية تجاه الأحداث الرئيسية فى حياتنا.

فإذا لم نواكب تلك الاتجاهات الحديثة فى التأثير، فلن نستطيع أن نحقق الأثر المطلوب الذى من شأنه أن يقودنا إلى إصدار أحكام أكثر دقة، وقرارات أكثر حكمة، حتى بصفتنا مواطنين وأفرادًا عاديين، فيما يتعلق بالأحداث المهمة التى تمر بنا، وحتى لا يتخلى الناس بالكلية عن تلك المشاعر المطلوبة كجزء أساسى فى عملية فهم واستيعاب الأرقام والمعلومات.

 

 

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق