ثقافة ديمقراطية
«ديمقراطية الوسيط» تقود بوب ديلان إلى نوبل
2016/12/27
بقلم سيد محمود حسن
0
1762
65
العدد :

 

(1)

فى الكلمة، التى أرسلها الشاعر والمغنى، بوب ديلان، للأكاديمية السويدية المانحة لجائزة نوبل للآداب، الكثير مما يمكن التوقف عنده، ويعطى إجابات للأسئلة التى رافقت فوزه بجائزة هذا العام، والتى لم تتوقف إلى الآن. فقد قال نصا: (حين وصلنى خبر فوزى جلست أفكر فى وليام شكسبير، الرمز الأدبى العظيم، وسوف اعتبر أنه كان يفكر فى نفسه ككاتب مسرحى، وفكرة أنه يكتب أدبًا لم تكن تراوده. كان يكتب كلماته لتُمَثَّل على المسرح، من أجل أن تُنطَق لا أن  تُقرَأ.  أنا  متأكد  أنه  حين  كان  يكتب  هاملت  كان  يفكر  فى  العديد  من  الأشياء المختلفة: «من هم الممثلون الأنسب  لهذه  الأدوار؟»، «كيف  يمكن أن  تُعرَض  على  المسرح؟»، «هل أود  فعلًا  أن  أجعل الأحداث  تجرى  فى  الدنمارك؟».  بلا شك، كانت  رؤيته  المبدعة  وطموحاته  فى  مقدمة ما يفكر  فيه،  ولكن  كانت  هناك  أيضًا  مسائل  مبتذلة كان عليه أن يتعامل معها: «هل  التمويل  كاف؟»،  «هل هناك  مقاعد جيدة كافية لرعاة المسرحية؟»، «من أين سأحصل على جمجمة لإنسان؟» أراهن أن آخر شىء كان يفكر فيه شكسبير هو: هل هذا أدب؟).

بجملة من هذا النوع، لفت ديلان إلى أن الانشغال الأول للأدباء المنخرطين بالفنون الأدائية يتعلق أولا بالعمل وبآليات الإنتاج، التى تضمن تواصلا مع جمهور أكثر ما يتعلق بالقيمة المستمدة من النصوص الأدبية ذاتها.

 وربما، دون قصد منه، كسر ديلان هذه المعيارية الصارمة التى ربط مؤرخو الأدب طويلا بينها وبين جائزة نوبل التى لم تكف طوال تاريخها عن إحداث صدمات نوعية تشير إلى تحولات عميقة ترتبط بتغير موضوعات الكتابة، وهى تحولات يصعب فصلها كذلك عن تحولات فى الخطاب النقدى ذاته. وقبل رصد هذه التغيرات، بإمكاننا العودة لخطاب ديلان الذى ترجمه أمير زكى ونُشرت ترجمته العربية الكاملة على موقع (المنصة) وقال فيه: (ولكنى أيضًا مثل شكسبير، كثيرا ما أكون مشغولًا بالسعى وراء محاولاتى الإبداعية والتعامل مع المشكلات المبتذلة فى كل جوانب الحياة:«من هم أفضل العازفين لتلك الأغانى؟»، «هل أسجل فى الاستوديو المناسب؟»، «هل لحن هذه الأغنية مناسب؟» إذ  إن  هناك  بعض  الأشياء التى لا تتغير أبدًا، حتى بعد مرور 400 عام. لذلك لم يكن لديّ وقت أبدًا لأطرح على نفسى سؤالا: «هل تعتبر أغنياتى أدبًا؟». أشكر الأكاديمية السويدية، أولًا لأنها بذلت وقتًا للتفكير فى هذا السؤال، وأخيرًا لتقديم هذه الإجابة الرائعة).

(2)

بمثل هذا النص الذى ينطوى على سخرية مضمرة من الذين أزعجهم فوزه بنوبل، حمّل ديلان لجنة الجائزة المسئولية، دون أن ينسى دفع المتابعين لمواجهة أكثر من سؤال، يرتبط بتغير مفهوم الأدب ذاته، وهو تغير تريد نوبل منحه الشرعية اللازمة لاستمراره كما كانت تفعل من حين لآخر. فالمتأمل لتاريخ الجائزة لن تفوته مثل تلك التحولات، ورغم أن ديلان أول موسيقى إلا أنها ليست المرة الأولى التى تخرج فيها نوبل للآداب بعيدا عن عالم الرواية والقصة والمسرح والشعر، لكنها حدثت 6 مرات سابقة.. عندما منحت الأكاديمية السويدية الجائزة لشخصيات لا تمارس الكتابة الأدبية، وإنما تمارس العمل السياسى، أو الفكرى، أو تعمل فى مجالات كالتأريخ والصحافة، ونرصد هنا الحالات التى شهدت هذا التحول :

1 - تيودور مومسن– 1902 (المؤرخ) – ألمانيا: هو الفائز الثانى بالجائزة والمؤرخ الوحيد الذى يفوز بها، حيث لم يعرف طيلة حياته بكتاباته الأدبية، وإنما عرف مؤرخا وسياسيا ومدرسا للقانون، وعضوا بالبرلمان الألمانى، وقد منحته الأكاديمية الجائزة على عمله التاريخى «تاريخ روما». 2 - رودلف أوكن– 1908 (الفيلسوف) – ألمانيا: تخصص الفيلسوف الألمانى، فى الفلسفة التى درسها فى جامعتى جوتنجن وبرلين، ثم عمل أستاذا للفلسفة، ووفقا لحيثيات فوزه بالجائزة، فإنه حصل عليها تقديرا لعمله الجاد فى البحث عن الحقيقة، واتساع رؤيته ونفاذ أفكاره حول الفلسفة المثالية للحياة. 3 - هنرى برجسون– 1927 (الفيلسوف) – فرنسا: أحد أشهر الفلاسفة الفرنسيين، حصل على الجائزة مكافأة له على نظراته الفلسفية المختلفة عن السائد فى ذلك العصر، وكذلك بعض الكتابات السياسية، وجاء فى حيثيات فوزه: «فاز تقديرا لحيوية أفكاره». 4 - برتراند راسل– 1950 (الفيلسوف): لم يكن شاعرا أو روائيا، وإنما فاز بـ«نوبل»، عرفانا بكتاباته الفلسفية المهمة والمتنوعة حول المثل الإنسانية وحرية الفكر. 5 - ونستون تشرشل1953 (السياسى) – بريطانيا: وفقا للأكاديمية السويدية، فإن رئيس وزراء بريطانيا فى أثناء الحرب العالمية الثانية، قد حصل على «نوبل» فى الآداب، تقديرا له على كتاباته التاريخية والسيرية، وكتاباته المدافعة عن القيم الإنسانية الرفيعة. 6 – سفيتلانا أليكسيفيتش2015 (الصحفية) – بيلاروسيا: قالت لجنة الأكاديمية، إن الكاتبة والصحفية البيلاروسية حصلت على الجائزة على «أعمالها المتعددة الأصوات التى تفند معاناة عصرنا»، حيث اشتهرت سفيتلانا بكتاباتها الصحفية ذات النسيج القصصى، وتحمل كتاباتها محتوى تاريخيا مصاغا بشكل سردى يقترب من اللغة الأدبية، تكون البطولة فيه للأحداث الواقعية وليست المتخيلة، (تقرير على موقع صحيفة القاهرة لمصطفى طاهر) .

(3)

فى هذه الحالات وغيرها كانت لجنة الجائزة تريد - قبل كل شىء - توسيع مفهوم الأدب وشرعنة الأشكال المغايرة التى كان أصحابها قد غيروا بها الأنماط السائدة وتمنحها الاعتراف الذى ينقلها من دوائر المغامرة والتجريب إلى التكريس، طالما كانت مقبولة جماهيريا، وقادرة على كسر العزلة التى يعانى منها الأدب بمفهومه التقليدى.

 وفى هذا السياق، يمكن فهم المنطق الذى قاد لجنة نوبل لاختيار المغنى والشاعر بوب ديلان للفوز بجائزة نوبل للآداب، لتحدث صدمة كبيرة لأولئك الذين لا يزالون ينظرون للأدب نظرة نخبوية تضعه فى الإطار الطليعى الذى تمت مراجعته فى خطاب النقد الثقافى فى الربع قرن الأخير، وهو خطاب غيّر من «سياسات الأدب» وليس فى الأدب ذاته، فالجوائز ليست لها علاقة بالأدب، لكنها تصنع سياساته، بما فى ذلك اتجاهات القراءة وأدوات الترويج والاستهلاك، بما فى ذلك الاستهلاك النقدى.

(4)

ويتطلب الإقرار بتقبل فوز ديلان بنوبل وعيا مغايرا بالسياق ما بعد الحداثى الذى نجح أخيرا فى فرض شروطه، وتأكيد شرعية الوسائط الجديدة، وخلخلة المعايير التقليدية المرتبطة باشتراطات القيمة. وبهذا الاختيار استعادت الجائزة قدرتها على مقاومة الأعراف التقليدية والتعاطى بنوع من التقدير للثقافة الجماهيرية التى تعامت عنها النخبة طويلا. وهذا التقدير هو محصلة مسعى نقدى ناضلت لإقراره أصوات نقدية مهمة، أحدثت تحولا نوعيا فى الخطاب النقدى الذى طرحه نقاد مدرسة فرانكفورت إزاء ما سمى (مخاطر صناعة الثقافة)، حيث ميز أدرنو بوضوح فى عام 1975 بين صناعة الثقافة التى اتهمت تقليديا بالترويج للتزييف، والثقافة الجماهيرية، لأن المفهوم الأخير يفترض أن الجماهير تتحمل بعض المسئولية عن الثقافة التى تستهلكها، أى أنها مقررة من قبل تفضيلات الجماهير ذاتها، لذلك وجدت منتجات الثقافة الجماهيرية بكافة أشكالها اهتماما نقديا من كتاب تيار (النقد الثقافى الذين من المحتمل أن يكتبوا عن العمل التليفزيونى «ستار ترك»، مثلما يحللون رواية «عوليس» لجيمس جويس، إنهم يريدون أن يكسروا الحدود بين الرفيع والدون، وينتزعوا تلك الكهنوتية، وهم يريدون أن يكتشفوا الأسباب (السياسية غالبا) التى تجعل نوعا معينا من الانتاج الجمالى أكثر قيمة من غيره (راجع : ما النقد الثقافى، جوهانا . م . سميث فى كتاب: فى الحداثة وما بعد الحداثة، دراسات وتعريفات ترجمة وتحرير سهيل نجم، دار أزمنة 2009، ص 119 وما بعدها).

وإذا تذكرنا المقارنة التى وضع فيها بوب ديلان نفسه مع شكسبير، فعلينا مثلا أن نتذكر «أن مسرحيات شكسبير قدمت فى أول الأمر بوصفها عملا شعبيا لإمتاع الشغيلة من الناس، ثم أصبحت فيما بعد مسرحية «رفيعة القيمة»، لا يتمتع بها إلا المميزين والمتعلمين، وبعد ذلك تحولت المسرحية ذاتها لفيلم تليفزيونى فعادت لتصبح شعبية مرة أخرى.

 يريد النقاد الثقافيون أن يبعدونا عن التفكير بأنواع معينة على أنها الأفضل، وأنتجت من خلال ثقافة معطاة، إنهم يبحثون كى يكونوا وصفيين أكثر مما يكونوا تقييميين، مهتمين بإيجاد العلاقات أكثر مما هم مهتمين فى تقييم الإنتاج والأحداث الثقافية.

إن الثقافة فى عرف هؤلاء منظومة من الثقافات المتفاعلة، حية ونامية ومتغيرة، وعلى النقاد أن يكونوا معاصرين ومتجهين نحو المستقبل، وعلى النقاد الثقافيين أن يكونوا مفكرى مقاومة، وعلى الدراسات الثقافية أن تكون مشروعا تحرريا، ومثل هؤلاء لم يروا الثقافة بناءً فوقيا أو أنها مجرد انعكاس صغر أم كبر لقاعدة اقتصادية، وإنما كان التركيز على كيفية شروط التجربة التى يجدون أنفسهم فيها واستجابتهم الإبداعية لتلك الشروط فى ممارساتهم الاجتماعية، ومن ثم يعلى هذا النقد من قيمة الممارسات الجماهيرية العامة بالاحتفالات الشعبية، على نحو ما أوضح ميخائيل باختين فى تناوله لها، التى تلعب دورا متعاكسا ومثيرا للسخرية، إزاء الخطابات الرسمية التى نتلقاها. لقد أثر باختين فى النقد المعاصر فى تبيانه أن الصراع بين الرفيع والشعبى من الثقافات، لا يحدث فقط بين النصوص الكلاسيكية والشعبية، بل أيضا بين الأصوات الحوارية التى نجدها بين الأصوات العظيمة. وعلينا أن نتذكر، ونحن نتأمل القاعدة الجماهيرية التى يمتلكها بوب ديلان، أن ناقدا ماركسيا شهيرا له تأثير بالغ فى نظريات الدراسات الثقافية، مثل فالتر بينجامين، نظر فى مقاله الشهير (العمل الفنى فى عصر الإنتاج الصناعى 1936) بتفاؤل إلى التطورات الجديدة فى الأشكال الفنية التى تستفيد من الإنتاج الآلى وإعادة الإنتاج (النسخ)، وأوضح أن تلك الأشكال التى من ضمنها الراديو (يمكن أن نضيف الأسطوانات المدمجة) والسينما ستعطى تعريفا جديدا للثقافة بواسطة ميدان أوسع للفنون وأقل محدودية، وبفضل هذا الانفتاح والإشارة المبكرة للإضافات التى تمنحها التكنولوجيا للفن، من حيث اعتماده على ما يسمى «ديمقراطية الوسائط» التى تسهل من نسخ الأسطوانات المدمجة، يمكننا فهم التأثير البالغ لموسيقى ديلان. فكما يقول بينجامين « الاستنساخ الميكانيكى للفن يغير من ردة فعل الجماهير إزاء الفن، وفى السماح بالمشاركة فى استقباله وتقييمه (راجع: فالتر بينجامين، مقالات مختارة، ترجمة أحمد حسان، دار ميريت). وفى هذه المقالة بالغة الأهمية، يتأمل فالتر بينجامين ما يسميه تقلص هالة الفن مستنتجا أن تقنيات أو آليات الإنتاج الصناعى من شأنها أن تعمل على فصل المنتج الفنى عن أبعاده التاريخية، ومن ثم توقع تهاوى هالة العمل الفنى (راجع: مقالة بعنوان فقدان هالة الإبداع، فى كتاب توجهات ما بعد الحداثة، نيكولاس رزبرج، ترجمة ناجى رشوان، مراجعة محمد بربرى، المشروع القومى للترجمة، العدد 435، ص 35).

وكان بينجامين التقدمى، أكثر من نقاد اليوم، يعتقد أن التغيير فى المستوى التكنولوجى هو شرط نشوء أى نوع فنى جديد، يكون عادته الخاصة، مثله فى ذلك مثل الإبداع قبل التكنولوجى الجامد.

هنا نحن إزاء اللحظة التى سماها المنظر الفرنسى، جان بودريار، تصفية المرجعيات، فوسائل الإعلام، ووسائل التكنولوجيا الحديثة تنتج هالتها الخاصة، أو واقعها الفنى الخاص بها، أو بتعبيره (فحصها الغامض الخاص بها )( كتاب توجهات ما بعد الحداثة/ص 4).

(5)

ولا شك فى أن الكثير من المتابعين للشأن الأدبى فى عالمنا العربى لم يتقبلوا فوز ديلان، وفى ظنى أن هذا الرفض يعبر عن طبقة معتبرة لا تزال تقاوم ديمقراطية الثقافة التى هى نتيجة لديمقراطية الوسيط التكنولوجى وابنة شرعية لمفهوم (الإتاحة)، لأن عملية الدمقرطة تعنى أن توازن القوى بين الجماعات المسيطرة والجماعات الأقل قوة قد ضاق وانحصر إلى حد أنه يكون أقل. فقد أدى اتساع عدد الوسطاء الثقافيين فى وسائل الإعلام الجماهيرية إلى أنه جعل من الصعب جدا على الجماعة المستقرة أن تحافظ على الاحتكار، فالسمة ما بعد حداثية فى الفنون تجلت منذ أكثر من ثلاثين عاما فى إلغاء الحد الفاصل بين النخبوى والشعبى، ومحو للحدود بين الفن والحياة اليومية، وإزالة التسلسل الهرمى بين الراقى والجماهيرى فى الثقافة الدارجة، وتفضيل الأسلوب الانتقائى المشوش، وكان من أهم التغييرات أنه باسم الديمقراطية تمت إزالة التمييز بين الثقافة الشعبية والثقافة الرفيعة، وبالتالى لفهم ما بعد الحداثة، ينبغى أن نفهم التغييرات فى المجالات الأكاديمية والصراعات التنافسية فى السلع الرمزية. وتفصل ما بعد الحداثة إستاطيقا الشكل وجمالية الحياة اليومية، وتصبح الخبرة الجمالية نموذج المعرفة، ومعنى الحياة، وتزيل الحد بين الفن والحياة اليومية، عبر افتراض أن الفن يمكن أن يوجد فى أى شىء وأى مكان، حتى السلع الحقيرة يمكن أن تكون فنا. (مقدمة كتاب ثقافة الاستهلاك وما بعد الحداثة، مايك فيرزستون ترجمة فريال حسن خليفة، مكتبة الأسرة، ص 32 وما بعدها). وفى هذا الفن، يسهل اختلاط وتمازج الثغرات والمحاكاة الساخرة، والمعارضة والتهكم والسخرية والهزل والمزاح والنظر للثقافة بوصفها احتفالا.

وهنا بالضبط جوهر ما فعله بوب ديلان، عبر مشوار حافل يتجاوز العقود الخمسة صنع فيها مجده، محطما كل الثوابت ومتخطيا لكل الحواجز فأصبح أيقونة لـ ( للثقافة الأمريكية) وطابعها (الهجين) القائم على صهر الهويات. فبوب ديلان هو المغنى، والملحن، والشاعر، والفنان التشكيلى الأمريكى ذو الأصول الأوكرانية فى 24 مايو 1941، حملت كلمات أغانيه من الحكمة والاحتجاج الشىء الكثير، نجح من خلالها أن يكون لسان الطبقة العاملة والمضطهدة بالولايات المتحدة، استخدمت بعض أغانيه كنشيد لحركة الحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين والحركة المناهضة لحرب فيتنام، لقد أجاد غناء العديد من الأنواع الموسيقية منذ طفولته، مثل الريف والجوسبل، والبلوز، والروك، لتنجح كلمات ديلان وموسيقاه فى خلق مجموعة متنوعة من التأثيرات السياسية والاجتماعية والفلسفية والأدبية فى الحياة الأمريكية، فتصدت أغانيه لتيار موسيقى البوب، وأحدثت تغييرا كبيرا فيها، ولعب ديلان بشكل كبير على أفكار الثقافة المضادة الصادمة، معتمدا على احتياج الناس إلى التغيير. وفى بداياته كان أسلوب ديلان مستوحى من أسلوب أداء «ليتل ريتشارد» الذى تأثر به ديلان كثيرا، قبل أن يبدأ تطوير أسلوبه الخاص سواء فى الأداء أو فى كتابة أغانيه.

ومنذ منتصف التسعينيات قبل عشرين عاما، بدأ ديلان فى نشر مجموعة من ستة كتب من الرسومات واللوحات لخصت تجربته مع الرسم الذى يعشقه، والفن التشكيلى، فعرضت أعماله فى مجموعة من معارض الفن التشكيلى الكبرى، أضاف بها مجدا جديدا لسلسلة نجاحاته الفنية.. فبوب ديلان «الموسيقى» باعت أسطواناته أكثر من 100 مليون نسخة فى جميع أنحاء العالم، مما يجعله واحدا من أكثر الموسيقيين نجاحا وتأثيرا عبر التاريخ، ولم يتوقف نجاحه على التأثير الشعبى، بل لاقى احتراما نقديا كبيرا لم يحصل عليه فنان عبر التاريخ، فتلقى العديد من الجوائز آخرها جائزة نوبل للآداب 2016، سبقتها 12 جائزة جرامى، وجائزة أوسكار، وجائزة جولدن جلوب، وجائزة بوليتزر. وقبل 4 سنوات فى عام ،2012 تلقى ديلان وسام الحرية الرئاسى من الرئيس الأمريكى، باراك أوباما، وهو أرفع الأوسمة داخل الولايات المتحدة وخارجها.

ولا يمكن فهم نجاح بوب ديلان وتأكيد حضوره فى السوق الأمريكى، ومن ثم العالمى بعد ذلك، من دون فهم ما جرى فى ثمانينيات القرن الماضى، حيث تزايد الاهتمام باكتشاف التواطؤ بين الفن والترفيه، بدلا من التأكيد على التعارض بينهما، وفيما بعد بين الطبقات المتوسطة والمثقفة، وفى وسط الموسيقيين الجادين، ابتعد الاهتمام كثيرا عن الثقافة الرفيعة، واتجه الى الثقافة الشعبية ووجد تشابها فى تقنيات التسوق المستخدمة فى الذخيرة الكلاسيكية وموسيقى البوب (راجع: دليل ما بعد الحداثة، «ما بعد الحداثة: تاريخها وسياقها الثقافى» الجزء الأول، المركز القومى للترجمة، تحرير ستيوارت سيم / ترجمة وجيه سمعان، ص 206). وأصبحت أغانى البوب وفقا لهذا التغير هى المسجل الصوتى للحياة اليومية ما بعد الحداثة، موسيقى لا مفر منها فى المصاعد، والمطارات، والحانات، والمطاعم، والشوارع. فالموسيقى أقوى تمثيل للأشكال الثقافية ما بعد الحداثة لدرجة أن البعض يرى أنها توافقا زمنيا.

وفى الحيثيات التى رافقت فوزه، رأت لجنة نوبل أن المغنى العالمى حصل على الجائزة «لأنه خلق تعابير شعرية جديدة ضمن تقاليد الغناء الأمريكية». وتعود معظم أغانيه الشهيرة إلى ستينيات القرن الماضى، حين تحول، عبر أغانيه، إلى «مؤرخ غير رسمى» لمتاعب الولايات المتحدة، وقد أصبحت بعض أغانيه، مثل «Blowinginthewind» تتردد على شفاه المناهضين للحرب، ونشطاء الحركة المدنية.

وطبقا للجنة جائزة نوبل، فإن ألبوماته «تتمحور حول مواضيع، مثل الظروف الاجتماعية للإنسان، والدين، والسياسة، والحب»، وأضافت اللجنة، فى محاولة لدرء الانتقادات الموجهة لحقيقة أن ديلان يُرى بشكلٍ كبير كموسيقى أكثر منه مؤلفا، أن الكلمات «تم نشرها بشكلٍ مستمر فى إصدارات جديدة»، وأنه «بجانب إنتاجه الواسع للألبومات، فقد نشر ديلان أعمالا تجريبية، مثل تارانتولا (1971)، ومجموعة الكتابات والرسوم (1973)، بالإضافة إلى السيرة الذاتية بعنوان مذكرات (2004)، والذى يُصور ذكريات من حياته المبكرة فى نيويورك، ويعرض لمحات من حياته فى مركز الثقافة الشعبية» (لفهم البنية الأدبية فى أغنيات ديلان وموسيقاه، يمكن مراجعة دراسة ممتازة على موقع معازف بعنوان: «أدب بوب ديلان» كتبها عمار منلا حسن).

(6)

ويبدو لافتا أيضا كون ثقافتنا العربية لا تزال غير واعية بالمتغيرات التى رافقت تأصل الوسائط التكنولوجية فى الحياة اليومية، ودخول فئات جديدة إلى عالم الاستقبال الثقافى، وهى تلك الفئات التى كانت مهمشة فى السابق، إما لسبب ثقافى يعود إلى عدم قدرتها على القراءة، بسبب الأمية، أو لسبب اقتصادى يعود لعدم القدرة على شراء الكتب والجرائد، فقد كان ذلك يحصر دوائر الثقافة ويحصر المعرفة فى فئات معينة ومحدودة، وتغيب كثيرون مما صاروا على الهامش، وقد أفضى هذا إلى ظهور النخب الثقافية، التى احتكرت حق الفرز والتقييم، لكن الميديا الجديدة جاءت كما يوضح الناقد السعودى، عبد الله الغذامى، فى كتابه (الثقافة التليفزيونية)، لتكسر ذلك الحاجز الثقافى والتمييز الطبقى بين الفئات؛ فوسعت دوائر الاستقبال، وشمل ذلك كل البشر، لأن استقبال الصورة لا يحتاج إلى إجادة القراءة، وهو فى الغالب لا يحتاج إلى الكلمات أصلا، وهنا، دخلت فئات لم تكن محسوبة على قوائم الاستقبال الثقافى. أدى هذا إلى زعزعة مفهوم النخبة، وصار الجميع سواسية فى التعرف على العالم واكتساب معارف جديدة، فتوسعت القاعدة الشعبية للثقافة، وهذه الرسالة هى التى أكدتها نوبل وقبلها بسنوات نجاح أحمد عدوية فى مصر. فمع تداخل دوائر التأويل الثقافى، صار بإمكان الجميع أن يستقبل ويفسر دون حاجة إلى وسيط «كان فى الغالب يلعب دور الوصاية» وهذا التغيير أطلق إمكانات التأويل الحر، وأكد تراجع النخبة، أو لعلها وفق تعبير الغذامى «سقطت وسقطت معها الوصاية التقليدية ورموزها التقليديين الذين كانوا يحتكرون الحق فى التأويل وإنتاج الدلالات».

وتلاشت تبعا لذلك رمزيتها التقليدية التى كانت تملكها من قبل، ولم تعد الثقافة تقدم رموزا فريدة فى كل المجالات، ربما لأن فكرة الرمزية ذاتها تعد من أهم معالم زمن الثقافة الكتابية، والتى تلاشت فى عصر ميديا الوسائط السمعية والبصرية، وحلت محلها «النجومية» لا بمعنى النجم الفرد، وإنما بمعنى المواصفات الفنية والثقافية لدور يمثله نجم أو نجمة، لا بقدراتهما الذاتية الحرة والمستقلة، لكن حسب قدرة أى منهما على تمثيل الصفات وتمثلها، حتى إذا ما تراجعت قدرات هذا النجم الصوتية والشكلية تمت إزاحته ليحل محله نجم آخر، وهذا ما يحدث اليوم، ففى السياق ذاته انهارت فكرة «الفوق/ تحت» التى تقوم على تمييز نخبوى فى أمور الحياة، وثبت أنها فكرة قديمة، لكنها نسق ثقافى ممتد، تتجدد لغته ويتجدد ممثلوه، لكنه موجود ويتوسل بوسائل عديدة للتعبير عن نفسه. ومن خلال هيمنته على وسائل التعبير التقليدية اتخذ المثقف موقعه وحق الادعاء بأنه يمثل رأى الناس، وأنه هو ضميرهم الناطق، وهذه هى صور المثقف تقليديا، من حيث ادعائه لهذا الدور، ومن حيث افتراض الناس لذلك وتصورهم أن المثقف هو الذى يمثل الحس الجمعى ويجهر به، والحقيقة التى يروج لها الغذامى، وغيره من نقاد الدراسات الثقافية، أن المثقف هو أيضًا صوت مؤسساتى من نوع ما، حتى وإن بدا معارضا إلا أن المعارضة ذاتها هى مؤسسة نسقية، تملك عيوبا تماثل عيوب السلطوى بالفعل.

 

 

عن الكاتب : محرر أدبى بالأهرام
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق