ملف العدد
ست سنوات من يناير: سياقات ودلالات العنف اللغوى
2016/12/27
بقلم سارة منير
0
2461
65
العدد :

تعرض مجال علم النفس السياسى منذ فترة طويلة لعملية تهميش، حيث نظر إليه كمجال يتسم بالمبالغة، وفى غالبية الأحيان، لم يكن يعترف به من قبل العلماء التقليديين فى مجالات العلوم الاجتماعية المختلفة، مثل علم الاجتماع، والعلوم السياسية، وعلم الأنثروبولوجى. وقد بدأ العلماء فى إدراك المساحة المشتركة بين العلوم السياسية ودراسات علم النفس، وبأن فهم المشهد السياسى لا يمكن وينبغى ألا ينفصل عن دراسة التحليل النفسى، منذ سيجموند فرويد، وماكس فيبر، وأمثالهما.

ساهم هذا التكامل بين مجال الدراسات النفسية والاجتماعية فى فهم أفضل لطبيعة ظواهر، مثل القيادة، وسد الفجوة بين حدود العلوم الاجتماعية والعلوم السياسية، واستيعاب العلاقة بين الدولة والمجتمع والتفاعل بينهما، كما ساهم فى دراسة العلاقات الدولية والسياسة الدولية. فهناك أسئلة من قبيل: لماذا تصرف هتلر بهذا الشكل تجاه الأشخاص من غير العرق الآرى؟ وما هى الخلفية الاجتماعية والسياسية التى شكلت فهمه للهوية، وكيف كان يرى نفسه بهذه الطريقة، التى أثرت بدورها على كيفية إدراكه لفكرة القومية، وبالتالى كيفية ترجمة خبراته إلى ذلك النموذج الخاص به فى تعريف القومية والوطنية.

هناك أمثلة أيضا تتعلق بموسولينى وستالين، وبعض الشخصيات التاريخية الأخرى فى بدايات القرن العشرين خلال مراحل التحول فى السياسة العالمية، وهياكل السلطة، والتشكيلات الإقليمية، وغيرها من القضايا التى أفرزت الحاجة إلى إعادة تفسير استخدام علم النفس فى فهم الظاهرة السياسية. وكانت أعمال الكاتب جوستاف لو بون، مثل «سيكولوجية الجماهير»، وكتاب «سيكولوجية الثورات»، من بين الدراسات الاجتماعية الأولى التى تناولت الجماهير والقادة، والتى تعد أيضا تحليلا نفسيا، أو وصفا نفسيا، لمستويات التفاعل بين هذين الطرفين، وكيفية تفسير الجوانب النفسية لكل طرف منهما.

وبالتالى يمكننا القول إن هذه الظواهر المتداخلة، هى التى تعطى جدارة لمداخل علم النفس السياسى، فى تجاوز الأكاديميا التقليدية، والإتيان بتفسيرات جديدة مختلفة عما يقدمه علم الاجتماع الجامد أو الصلب، وتحدى العلماء التقليديين. كان ذلك الأمر واضحا بشكل كبير فى مذكرات هتلر وتأملاته التى جاءت فى كتابه، والذى يعد مرجعا محوريا لفهم كيفية تعامله مع «شعبه»  «DasFolk».

ويثور التساؤل، كيف يرتبط العنف واللغة بمجال علم النفس السياسى؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن فهم ذلك فى السياق المصرى منذ أحداث 25 يناير عام 2011، ولمدة تقرب من ست سنوات؟ يقدم علم النفس السياسى أدوات للتحليل تساعد فى فهم التراكيب العاطفية والنفسية التى تؤثر فى البيئات السياسية والاجتماعية، وتتشكل من خلالها، وهو ما يجعل الأشخاص والمجموعات تتفاعل بالطريقة التى تتفاعل بها على هذا النحو. ومن بين الموضوعات ذات الأبعاد المختلفة التى تستخدم فى دراسة علم النفس السياسى هو استخدام اللغة والخطاب. ويركز هذا المقال على استخدام العنف عن طريق اللغة. وبالنظر عن كثب للسياق المصرى، منذ 25 يناير عام 2011، يمكن للمرء أن يرى أن اللغة، والطرق المستخدمة للتعبير عن الأفراد، والجماعات، والأحزاب السياسية، والقادة والرؤساء المحتملين، والوسائل التعبيرية المختلفة، تغيرت وتطورت بشكل ملحوظ، وليس ذلك بالضرورة تطورا نحو الأفضل أو الأسوأ، ولكنه تطور أساسى.

تعكس هذه التطورات فى اللغة والخطاب، قدرا كبيرا من المشاعر والعواطف الخاصة بالناس فى فترة محددة، حيث تعكس وتمثل عناصر مهمة فى فهم الهوية والانتماء، وعلاقات الحب-الكراهية، والسخرية، والصمود، والتعاون، والاصطفاف، وأنماط المقاومة التى وجدت فى السياق المصرى خلال السنوات الست الماضية، فضلا عن كونها تعكس التغيير الذى طرأ على «الأوضاع الراهنة» statusquoفى المجتمع المصرى عبر الزمن. بعض الأسئلة المطروحة خلال هذا المقال غرضها تناول النقاشات وأشكال الجدل المختلفة فى هذا السياق، وأيضا إثارة بعض الموضوعات من أجل أن تحظى بمزيد من الدراسة المستقبلية.

العنف واللغة:

ما هو نمط العنف الذى نتحدث عنه، عندما نربط بين العنف واللغة؟ وما هى الأشكال اللغوية الموجودة، منذ يناير 2011 وحتى الوقت الراهن؟ وهل اللغة مقتصرة فقط على الجانب اللفظى أم «الجسدى» أيضا؟ وما هو موقع السخرية السياسية فى هذا الإطار؟ وما هو نوع الرموز الذى يقدمها هذا العنف؟ وما الذى تقوله الأدبيات الحالية حول العنف واللغة لفهم التطورات الأخيرة فى السياق المصرى منذ عام 2011.

فى كتابها بعنوان «عن العنف»، تناولت الكاتبة حنة أرندت HannahArendtهذا المفهوم، من خلال عدة محاور، ومن بينها ما يتعلق بما إذا كان العنف وسيلة للتعبير عن النظام السياسى وعن «الشعب». وقد أصبح العنف فى هذا السياق يشكل «حالة عقلية» محددة، إن لم يكن نهجا وخطابا. ويمكننا أيضا أن نأخذ ذلك خطوة أبعد ونقول إن الخطاب يصبح وسيلة لتأكيد الذات self-assurance، كما يمثل أيضا أداة لإثبات المشروعية تجاه «الآخر». ويعد هذا السياق فى تفسير العنف أداة مفيدة جدا عند الربط بين اللغة، ودراسة علم النفس السياسى، عبر السنوات الست الماضية فى السياق المصرى.

إن اللغة بوصفها وسيلة للتعبير عن الوجود، والسيطرة على فضاء بعينه، تعد كذلك محورا أساسيا فى كتابات جوديث باتلر (باتلر 2011)، والذى تحلل فيه كيف أنه فى سياق الحركات الاحتجاجية، فى إطار عملية اكتساب حقوقهم السياسية والاقتصادية، يعد استخدام اللغة واحدًا من الأدوات الأساسية، ليس فقط لإثبات الوجود، ولكن أيضا، وهو الأهم، كوسيلة للتحكم فى مصير المحتجين، ومصير أقرانهم، والمواطنين فى نفس الدولة، أو لصالح نفس القضية.

وبالرغم أن باتلر تحلل فى كتابها حركة «احتلوا» بشكل عام، وبالتحديد حركة «احتلوا وول ستريت» التى انطلقت فى عام 2011 فى أعقاب احتجاجات وثورات الربيع العربى، وخصوصا التجربة فى مصر فى عام 2011، إلا أن تفسيرها -لا يزال- من الممكن أن يمد التحليل لمستويات أخرى، والاستفادة منه فى فهم العلاقة بين اللغة والوجود فى هذا الإطار.

ومن خلال اعتمادها مفاهيم أرندت، تفسر باتلر أهمية العلاقة بين الفعل واللغة، فى سياق ما تسميه «التعبير عن التحالفات» vocalisationofalliancesالتى ترى أنها تجلت فى أفضل صورها خلال الأيام الـ 18 من الاحتجاجات فى ميدان التحرير فى ثورة 25 يناير عام 2011. ومن الناحية الجمالية، تبدو أهمية اللغة، بالنسبة لباتلر، فى قدرتها على التعبير عن فكرة ما، من خلال خلق مجتمع مختلف، وهو ما يشير هنا إلى ميدان التحرير فى ذلك الوقت، الذى تحدى نظام مبارك حينها. تجلى هذا التعبير من خلال الكلمات، واللافتات، والهتافات الداعمة للاحتجاجات، والأغانى، والمجتمع الجديد الذى أقيم على مساحة جغرافية محددة من الأرض، وشوارعها الجانبية، وذلك إذا ركزنا بالطبع على النطاق المكانى للقاهرة وحدها. ولم تكن هذه الهتافات، أو الأغانى، أو اللافتات الاحتجاجية ضد نظام مبارك، تهدف فقط إلى تحدى الوضع القائم فى ذلك الحين، لكن الهدف العام تجسد بلا شك فى رغبة الناس فى أن تثبت وجودها، وقوتها، وحقها فى المطالبة بمستقبلها، من خلال الكلمات والحضور. بعبارة أخرى، مّثل ذلك الفعل/الحضور، بأدواته المختلفة، الرغبة فى التحول من أشخاص غير موجودين إلى أشخاص فاعلين، ويمكن رؤيتهم وتمييز حضورهم من خلال ما يعبرون عنه من كلمات وأفعال، بالمعنى الذى تقصده أرندت.

وفى إشارة إلى العلاقة بين الصور والفضاءات والثورات، يفسر الكاتب دبليو جيه تى ميتشل W‪.J‪.TMitchell‪، 2013، كيف أن اللغة ينبغى أن يُنظر إليها بوصفها فناً يستخدمه الأشخاص فى المطالبة بحقوقهم، وفرض القواعد الخاصة بهم إزاء فضاء ما. كذلك ينظر ميتشل للغة بوصفها خطابا يستخدم فيما بين القادة والمحتجين فى سياق كل من حركات «احتلوا» حول العالم، والاحتجاجات والانتفاضات فى العالم العربى منذ 2011.

وتعد اللغة من وجهة نظر ميتشل وسيلة لحفر حدث ما فى ذاكرة الآخرين من خلال استخدام شعارات محددة لهذه الحركات والاحتجاجات. لذلك، يمكن أيضا أن يرتبط بمستوى آخر من تفسير ميتشل، الذى يقول فيه إن اللغة التى تستخدم من قبل المحتجين فى بلد ما، يمكن أن تنتقل إلى بلدان أخرى، وبالتالى فإن فكرة الانتقال هذه تخلق نوعا من التضامن العالمى بين المحتجين فى أجزاء مختلفة من العالم. ومن بين الأمثلة المهمة فى هذه الحالة، الاحتجاجات التى وقعت فى عام 2011 من قِبل حركة «احتلوا وول ستريت»، والتى تضمنت فى فترة ما شعارات تقول «نحن نحتج مثل المصريين»، و «نحن ميدان التحرير».

وتلعب عملية انتقال الشعارت هذه دورا مهما فيما يتعلق بفهم اللغة، إذ أنها تظهر قوة الكلمة التى يبتكرها الفاعلون، ودورها فى التعبير عن أنفسهم. كما أن استخدام الفضاءات المختلفة كرموز فى الخطاب الذى يطرحه المحتجون، والعابر للحدود، يتضمن القوة التى تتمتع بها اللغة بوصفها آلية للحشد والتعبئة. وفى هذه الحالة، بين ميدان التحرير، وحركة احتلو وول ستريت، تعد اللغة أيضا وسيلة للإلهام والأمل، أو وسيلة للقدرة على المقاومة.

تم تناول اللغة بقوة كذلك فى أعمال إلياس كانيتى -على سبيل المثال- عند مناقشة قوة الناس، وكيف استخدمت اللغة بطرق مختلفة فى مخاطبة، أو وصف العدو، أو «الآخر» من فئات الشعب أو المحتجين. يتراوح هذا ما بين وسائل عنيفة، مثل الاحتجاجات، التى قد تصل إلى التدمير الكلى للممتلكات العامة، والهجوم على المتاجر من جانب، واستخدام الإهانة أو الشتائم لتجنب العنف الجسدى من جانب آخر. ويوضح كانيتى أن الخطاب مهم لأن له جانبان، يتمثل الجانب الأول فى أن الاستخدام الخاطئ للكلمة أو العبارات يمكن أن يعمل بسهولة على تحويل مجموعة ضد زعيم تلك المجموعة فى مسيرة أو مظاهرة ما، وينطبق نفس الأمر أيضا على العلاقة بين قادة الدول والجمهور. وبالتالى، يمكن أن نستنبط أن اللغة هى وسيلة من عدة وسائل شرعية، لكنها أيضا وسيلة يمكن استخدامها لحرمان قائد أو مجموعة من شرعيتها، وإيذاء صورة قضيتها.

فاللغة إذاً هى لعبة يمكن أن تعمل لصالح جماعة، أو مسيرة، أو احتجاج، أو انتخابات رئاسية، أو زعيم دولة، كما أنها يمكن أن تعمل أيضا، فى حال استخدامها بصورة خاطئة، على تحويل الطرف الفاعل أو الأطراف الفاعلة إلى ضحايا لتلك اللعبة الاستراتيجية التى يقومون بها. هذا هو الواقع الدقيق الذى يرسم الجسر بين اللغة والسلطة.

ست سنوات من يناير:

وبالنظر بصورة أكثر عمقا إلى السنوات الست الماضية، يمكننا تحديد عينة من اللحظات التى بلورت تطور استخدام اللغة، والتغيرات التى طرأت عليها، وعلى علاقتها بالعنف فى مصر، وخاصة فى القاهرة. والفرضية الأساسية فى هذا الإطار والشىء الملحوظ للغاية هو أن علاقة ما بين اللغة والعنف لم تتسم بالجمود على الإطلاق. فقد شهدت تطورا من النظرة السلمية والمثالية للحياة، تشبه ما وصفه تيرنر (1969) بـ «اللحظة أو المرحلة الفارقة»؛ حيث كل شىء ممكن، وكل الفرص متاحة لتحقيق ما لم يكن متخيلا (خلال الاحتجاجات التى استمرت لمدة 18 يوما فى ثورة التحرير عام 2011)، إلى العنف اللغوى الشديد بعد 30 يونيو / حزيران 2013، سواء فى الأماكن العامة أو وسائل التواصل الاجتماعى، وصولا إلى حالة من الحضور الصامت الذى اقتصر وجوده على هذه الوسائل.

وكانت الـ 18 يوما هى مرحلة التعايش السلمى، والتضاؤل بين الناس فى المجتمع، وهو ما كسر التسلسلات الهرمية، والأنظمة الأبوية التى فرضت على مدى عقود قبل 25 يناير 2011. وعلى الرغم من استخدام العنف ضد المتظاهرين فى ميدان التحرير، ورغم قتل واعتقال الكثيرين فى الهجمات والمعارك على جسر قصر النيل، وجمعة الغضب، وموقعة الجمل، إلا أن المتظاهرين كان يحدوهم الأمل، وينطبق نفس الأمر أيضا على أولئك الذين يراقبونهم من المنازل، ويدعمون هذا التحول الاجتماعى والسياسى للسلطة الجماعية ضد الطغيان.

ولم تكن اللغة العنيفة، والإهانات المتصاعدة عناصر مهمة فى المظاهرات أو المسيرات خلال هذه المرحلة. ومع ذلك، وظّف أنصار مبارك استخدام العنف الخطابى من خلال عبارات، مثل «أنتم صغار مدللون وليس لديكم خبرة سياسية»، و«سوف تدمرون البلاد»، و»مبارك والدنا وأنتم لا تستحقونه»، وما شابه ذلك. وفى ذلك الوقت، كان خطاب الكراهية، وميلاد فكرة «حزب الكنبة»، وتصنيف الناس لبعضهم بعضا، هو بداية بذرة كانت ستنمو بكل تأكيد لتتحول إلى حالة استقطاب أكبر وأعمق، وهو الأمر الذى لم يؤخذ بعين الاعتبار فى ذلك الوقت.

وانتقل العنف من كونه «بصريا»، من خلال الأعمال الفنية فى الشارع، والاحتجاجات الجماهيرية، والشعارات، إلى شكل مختلف، فى ظل حكم الإسلاميين، منذ منتصف عام 2012. واكتسب العنف اللغوى بعدا دينيا، واستخدم كوسيلة للإقصاء ورفض الآخر، بل ووصف البعض بأنهم «كفار»، وهو ما أدى إلى تعميق الشرخ فى المجتمع المصرى الذى كان يعانى بالفعل من جروح لم تلتئم منذ عام 2011.

وتم استخدام العنف فى الخطاب، فى هذا الصدد، من قبل كثيرين من أنصار نظام «مرسى»، ولاسيما على القنوات الفضائية الخاصة. وأصبح استخدام كلمة «كفار»، على سبيل المثال، شائعا فى الخطاب تجاه كل من يعارض «مرسى» ونظامه، وتجاه أى شخص لا يتوافق مع معايير الإسلام السياسى، وتفسير أنصاره لما ينبغى أن يكون عليه الإسلام «الحقيقى» هذا الخطاب العنيف لم يستثن المرأة، بل تُستخدم، على سبيل المثال، فى خطاب رئيس الوزراء آنذاك، وهو ما تسبب فى قدر كبير من الجدل، ولاسيما فى أوروبا.

 على الجانب الآخر، كان هناك تصاعد كبير فى السخرية والتهكم السياسى ضد جماعة الإخوان المسلمين، و«مرسى»، من خلال برامج، مثل «البرنامج» الذى كان يقدمه باسم يوسف. يمكن للمرء أن يقول إن هذا كان أيضا شكلا من أشكال العنف، على الرغم من قبوله من قبل البعض، ورفضه بالتأكيد من قبل آخرين. ويكمن السبب الرئيسى وراء رؤية البعض لـ «البرنامج» على أنه شكل من أشكال الممارسات العنيفة، إلى أنه قّدم لحظات وأحداث من حياتنا اليومية على المستويات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وسخر منهم بكل بساطة، أو هكذا يزعم كثيرون من معارضى هذا العمل. وأدى هذا، وفقا لهذا المنظور، إلى مزيد من الألم، وليس تقديم الحلول، ومزيدا من الفرقة بين الناس، وليس توحيدهم، أو على الأقل ساهم فى ذلك. وينظر إلى العنف أيضا من قبل معارضى هذا اللون من السخرية السياسية على أن اللغة التى كان يستخدمها «البرنامج» لم تكن مناسبة للعائلات والأطفال الذين يشاهدونه مساء كل جمعة على القنوات الفضائية. كان هذا بطبيعة الحال استعراضا وجيزا للغاية لهذه المرحلة.

جاءت نقطة الانقسام الأعمق، بعد الاحتجاجات الحاشدة فى 30 يونيو 2013، ضد جماعة الإخوان المسلمين من جهة، وفى ميدان النهضة ورابعة العدوية من قِبل أنصار الجماعة من جهة أخرى. كانت هذه هى المرحلة التى هزت بعمق جذور الشعور بالوحدة من جانب، وغيرت معنى العنف، ومتى يمكن أن يكون مشروعا، ومتى يجب أن ينظر إليه على أنه غير إنسانى وبالتالى صده من جانب آخر.

فخلال السنوات الماضية، أدى العنف اللغوى إلى إعادة تفسير الجدارة بالحياة، ومعنى الأمل، وقوة الشعب، والرؤية للمستقبل. ومن المهم أن نذكر أن المعضلة فى هذه المرحلة لم تتعلق بأى نظام جاء إلى السلطة فى أى وقت من الأوقات، لكن المعضلة الرئيسية ارتبطت باستخدام العنف اللغوى، وتأثيره على أفعال الناس تجاه بعضهم بعضا، من قبيل استخدامه فى الاستبعاد العاطفى، أو شرعنة الموت، وهو ما كان واضحا وملموسا للغاية من خلال الخطاب.

فقد فتحت لحظة 30 يونيو وما أعقبها الباب أمام نظرة أكثر عمقا ومثيرة للحيرة والمدى الذى يمكن أن يصل إليه الناس، من جميع الجهات، ودون استبعاد لأى شخص أو اتجاه، من الإتيان بأقوال أو أفعال، تتيح لهم الشعور بالأمان والاستقرار، والعودة إلى «العمل كالمعتاد»، أى كاستراتيجية للبقاء (وذلك بغض النظر عن الحكم على النوايا، سواء كانت سلبية أم إيجابية).

وأثارت أغانى مثل «إنتوا شعب واحنا شعب» قدرا كبيرا من الغضب، من قِبل أولئك الذين يرفضون تعميق الكراهية، أو التفرقة فى المجتمع، حتى لو كانوا فى الأصل ضد نظام جماعة الإخوان المسلمين. ومن خلال البحث الميدانى الإثنوغرافى الذى جرى عام 2013، تم رصد الكثير من مظاهر العنف اللغوى، والتى تتمثل -على سبيل المثال- فى أعمال العنف المتنامية خلال احتجاجات بعض الجماعات المنظمة التى كانت تهتف بعبارات نابية ضد جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك ضد أى شخص لا يحتج أو ينزل إلى الشارع بشكل عام.

ومن ناحية أخرى، استخدمت خطابات عنيفة مماثلة فى ميدان رابعة العدوية ضد معارضى جماعة الإخوان المسلمين، لإضفاء الشرعية على قتلهم والاعتداء عليهم وإراقة دمائهم، فى حال الهجوم على الاعتصامات. وكان العنف من على منصة رابعة العدوية واضحا أيضا، من خلال استخدام عبارات، مثل «إنهم ضد الإسلام وليسوا مسلمين»، و«الناس فى ميدان التحرير لا يؤمنون بالله أو النبي!»، وغيرهما الكثير. لم يكن الهدف من خطاب الكراهية هذا تعبئة الناس وحثهم على الانضمام للاعتصام فحسب، لكنه كان يهدف أيضا إلى إثارة مشاعر الكراهية العميقة تجاه «الآخرين الذين يحتجون فى أى مكان آخر»، والمزيد من الانقسام بين شعب واحد، بناء على المصالح السياسية وأجندات أولئك الذين يتصارعون فيما بينهم للوصول إلى السلطة.

هذه الكراهية الناجمة عن الخطاب، والعنف المستخدم خلال لحظات حساسة، واللحظات المؤلمة التى يتصارع الناس فيها مع بعضهم بعضا، والتى لم تعد مثل الـ 18 يوما التى كانوا جميعا خلالها ضد نظام مبارك، كل هذا لم يكن إلا بداية لمزيد من الاستخدام المؤلم والشرعى للعنف فى الخطاب الذى أضفى فى نهاية المطاف شرعية على العنف الجسدى من قِبل جميع الجهات.

ولم تكن عبارات مثل «إنهم يستحقون الموت!»، أو «من قال لهم أن يبقوا هناك ؟!» أو «نحن على الحق وهم ليست لديهم شرعية»، أو «هم غير مؤمنين، ونحن أتباع الله والحقيقة»، لم تكن سوى بعض من العبارات العنيفة والعدوانية التى تصاعدت منذ صيف عام 2013.

وعلى الرغم من أن صيف 2013 مثّل بداية الحرية لكثير من معارضى جماعة الإخوان المسلمين، فإنه يعنى أيضا بداية الصراع العاطفى والصدمة بالنسبة لكثيرين آخرين. كان عدد القتلى فى ارتفاع، ودفع كثيرون حياتهم من أجل أجندة يؤمنون بها، بغض النظر عن الجهة التى تستخدمهم، وما إذا كانوا أدوات فى أيدى البعض أم لا، ودفع الجنود ورجال الشرطة والمحتجون الليبراليون والمحافظون وذوو التوجهات الدينية ثمن الصراع السياسى على السلطة، ودفعوا جميعا الثمن، من خلال الانفعالات العاطفية التى أثيرت فى الأساس، من خلال خطاب الكراهية والتعبئة، ومن خلال الكراهية والغضب، وبالتالى من خلال الرغبة فى الانتقام، وفى كثير من الحالات أيضا، من خلال الرغبة فى مجرد مساعدة الآخرين أو إنقاذ أرواحهم.

أصبح الوضع اليوم محيرا. فبعد حظر الاحتجاجات، من خلال قانون التظاهر الذى يعاد النظر فى بعض بنوده حاليا، سادت حالة من الصمت، وأشكال مختلفة من العنف فى الخطاب. من جهة، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى هى المكان الوحيد للتعبير، ووسيلة واضحة لصب اللعنات على كل من يعارض الآراء السياسية للشخص. وبالتالى، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعى وسيلة سائغة، وشاملة، ولا تقتصر على مجموعة معينة أو أفراد بعينهم.

ويمكن للمرء أن يستخلص من هذه الظاهرة أن صب اللعنات واستخدام الخطاب العنيف أصبح وسيلة للتنفيس، بعد أن عجز الناس عن الوصول للشوارع، كما بات وسيلة للتعبير عن الضغوط الناجمة عن التدهور الاقتصادى، والصراعات، وارتفاع الأسعار. ويعد استخدام السخرية والتهكم أيضاً وسيلة أخرى للتنفيس، جنبا إلى جنب مع استخدام لغة العنف. وتعد دلالات ذلك مهمة للغاية، إذ إن الاستخدام المفرط للغة عدوانية وعنيفة يعد مقياسا لمستوى الغضب الذى يشعر به الناس، وكذلك مؤشر للمعاناة التى يشعر بها البعض، نتيجة فقدان أحبائهم، والإحباطات الاقتصادية، وما شابه.

ختاما، فإن علم النفس السياسى بشكل عام، لا يزال يثير «الامتعاض» كتخصص من قبل الكثيرين الذين يرفضون دمج علم النفس بالأوساط والأدوات الأكاديمية، غير أن الظواهر المركبة - من قبيل تلك التى أشار المقال إليها- تؤكد الجدارة المنهجية لمداخله وأدواته البحثية. ففى السياق المصرى، تطور الخطاب العنيف، واتخذ مستويات مختلفة من قِبل الفاعلين المختلفين، ولا يدعى هذا المقال، بالتأكيد، تغطية العناصر التفصيلية للمشاهد التى حدثت منذ عام 2011، إلا أنه يسلط الضوء على بعض الأمثلة لتتبع تطورات القضايا ذات الصلة فى هذا الشأن.

ويتمثل الاستنتاج المنطقى، فى هذا السياق، بأن الخطاب العنيف لا يتسبب فى خلق بيئة عدوانية مثل تلك التى شهدناها على مدى السنوات الست الماضية فحسب، لكنه بالتأكيد يثير حالة من الصدمة لدى الأفراد والجماعات، وذكرياتهم، وكيفية معالجتهم للأحداث، والتجارب اليومية، مما يجعل من الصعب التعامل مع القضايا الصغيرة اليومية، مع الضغوط المتراكمة والتعرض للصدمات، ومع الصراعات، من قِبل جميع المصريين على مدار ست سنوات كاملة.

ويتمثل الحل الوحيد فى الوقت الحالى فى تكثيف الدراسات المتعلقة بالتطورات العاطفية للمصريين على مدى السنوات الست الماضية؛ من أجل استيعاب جميع العناصر التى شكلت هذه التطورات، بهدف إيجاد وسيلة لتفعيل برامج أو مبادرات لتمكين الناس من تفعيل أدوارهم الاجتماعية، فى إطار مجتمعاتهم بالمعنى التنموى الإيجابى، وذلك من أجل التغلب تدريجيا على الشعور بالتشاؤم، وتمهيد الطرق نحو الشعور بالأمل.

مصادر:

1. Arendt، Hannah(1970): OnViolence. Boston: HarcourtPublishing.

2. Butler، Judith(2011): BodiesinAllianceandThePoliticsoftheStreet. EuropeanInstituteforProgressiveCulturalPolitics. http://www.eipcp.net/transversal/1011/butler/en[retrieved21/12/2016]

3. Canetti، Elias(1980): MasseundMacht. Berlin: FischerVerlag.

4. Gerbaudo، Paolo(2012): Followme، butdontaskmetoleadyou! LiquidOrganisingandChoreographicLeadership. In. TweetsandtheStreets، SocialMediaandContemporaryActivism. London: PlutoPress.

5. LeBon، Gustav(1896): TheCrowdAStudyofthePopularMind. NewYork: McMillan. https://archive.org/stream/crowdastudypopu00bongoog#page/n5/mode/2up[retrieved21/12/2016]

6. Mitchell، W.J.T(2012): Image، Space، Revolution: TheArtsofOccupation. In. CriticalInquiry. Vol. 39. No. 1. http://www.jstor.org/stable/10.1086/668048[retrieved21/12/2016]

7. Sabae، HananandWestmoreland، MarkR. (2012): BeyondtheWritten: VisualProductionandSensoryKnowledge. In. VisualProductionofKnowledge: TowardaDifferentMiddleEastCairo: AmericanUniversityinCairoPress.

 

عن الكاتب : باحثة، وطالبة دكتوراه بجامعة فيينا
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق