تقارير
كيف سيغير ترامب العالم!
2016/12/27
بقلم منال لطفى
0
2223
65
العدد :

صدمة العالم فى انتخاب دونالد ترامب رئيسا لأمريكا لا تبدو فى تراجع، بل على العكس تتعمق، ويتعمق معها شعور دولى بالمجهول. فترامب طرح للشك مبادئ أساسية فى بنية العلاقات الدولية من بينها مبدأ التجارة الحرة، والحدود المفتوحة، والعولمة، ومركزية حلف شمال الأطلسى (ناتو) فى ترتيبات الغرب الأمنية، ووحدة الاتحاد الأوروبى والعلاقات مع روسيا، وسياسية «الصين واحدة» One China Policy، وعدم المساس بوضع القدس حتى التوصل لتسوية نهائية للصــراع العربى - الإسرائيلى.

ولو طبق ترامب بعض سياساته التى أعلنها خلال حملته الانتخابية، فسيكون كل شىء فى مهب الريح. التحالفات السياسية والأمنية التقليدية - والترتيبات الاقتصادية والتجارية التى قام عليها النظام العالمى منذ الحرب العالمية الثانية Post-War International Liberal Order، والسلم والأمن الدوليين. ولو لم يطبق هذه السياسات فسنكون أيضا أمام فوضوى دولية بسبب عدم وضوح الأسس والمبادئ التى يقف عليها. وفى الحالتين سنكون أمام نظام عالمى مضطرب، تحالفاته قلقة، والأعداء والأصدقاء لم يعودوا بديهيين، ولا الأولويات ولا المصالح.

تلك المخاطر لا يعززها فقط وجود ترامب على رأس أكبر دولة فى العالم، بل أيضا حالة الضعف غير المسبوقة التى يمر بها الضلع الآخر فى بنية عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وهو الاتحاد الأوروبى. فذلك الأخير يمر بمرحلة مفصلية من تاريخه قد يترتب عليها استمراره أو تفككه. وآخر ما كان يحتاج إليه الاتحاد الأوروبى هو رئيس أمريكى متشكك فى الاتحاد الأوروبى ويعتبره «مشروعًا متجاوزًا للسيادة الوطنية وغير ديمقراطى»، ومتشكك فى «الناتو» ويعتبره «عبئاً» على أمريكا.

فترامب يقدم أطروحات لم يقدمها رئيس أمريكى، منذ الحرب العالمية الثانية، يأتى على رأسها:

أولا:رفض فكرة «الاستثناء الأمريكى» American Exceptionalism  والدور القيادى الأمريكى فى العالم، بوصفها الأمة التى لا يمكن الاستغناء عنهاThe Indispensable Nation، وبالتالى رفض ضمنى لمبدأ التدخل الخارجى باسم تغيير الأنظمة أو نشر الديمقراطية.

ثانيا:التشكيك فى الناتو ومشروع الوحدة الأوروبية.

ثالثا:رفض العولمة، واتفاقيات التجارة الحرة ودعم سياسات حماية لإعادة الوظائف والصناعات إلى أمريكا.

وهذا الطرح ليس أمريكيا خالصا، بل عالمى. فترامب، الذى راقب عن كثب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، يعرف حجم الغضب والخوف لدى الطبقات الوسطى والفقيرة فى الغرب من فتح الأبواب، والهجرة، وتحرير، التجارة، والعولمة.

وانتخاب ترامب فى أمريكا، ومن قبله تصويت البريطانيين بمغادرة الاتحاد الأوروبى فى يونيو 2016، يمكن اعتبارهما مجريان من النهر نفسه: نهر عام 2008، عندما عانى العالم من ركود اقتصادى كان الأسوأ منذ الكساد العظيم 1929- 1932.

فقد أنفقت الحكومات والبنوك المركزية تريليونات الدولارات لمساعدة البنوك والشركات «الأكبر من أن تفشل». وتعافت البنوك الكبرى، والشركات الدولية العابرة للجنسية، والنخبة المالية، والأثرياء، ورجال الأعمال. تعافى الجميع باستثناء 99  % من المواطنين العاديين الذين دفعوا من ضرائبهم حزم المساعدات المالية.

الـ99  % لم يتعافوا فقط، بل تدهورت أوضاعهم بسبب خفض الإنفاق الحكومى فى أوروبا وأمريكا، وتقليص الدعم لشبكة الرعاية الاجتماعية والصحية، وجمود الأجور، وزيادة التضخم. وليست مفارقة مثيرة للدهشة أن يكون لدى أمريكا وبريطانيا أعلى مستوى تفاوت طبقى بين الدول الغربية الصناعية.

فخلال العقود الثلاثة الماضية، وجدت الطبقات العمالية والوسطى فى الغرب نفسها تدفع ثمن العولمة وحدها. والعداء للهجرة والمهاجرين تفاقم فى هذا السياق، فالعامل الأمريكى القابع فى بيته فى دويتريت بلا عمل، عندما يقابل مكسيكى فى الشارع أول ما يخطر على ذهنه ربما:»لماذا أنت هنا؟». «إنها الهوية والاقتصاد يا غبى».

ومعضلة العالم أن ترامب يصل إلى السلطة فى أمريكا فى تلك الأوقات المفصلية فى مسار العولمة، والرأسمالية، والحلم الأمريكى، والمشروع الأوروبى، والصعود الآسيوى. فهناك نظام عالمى وترتيبات دولية تتآكل، فيما البديل لم يتبلور بعد.

فما هى المسارات التى يمكن أن يغير بها ترامب العالم؟

أولا - التشكك فى «الاستثناء الأمريكى»:

الاستثناء الأمريكى فكرة مركزية فى السرد الوطنى الأمريكى حول الأمة الأمريكية، وخصوصيتها وهويتها المتفردة التى تميزها عن «المركزية الأوروبية». وللاستثناء الأمريكى أضلع عدة، يأتى على رأسها الطهرانية الدينية، وأرض الفرص، والمجتمع اللاطبقى، والقيم الأمريكية، وعلى رأسها الحرية، والديمقراطية، والمساواة، واحترام الفردية، وحرية التملك، وهى القيم التى تجعل لأمريكا دوراً أخلاقياً فى العالم يتجاوز حدودها الجغرافية.

لكن ترامب، الذى يرفض مصطلح «الاستثناء الأمريكى» ويراه «مهينا» للدول الأخرى، ربما يدشن بداية نهاية التدخل الأمريكى باسم نشر الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان. إنها أول مرة فى التاريخ الأمريكى يصل شخص للسلطة يعلن بشكل علنى معارضته للسرد الأخلاقى الذى قامت عليه السياسة الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية، من أجل تغيير الأنظمة، أو فرض عقوبات وحصار اقتصادى (على غرار إيران -كوبا-كوريا الشمالية - العراق).

صحيح أن باراك أوباما بأيديولوجيته السياسية الليبرالية القائمة على التعاون الدولى، والحوار الجماعى، والحل المشترك للصراعات، واحترام الأمم المتحدة، وتفضيل القوة الناعمة، لم يكن النموذج التقليدى للرؤساء الأمريكيين المؤمنين بمحورية القوة العسكرية الأمريكية، إلا أنه لم يعارض فكرة «الاستثناء الأمريكى».

فرؤيته كانت أنه بدلا من «استعراض أمريكا عضلاتها السياسية والعسكرية» لتحقيق مصالحها حول العالم، يفضل الاعتماد على «القوة الناعمة» و»القوة الذكية» لإعادة الجاذبية لأمريكا ودورها العالمى. وهو ما رآه الكثير من منتقديه بمثابة «اعتذار» و«خجل» من مبدأ الاستثناء الأمريكى.

وطوال سنوات حكمه، بات تهديد أوباما لمبدأ «الاستثناء الأمريكى» حجر الأساس فى هجوم اليمين الأمريكى عليه. فغلاف مجلة «ناشونال ريفيو» الأمريكية فى 2010 حمل عنوان «إبقاء الاستثناء الأمريكى على قيد الحياة» مع ملف شن هجوما عنيفا على أوباما، متهما إياه بقتل فكرة الاستثناء الأمريكى داخليا وخارجيا. (1)

بعدها بعام كتب نيوت جنجريتش، أحد قادة اليمين الأمريكى المتطرف كتابه:«أمة بلا مثيل: لماذا الاستثنائية الأمريكية هامة»، وهو دفاع قوى عن أهمية الاستثناء الأمريكى، محذرا من أن الزعماء الأمريكيين ضلوا طريق المبادئ المؤسسة التى تجعل أمريكا «أمة خاصة بين الأمم».(2)

وظل هذا الخط أحد الخطوط الأساسية التى استخدمها الجمهوريون ضد أوباما. فالمرشح الجمهورى للرئاسة عام 2012، ميت رومنى، لجأ كثيرا إلى حجة أن أوباما «ليس لديه نفس المشاعر التى نشعر بها حول الاستثناء الأمريكى».

ووفقا لمجلة «أتلانتك» الأمريكية، فإن تعبير «الاستثناء الأمريكى» ظهر فى المطبوعات والدوريات الناطقة بالانجليزية أقل من 3000 مرة خلال حكم الرئيس الأمريكى الأسبق، جورج بوش، فيما ظهر أكثر من 10 آلاف مرة بعد 6 سنوات فقد من حكم أوباما جاءت كلها فى إطار انتقادات لإدارة أوباما التى رآها المحافظون الجدد فى أمريكا «مسمار فى نعش الاستثناء الأمريكى». لكن الحقيقة أن أوباما ورث من بوش «احتضار الاستثناء الأمريكى»، وترامب يرث من أوباما «موت» الاستثناء الأمريكى.(3)

ومن بين أضلع «الاستثناء الأمريكى» سنركز على ركنين: الدور الأخلاقى الأمريكى فى العالم، والمجتمع اللاطبقى. فتراجع الاعتقاد بهما عالميا، وفى الداخل الأمريكى يعيد تعريف أمريكا ودورها المستقبلى فى العالم، وسياساتها الخارجية، ومواقفها حيال العولمة والتجارة الحرة.

الركن الأول: دور أمريكا الخاص فى نشر الحرية فى العالم:

يرى المحافظون واليمين الأمريكى فى أمريكا «أمة خاصة»، فهى فى نظرهم أمة بلا تاريخ استعمارى، وقفت مع أوروبا خلال وبعد الحرب العالمية الثانية ضد الفاشية والنازية، وهى بالتالى «زعيمة العالم الحر» و«لا يمكن أن تقف أمام الشر دون أن تتحرك»، فهى أرض الحريات الدينية والتسامح والفرص.

هذه الخصوصية تعطى لأمريكا «مزايا» وتضع عليها «التزامات». وهى الرسالة التى وجهها جورج بوش إلى العالم فى خطابه حول «حالة الاتحاد» عام 2004، بعد نحو عام على غزو العراق. فقد قال بوش إن أمريكا «لا تحتاج إلى إذن من الدول الأخرى لحماية نفسها والوفاء برسالتها للعالم»، وذلك ردا على انتقادات دولية كبيرة بعد غزو العراق. لكن المفارقة أن حرب العراق 2003 هى تحديدا ما قاد إلى احتضار مفهوم الاستثناء الأمريكى، خاصة فيما يتعلق بأدوار أمريكا الخارجية لنشر الديمقراطية، أو تغيير الأنظمة «المارقة»، أو الدفاع عن حقوق الإنسان.(4)

الشكوك العميقة فى ذلك «الاستثناء الأمريكى» لم تعتد تقتصر على العالم الخارجى فقط، بل على الداخل الأمريكى أيضا. فالدراسات واستطلاعات الرأى تظهر أن نسباً متزايدة من الأمريكيين لم تعد تؤمن بـ «الدور الاستثنائى الأمريكى فى العالم» خاصة بين الشباب.

فدراسة لمركز «بيو» لقياس الرأى العام، تظهر أنه بينما يعتقد الأمريكيون فوق 50 عاما بأهمية تدخل أمريكا على المسرح العالمى، فإن الشباب تحت 30 عاما، يدعمون بنسبة أقل الدور العالمى الاستثنائى لأمريكا، ويريدون أن تقلل أمريكا من انخراطها فى التدخل الخارجى. وإذا تدخلت يريدون أن يكون ذلك «بالتنسيق مع الحلفاء، ووفق القوانين الدولية».(5)

كما أن الشباب أقل ميلا من كبار السن لتصديق أن أمريكا «أمة خاصة». ففى استطلاع للرأى فى عام 2013 أجراه «معهد بحوث الدين» فى أمريكا، وجد أن شخصين من كل ثلاثة أشخاص فوق سن 65 عاما يعتبرون أنهم «فخرون جدا أنهم أمريكيون»، لكن هذه النسبة تتراجع إلى أقل من شخصين من كل خمسة أشخاص ممن تقل أعمارهم عن 30 عاما. ووفقا لمركز «بيو» لقياس الرأى العام، فإن الشباب الأمريكى الأقل من 30 عاما كانوا أقل بنحو 40 نقطة من كبار السن ( 75 عاما فما فوق) للاعتقاد أن «أمريكا أعظم أمة فى العالم».

كما أن الشباب أقل اعتقادا بفكرة «العلو الثقافى الأمريكى» من كبار السن. وجانب من تفسير هذا يعود إلى التنوع العرقى وسط الشرائح العمرية الأصغر فى أمريكا. فنسبة الأمريكيين من أصل أفريقى أو هسبانك أو آسيويين وسط الشرائح العمرية الأصغر سنا، أكبر منها وسط متوسطى وكبار السن. ودراسات قياس الرأى العام تظهر أن الشباب الأمريكى المنتمين إلى الأقلية السوداء أو الهسبانك أو الآسيويين أقل ميلا للقول «إنهم فخرون جدا بالولايات المتحدة»، مقارنة بالبيض الأمريكيين. وشكوكهم أكبر فى السياسة الخارجية لبلادهم مع تراجع ملحوظ فى تأثيرها وقدرتها الايجابية على التغيير، كما أن لديهم شكوكاَ فى الوطنية الزاعقة العمياء التى سهلت لرئيس مثل جورج بوش ارتكاب جرائم بحجم العراق. (6)

ولا شك فى أن هناك علاقة بين النسبة الكبيرة من الشباب الأمريكى الذين صوتوا لأوباما خلال انتخابات 2008 و2012، ورفض أوباما التدخل العسكرى فى العراق وتشككه إجمالا فى القوة الأمريكية العسكرية المنفردة على المسرح الدولى، فضلاً عن الميل المتزايد لشرائح الشباب الأمريكيين للشك وعدم الرضاء عن التدخل العسكرى أحادى الجانب لأمريكا فى العالم. ففى انتخابات 2008 أمام جون ماكين، حصل أوباما على 54 % من أصوات الناخبين المناهضين للحرب. بعبارة أخرى، أوباما نفسه يمثل «نتيجة» لظاهرة تراجع «الاستثناء الأمريكى» أكثر منه «سبب» لها. فالسبب الحقيقى لها هو جورج بوش الابن وفريقه بتدخلاتهم الكارثية فى الشرق الأوسط والتى لا يزال العالم يدفع ثمنها.(7)

الركن الثانى: أمريكا مجتمع غير طبقى والحراك الاجتماعى فيه ينقل الأفراد من الطبقات الفقيرة إلى الطبقات الوسطى والثرية فقط بالعمل الدءوب، وبآليات السوق الحر بدون تدخل الدولة:

هذه فكرة جوهرية وأصيلة فى الاستثناء الأمريكى. فالتجربة الأمريكية قامت على فرضية الحراك الاجتماعى فى مجتمع غير طبقى. ومنذ القرن الثامن عشر كانت تلك الفكرة هى إحدى الخصائص التى تميز العالم الجديد عن العالم القديم فى أوروبا. فليس هناك طبقات جاهزة- موروثة فى أمريكا، وكل فرد قادر على أن يصنع ويحدد طبقته، على عكس أوروبا حيث إن ولادة الفرد لطبقة وسطى أو عليا أو فقيرة يساهم - إلى حد كبير - فى تحديد طبقته لاحقا.

ووفقا لدراسات الرأى العام والإحصاءات الاقتصادية، فإن الاستثناء الأمريكى فيما يتعلق بالحراك الاجتماعى أصبح من ضرباً الماضى. فاليوم، الأبناء يرثون طبقة الآباء، لا التعليم أو العمل له نفس التأثير فى الصعود الاجتماعى كما كان عليه الحال قبل قرن مثلا. بل إن الحراك الاجتماعى فى أمريكا، بات أكثر ندرة من الحراك الاجتماعى فى أوروبا.

وبينما لا تزال نسبة كبيرة من كبار السن يؤمنون بأن الحراك الاجتماعى لا يزال حيا فى أمريكا، فإن نسبة أقل بين الشباب تعتقد هذا. ووفقا لاستطلاع «بيو» عام 2011، فإن الشباب الأمريكى كانوا أعلى بـ14 نقطة من كبار السن فى الاعتقاد أن الثروة فى أمريكا تتراكم عبر «الولادة لأسرة ثرية» أو «التعرف على الأشخاص المناسبين»، أكثر من «العمل الشاق» و«الطموح» و«التعليم».

ومع صعوبة الحراك الاجتماعى فى أمريكا اليوم، تطور لدى الشباب الأمريكى تدريجيا «وعى طبقى»، لم يكن موجودا بالضرورة قبل نصف قرن مثلا. ففى استطلاع «بيو»، كان أحد الأسئلة هو تعريف العينة لنفسها بين طبقة «من يملكون» وطبقة «من لا يملكون»، وكانت نسبة الشباب ممن قالوا إنهم من طبقة «من لا يملكون» أعلى من كبار السن بنحو 4 نقاط. وبين 1988 و2011، ارتفعت نسبة الأمريكيين الذين يصنفون أنفسهم بـ«لا يملكون» بنحو الضعف، فقد كانت أقل من 1 من كل 5، وأصبحت أكثر من 1 من كل 3. (8)

ولا غرابة مع تطور ذلك الوعى الطبقى أن يشهد العقد الماضى صعودا كبيرا فى اهتمام الشباب الأمريكى بالاشتراكية. وفى دراسة «بيو» 2011، وجدت أن الأمريكيين فوق 30 عاما يفضلون الرأسمالية على الاشتراكية بـ27 نقطة. لكن الأمريكيين الأقل من 30 عاما فضلوا الاشتراكية بفارق ضئيل. كما أن من هم أقل من 30 عاما فضلوا دور أكبر للدولة فى توفير الخدمات الصحية، والتعليمية، والتوظيف.

كل هذه التحولات ترتب عليها تغير فى تقييم الأمريكيين للرأسمالية والعولمة. ففى استطلاع لمؤسسة «جلوب سكان» 2003، كان الأمريكيون أكثر بنحو 14  % من الإيطاليين والبريطانيين والكنديين والألمان للاعتقاد أن «اقتصاد السوق هو أفضل نظام لمستقبل العالم»، لكن بحلول 2010 تراجعت هذه النسبة إلى 12  %.

وهذا التراجع فى اعتبار أن الرأسمالية واقتصاد السوق أفضل نموذج لمستقبل العالم، سيستمر بسبب طبيعة الرأسمالية الأمريكية. فبينما كان الـ1  % الأكثر ثراء فى أمريكا يحصلون وحدهم على 11   % من الدخل القومى فى السبعينيات، تضاعفت هذه النسبة إلى 22  % اليوم، بينما أجور الطبقات الوسطى والفقيرة تقل فعليا عاما بعد عام إذا أخذنا فى الحسبان نسبة التضخم وارتفاع الأسعار. فالعامل اليدوى الأمريكى يتنافس مع العامل اليدوى الصينى والسيرلانكى والبنجلاديشى والفيتنامى. وهذا يدفع الأجور للانخفاض، وبالتالى تزايد الفجوة بين الفقراء والأغنياء. وهذا يعنى أنه بينما تؤدى العولمة إجمالا إلى زيادة الفجوة الاقتصادية بين الفقراء والأغنياء فى العالم بأسره، إلا أن هذه الفجوة أكبر فى أمريكا، لأنه بينما تؤدى السياسات الاجتماعية فى أوروبا إلى دعم الطبقات الأكثر حرمانا، عبر الضرائب وبرامج الرعاية الصحية وشبكة الضمان الاجتماعى، فإن هذا لا يحدث فى أمريكا حيث تتقلص آليات توزيع الثروة من الأغنياء للفقراء. هذه التحولات البارزة فى تقييم وفهم «الاستثناء الأمريكى» يترتب عليها نتائج جذرية.

ثانيا - الشكوك فى التجارة الحرة والأبواب المفتوحة والعولمة:

بعد الحرب العالمية الثانية، وخلال الحرب الباردة  توسعت وتمددت أمريكا فى العالم عبر آليتين: الآلة العسكرية، والتجارة الحرة وعولمة الرأسمالية. فباسم العولمة، والأسواق المفتوحة، وإزالة الحدود مدت أمريكا والغرب الأفكار النيوليبرالية للعالم كافة من أجل الاستفادة من أسواق الآخرين لبيع السلع الغربية للعالم. وظلت أمريكا المستفيد الأول سياسيا واقتصاديا من العولمة وإزالة الحدود. لكن هذه السياسات النيوليبرالية وصلت لمنتهاها اليوم مع ظهور تداعياتها، وعلى رأسها زيادة الفجوة الطبقية، وتهديد الصناعات الوطنية، والبطالة، والفقر.

وعلى خلفية كراهية النخبة، والشك فى العولمة وآثارها، ورفض الهجرة، واتفاقيات التجارة الحرة، بنى ترامب خطابا مصمما لكسب أصوات الطبقات العمالية والوسطى. فترامب يريد إعادة الصناعات التى تعتمد على كثافة اليد العاملة لتشغيل عشرات الملايين من الأمريكيين. هذا يتضمن عودة «الدولة القومية» بوصفها اللاعب الأساسى على المسرح الدولى، وليس الشركات الدولية العابرة للقومية.

فى هذا السياق، وعد ترامب بزيادة الرسـوم الجمركية على الصادرات القادمة من الصين بنحـــو 45  %، وعلى الصادرات القادمة من المكسيك بـ35  %. هذه خطوة راديكالية لا يمكن التنبؤ بآثارها على الاقتصاد العالمى والعلاقات الدولية. لكن قضايا التجارة تعد من الملفات التى يمكن للرئيس التصرف فيها بدون تصويت من الكونجرس.

كما يريد ترامب إعادة التفاوض مع المكسيك وكندا حول قواعد «النافتا»، التى يرى أنها السبب فى فقد عشرات الآلاف من الأمريكيين لوظائفهم، بسبب توجه المصانع من أمريكا إلى المكسيك.

وهو قد أعلن بالفعل فى أولوية المائة يوم الأولى لحكمه اعتزامه انسحاب أمريكا من اتفاقية «الشراكة عبر الباسفيك» أو TPPالتى وقعها أوباما مع 11 دولة أخرى فى إطار المحيط الهادى. والانسحاب المزمع من اتفاقية «ترانس باسفيك» سيؤدى إلى ارتدادات اقتصادية وأمنية وسياسية. فترامب أعلن اعتزامه انسحاب أمريكا من الاتفاقية بدون تشاور وتنسيق كافيين مع الدول الأخرى الأعضاء فى الاتفاقية وعلى رأسهم اليابان التى أنفقت الكثير من رأسمالها الدبلوماسى ومكانتها الاقتصادية لإقناع الدول المترددة بالمشاركة فى الاتفاقية، فيما المستفيد الأول من الانسحاب هو الصين التى كانت الاتفاقية موجهة أساسا للحد من نفوذها الاقتصادى والأمنى فى المنطقة. فانسحاب أمريكا من الاتفاقية يترتب عليه تداعيات، ليست فقط تجارية واقتصادية، بل أمنية وسياسية أيضا. 

كذلك يهدد ترامب بمغادرة أمريكا لمنظمة التجارة العالمية، التى أصدرت بيانا بعد فوزه، أعلنت فيه أنها مستعدة لبحث مصادر قلق واشنطن، خاصة فيما يتعلق بالوظائف فى أمريكا. وتواجه اتفاقية التجارة الحرة بين أمريكا وكوريا الجنوبية نفس المصير، فترامب قال إنها كلفت أمريكا أكثر من 100 ألف وظيفة. 

ولا يبدو أن اتفاقية التجارة الحرة التى يتم التفاوض عليها حاليا بين أمريكا والاتحاد الأوروبى أو TTIPسيكون مستقبلها أفضل. فالمظاهرات ضدها فى الشوارع الأوروبية لا تتوقف، ومع ترامب فى البيت الأبيض من المرجح أن يتم تجميد مفاوضاتها.

لقد أفادت العولمة الأثرياء، والشركات الدولية والعابرة للقومية، والبنوك، لكنها أضرت الطبقات العمالية والفقراء حول العالم. فاتفاقيات التجارة الحرة لم تعد تتعلق بإزالة الرسوم الجمركية لتعزيز التجارة الدولية، بل بجعل العالم كله بمثابة «فرصة استثمارية» لرأس المال العالمى بدون حماية للسكان المحليين، أو مراقبة على أداء رأس المال الدولى وممارساته حول العالم. فبنود الكثير من الاتفاقيات تترك رأس المال الدولى حرا فيما يتعلق بالعقود مع العمالة المحلية، والتعامل مع البيئة، وتعفيه من ضرائب واستحقاقات لا تتوافر للصناعات المحلية.

ولا يقف ترامب وحده على أرضية رفض التجارة الحرة والعولمة المنفلتة، فاليسار الأوروبى لديه تحفظات مماثلة، لكن معضلة ترامب أن دبلوماسيته الفجة يمكن أن تؤدى إلى ركود اقتصادى عالمى أو حرب تجارية  مع الصين، وهذا قد يؤدى إلى اضطرابات سياسية وأمنية فى آسيا والعالم.

ثالثا - الشرخ عبر الأطلسى والتشكيك فى الناتو:

إن التوجس الأوروبى من ترامب، ليس فقط توجساً من سياسات اقتصادية وتجارية وعسكرية انعزالية - قومية تضعها أمريكا أو لا، إنما توجس من قيم يمينية محافظة شعبوية منغلقة معادية للأجانب والمهاجرين على أساس اللون والدين، قيم نفعية لا مبدئية.

ولهذا تحدث السفير الفرنسى فى واشنطن جيرار ارو عن «نهاية حقبة» The end of an epoch ، وعن «عالم ينهار أمام أعيننا»، وهذه هى المشاعر فى أوروبا كافة.

فأوروبا تعانى مشاكل داخلية ودولية معقدة، على رأسها مغادرة دولة بحجم بريطانيا المشروع الأوروبى، وصعود اليمين القومى، وتباطؤ الاقتصادات الأوروبية، ومعاناة منطقة اليورو، واستمرار سياسات التقشف.  وآخر ما كان يحتاج إليه الاتحاد الأوروبى رئيس أمريكى جديد يطرح كل مسلمات العلاقات عبر الأطلسى بين أمريكا وأوروبا فى مهب الريح.

لقد ارتكب ترامب «الخطيئة الأصلية» بالنسبة للاتحاد الأوروبى، عندما أعلن بحماس دعمه لخروج بريطانيا من الاتحاد باسم «السيادة الوطنية»، و«التحكم فى الحدود»، و«تقييد الهجرة» بدون أن يأخذ فى الحسبان المخاطر الاستراتيجية التى تتهدد وحدة الاتحاد الأوروبى، الحليف الأول سياسيا وعسكريا واقتصاديا لأمريكا على مستوى العالم. وقد عزز ترامب التقارب مع زعيم اليمين القومى البريطانى، نايجل فاراج، «عدو أوروبا الأول»، وواصل هذا التقارب بعد انتخابه وسط ذهول قادة أوروبا.

 وليست هناك مبالغة فى القول إن ترامب هو أقل رئيس أمريكى منتخب تتطلع أوروبا إلى التعاون معه، فحتى رونالد ريجان، وجورج بوش الابن كانا أكثر شعبية. وحتى قبل أن يدخل البيت الأبيض، فقدت أمريكا الكثير من قوتها الناعمة لدى أوروبا.  لكن أى نظام عالمى يحتاج إلى قوى مهيمنة Hegemonic Power . إن غياب تلك القوى يثير حالة من السيولة الدولية ويربك الأوراق. ومعضلة الاتحاد الأوروبى أنه برغم عدائه لترامب إلا أنه لا يزال يحتاج إلى أمريكا كحليف وشريك فى النظام الدولى الذى تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، فليس هناك بديل جاهز لملء الفراغ.

لكن ترامب يضع أوروبا على «أرضية مجهولة». فالرئيس الأمريكى قال خلال الحملة الانتخابية إنه لا يثق فى الصين، ويريد العمل مع روسيا، ويفضل الابتعاد عن أزمات الشرق الأوسط، ولا يعترف بالاحتباس الحرارى، ويريد الخروج من اتفاقيات التجارة الحرة، ويعتبر الراديكالية الإسلامية العدو الأول، ويرى«الناتو» مجموعة من المستغلين لسخاء أمريكا، ويفضل غلق الأبواب أمام الهجرة.

وسواء كان ترامب جادا فى هذه المواقف أم سيغيرها، فإن هذا السؤال لا يهم أوروبا فى هذه المرحلة. ما يهم أوروبا هو أن تكون جاهزة لحماية مصالحها وأمنها ووجودها.

 فترامب بسياساته التى أعلنها «خطر أكبر على أوروبا من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى»، كما خلصت ناتالى توتشى، مستشارة فريدريكا موجرينى مسئولة السياسة الخارجية والأمنية فى الاتحاد الأوروبى، فى تلخيصها لـ «الاستراتيجية الدولية للاتحاد الأوروبى» EU Global Strategyإلى الاستجابة للتحديات التى يواجهها بعد انتخاب ترامب وخروج بريطانيا. ولم يخف الاتحاد الأوروبى أن عام 2017 سيكون عام «جيش الاتحاد الأوروبى». فالاتحاد يريد اتخاذ خطوات عملية من أجل تشكيل قوة عسكرية أوروبية قادرة على حماية مصالح الاتحاد بدون الاعتماد على «الناتو».

فالناتو - فى رأى ترامب - عبء اقتصادى وأمنى على أمريكا، ومنظمة عفى عليها الزمن بعد انتهاء الحرب الباردة، وأحد عوامل التوتر غير الضرورى مع روسيا.

وخلال الحملة الانتخابية قال ترامب مرارا إن أعضاء الحلف، من اليابان إلى كرواتيا، ومن كوريا الجنوبية إلى ليتوانيا، يستفيدون من سخاء أمريكا ويعتمدون عليها لحماية أمنهم من أى تهديدات خارجية بدون أن يدفعوا ثمن هذا. ففى عام 2015 بلغت ميزانية الناتو 900 مليار دولار أمريكى، كانت حصة أمريكا منها 650 مليار دولار، أى 72  %.

وبحسب جون ميرشامير John Mearsheimer ، عالم السياسة الأمريكى البارز، وأحد المنظرين لسياسة دفاعية واقعية، فإن غالبية دول الناتو، ليست جزءا من الأمن القومى الأمريكى، والدفاع عنها بموجب المادة 5 من اتفاقية الناتو عبء استراتيجى وسياسى واقتصادى على أمريكا. وكما يقول:«آن أوان أن تعيد أمريكا الناتو لأوروبا... فهى لم تعد تحتاج إليه استراتيجيا».

وبدون تغيير جذرى فى تمويل عمليات الناتو وميزانيته، فإن ترامب سيقف على الأرضية نفسها. وهذا ما يقلق الكثير من الدول الغربية الأعضاء فى الناتو.

من اليوتوبيا إلى نقيضها فى 24 ساعة:

هناك الكثير من الإحباط والخوف بعد انتخاب ترامب. فانتخاب هيلارى كلينتون، لو كان حدث، كأول امرأة رئيسة لأمريكا كان سيقرأ على أنه انتصار للنساء وحركة المساواة بين الجنسين، وانتصار ليسار الوسط، والاعتدال السياسى، والتسامح، والتعددية العرقية، والدينية، والدماثة السياسية.Political Correctness

لكن هذه الرسالة ستكون مخدرة ومضللة لحالة العالم. فهيلارى كلينتون مرشحة الشىء ونقيضه. مرشحة «وول ستريت» والرأسمالية الدولية، كما أنها مرشحة الحركات الاحتجاجية المضادة لكل هذا بدءا من «احتلوا وول ستريت» والجماعات النسوية، وانتهاء بمنظمات الحقوق المدنية، مثل «حياة السود مهمة» Black Lives Matter.

هزيمة هيلارى انتقلت بالعالم من اليوتوبيا المتخيلة إلى نقيضهاDystopia فى أقل من 24 ساعة. فالعالم يمر بلحظة قاتمة، متشائمة، خائفة، منعزلة، متشككة، غير متسامحة، وعنصرية، وترامب بشخصه وأفكاره وبرنامجه أفضل تعبير عن هذا.

فالعالم يعيش تحولات كبرى، فى خلق الثروة والإنتاج الاقتصادى، بدأت منذ أكثر من ثلاثين عاما، إلا أنها بدأت تؤثر على موازين السياسة الدولية فقط خلال العقد الماضى.

والأطروحة القائلة إن «ضعف» باراك أوباما هو سبب النكوص الأمريكى للداخل، وتدهور تأثير أمريكا على السياسة الدولية، وأن «رئيساً قوياً» سيغير تلك المعادلة، هذه الأطروحة تفتقد لرؤية وفهم العوامل الهيكلية المركبة التى تجعل أمريكا تتراجع بشكل مضطرد على المسرح العالمى، وهذا التراجع قد لا يكون هناك مفر منه.

فأمريكا القرن الحادى والعشرين غير أمريكا القرن العشرين، هذا ليس له علاقة بشخصية الرئيس أو بسياساته. فالصعود الاقتصادى والسياسى والعسكرى لآسيا هو أحد ملامح العقود الثلاثة الماضية، وسيظل يحدد تحولات السياسة الدولية. ففى عام 2014، أعلن صندوق النقد الدولى قائمة أكبر الاقتصادات فى العالم من حيثالقدرة الشرائية purchasing power، وكانت 3 دول آسيوية ضمن الأربعة الأوائل، وهم بالترتيب: الصين، أمريكا، اليابان، والهند. وهذا تغيير جذرى عن الخمسين عاما الماضية. والتراجع الغربى لا مفر منه، لكن هذا يستلزم ترتيبات دولية جديدة، وهناك ضغط روسى - صينى من أجل هذا.

فبينما تريد أمريكا الخروج من الكثير من اتفاقيات التجارة الحرة ووقف مسار العولمة والأبواب المفتوحة، تريد الصين العكس تماما. فالمعجزة الصينية، قامت على العولمة وفتح الأسواق، وإزالة القيود والحدود. وهى لن تقبل بعودة نظام اقتصادى عالمى «حمائى» وانعزالى. وأكبر دليل أنه عندما أعلن ترامب عداءه لاتفاقيات التجارة الحرة، أعلنت الصين أنها ستملأ الفراغ الناجم عن الانسحاب الأمريكى من مسار العولمة. إنها لحظة حرجة جيو- سياسية، تتبدل فيها مواقف وموازين القوى العالمية أمام أعيننا.

النظام العالمى الحالى لم يمت بعد، لكنه فى طريقه للاندثار بتركيبته الحالية. ولو استمرت مقاومة الغرب لإدخال تعديلات على بنية النظام العالمى، فإن الصين وروسيا ستعملان على ترتيبات تضعف ذلك النظام أكثر فى عام 2017. وأمريكا - ترامب ستساعدهما. فالنظام العالمى بعد الحرب العالمية الثانية تأسس على القوة العسكرية والاقتصادية والأيديولوجية الأمريكية. لكن أمريكا لم تعد تريد، ولم تعد تتحمل القيام بدور القيادة، فالتغيير لا مفر منه. 

 

المصادر:

1- Rich Lowry and Ramesh Ponnuru،«The Obama administration’s assault on American identity»،National Review،March 8،2010 Issue
2-Newt Gingrich،«A Nation Like No Other: Why American Exceptionalism Matters»،Publisher: Regnery Publishing Inc; First Edition،30 Jun. 2011.

3- Peter Beinart،«The End of American Exceptionalism»،The Atlantic،Feb 3،2014. 

4- George Bush،Transcript of State of the Union،January 21،2004.

5- Pew Research Center،«The Generation Gap and the 2012 Election»،November 3،2011. 

6- Pew Research Center،November 3،2011. 

7- - Peter Beinart،The Atlantic،Feb 3،2014.

8- Pew Research Center،November 3،2011.

 

عن الكاتب : باحثة-مراسل الأهرام فى لندن
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق