انتخابات
لبنان: تحديات ما بعد التوافق الرئاسى
2016/12/27
بقلم رانيا زادة
0
1600
65
العدد :

   

الانتخابات الرئاسية بين خبرات الماضى ومتغيرات الحاضر

يستدعى انتخاب ميشال عون رئيسا للبنان -بعد عامين ونصف عام من شغور موقع الرئيس ليصبح بذلك الرئيس الثالث عشر للبنان، منذ نيله استقلاله- مشهدا تاريخيا فى حياه لبنان واللبنانيين، والتى تغيرت من خلاله بنية النظام السياسى، مع خروج الجنرال عون من لبنان، وإقرار اتفاق الطائف فى عامى 1989 و1990

يثير وصول ميشال عون، الذى انقلب على الطائف فى الماضى، العديد من الأسئلة الخاصة بطريقة وصوله للسلطة، وشكل التحالفات الداخلية، والتحديات التى يواجهها العهد الجديد، فهل يعد حقا انتخاب الرئيس خاصة بعد فشل 45 جلسة لاختياره بداية للاستقرار السياسى فى لبنان أم أن هذا الانتخاب يواجه مجموعة من التحديات قد تدخل لبنان فى أزمات مستقبلية؟ وتتطلب الإجابة على هذه الأسئلة طرح مجموعة من النقاط: أولها، تتمثل فى طريقة اختيار الرئيس. فهناك وجهتا نظر مختلفتان، الأولى ترى فى انتخابه تسوية لبنانية خالصة، بعيدة عن التطورات الإقليمية والدولية، أى صناعة لبنانية، وهناك وجهة نظر أخرى ترى أنها تفاعل بين العوامل الداخلية والخارجية، ولذلك من المفيد عقد مقارنة بين الماضى والحاضر لمحاولة فهم الحدث .

إن خروج ميشال عون من لبنان فى 1990، وإزاحته بالقوة، ثم عودته فى أكتوبر 2016، ليتولى رئاسة لبنان يسمح بعقد مقارنة بين الحالتين من حيث التطورات الإقليمية والدولية وارتباطهما بالتفاعلات الداخلية اللبنانية، وشكل التحالفات وتغيرها لإعطاء صورة كاملة للمشهد اللبنانى. إذ لا  يمكن فهم انتخاب الرئيس عون بمعزل عن هذه التطورات وتفاعلاتها، حيث مثلت الساحة اللبنانية دوما مسرحًا للصراع على النفوذ بين قوى خارجية عديدة، كما مثلت ساحة لاختبار جدلية العلاقة بين الداخلى والخارجى.

المحدد الخارجى بين الماضى والمستقبل:

أدى اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية فى عام 1987 إلى لفت انتباه العالم، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرورة تهيئة المنطقة لعملية سلام بين الجانبين العربى والجانب الإسرائيلى، ومن ثم كانت الحاجة لاستقرار لبنان، وإقناع النظام السورى بضرورة عقد مؤتمر دولى لحل الصراع العربى-الإسرائيلى. فالقيادة الأمريكية الممثلة فى بوش الأب كانت تعلم أنه لا سلام بدون سوريا، وأن سوريا ورقة مهمة فى الاستراتيجية الأمريكية، ولذا فقد وافقت الولايات المتحدة على اتفاق الطائف لتهيئة المنطقة لعملية سلام فى الشرق الأوسط.

شهدت الفترة، التى سبقت مباشرة أزمة الخليج، إنجاز قدر من التقدم فى اتجاه حل المشكلة اللبنانية على أساس اتفاق الطائف، فقد برزت قناعة أمريكية وأوروبية بعدم جواز استمرار الوضع فى لبنان على ما هو عليه، كذلك تبلورت رغبة عربية فى عدم جواز بقاء لبنان منقسمًا، ولم تتوقف المحاولات الرامية لإحداث قدر من الوفاق بين اللبنانيين، حيث جاءت محاولات مصر والسعودية، لتعطى دورًا بالغ الأهمية لسوريا فى لبنان، من خلال سعيهما لتنفيذ اتفاق الطائف، وبقيت مشكلة عون وتدعيم العراق له، ولم يكن من الممكن إنهاء تمرد عون دون مساعدة سوريا، الأمر الذى لم يكن من السهل تحقيقه لولا حرب الخليج الثانية، وذلك لدعم العراق لعون، إلى جانب رفض قوى دولية أو على الأقل تحفظها، مثل فرنسا والولايات المتحدة. ولكن بعد حرب الخليج ومشاركة سوريا فى التحالف الدولى لتحرير الكويت  حدث تقارب أمريكى-سورى أرادت به الولايات المتحدة ضرب العراق فى لبنان، وأسقطت أزمة الخليج خطوطًا حمرا كانت موضوعة سلفًا من جانب الولايات المتحدة وفرنسا، وأعطت الضوء الأخضر للقوات اللبنانية بمساعدة القوات السورية للقيام بعملية عسكرية خاطفة لإنهاء تمرد عون وذلك فى إطار صفقة أكبر وأشمل تضمن استمرار الدور السورى، حيث منحت الولايات المتحدة سوريا جائزة ــ وهى وجودها فى لبنان ــ مكافأة على موقفها المناوئ للعدوان العراقى على الكويت.

وبالتالى، جاء تطبيق الطائف بعد إزاحة عون، نتيجة للتفاعلات الإقليمية والدولية آنذاك، كما جاء عون رئيسا للبنان بعد تطورات إقليمية ودولية هامة، خاصة بعد الصراع السعودى الايرانى فى العديد من الملفات فى سوريا، واليمن، كما لم تعد السعودية قادرة على تحمل خسارة الورقة اللبنانية وتسليمها بالكامل لإيران. فالمعروف أن لبنان خاصة بعد اغتيال الحريرى، وبعد خروج القوات السورية، أصبح منقسماً بين قوتين تابعتين إما لإيران وإما للسعودية وأضحت المواجهة بين الدولتين، مع الظروف الدولية، محددا للتفاعلات الداخلية اللبنانية.

ويعد الملف السورى أحد أسباب هذه التحركات، إذ إن فشل الولايات المتحدة فى محاولات إسقاط الأسد، واتفاق الولايات المتحدة مع روسيا لوقف إطلاق النار فى سوريا جعل من الضرورى إبعاد لبنان، خاصة بعد ما شهده من انقسام داخلى تجاه الأزمة السورية، وتدخل حزب الله فى سوريا إلى جانب النظام السورى،  كما جاء ذلك مناسبا لإيران والسعودية اللتين أرادتا حل أزمة الرئاسة قبل الانتخابات الأمريكية، فضلا عن عدم رغبة السعودية فى خسارة الورقة اللبنانية، خاصة بعد انشغالها بالملف اليمنى، وكذلك  تغير سياسة الولايات المتحدة تجاه المملكة العربية السعودية. فعلى الرغم من جميع الاشارات التى أعطتها السعودية ضد ترشيح عون، ومن حدوث توتر فى العلاقة بين الحريرى والسعودية، على خلفية أزمة شركته (سعودى أوجيه) نتيجة لانخفاض التدفقات المالية، إلا أن سعد الحريرى لم يكن ليعلن تأييده لترشيح عون دون تنسيق مع الجانب السعودى. وتعد الزيارات المتبادلة  بين الجانبين السعودى واللبنانى، خاصة بعد انتخاب عون والتصريحات التى أدلى بها الرئيس اللبنانى بعد زيارة المستشار الخاص للعاهل السعودى، خالد الفيصل لبيروت يوم 21 نوفمبر الماضى والذى حمل دعوة للرئيس اللبنانى لزيارة السعودية،تأكيدا على حرص المملكة على عدم خسارة الورقة اللبنانية وتأكيد حضورها ومباركتها للتسوية التى تمت لإنتخاب عون.

هناك عامل خارجى آخر تمثل فى تخوف الاتحاد الاوروبى من وضع اللاجئين السوريين فى لبنان البالغ عددهم مليون و500 ألف لاجئ،  فقد أعلنت ممثلة الاتحاد الأوروبى فى لبنان عن تخوفها من هذا الوضع، ومن الظروف القاسية التى يعيشون فيها،  وأنه لابد من إيجاد حلول لعودتهم، فضلا عن استقبال مسئول العلاقات الدولية فى حزب الله، السيد عمار الموسوى، والممثلة الخاصة للأمين العام فى لبنان، السيدة سيغريد كانغ، فى سبتمبر 2016 لبحث التطورات فى ملف الرئاسة، وبالتالى كانت الأجواء الإقليمية كلها متجهة نحو انتخاب عون، مثلما كانت الظروف الإقليمية والدولية فى السابق متجهة نحو إنهاء تمرده بالقوة. وهناك من يرى بأن المنطقة تدخل فى مرحلة التسويات، وأن ما حدث فى لبنان هو بمثابة تسوية أمريكية ــ إيرانية ــ سعودية .

إذن فالقول أن انتخاب ميشال عون جاء نتيجة للتطورات الداخلية فحسب هو تحليل يشوبه النقص، خاصة مع تاريخ لبنان العامر بالتفاعلات بين الداخلى والخارجى.

التحالفات الداخلية بين الماضى والمستقبل:

شهدت الساحة البنانية منذ اغتيال الحريرى، وخروج القوات السورية انقساما بين فريقين وارتباط كل منهما بقوى خارجية :

قوى 14 اذار :(المعارضة) والتى تضم قوى سنية ودرزية ومسيحية، أبرزها «تيار المستقبل»، و«القوات اللبنانية»، و«حزب الكتائب»، و«التيار الوطنى الحر»، و«الحزب التقدمى الاشتراكى»، قامت بتوجيه الاتهامات لسوريا وساعدت كلا من فرنسا والولايات المتحدة للضغط على سوريا حتى استجابت وقامت بسحب قواتها من لبنان فى 2005، مع تأييد عون للضغط على سوريا من خلال إقامته فى فرنسا.

ومن ناحية أخرى، قوى 8 آذار: وهى قوى شيعية إلى جانب أحزاب درزية وسنية صغيرة، أبرزها «حزب الله»، و«حركة أمل»، والحزب السورى القومى الاجتماعى»، والحزب الديمقراطى، والتى رأت ضرورة الاحتفاظ بعلاقات جيدة مع سوريا، وعدم تجريد سلاح المقاومة حتى تحرير الأراضى اللبنانية كاملة من الاحتلال الإسرائيلى، وتمسكت باتفاق الطائف.

لكن سرعان ما تغيرت التحالفات الداخلية فى لبنان، خاصة فى 2006 بعد الانتخابات، وقد غيّر عون من تحالفه، وبدأ التفاهم مع حزب الله ( يذكر أن عون لعب دورا فى قانون محاسبة سوريا، وخروج القوات السورية من لبنان، وقد غيّر عون بعد ذلك من موقفه، وتحالف مع حزب الله، ووقف داعما للنظام السورى وقت اندلاع الثورة السورية)، وهو أمر ليس بالغريب على لبنان التى تمثل دوما نموذجًا لتغيير التحالفات الداخلية، فأعداء الأمس يصبحون أصدقاء اليوم.

جاء عون رئيسا للبنان، بعد تغيير التحالفات الداخلية،  وبعد إعلان خصمين قديمين تأييدهما له، فإعلان كل من  سعد الحريرى وسمير جعجع تأييدهما لعون قد سهل من عملية انتخابه، وغيّر من خريطة التحالفات الداخلية، ولكن على الرغم من قدرة هذه التسوية على حل الأزمة اللبنانية فإنها فى حقيقة الأمر تمثل أول عقبة فى طريق العهد الجديد، وهذا ما سيتم تناوله لاحقا.

أولاً ــ تغير المعادلة المسيحية:

جاء اتفاق الطائف، نتيجة لاختلال التوازن على مستويات ثلاثة : الدولى، والإقليمى، والداخلى اللبنانى. ونعنى بالمستوى الداخلى تغير التوازن الداخلى فى لبنان بعد ضعف القيادة المسيحية وظهور قيادة سنية جديدة.

انفجرت الحرب بين عون وحلفائه  (القوات اللبنانية) التابعة لسمير جعجع فى فبراير1989 فى المنطقة الشرقية، وقد خاض عون حربه ضد القوات، بقيادة جعجع، عقابا له على موقفه المؤيد للطائف.

وقد سميت هذه الحرب حرب توحيد البندقية فى مايو 1990، وتحولت بيروت الشرقية إلى ساحة حرب حقيقية قسمت الصفوف المسيحية. ولم تقتصر الخصومة بين القوات وميشال عون على الماضى، بل انضم كل منهما لتحالف معادى للاخر إثر اغتيال رفيق الحريرى حيث انضم ميشال عون لقوى 8 آذار (مارس) بينما انضم جعجع لقوى 14 اذار.

لكن هناك مجموعة من الأسباب دعت سمير جعجع لتأييد ترشيح عون. فقد أعلن سمير جعجع فى يناير 2016 رفضه لمبادرة سعد الحريرى المتمثلة فى ترشيح سليمان فرنجيه رئيسا للجمهورية، إذ رأى جعجع فى فرنجية تكريسا للمحور السورى-الإيرانى، كما أن ذلك يعد استبعادًا للقوات، إذ يعتبر عون مرشحا أفضل لجعجع من فرنجية المنتمى للخط السورى، وقد عدد جعجع مجموعة من الأسباب لاختيار عون من أهمها تكريس وجود مسيحى قوى فى موقع الرئاسة، والعمل على إفشال إعادة إحياء قانون الـ60 الذى يضرب التمثيل المسيحى.

كما أن تطورات الملف السورى وفشل المراهنة على سقوط الأسد فى سوريا قد دفع جعجع لمراجعة حساباته، خاصة فى ضوء عدم تحقيقه مكاسب من انضمامه لتحالف 14 آذار(مارس)، بعد أن قام الحريرى بإعلان تأييده فى بادئ الأمر لسليمان فرنجية، دون الاتفاق مع القوات.

يمكن القول إن التفاهم بين القوات والتيار الوطنى الحر مثّل عاملاً حاسماً فى تغيير الدفة لصالح مرشح مسيحى قوى متمثل فى شخص عون، وها هو هذا التفاهم يجنى ثماره بعد الرئاسة  فى عملية التفاوض على تشكيل الحكومة، خاصة بعد عدم مشاركة القوات فى حكومة تمام سلام  السابقة،  كما سيؤثر على القوى الأخرى التى ترى فى مثل هذا التفاهم تهديداً حقيقياً، خاصة بعد تقوية الجانب المسيحى، علاوة على تأثير هذا التفاهم على وضع أطراف مسيحية أخرى لم تعلن تأييدها لعون، مثل رئيس حزب الكتائب، سامى الجميل، ومن ثم تراجع نفوذه وإبعاده عن المفاوضات فى تشكيل الحكومة .

كما أن لهذا التحالف تبعاته على الانتخابات البرلمانية، إذ يعد هذا التحالف بين القوات والتيار الوطنى الحر محاولة لاستعادة وضع المسيحيين وتمثيلهم، والتى تأثرت بعد اتفاق الطائف، وقد أثار حديث رئيس حزب القوات اللبنانية عن التحالف الثلاثى بين القوات والتيار الوطنى الحر وتيار المستقبل هزة، خاصة فى قوى 8 آذار وحليف عون حزب الله.

ثانيا ــ التسوية بين الحريرى وعون :

بدأ التفاهم فى سبتمبر 2016، فى باريس بين وزير الخارجية جبران باسيل، ومستشار سعد الحريرى، وقد اتفق الجانبان على مرحلة ما بعد فوز عون، علاوة على اتفاقات خاصة بملف النفط والحكومة. ويرى البعض أن الصفقة بين الحريرى وعون تضمنت تفاصيل كاملة تتعلق بالمناصب الكبرى فى الدولة، مثل قائد الجيش ومحافظ البنك المركزى .

أصبح واضحا لسعد الحريرى قدرة حزب الله على تعطيل النصاب اللازم لعملية الانتخابات الرئاسية، ولم يبق أمامه إلا هذه التسوية للعودة لرئاسة الحكومة التى خرج منها فى 2009.

لم يكن أى من الفريقين 14 آذار أو 8 آذار قادراً على إيصال مرشحه إلا عبر تسوية كالتى حدثت. فقد تيقن سعد الحريرى من صعوبة إيصال مرشحه، السابق، سليمان فرنجية، فى ظل تمسك حزب الله بمرشحه ومع الصعوبات المالية التى يواجهها الحريرى، وتعثر أعمال شركته «سعودى أوجيه»، أصبح التفاهم مع عون ضرورة لوصوله لرئاسة الحكومة، فضلا عن انشغال المملكة العربية السعودية - الراعى لقوى 14 اذار - بملفات أخرى بعد التطورات فى سوريا واليمن،  كما أن لبنان أصبح معرضاً للسقوط، نتيجة للشلل المؤسسى الذى أصاب الدولة، وهو ما يؤكد عليه دوما رئيس تيار المستقبل، سعد الحريرى، الذى أكد أكثر من مرة بأن هدف التسوية السياسية هو العبور بلبنان من حقول الألغام الإقليمية إلى منطقة آمنة تحت مظلة الوفاق الوطنى.

ثالثا ــ برى بين حزب الله وميشال عون:

أعلن رئيس مجلس النواب، بعد لقائه بعون فى 20 أكتوبر 2016، أنه لن يصوت له، ولكن لن يعطل نصاب انعقاد الجلسة وهو ما حدث بالفعل، فقد سهل انتخاب عون، دون التصويت له، وكان خيار برى هو المرشح سليمان فرنجية، على عكس حليفه حزب الله المؤيد لعون، ويرى برى فى تحالف القوات مع عون خطرا على القوى السياسية .

وقد أوكل حزب الله لنبيه برى مهمة التفاوض حول تشكيل الحكومة، وبدأ السجال بالفعل بين عون وبرى، حينما أعلن عون فى كلمته فى بكركى فى 17 نوفمبر 2016، أن جميع المؤسسات أصيبت بالوهن بسبب التمديد المستمر لمجلس النواب، فكان رد برى عليه أن تعطيل انتخاب الرئيس كان الأسوأ، وبالتالى هل يستطيع حزب الله إحداث نوع من التوافق والتقريب بين عون وبرى؟ حتى الآن يتضح الخلاف بين الجانبين، خاصة فى ملف تشكيل الحكومة، كما أن هناك خلافًا واضحًا بين الرئيس ميشال عون والقوات من جهة، وبرى ورئيس تيار المردة سليمان فرنجية من جهة أخرى، خاصة نوع  الوزارة التى ستمنح للوزير فرنجية. وقد أعلن برى انه لن يشارك فى الحكومة دون وجود فرنجية ويتمسك الوزير فرنجية برغبته فى الحصول على حقيبة من ثلاث: الأشغال أو الطاقة أو الاتصالات، الأمر الذى رفضه عون والقوات، فى حين اشترط الرئيس برى حصوله على وزارتى المالية والأشغال، وفقا لما أعلنه رئيس الحكومة سعد الحريرى.

التحديات الجديدة:

هل يمثل انتخاب عون تحدياً، فى حد ذاته، أم أن انتخابه يمثل انتهاءً للأزمة المؤسسية فى لبنان، أم ان هذا الانتخاب يفتح الباب لمزيد من عدم الاستقرار<

بدأ عون قسمه بالتأكيد على احترام وثيقة الوفاق الوطنى وهو ما يحمل رسائل طمأنه فعون الذى انقلب على الطائف ها هو يبدأ عهده به.

على الرغم من المكسب الذى حققته لبنان فى إنهاء حالة الفراغ الرئاسى، وهو ما يعد فى حد ذاته انتصارا لمنع انزلاق لبنان إلى مزيد من الأزمات، فإن التسوية التى وصل خلالها عون للرئاسة تمثل فى حد ذاتها تحديا قويا، من حيث تغير خريطة  التحالفات الداخلية. ويمكن إبراز أهم التحديات التى يواجهها النظام الجديد من خلال استعراض النقاط التى تناولها نص خطاب  القسم .

إن طريقة التسوية، وتغير التحالفات الداخلية جعلت الأطراف الفاعلة تنظر إلى أول الاستحقاقات، كونها تعد نتائج للصفقة التى عُقدت، أى محاولة كل طرف جنى ثمار الصفقة و التفاوض على حصته فى الحكومة الجديدة، وإن  كان إنقسام القوى السياسية بين 8 اذار و14 أذار واضحا، من حيث الملفات. السياسية واختلاف كل فريق عن الآخر فى تعاطيه لهذه الملفات، أما الآن فلا يوجد مشروع سياسى حقيقى يمكن على أساسه فهم المواقف المختلفة وهو ما يعقّد الأمور، لأن ثمة تضارب مصالح واضح بين الجميع وداخل كل فريق، سواء 8 آذار أو 14 آذار.فهذه التقسيمة لم تعد موجودة بعد وصول ميشال عون للسلطة بمساندة كل من القوات وتيار المستقبل، فضلا عن موقف نبيه برى من انتخاب عون.

إن تحالف القوات مع عون يجعل الجميع قلقا لتخوفهم من انحصار التمثيل المسيحى بين القوات والتيار الوطنى الحر، وثمة استفزازات متبادلة بين نبيه برى وسمير جعجع، خاصة فيما يتعلق بتشكيل الحكومة ووزارة المالية التى يعتبرها برى حكرا على الطائفة الشيعية. ويبقى التحدى هنا فى قدرة حزب الله على لعب دور الوسيط بين حركة أمل والتيار الوطنى الحر. كما تلعب الفيتوهات والاعتراضات دوراً فى تشكيل الحكومة، فلكل فريق فيتو على حصة الآخر فى الوزارة أو اعتراضات على إسناد وزارات بعينها لفصيل معين، مثل فيتو حزب الله على تولى القوات أية وزارات سيادية. ويوجه كل فريق للآخر اتهامات بعرقلة تشكيل الحكومة.

من التحديات الأخرى،  مسألة المقاومة وشرعيتها، وتدخل حزب الله فى سوريا،  فهل سيتناول خطاب الحكومة إشارة للمقاومة أم لا؟ وما هو رد فعل حزب الله إذا لم يتم حسم هذا الأمر؟ وقد ظهرت بوادر هذا الخلاف بعد العرض العسكرى الذى قدمه حزب الله فى القصير السورية، وقد اعتبرت كتلة المستقبل أن ما قام به حزب الله يعد بمثابة رسائل تهديد للداخل وللخارج.

الانتخابات النيابية القادمة:

هل سيتم إقرار قانون انتخابات جديد متوازن يعمل على تمثيل الجميع، أم سيتسمر قانون الـ 60 إذ إن هناك خلاف واضح بين كتلة الحريرى والتيار الوطنى الحر على قانون الانتخابات القادم.

فقد يؤدى  تأخر تشكيل الحكومة خمسة إلى ستة أشهر، أى مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية فى مايو المقبل2017، إلى قيام حكومة تصريف الأعمال بإجراء هذه الانتخابات، على أساس القانون الحالى، أى قانون الستين، وبالتالى لن يأتى بنخبة سياسية جديدة قادرة على تمثيل الجميع، مما قد يعيق البدء فى عملية التغيير والإصلاح، مع تصدى الزعامات القديمة التى حققت مكسبا لأى تغيير يؤثر على مصالحها، وهو ما يطرح بدوره تساؤلا حول قدرة النظام الجديد على تنفيذ برنامجه للإصلاح والتغيير، والتصدى للفساد الذى ضرب مؤسسات الدولة .

إن لم يستطع النظام السياسى الجديد التصدى لمثل هذه المشاكل، سيصبح الاستقرار السياسى فى لبنان مهددا، ويبقى الأمر فى يد الاطراف الخارجية. فهل ستنصرف التسوية إلى باقى الملفات، لتشكل حكومة متوازنة، وتتفق على قانون انتخابى يسهل عملية تمثيل الجميع، أم لا. هذا ما ستجيب عليه طريقة تشكيل الحكومة القادمة والمدة الزمنية التى ستشكل خلالها.

   

عن الكاتب : باحثة فى العلوم السياسية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق