ملف العدد
التاريخ السيكو - سياسى المتقلب لجماهير 25/30
2016/12/27
بقلم فؤاد السعيد
0
2674
65
العدد :

من الطبيعى فى فترات التحولات المجتمعية الكبرى، كالتى تمر بها مجتمعات الربيع العربى أن تغيب حالة الإجماع، وأن تتسم الحالة السياسية بدرجة ملحوظة من التباين فى الرؤى والمواقف قد تصل إلى حد الانقسام السياسى أحياناً، فى مثل هذه الفترات من التحولات التاريخية الاستثنائية، لا يقتصر الأمر على مجرد الرؤى والمواقف؛ سواء للكتل الجماهيرية، أو للنخب السياسية فى الحكم أو خارجه، ولكنه يتجاوز ذلك المستوى من المظاهر السياسية التى يمكن رصدها بسهولة إلى مستويات أعمق، خاصة بالميول والمزاج النفسى للكتل الجماهيرية خاصةً، وهو ما ينقل النقاش من مستوى التحليل السياسى المعتاد إلى مستوى السيكولوجيا السياسية لتلك الكتل الجماهيرية ومدى ثباتها أو تغيرها، مما يساعد على التنبؤ بالسلوك السياسى المتوقع لها فى المستقبل.

وفى ظل غياب دراسات اجتماعية، واستطلاعات رأى يمكن الركون إليها فى هذا الصدد، سوف نحاول هنا استخلاص مسار تطور السيكولوجيا السياسية لتلك الكتلة المؤثرة من المصريين الذين ملأوا الميادين، أو أيدوا - على الأقل - أهداف ثورة يناير، ثم لم يلبثوا أن اضطروا للتصويت للإخوان ولمرسى لعدم وجود بديل مدنى، ثم سرعان ما ندموا على اختيارهم، وقرروا النزول فى 30 يونيو لتصحيح مسار يناير.

كتلتا الثبات فى المعادلة المصرية:

إذا استبعدنا تلك الكتلة الشعبية السلبية سياسياً طوال الوقت، وفى كل الظروف، بسبب شدة الضغوط الاقتصادية - الاجتماعية على حياتها اليومية، أو نتيجة  تدنى درجة وعيها السياسى، والتى قد تصل نسبتها لما يدور حول الربع من المصريين؛ فإن التوجهات السياسية لبعض الكتل الجماهيرية فى مصر تتسم بدرجة عالية من الثبات كنتيجة طبيعية لثبات العوامل الحاسمة لخياراتها السياسية؛ ثمة كتلة أولى تمثلها تلك الفئات الشعبية التى تحكمها السيكولوجيا السياسية للانتماء الدينى والسياسى لفكرة الحكم الإسلامى وهدف تطبيق الشريعة؛ فباستثناء لحظة التردد الأولى بخصوص مشاركتها أو إحجامها عن المشاركة فى التظاهرات المبكرة فى 25 يناير 2011، اتسمت الرؤى والمواقف السياسية لهذه الكتلة بدرجة عالية من الثبات وعدم التغير: فى يناير، قررت فى النهاية المشاركة، بهدف ركوب الموجة الشعبية التى لم تكن «الهوية» باعثها للتحرك، حيث دفعت القوى الإسلامية جماهيرها لمزاحمة جماهير يناير فى الميادين، وخلال المرحلة الانتقالية الأولى سعت بهمة لمشاركة المجلس العسكرى فى الحكم بداية من البرلمان حتى الرئاسة، وفى أعقاب 30 يونيو 2013، كان الموقف ثابتاً واضحاً فى إنكار الثورة الشعبية عليهم والتمسك فقط بمقولة «الانقلاب».

إذن، باستثناء لحظة يناير التى فاجأت هذه الكتلة الإسلامية بجماهيرها وقياداتها– كما فاجأت الجميع – لم تعان هذه الكتلة لحظات حيرة، أو تردد، أو خلاف جذرى صحى داخل صفوفها، ومع التطور السريع والمكثف للأحداث والخبرات السياسية التى عايشها المصريون لأول مرة منذ يناير، لم يتفاعل هذا القطاع إيجابياً مع هذه الخبرات الجديدة، لم يراجع أيا من مواقفه، ولا تراجع عنها أو عدّلها، مستخدماً عقلية التبرير حيناً، وعقلية الإنكار حيناً آخر، وهى عمليات إدراكية عميقة تتم عادة فى مستوى اللاوعى، لدرجة أن الملايين من أصحابها من الجماهير العادية لا يدركونها بالفعل، وهى حالة نفسية – إدراكية تختلف عن الاستخدام الواعى المقصود من قبل القيادات لذات العمليات النفسية، بهدف تحقيق أهداف سياسية؛ لعل أهمها استمرار مصداقية الرؤية السياسية، والحفاظ على الاستقرار والتماسك التنظيمى، واستمرار التأييد الجماهيرى، ولو بالتضحية بالحقيقة وإنكارها.

أما الكتلة الثانية التى اتسمت رؤاها ومواقفها بالثبات دائماً فتضم تلك الفئات التى تأسست وتشكلت تاريخياً مع النظام الاقتصادى الاجتماعى والسياسى لعصرى السادات، ومبارك، تضم هذه الكتلة فئات واسعة من المنتمين لمؤسسات الدولة خاصة الأجهزة الأمنية، والجيش، والقضاة، والفئات القيادية للجهاز البيروقراطى للدولة والحزب الوطنى خاصة كبار رجال الأعمال وأصحاب المصالح والأعمال المتوسطة المحليين، إضافة لقطاع معتبر من بسطاء المواطنين المشتغلين ضمن هذا القطاع بكافة فئاته، ومن الطبيعى أن هؤلاء كانوا مؤيدين لاستمرار النظام، ومعادين لفكرة الثورة عليه من الأساس.

ضمن هذه الكتلة، وعلى هامشها، ثمة كتلة فرعية مهمة لم تكن تؤيد نظام مبارك فى حد ذاته، وإن كانت تؤيد فكرة دور الدولة وضرورة استقرارها، ومن باب أولى منع سقوطها، ولكن ما ميزها عن عموم المنتمين لهذا الكتلة الثانية أنها استوعبت – نسبياً – درس يناير، واستخلصت استحالة العودة لما كانت عليه الأحوال ليلة 24 يناير 2011، وأن السبيل هو «إصلاح» مؤسسات الدولة، و»تحسين» مستوى أدائها،  دون أن يعنى ذلك قبول منطق التغيير الثورى الكامل الذى تبلور فى الميادين منذ يناير 2011.

على مستوى نخبة الدولة، مثّل الجيش، والقضاء، وبعض الأجهزة الأمنية نواة هذه الكتلة الفرعية، وعلى المستوى الجماهيرى استجاب قطاع معتبر من المصريين لهذا الميل الإصلاحى ضمن تحالف 30 يونيو؛ خاصة بعد سنوات من الإنهاك الاقتصادى، وعدم الاستقرار الاجتماعى، وفقدان الأمل فى توافق نخب الدولة والإسلاميين والمدنيين على المسار السياسى بعد يناير.

مثلها مثل الكتلة الأولى (الإسلامية)، اتسمت رؤى ومواقف هذه الكتلة الثانية - بشقيها المؤيد للنظام، والمؤيد للدولة على وجه العموم - بنفس الدرجة من الثبات وعدم التغير، أو المراجعة الإيجابية للرؤى والمواقف، غلب على المنتمين لهذه الكتلة بجماهيرها ونخبتها الاعتقاد بأن «أحداث» يناير انطوت – فى جوهرها – على مؤامرة خارجية استثمرت غضب الجماهير ووجهتها. وبينما كان رجال الحزب الوطنى، وبعض الأجهزة الأمنية يميلون لتصفية الثورة فى الميادين، استبعد الجيش استخدام العنف، ورجح الاستجابة للمطلب الشعبى بإسقاط مبارك، مع الحفاظ على كرامته وضمان محاكمته قانونياً لا ثورياً. وبينما عبّر الطرف الأول عن عدم ارتياحه لقبول الإخوان كشريك سياسى فى الحكم، قدر الجيش، الذى يحكمه هاجس الاستقرار قبل كل شيء، أن استبعادهم فى ظل الحالة الثورية بعد يناير هو رفاهية سياسية، فى ظل غياب قوى مدنية منظمة قادرة على ملء الفراغ السياسى، ولو مرحلياً، وخلال عام حكم الإخوان ونزوعهم للانفراد تدريجياً بالحكم ولأخونة أجهزة الدولة، حسمت هذه الكتلة موقفها بصعوبة من تقاسم السلطة مع الإخوان، والخلاصة أن هذه الكتلة اتسمت رؤاها ومواقفها أيضاً بالثبات وعدم التردد، أو المراجعة الإيجابية.

«25/30».. كتلة الحسم الحساسة للتغيير:

يمثل القطاعان السابقان (الإسلامى والدولتى) النسبة الأكبر من المصريين، وبناء على مؤشرات التصويت فى الانتخابات البرلمانية والرئاسية زمن التوهج والحماسة السياسية الأولى الكاشفة لحقيقة الميول النفسية السياسية للمصريين، يمكن أن نجازف بالقول إن كلاً من هاتين الكتلتين يمثل ما يدور حول ربع الكتلة السياسية للمصريين وإنهما معاً يمثلان ما يقرب من نصف تلك الكتلة. ولذلك، فإن أيا منهما لم تتمكن من حسم أى من المنافسات الانتخابية أو الصراعات السياسية فى مواجهة القطاع النقيض إلا بشرط واحد ضرورى هو كسب الكتلة الثالثة والأخيرة لمصلحتها، وهى كتلة «٢٥/٣٠»،  وهى الكتلة التى قد تمثل ( إضافة للكتلة السلبية ) الربع الأخير من المصريين تقريباً، كما هى الكتلة التى يركز هذا المقال على محاولة تتبع تطور السيكولوجيا السياسية لها، ليس لأنها الأكثر عدداً مقارنة بالكتلتين الرئيسيتين المتصارعتين، ولكن لأنها كانت ولا تزال الكتلة الأكثر حيوية بالمعيار التاريخى رغم افتقارها لأدوات حسم الصراع، مقارنة بالدولة من ناحية، وبتنظيم الإخوان من ناحية أخرى.

كانت هذه الكتلة الأكثر حساسية والأكثر شغفاً بمتابعة الأحداث السياسية الكثيفة والعميقة التى مرت بالمجتمع فى هذه الفترة الاستثنائية من تاريخ مصر. كما كانت – ولا تزال – الكتلة الأكثر تركيزاً على محاولة الإمساك بالموقف السياسى الصحيح – من وجهة نظرها فى لحظة معينة – كما كانت – على العكس من الكتلتين الأولى والثانية – الأكثر سرعة ومرونة فى مراجعة مواقفها والتراجع عنها لمصلحة مواقف سياسية جديدة فى عملية استيعاب وهضم سريعة للخبرات السياسية المتتابعة والمستجدة التى بدأت منذ يناير، واستمرت بعده حتى الآن، كما أنها كانت الكتلة الوحيدة التى تبنت تأويلاً لحدث 30 يونيو، باعتباره استمراراً وتصحيحاً لمسار 25 يناير لا نكوصاً عنها، على العكس من الكتلتين الأخرتيين اللتين انتصر كل منهما لثورة منهما دون الأخرى. فبينما اعتبر الإسلاميون – ولو بشكل انتهازى - يناير ثورة، أصروا على تأويل يونيو كانقلاب متغافلين عن الملايين التى احتشدت ضدهم فى الميادين، وبينما اعتبرت كتلة الدولة – فى اتجاهها الأعم – يناير مؤامرة انتصروا لتأويل عكسى ليونيو، باعتبارها إعلانا لفشل يناير ونهايتها.

سوسيولوجياً، يمكن وصف النمط الاجتماعى الغالب ضمن هذه الكتلة بأنهم من المنتمين للطبقة الوسطى المدينية بكافة شرائحها، إضافةً إلى الشريحة الدنيا من الطبقة العليا المدينية أيضاً. نسبة الشباب ضمن هذه الكتلة أعلى من الكبار؛ شباب طبقة وسطى متعلم ذو ميل قوى لفكرة العدالة الاجتماعية، وشباب متعولم ليبرالى الهوى، ضمن الشريحة الدنيا للطبقة العليا.

فشلت هذه الكتلة الحساسة بشدة للتغيير الباحثة عن «مصر الجديدة» فى العثور على من يجسدون صورة مرشحيهم الثوريين المدنيين أو الإسلاميين الديمقراطيين فى أول انتخابات برلمانية بعد يناير، كما فشلوا فى توصيل مرشحيهم المفضلين (صباحى أو أبوالفتوح) للمرحلة الأخيرة للترشح الرئاسى، ولذلك وصف المنتمون لهذه الكتلة أنفسهم من يومها بكتلة «عاصرى الليمون» لاضطرارهم دائماً لتجرع خيارات بديلة عن خياراتهم الأصلية، بداية من الإخوان فى البرلمان ( أفضل من فسدة الحزب الوطنى)، وانتهاءً بمرسى (أفضل من نجاح شفيق وهزيمة الثورة)، لكن يبقى أن هذه الكتلة هى التى حسمت نتائج التصويت دائماً، مما يعكس أهميتها السياسية التى تفوق أعداد المنتمين لها.

فى المقابل، لم يكن نزول تلك الكتلة ذاتها، لتشكل القلب النابض فى تظاهرات 30 يونيو المليونية، تعبيراً عن خيار اضطراري(كالعادة) بل كان نزولها – هذه المرة –  تعبيراً عن خيار ناضج بالتراجع عن انتخابهم السابق لمرسى والإخوان الذين فقدوا مصداقيتهم خلال عام واحد فى الحكم لدى هذا القطاع المتوتر الحساس سياسياً الذى يمتلك استعداداً استثنائياً لاستيعاب الخبرات الجديدة، إضافة لشجاعة الاعتراف بالخطأ، والتراجع عن خيارات سابقة، وتبنى خيارات بديلة بسرعة وحيوية لم يرصدها كثير من المراقبين.

كشف تراجع هذه الكتلة عن تصويتهم السابق لمرسى والإخوان عن أصالة الفكرة المدنية لدى هذا القطاع المهم من المصريين، وعن رفضهم القاطع لفكرة الدولة الدينية، والأهم رفضهم لتحكم أى جماعة ونزوعها للانفراد بالقرار السياسى وإدارة شئون البلاد، كما كشفت عن تقديس غير متوقع للحرية الشخصية بعد سماح الإخوان للسلفيين بالتدخل فى الحياة الشخصية للناس بشكل متزايد، وكلها أمور لم تكن بهذا الوضوح فى مصر من قبل.

من ناحية أخرى عبّر موقف هذه الكتلة فى 30 يونيو عن عمق فكرة الدولة الحافظة للنظام والأمن لدى المصريين، كما عبر عن صورة إيجابية وثقة مطلقة فى الجيش خصوصاً. فكان الشعور الذى يتملك هؤلاء فى 30 يونيو أن مصر ستكون فى أمان، وفى أيادٍ أمينة، طالما عاد الجيش إلى الصورة السياسية لتنفيذ الإرادة الشعبية الرافضة لانفراد جماعة بالحكم، وكذلك لمنع الحرب الأهلية التى كانت نذرها تلوح فى الأفق، فى هذه اللحظة لم تطرح فى الميادين أى تخوفات من انفراد الجيش بالسيطرة على الحكم، بل إن السؤال لم يدر بخلد أحد وقتها أبداً.

مراجعة واقعية

إعادة صياغة صورة الذات الشعبية:

قبل الصور النمطية للآخرين، تعد «صورة الذات» من المفاهيم المركزية فى علم النفس كما فى الأنثروبولوجيا الثقافية، ولا يقل المفهوم أهمية فى علم النفس السياسى كذلك، بالتطبيق على الحالة المصرية، يلفت النظر أن هؤلاء الذين نزلوا للميادين فى يناير لم يساورهم أدنى شعور بالقلق إزاء السؤال: كيف ستسير الأمور بعد سقوط مبارك ونظامه؟ ينطبق ذلك على ملايين المصريين العاديين الذين قرروا النزول غضباً وحماساً كما ينطبق بنفس الدرجة تقريباً على النخبة السياسية التى كان أقصى ما طرحوه آنذاك اقتراح صيغة مجلس رئاسى جماعى، الأرجح أن هؤلاء كانوا يعتبرون أن هذه المسألة هى مجرد تحصيل حاصل؛ وكان لسان حالهم يقول إن الشعب الذى استطاع الصمود فى الميادين، وتمكن من فرض إرادته لإسقاط مبارك يكون قد أنجز المهمة الأصعب التى كانت أقرب للمستحيل، ولن يعجز عن إنجاز المهمة «الأسهل»؛ إدارة شئون البلاد، كان هؤلاء يعبرون أيضاً عن ثقافة سياسية تقليدية متوارثة لخصها الوعى الشعبى فى مقولات من قبيل «مصر ولادة» واعتقاد آخر متوارث بأن مصر عرفت أول دولة فى التاريخ، وأنها كانت دائماً الرائدة فى المنطقة برجالها وإنجازاتها، وبالتالى لن تعجز عن إدارة شئونها بأبنائها وكفاءاتها بعد غياب رأس أى نظام.

ولكن خلال مرحلة ما بعد يناير، اكتسبت هذه الملايين خبرات نفسية ومعرفية هامة؛ على رأسها أن واقع مصر والمصريين لم يعد متطابقاً تماماً مع الصورة الذهنية الزاهية عن الذات الجمعية للمصريين؛ فبغض النظر عن محاولات الثورة المضادة لأرباك المشهد بعد سقوط مبارك، أظهر المصريون درجة متدنية من الاستعداد للتوافق بداية من المشادات الحادة داخل البيوت، وانتهاء بالفشل فى التوافق على مسار سياسى على موائد تفاوض الأطراف السياسية الفاعلة، مقارنة بحالة قريبة كالحالة التونسية مثلاً.

من ناحية أخرى، استوعبت هذه الكتلة المدنية من المصريين أن منافسهم السياسى والاجتماعى الرئيسى لا يقتصر فقط على التيار الإسلامى، بل إن نظام الحكم المتداخل بعمق مع أجهزة الدولة لدرجة التطابق أحياناً ليس محض نظام أقلية تحكم بالتسلط وتدير الاقتصاد بالاحتكار، بل إن وراءه كتلة جماهيرية رئيسية تفسر حصول أحمد شفيق على ما يقرب نصف الكتلة التصويتية فى الانتخابات الرئاسية، وهى كتلة لا تعبر فقط عمن ترتبط أرزاقهم بهذا النظام، ولكن أيضاً عن قطاع معتبر ممن تشربوا نوعاً من الثقافة السياسية التقليدية الموروثة التى لا تتصور انتظام الحياة فى البلاد دون نظام ودولة مركزيتين، كانت هذه الكتلة الأخيرة فى الظل طوال سنوات استقرار نظام مبارك، ولكنها اضطرت بدورها لتنظيم صفوفها والنزول لحلبة الصراع السياسى، حين اقتضت الضرورة ذلك، وهو ما وصل لذروته فى 30 يونيو.

الإرادة الشعبية ومخاض الفطام السياسى:

على العكس مما كان مستقراً من صورة سلبية عن الذات الشعبية المصرية الخانعة للحاكم، توالت نجاحات الجموع منذ 25 يناير، بداية من استجابة المئات، ثم الآلاف، ثم الملايين للمشاركة فى الثورة، مرورا بالصمود أمام القمع الأمنى، ثم سقوط الداخلية فى 28 يناير، انتهاء بلحظة فرض الإرادة الشعبية وإسقاط مبارك، حيث جسدت المشاهد الهستيرية فى الميادين والبيوت حالة المفاجأة لاكتشاف الذات،  واكتشاف الإرادة الشعبية لأول مرة ربما منذ ثورة 1919.

وفى تأكيد للمعنى ذاته، وبغض النظر عن التفسيرات السياسية لحركة تمرد، ومن كان وراءها، فإن سرعة انتشار فكرة التمرد فى حد ذاتها، ثم تجرؤ الملايين على النزول للميادين فى 30 يونيو، رغم مخاطرة التعرض لعنف الإسلاميين، كل هذا جاء كتجسيد لروح استعادة الشارع، والمجتمع المدنى المصرى للثقة فى النفس تلك التى وُلدت من جديد فى الخامس والعشرين من يناير 2011.

ولكن وفى مفارقة نفسية صارخة ذات دلالة، نزلت الملايين أيضاً بعد شهر واحد لتفوض طرفاً آخر غير ذاتها، وهو الجيش، وأجهزة الدولة لمواجهة «العنف المحتمل» من الإسلاميين، والأهم أن هذه الملايين استكانت بعد ذلك لحالة التواكل على الدولة مما فتح الباب أمام نزعة توسيع مجال التفويض، ليتحول تدريجياً لتفويض سياسى شامل تحول معه الشعب من فاعل سياسى رئيسى إلى مفعول به مرة أخرى. ثمة عوامل نفسية ومعرفية عميقة تفسر لماذا فات هذا التناقض بين اللحظتين على الملايين؛ لعل أهمها تلك الصورة التاريخية الإيجابية للجيش، على وجه الخصوص فى وعى المصريين، وكذلك الارتياح التقليدى الموروث لدى المصريين لوجود حاكم قوى، ودولة تواجه أى تهديد وجودى، وتفرض النظام، وتجنب الوطن حالة الفوضى والفراغ السياسى.

كان المعنى العميق المتوارى خلف القبول الواسع بالتفويض هو الثقة فى الدولة – رغم سوء أداء معظم مؤسساتها – ولكن الأهم الثقة فى الجيش، وهو ما يفسر الصعود الدراماتيكى لشعبية المشير السيسى (آنذاك) الذى جسد فى تلك اللحظة نوعاً من الحنين والتواكل المريح وميلاً سيكوسياسياً عكسياً للعودة لحالة الاعتمادية الكاملة على أب قوى « يحنو عليه».

لا تنطوى المفارقة على غموض كبير يستعصى على الفهم، فبناءً على إجماع الملاحظات الميدانية، كان الشباب هم وقود ثورة يناير ومكونها الرئيسي؛ سواء من زاوية الأعداد، أو من زاوية التجرؤ على كسر حاجز الخوف الموروث، أو من زاوية الثقة فى قدرة المصريين على إدارة شئون بلدهم – ولو بعد فترة من تراكم الخبرات – وهو ما يفسر حساسيتهم المبالغ فيها أحياناً إزاء تحكم فريق فى إدارة شئون البلاد، حتى ولو كان الجيش، خلال المرحلة الانتقالية بعد يناير، ومن باب أولى جماعة الإخوان فى 30 يونيو.

فى المقابل، كانت الفئات «الهشة نفسياً « ذات مستويات القلق المرتفعة، أكثر تمثيلاً فى تظاهرات 30 يونيو، مقارنة بتظاهرات 25 يناير، ينطبق ذلك على الأقباط الذين نزلوا للتعبير عن رفضهم التحول لأقلية أو لمواطنين من الدرجة الثانية فى أحسن تقدير، وكذلك نتيجة لتصاعد مستويات القلق لديهم بعد تكرار الأزمات الطائفية ضدهم، خاصة فى الأرياف والصعيد، منذ صعود الإسلاميين لسدة الحكم.

أما الفئة الهشة نفسياً الثانية، فكانت كبار السن الذين عبروا عن تخوفهم من نذر الحرب الأهلية، كما ينطبق الأمر نفسه على النساء؛ بداية من نساء المدن عموماً اللاتى نزلن للتعبير عن القلق إزاء حماس الإسلاميين لاستصدار قوانين تنتقص من حقوق المرأة، وكذلك تنامى حالات تدخل السلفيين فى الحياة الشخصية للنساء خصوصاً، مروراً بربات البيوت اللاتى نزلن للتعبير عن تخوفهن من استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية بدرجة تؤثر على الاستقرار الاجتماعى لأسرهن، انتهاءً بالشابات اللاتى نزلن فى يونيو للتعبير عن درجة عالية من  القلق إزاء تدهور معدلات الأمن الاجتماعى، وما ترتب عليه من تزايد حالات التحرش فى الشوارع، بل فى ميادين التظاهر ذاتها.

خاتمة:

تعرضت كتلة «٢٥/٣٠» الشعبية طوال السنوات الأخيرة لعمليات متتابعة من صعود التطلعات والآمال، أعقبتها دائماً إحباطات مريرة لم تتعرض لها كتلة شعبية كثيرة  فى تاريخ المجتمعات، وهو الأمر الذى تواصل بعد ثورة 30 يونيو؛ فبعد استعادة الأمل وصعود التطلعات مرة أخرى، لاتزال بعض قوى النظام القديم تضغط فى اتجاه العودة بالأوضاع لليلة 24 يناير 2011؛ بداية من استسهال التضييق الأمنى والسياسى على المجتمع كله، بحجة مكافحة الإرهاب، انتهاءً بوقوع الإعلام السياسى فى خطأ فادح تمثل فى المبالغة فى التفاؤل الاقتصادى، الذى صعد بالتطلعات مرة أخرى لتتحول لحالة من الإحباط والشعور بالفشل مع توالى مؤشرات أزمة اقتصادية طاحنة، ولكن هذه الكتلة أظهرت طوال السنوات الست قدرات نفسية مفاجئة على تحمل الصدمات السياسية، ومرونة غير متوقعة فى التعامل مع الأزمات الاقتصادية، والأهم كفاءة لم يلتفت إليها كثيراً فى استيعاب مرحلة التحول وتأثيراتها العميقة ودروسها الصعبة، وقدرة متواصلة على مراجعة الرؤى والمواقف، كما كانت دائماً الطرف الحاسم فى العبور بالمجتمع المصرى كافة من حال الأزمة إلى حال التجاوز، والأرجح أنها ستكون الطرف الحيوى الفاعل فى صنع المستقبل أيضاً .

 

 

عن الكاتب : باحث - المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق