ملف العدد
الاختيارات الكبرى لاتموت.. عن الثورة والرشادة
2016/12/27
بقلم د هــناء عـبـيـد
0
1434
65
العدد :

نادرًا ما توصف الثورات بالرشيدة، بل عادة ما تحمل مسميات ذات طابع عاطفى يضفى عليها سمات الأمل أو العظمة، أو الفخر والاعتزاز، مثل وصفها بالثورة المباركة فى تونس، أو المجيدة كما تسمى ثورة الخامس والعشرين من يناير فى مصر. ولا ينفى ذلك سمة «الرشادة» عن الثورات، بل على العكس، فبالرغم من الطبيعة الملحمية، والتناول العاطفى، والمواقف الحدية من الثورات، تضع العديد من الدراسات التاريخية مسألة الاختيار الرشيد فى صلب تفسير الثورة كفعل تاريخى جماعى. فالثورة فى معناها الأساسى، وكظاهرة تاريخية، هى مسعى لتغيير أوضاع سلبية أو مكروهة، من قِبل أغلبية معتبرة فى المجتمع، إلى أوضاع يؤمل أن تكون أفضل، وبالتالى يحتوى الفعل على عناصر الاختيار، والعَمدية، وتقييم العواقب، وجميعها فى صميم فكرة الرشادة. الطريف أن بعض التفسيرات الخاصة بالثورة، ترى أن «الطرف الثالث» The Third Manهو ظاهرة لصيقة بالثورات لاحتياج الجميع لهذا «الطرف الخفى» لإلصاق «الأفعال القذرة» به، والتى يتم ارتكابها فى واقع الأمر، وفقا لبعض الحسابات المصلحية «الرشيدة»، والتى لا يمكن إقرارها أو الاعتراف بها علنا.(1)

ويتأثر الحكم حول رشادة الاختيار - بشدة - بنظرية المنفعة الاقتصادية، والتى تفترض أن الإنسان كائن أنانى يسعى إلى تعظيم منافعه، ويبنى اختياراته على حسابات واضحة للتكلفة والعائد. وحيث إن الرشادة المطلقة هى أمر بعيد المنال فى دراسة الظاهرة الاجتماعية، أسس هربرت سايمون لمفهوم «الرشادة المقيدة» Bounded Rationality، أو الاختيار الذى يميل إلى البديل المقبول أو «الجيد بدرجة كافية good enough». وظهرت فكرة المواءمة فى الاختيار، بدلا من فكرة تعظيم المنافع، ويعبر عنها بمصطلح   satisficing، وهى فعل مركب من فعلين هما يرضى satisfyويكفى suffice، أى أن الاختيار يميل نحو ذلك البديل المُرضى بدرجة كافية. وتنبع الأفكار الأساسية حول قيود الرشادة فى العلوم السياسية من صعوبة ضبط عناصر الموقف، أو غياب المعلومات اللازمة للمقارنة بين بدائل الاختيار، فضلا عن صعوبات التنبؤ، وعدم القدرة على تحييد قيم متخذى القرار، وتأثيرات التفكير الجمعى، والتى تصب جميعها فى تقييد، أو الحد من فكرة الرشادة بالمعنى الاقتصادى التقليدى.(2)

وتضيف دراسات علم النفس طبقة جديدة من التركيب لمسألة الرشادة، فتأخذ فى الاعتبار الانحيازات النفسية والمعرفية وتأثيرها على مسألة الاختيار، وبالتالى الرشادة، من حيث دورها فى إدراك الموقف وعناصره، وتقييم الفرص والبدائل المتاحة، وحسابات المكسب والخسارة. فالعوامل النفسية تكون حاضرة فى كل أطوار الاختيار ودوافعه وحساباته، بحيث إن «المنفعة»، وفقا لهذه الرؤية، هى بالأساس «منفعة سيكولوجية».

ويسعى المقال إلى الاستفادة من التفسيرات النفسية للاختيار والسلوك فى تقديم قراءة للموجة الثورية العربية بالتركيز على ثورة الخامس والعشرين من يناير فى مصر وما تلاها من محطات نازعت الاختيار الثورى، حيث تعد المداخل السيكولوجية هى الأقل توظيفا فى دراسة الانتفاضات والثورات الشعبية العربية، رغم أهميتها التفسيرية.  

«الشعب يريد»

اختيار الثورة والحرية والكرامة

(إن منظرى الثورات الذين يقدمون تفسيرًا لسرديات التاريخ الكبرى عادة ما يقسمون الأحداث  إلى موجات من الأفعال وردود الأفعال الاستراتيجية، بحيث يمكن تفسير كل موجة من تلك الموجات، وفقا لمبادئ الاختيار الرشيد، ويوثقون التفسير بأدلة مباشرة، وأخرى ظرفية حول «الأمل فى النجاح»).(3)

يؤكد شعار «الشعب يريد» فكرة الاختيار الواعى الذى وحَّد الجموع الثائرة فى منطقتنا فى إطار اختيار جمعى يروم التغيير. ويثير التفكير فى اختيارات الشعوب العربية وانتفاضاتها الكثير من القضايا المنهاجية بخصوص محددات الاختيار، ودوافعه، وإمكان التنبؤ به من ناحية، والعلاقة بين الإرادة والفعل الفردى والجماعى من ناحية ثانية، وكذلك معايير الحكم على رشادة الاختيار فى سياقه الموضوعى والنفسى من ناحية أخيرة.

فقد أطلق «الحادث غير الاعتيادى» فى نهاية 2010 فى تونس، وفى يناير 2011 سيلا من التحليلات التى فسرته أو بررت حتميته، وفقا لرؤى ومداخل مختلفة، منها ما يشير إلى العوامل الهيكلية، مثل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، ومنها أدوار فاعلين بعينهم فى بدء شرارة التغيير والخيارات التى حكمت مساره. ومن بين هذه التفسيرات، كان التفسير الاقتصادى هو الأبرز، ذلك التفسير الذى يأخد فى الاعتبار مسائل من قبيل فشل سياسات التنمية العربية، والحرمان الاقتصادى، والتفاوت الاجتماعى، والبطالة، وإدراك الفساد، وغيرها من العوامل ذات الصلة كنقطة انطلاق رئيسية فى تفسير الثورات العربية. عزز من مصداقية هذا المنظور أن الحادث المؤسس الذى أطلق شرارة الثورة فى تونس كان مرتبطا فى أحد أبعاده بالحالة الاقتصادية، وكذا الشعارات المطالبة بالعيش والعدالة الاجتماعية فى مصر. كذلك ركزت العديد من تفسيرات الفعل الثورى على انحسار دور دولة الرفاهة، واتباع السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وتأثيرها على الشعور بالحرمان الاقتصادى والغضب السياسى.(4)

هذه المداخل رغم وجاهتها، لا تفسر بشكل واضح «الاختيار» التفضيلى للفعل الثورى فى هذا التوقيت بعينه، والشرائح التى تبنته، والتى لم تكن بالضرورة الأكثر تضررا من العوامل الاقتصادية. كذلك، لا توضح هذه التفسيرات آلية توافق الاختيارات الفردية فى إطار جماعى، بل وانتقالها من مجتمع عربى لآخر فى فترة زمنية وجيزة.

وفى تقييم احتمالية وقوع حدث ما، يذهب بعض علماء النفس إلى أن تفسير الأحداث التى وقعت بالفعل، عادة ما ينحو بالجميع إلى المبالغة فى حجم التوقع الذى كانوا قد وضعوه قبلا لحدوثه، وإذا لم يقع حادثا كان مرجحا، فإن الجميع يتذكر «بصورة خاطئة» أن هذا الحادث لم يكن محتملا أبدا.(5) ويفيد مفهوم المنفعة السيكولوجية فى تفسير رشادة الفعل الثورى من منظور علم النفس الاجتماعى. فإذا كان الاختيار الثورى محفوفا بقدر كبير من المخاطرة وعدم اليقين بالنتائج، خاصة فى منطقة ركدت فيها السياسة لعقود طويلة، ولم يكن متصورا حدوث حركة احتجاجية واسعة النطاق فيها، فكيف يمكن الحكم على «رشادة الاختيار». هل حين خرجت هذه الأعداد من «الجماهير» فى حركات احتجاجية عارمة، كانت على علم بنتائجها المباشرة وغير المباشرة، وبالتالى قادرة على حسابات التكلفة والعائد الخاصة بها؟

وتقدم الصياغة بالغة البساطة التى طرحها المؤرخ الإغريقى ثيوسيديدس قبل قرون، مفتاحا دالا فى فهم الاختيار الثورى العربى فى سياقه، كما تحمل فى طياتها تفسيرا لما تلا الموجة الثورية من اختيارات ترددت فى ميلها الثورى، أو انتكست عنه تماما فى بعض الأحيان. هذه الرؤية التى قدمها ثيوسيديدس قائمة على فكرة «الأمل»، أى أن الناس يفعلون ما يأملون أنه سوف ينجح، بمعنى ما يتصورون أنه سيحقق أهدافهم أو مطالبهم.

إن الاختيار المبنى على الأمل هو صيغة فضفاضة لتفسير الثورات، ولكنها تحوى فى طياتها فكرة الرشادة أو المنفعة السيكولوجية. فهى تشير إلى اختيار واع، وحسابات للمواقف «يأمل» القائمون بها أن تنجح، أو أن تعظم من أهدافهم ومكاسبهم. فبوجه عام، يحتاج الناس إلى الأمل للقيام بالأعمال الشجاعة أو غير الاعتيادية، فالفائدة الرئيسية للتفاؤل هى الثبات فى وجه العقبات، والتقليل من تأثيرها على حسابات المكسب والخسارة، كما يفيد فى تقييم الموقف باعتباره فرصة فى تحقيق الأفضل.

ويؤكد جوستاف لو بون أهمية الأمل فى تنظيره للسنن النفسية للثورات. ففى دراسته حول الثورة الفرنسية وروح الثورات، يشير إلى أن الاستياء والغضب من أوضاع بعينها لا يؤدى إلى اندلاع الثورات، وإنما لابد أن يقترن الاستياء بالأمل والشعور بأن التغيير يمكنه أن ينتج أوضاعا أفضل.(6)

حالة الأمل والإيجابية التى واكبت الموجة الثورية العربية لا تحتاج إلى تأكيد. فشعارات الثورة فى سياقاتها المختلفة زخرت بتلك الروح الإيجابية، وبتأكيد الحضور الشعبى، واعتزازه بنفسه، وكان لسان حال الجميع «نحن نستحق الأفضل»، وهى جملة رددها الكثيرون بشكل تلقائى ومتكرر.

وتشير الدراسات الحديثة فى حقل علم النفس إلى مزيد من التفاصيل التى تفكك شعور «الأمل»، وتوضح كيفية تأثيره على الإدراك، ومن ثم الاختيار. وفى هذا السياق، يشير دانيال كانمان إلى عدد من العوامل التى تشكل فى مجموعها الانحيازات المعرفية التى تؤدى إلى غلبة الأمل فى النجاح على حساباتنا، أو ما يسميه «الانحياز التفاؤلى»، ومنها: وهم السيطرة، ومغالطة التخطيط، والثقة المفرطة، وإهمال المنافسة. وتؤثر تلك الانحيازات الإدراكية مجتمعة على تقييم عناصر الموقف، بحيث يتم التركيز على الهدف وإهمال العوامل ذات الصلة، أو التغاضى عن خطط ومهارات المنافسين، أو إهمال «المجهولات».(7) وقد برزت هذه العناصر بأشكال مختلفة فى سياق السلوك الثورى فى موجته الأولى الواثقة من الانتصار، والتى همشت من أهمية المعارضين للثورات أو الكارهين لها، فأطلق الثوار على ما عداهم فى مصر «الفلول»، فى دلالة على قلة العدد وانعدام التأثير، أو حزب الكنبة مع ما يحمله المسمى من نزع إمكانية الفعل، بينما تبين فى مراحل لاحقة أن هذه الفئات إما قامت بدور عمدى فى كبح جماح الثورة، أو كانت وقودا للدعاية ضدها ومناوأتها، والارتداد عنها.

وترتبط فكرة «إهمال المنافسة» كذلك بقضية مستوى التحليل، أو العلاقة بين حسابات الرشادة على المستوى الفردى والجماعى. فحسابات الاختيار على المستوى الاجتماعى الكلى macrosocial، مثلما الأمر فى الثورات، تحدوها مشكلات منهاجية، حيث طور مفهوم الرشادة من الاختيار الفردى بالأساس. وقد تفسر فكرة «الأمل فى النجاح»، أو الانحياز التفاؤلى انتشار الفكرة وتبينها بين أنصارها، بينما يلعب مفهوم «العدوى النفسية» دورا مهما فى تفسير تبنى الاختيار، أو الفعل الثورى داخل المجتمع الواحد، أو انتقاله من مجتمع لآخر، وهو ما اتضح بشكل كبير فى الثورات العربية، حيث تزايدت الأعداد المنضوية تحت لوائه من بدايات احتجاجية محدودة إلى حركة شعبية شاملة فى تونس، ثم مصر، ثم انتشارها فى دول عربية أخرى، جمعها التوق للحرية، والكرامة، والغضب من الأوضاع القائمة، مثلما عكسته شعاراتها.

ويقدم مفهوم «الجماهير» كما أصّل له جوستاف لو بون فكرة العدوى ودورها فى سلوك الجماهير وخياراتهم، وإن كانت كتاباته ذات منحى متعال على الجماهير، نافيا عنها الرشادة، بل وناقدا للثورات بوجه عام. ومع ذلك، يظل طرح لو بون مفيدا فى فهم تفاعل المستويات المختلفة للاختيار، وفهم سلوك الجماهير، وآليات انضواء وخروج الأفراد والجماعات فى ظاهرة الجماهير المرادفة للثورات والاحتجاجات الجماعية.(8) من وجهة نظر لو بون، فإن الجماهير عملاق يضفى الثقة المفرطة بالقوة، ويمتاز بقدرات ملحمية وعاطفية هائلة، ويغير سمات الفعل للأفراد المنضوين فى إطاره بتأثير الحالة الشعورية الجمعية.

النكوص

«يتبين أن الأمل كان مجردَ أملٍ حين يتحطم»

تعتبر الحالة المصرية نموذجا دالا فى التنازع المبكر للخيار الثورى، ومناوأته من قبل الخيارات الأكثر محافظة، انتهاء بالسيطرة التدريجية لتلك الأخيرة. فالنماذج الأخرى التى انطوت عليها موجة الانتفاضات، إما أجهض تطورها بفعل عسكرة الثورة، أو تحولها إلى حرب أهلية، أو ساحة لحروب إقليمية، بينما تماسك النموذج التونسى فى اختياره الثورى نسبيا، واحتفظ ببعض مكتسبات الثورة. على هذه الخلفية، يبرز النموذج المصرى كحالة لإعادة الحسابات أو تنازع الاختيارات. فقد ظهرت التوجهات المحافظة مبكرا عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير فى استفتاء مارس 2011، والذى انحاز فيه التصويت بأغلبية واضحة إلى البديل الأقل ثورية، وفقا لمعايير التقييم آنذاك.  استمر بعد ذلك تراجع السلوك الاحتجاجى – وإن تحت وطأة عوامل قمع متزايدة ـ كما دأب السلوك التصويتى على تكريس الميل المحافظ، وهو ما  ظهر فى الانتخابات الرئاسية الأولى عقب ثورة يناير التى أفرزت جولتها الأولى اختيارا بين بديلين محافظين، حُسب أحدهما على الثورية فقط «بعصر الليمون»، وانتهاء بانتخاب رئيس بأغلبية ساحقة على أرضية شديدة المحافظة بعد الثلاثين من يونيو، كان هدفها الأساسى هو الحفاظ على الدولة وعودة الاستقرار. وبخلاف مؤشر السلوك التصويتى، تصاعدت ظاهرة «المواطنين الشرفاء»، وهم أولئك الذين يتعرضون بالإيذاء للمتظاهرين فى كل مشهد احتجاجى، باعتبارهم «مخربين»، ولا يؤثر كثيرا كون هذه الظاهرة تلقائية أم مدبرة.

وتثير هذه التحولات تساؤلات أساسية حول متى يغير الناس اختياراتهم؟ ولماذا؟ ومن هى الفئات الأميل إلى تفضيل الاختيارات المحافظة؟ وتحت أية ظروف نفسية؟ أو بعبارة أخرى، كيف تم تأطير البيئة الموضوعية فى سردية تعيد تقييم عناصر الموقف، وتدفع البعض للتراجع عن اختيار الثورة، والبعض الآخر إلى إظهار العداء الذى كان من قبل مبطنا لها.

اللافت فى هذا السياق، أن هذا «الخيار الارتدادى»، إن جاز التعبير، كانت بوادره أسبق مما سيق من حجج لتبريره، وظروف موضوعية تبلورت لاحقا. فالآثار الاقتصادية للثورة، والنماذج الإقليمية المثيرة للمخاوف، والحرب على الإرهاب، لم تكن تمثل تهديدات ملحة، أو مخيفة إلى هذا الحد فى بادئ الأمر، وهو ما يثير ما يطلق عليه علماء النفس بأثر «الاستباق» وتأثيره النفسى فى إدراك لعناصر موقف ما، سواء تحققت تلك الاستباقات التنبؤية ـ وهو ما يسمى فى العلوم السياسية بالنبوءة المحققة لذاتها ـ أو لم تتحقق.

ارتبط ذلك بصعود مغالطات سردية تصم ثورة يناير، والثورات العربية بوجه عام، وتشكك فى دوافعها، وتؤطرها تأطيرا سلبيا. وصعدت نظرية المؤامرة إلى صدارة التفسيرات عن الثورة، بحيث أصبحت بشكل تدريجى تمثل نوعا من المسلمات بالنسبة لقطاعات شعبية مؤثرة. وبالرغم من أن الحديث عن التلاعب بالجماهير عن طريق الدعاية أو البروباجندا، وتصدير فكر مغلوط ، أو حجب، أو التلاعب بالمعلومات ووسائل الإعلام هو حديث مهم بالتأكيد، ولكنه يغفل العوامل والانحيازات النفسية التى تجعل من تلك «الجماهير»، أو قطاعات منها، مهيأة لقبول هذه السردية، ومن ثم قد يساعد فهم البيئة النفسية فى تفسير التحولات التى طرأت على الاختيارات فى فترة زمنية وجيزة، خاصة أن الرشادة تقتضى حدا أدنى من الاتساق أو الاستمرارية.(9)

وفى هذا السياق، تقدم مداخل علم النفس السياسى عددا من التفسيرات ذات الصلة منها:

أولا ـ إن ظاهرة الجماهير أو الظاهرة الاحتجاجية مؤقتة بطبيعتها:

 فالمد الثورى والزخم النفسى المرتبط به يتعرضان لتآكل تدريجى، ومن ثم يتجهان تلقائيا إلى التراجع. ويرى لو بون أنه حتى لو تركت الجماهير لنفسها، ستمل من الحالة «الفوضوية» وتميل إلى «الخضوع» والبحث عن الرئيس القوى الذى يستعيد النظام مرة أخرى.(10) إن فقدان الزخم الثورى ليس هو المفسر الوحيد - من وجهة نظر لو بون - لتراجع الثورات بعد موجاتها الأولى، وإنما يساهم فى ذلك تصاعد دور فئات كانت تمالئ الثورة فى عنفوانها، وما تلبث أن تنقلب عليها، وتعود إلى انحيازاتها المصلحية والطبقية حين تحين الفرصة. ويشير لو بون إلى أن هناك فئة من الشعب يسميها «فريق الأمة»، لا يفطن إليها «رجال الثورة». هؤلاء لا يتحمسون لاختيار التغيير فى البداية، لكنهم يمالئونه خوفا، ويعرفون دورهم فى المجتمع وفى الحياة بوجه عام من زاوية الاستقرار، أو ما يسميه لو بون ضرورة العمل واستمراره.(11) هذا الميل التلقائى من قبل قطاع شعبى لاستعادة الهدوء واستئناف العمل، تمت تغذيته بالحديث المبكر فى مصر عن «عجلة الإنتاج»، أو الإلحاح فى إذاعة حديث قديم للشيخ الشعراوى بعد ثورة يناير مباشرة يصف فيه «الثائر الحق»، فى دعوة مباشرة لاستعادة الهدوء و«بناء الأوطان». ويتسق هذا التفسير بدوره مع فكرة «إهمال المنافسة» التى سبقت الإشارة إليها، والتى جعلت الفئات المتحمسة للثورة تقلل من أهمية الأفكار والتوجهات المنافسة أو المناوئة.

ثانيا ـ عودة تأثير العادات والطبائع القومية:         

يرتبط بالعامل السابق، ويساهم فى تفسيره، ما لفت إليه جوستاف لو بون ـ فى إطار تحليله للموجات الارتدادية التالية للثورات ـ من عودة ظهور «الطبائع القومية» وتأثيرها الذى يحد من الاندفاعة الثورية، خاصة إذا اتسمت تلك الطبائع بالاستقرار والمحافظة. وبرغم أن مفهوم الطابع القومى وردت عليه العديد من الانتقادات، إلا أن فكرة تغلب العادة، لا تزال تؤيدها الدراسات النفسية الحديثة، التى تؤكد تأثير «العادة» على تأطيرنا للمشكلات، ما يؤثر بدوره على تقييم المواقف باعتبارها فرصة أم خطرًا، ومن ثم على اختياراتنا إزاءها.(12)

ثالثا ـ عدم الاستساغة النفسية لقانون النتائج غير المقصودة:

يرى كانمان أن هناك انحيازًا إدراكيًّا سببي|ًّا، فالإنسان أميل إلى البحث عن علاقة سببية وإنكار دور المصادفة أو سوء الحظ ، أو العوامل التى لم تكن فى الحسبان فى حدوث بعض النتائج، ومن ثم فمع تطور الظروف السياقية للظاهرة الثورية العربية، وما صاحبها من صعوبات وتردٍّ فى أوضاع بعض البلدان، كان الناس يميلون بالضرورة إلى اتهام الثورات فى التسبب فى تلك المشكلات، أو بأنها مخططات تآمرية كانت النية فيها مبيتة لإحداث هذه الأضرار. الأمر فى الحالة المصرية كان أوضح ما يكون فى المجال الاقتصادى. فالثورة التى كان أبرز شعاراتها هى العدالة الاجتماعية، صار بعض تلك الفئات المستهدف تحسين حالاتها فى المعسكر المعادى لها، أو غير المبالى بها، بسبب تدهور ظروفه الاقتصادية. ولا تفيد كثيرا فى هذه الحالات المناقشة الموضوعية لعلاقة السبب/النتيجة، أو لدور الثورات الحقيقى فى هذه المآلات، مقارنة بالعوامل الأخرى، فى ضوء هذه القاعدة النفسية التى تكره فكرة النتائج غير المقصودة، أو الصدفة، وتبحث عن النوايا الخفية، أو التعمد والسببية.

رابعا ـ اليسر الإدراكى لفكرة المؤامرة:

إن تصدير فكرة سهلة يمكن إدراكها بشكل حدسى أو تلقائى، وتلعب على مخزون الصور، وتضخم من المشاعر والعواطف، هو أمر أكثر سهولة وإقناعا من مناقشة فكرة مركبة، أو تحتاج إلى جهد عقلى فى إدراكها، بل يؤكد كانمان أن اليسر الإدراكى يرتبط بالمزاج الجيد، بينما يصير الناس فى مزاج سيئ حين يطالبون بإدراك المواقف الصعبة أو المعقدة، أو غير الواضحة، أو التى تتسم بقدر من عدم اليقين. كذلك، تتفاوت قدرة البشر على هذا الإدراك المعقد. فعلى سبيل المثال، يميل من يشاهدون التليفزيون باستمرار إلى التفكير الحدسى (التلقائى، السريع، التفكير عن طريق الصور)، بينما ينحو من يفضلون القراءة نحو التفكير المركب.(13) على هذه الخلفية، يصبح إقناع الناس ـ خاصة غير المسيسين، أو حديثى العهد بالسياسة، وهم قطاعات شعبية كبيرة تستقى معلوماتها ومواقفها من الصورة والخبر والبرامج التليفزيونية، بأن الثورات هى مؤامرة قامت بها قوى تخريب داخلية، أو أعداء خارجيون - يصبح ذلك مهمة أسهل كثيرا من مناقشة دور الطائفية، أو القبلية فى تخريب مسار الثورات، أو دور العوامل التى كانت موجودة سلفا فى إعاقة تحقيق الثورات لأهدافها.

  فى هذا الإطار، تسيدت سردية من المغالطات حول الثورة، فى صيغة سهلة التداعى إلى العقل تقدم تفسيرا مسطحا للأحداث، يوظف التضخيم ويحشد المشاعر، وتم الإلحاح عليه، من خلال وسائل الإعلام وغيرها من وسائل التأثير والإقناع فى صيغة تربط الثورات بالخراب والدمار، ولا تعدم الصور التى ترسخ فكرة العلاقة بين الثورات وضياع الأوطان، بغض النظر عن مدى مصداقيتها.

خامسا ـ سردية الخوف:        

يضيف الشعور بالخوف، والتفكير بالاستباق واستدعاء الأسوأ تأثيرا كبيرا فى الحكم على الاختيارات وتقدير المواقف. ويؤكد كانمان أن هناك انحيازاً واضحاً فى خياراتنا لتجنب الخسارة، وهذا هو لب نظريته للتوقع. فالخيارات لا يتم تقييمها وفق أوزان متساوية فى حسابات الرشادة النفسية، كما تثير الاختيارات التى تنطوى على عنصر الخوف، أو المواقف التى يتم تقييمها، باعتبارها خطرا أكثر من كونها فرصة، ردود فعل بالغة، فالمحافظة قد لا تتسق مع الحجم الموضوعى للخطر. فى هذا السياق، فالأحداث المخيفة، مثل الإرهاب، مهما يكن احتمالها ضئيلا، فإنها تلعب دورا مبالغا فيه فى حسابات الموقف، وتدفع نحو الاختيارات الأكثر محافظة بدافع أساسى هو تجنب الخسارة.(14)

وفى الثورات، فإن مجرد انقطاع النمط الطبيعى للحياة، وعدم اليقين بالمستقبل يُعتبر مصدرا للخوف. أما فى حالة الثورات العربية، فإن موجة من السيناريوهات الأسوأ قد تفجرت، وتغذت بشكل مخيف من سرديات الرعب – المنطقية وغير المنطقية - بما لها من تداعيات على تقييم عناصر الموقف وتوجيه الاختيارات.

الاستدلال العاطفى

نحن نحب اختياراتنا !  

يرتبط تقييم اختيار ما بشعورنا تجاهه، وهو ما يسمى الاستدلال العاطفى، فالاستدلال الذى يعد فى صلب عملية التقييم، والتفكير المنطقى، وحسابات التكلفة والعائد، هو منحاز ابتداء بتأثير المشاعر.(15) فمؤيدو الثورات يرونها جيدة بالضرورة، بمعنى أنهم لا يؤيدونها لأنها جيدة، وإنما تتدخل مشاعرهم فى تقييمها كفرصة أو خطر منذ البداية. وبالمثل، فإن كارهى الثورات يرونها سيئة بالضرورة، ومن ثم يتصيدون الدلائل والحجج التى تؤكد موقفهم منها.

هذا التماهى العاطفى مع الاختيار، يفسر حالة الشحن العاطفى ما بعد الثورات، وشيوع ألوان من الاستقطاب والعنف اللفظى والرمزى فى الدفاع عن كل اختيار، والتمترس حوله، وسَوق المبررات المؤيدة لصحته. ويرتبط بفكرة الاستدلال العاطفى أيضا ما يسمى تأثير الهالة. فالناس أميل إلى الثقة بمن يحبونهم أو يعجبون بهم، وبالتالى فإن مصدر المعلومة أو الرأى، هو عنصر حاسم فى تصديقها بغض النظر عن محتواها الموضوعى. وفى حالة تنازع الاختيارات، قد يؤدى الاستدلال العاطفى وتأثير الهالة إلى مزيد من الاستقطاب، والعنف الرمزى، حيث تحكم حالة من اليقين خيارات كل طرف، وتمسكه بموقفه، ما قد يعوق التوافق حول مواقف وسط، أو التعاطى مع المواقف بحسابات هادئة أو باردة.

ويشير اتجاه فى الدراسات النفسية إلى أن التبرير، والذى برز كظاهرة هيمنت على الخطاب، وتمثلت فى التنابز بين أنصار الاختيارات المختلفة عقب الثورات، ليس منبعه بالضرورة اليقين بجدارة الاختيار، ومن ثم تبريره وتوضيح مآثره، وإنما مصدر التبرير هو تنازع الحسابات المنفعية (الرشادة) مع التقييم الأخلاقى للاختيار. ويشير دان أريلى إلى أن التبرير هو حيلة نفسية أساسية، يستخدمها الإنسان بشكل شبه يومى للتوفيق بين حسابات رؤيته لمصلحته والتقييمات الأخلاقية للموقف، خاصة فى حالة تنافرها، ومن ثم تزداد الحاجة إلى تبرير كلما ازداد إدراكنا لعورات الاختيار.(16) وقد تفسر مقولات أريلى سيلا التبريرات التى سيقت وتساق بشكل مستمر فى إطار المواقف السياسية والقرارات الكبرى، سواء تبناها الشخص بنفسه، أو دافع عمن يتبناها.

وفى السياق المصرى، كان تساؤل «إيه إللى ودَّاهم هناك؟» مثالا نموذجيا لهذا النوع من التبرير الذى سيق بدأب عقب الثورة فى تبرير الاستباحة، واعتبارها اختيارا مقبولا، ترتب على سلوك الأشخاص المتعرضين للأذى. مقولات أخرى مثل «أحسن ما نبقى زى سوريا والعراق» سيقت كذلك بشكل متكرر، ما يؤيد تأثير سردية الخطر، على تبنى خيار دفع الضرر، مع الإدراك المبطن بأن اختيارا سياسيا، أو السياسات المترتبة عليه تنطوى على مساومة أخلاقية أو تضحية بمثل عليا كرستها الثورة.

بعبارة أخرى، فإن التبرير فى حد ذاته، يعنى أن المثل العليا للثورات لا تموت، ويصوغ الناس مواقفهم استبطانا لها. وقد تخبو الثورات بفعل تضافر عوامل نفسية وموضوعية، ولكنها تظل «مسطرة أخلاقية»، ومصدرا للقيم المرشدة للتفكير والسلوك، بل يشير تاريخ الثورات الكبرى، مثل الثورة الفرنسية، إلى أن الثورة، بغض النظر عن نجاحها السياسى فى المدى القريب من عدمه، تتحول إلى نوع من المعتقد الملهم الذى يستمر تأثيره طويلا، وإن تراجعت تجلياته السياسية. فمبادئ الثورة الفرنسية، ومنها مبدأ المساواة، تجاوز تأثيره حدود فرنسا، وشكَّل ما يشبه «إنجيل الأمم»، واحتل فيما بعد مكانة محورية فى مفاهيم الاشتراكية، والديمقراطية الحديثة.(17) فالثورات الكبرى لا تنتهى بأفول تداعياتها السياسية، وإنما تستمر وتترسخ مبادئها على مر الزمن بحكم سلطانها على النفوس.

 

هوامش ومراجع:

1- Rod Aya، «The Third Man; or Agency in History; or Rationality in Revolution،» History and Theory، Theme Issue 40، December 2001 P. 144.

2-  WayneParsons، Public Policy: An Introduction to the Theory and Practice of Policy Analysis، Edward Elgar، USA، 1999، P.P. 276-280.

3- Rod Aya، op.cit.، P. 143.

4 - جلبير أشقر، الشعب يريد: بحث جذرى فى الانتفاضة العربية، بيروت: دار الساقى، 2013.

وحول دور السياسات الاقتصادية النيوليبرالية فى سوريا انظر:

سلام السعدى، «سوريا: الاقتصاد كبيئة حاضنة للحرب»، مجلة الديمقراطية، العدد 59، يوليو 2015، ص ص 79-86.

5 - دانيال كانمان، التفكير السريع والبطيء، ترجمة شيماء طه الريدى ومحمد سعد طنطاوى، القاهرة: مؤسسة هنداوى للتعليم والثقافة، الطبعة الأولى، 2015، ص 262.

6 - غوستاف لو بون، الثورة الفرنسية وروح الثورات، ترجمة عادل زعيتر، تونس، لبنان، مصر: دار التنوير، الطبعة الثالثة، 2016، ص 27.

7 - دانيال كانمان، مرجع سابق، ص ص 319-339

8 - غوستاف لو بون، سيكولوجية الجماهير، ترجمة هشام صالح، بيروت: دار الساقى، الطبعة السادسة، 2015..

9 - Amos Trevsky; Daniel Kahnemann، «The Framing of Decisions and the Psychology of Choice،» Science، New Series، Vol. 211، no. 4481، Jan. 30، 1981، P. 453.          

10 - غوستاف لو بون، سيكولوجية الجماهير، ص ص 77-78.

11 - غوستاف لو بون، الثورة الفرنسية وروح الثورات، ص 50.

12  - Daniel Kahnemann، Maps of Bounded Rationality: Psychology for Behavioral Economics، The American Economic Review، Vol. 93، (Dec. 2003)، P.P. 1454-1455.

13 - دانيال كانمان، مرجع سابق، ص 123.

14 - المرجع السابق، ص 414.

15 - المرجع السابق، ص 137.

16 - Dan Ariely، Predictably Irrational: The Hidden Forces that Shape Our Decisions، Harper Collins e-books، 2008.

17 - غوستاف لو بون، الثورة الفرنسية وروح الثورات، ص 18.

عن الكاتب : رئيس التحرير- مجلة الديمقراطية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق