قضايا مصرية
قراءة فى قانون الجمعيات الأهلية : إجهاض جديد للإصلاح
2016/12/27
بقلم محمد العجاتى
0
3161
65
العدد :

فى الوقت الذى تستعيد فيه مصر قدراً من سمعتها على مستوى مسار التحول الديمقراطى، من خلال مؤتمر الشباب وتوصياته، وقرارات العفو التى صدرت فى أعقابه، يبدو أن هناك من لا يرغب فى أن تكتمل الصورة أو أن يتم السير فى هذا الطريق، وليس أدل على ذلك من أنه، وخلال عمل الحكومة على إصدار قانون جديد للمجتمع المدنى بالتفاوض مع المنظمات والأجهزة المعنية فى الدولة، فاجأ مجموعة من نواب البرلمان الجميع بمسودة قانون بشكل سريع ليحصل القانون على موافقة مجلس النواب. قانون يمكن وصفه بأنه الأسوأ فى تاريخ قوانين المجتمع المدنى فى مصر، بما فى ذلك قانون 38 لسنة 64. وإذا كان قد أطلق على هذا الأخير «قانون تأميم المجتمع المدنى»، فإننا يمكن أن نطلق الآن على هذا المشروع «قانون قتل المجتمع المدنى».

وهنا يجب أن نذكر أن أهمية المجتمع المدنى تعود إلى قدرته على إحداث آثار ملموسة فى تقدم المجتمع، نظرا لتخصصه فى مجالات معينة، سواء كانت تنموية، أو خيرية، أو توعوية، مما يجعل لمنظمات المجتمع المدنى الأفضلية، حيث إنها الأكثر ديناميكية فى الدفاع عن القضايا التى تمس المواطنين، كما أنها الأكثر تركيزا، نظرا للتخصص، والأكثر فاعلية فى تنظيم الحملات1. أى أن قدرة المجتمع المدنى على تحويل المواطن إلى فاعل، وليس فقط مفعولا به، هى شرط أساسى من شروط التنمية.

إلا أن الالتباس بين دور الجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية، فى ظل مجتمعات الدول النامية، خاصة إذا ما كانت تلك المجتمعات تشهد حراكا فى طور التبلور السياسى، عادة ما يشكل هاجسا للأنظمة الحاكمة، التى غالبا ما ترى فى أى فعل مجتمعى تهديدا لها، نظرا لحالة عدم الاستقرار التى تعيشها تلك الدول، مما يجعلها تتوجس من أى حراك قد يؤثر على حالة الثبات المنشودة من تلك الأنظمة، بل قد تفسره فى كثير من الأحيان بأنه حراك فى إطار مؤامرة هدفها إسقاط الدولة، وهو ما يجعل أطروحات، مثل معادلات التوازن بين الأمن والحريات تسود. ولعل تقرير لجنة تقصى الحقائق بخصوص ثورة يناير، وما توصلت إليه تلك اللجنة من أن أنشطة الجمعيات الأهلية والمجتمع المدنى فى مصر وتمويلها، هى أسباب رئيسية فى إحداث الحراك المجتمعى فى يناير2 ، يعد مفسرا لرؤية الدولة المصرية حول الجمعيات الأهلية وأنشطتها. وهو ما يشير إلى أهمية قانون فعال ينظم عمل الجمعيات، بحيث يضمن التوازن بين الرقابة الحكومية وإجراءات الحوكمة الداخلية، بداية من حرية الجمعيات فى تنظيمها الداخلى وإدارتها دون تدخل من الحكومة، وصولا إلى حرية تلقى الموارد اللازمة لممارسة نشاطها وعملها، وانتهاء بحرية التصرف فى مواردها، وذلك مقابل رقابة لاحقة للدولة على أعمال تلك المنظمات. وقد تسهم تلك التغيرات فى تعزيز الحوكمة الداخلية لدى المنظمات، فتنبثق منها داخليا إجراءات تضمن الإدارة الرشيدة بما تتضمنه من معايير الشفافية، والمساءلة، والمحاسبية، وتلك الإجراءات كفيلة بدحض الاتهامات التى دائما ما توجه للمجتمع المدنى بشكل عام، والتى منها العمالة، أو غسل الأموال، أو كونه غطاء للإرهاب الدولى، حيث إن قانونًا عادلاً سوف يترتب عليه إنهاء حالة عدم الوضوح التى يتسم بها المجتمع المدنى.3

وقد جاء هذا القانون فى ظل دستور وضع مادة للمجتمع المدنى (مادة 75) تحتوى على مجموعة من الأحكام التى تضمن له الحرية والفاعلية، وتتضمن4 :

حق المواطنين فى تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية على أساس ديمقراطى.

منحها الشخصية الاعتبارية بمجرد الإخطار.

النص على ممارستها لنشاطها بحرية.

التأكيد على عدم جواز تدخل الجهات الإدارية فى شئونها.

عدم جواز حلها، أو حل مجالس إداراتها، أو مجالس أمنائها إلا بحكم قضائى.

حظر إنشاء، أو استمرار جمعيات، أو مؤسسات أهلية يكون نظامها أو نشاطها سريًّا، أو ذا طابع عسكرى، أو شبه عسكرى.

ويمكننا دون جهد رصد مجموعة من الإشكاليات التى تتعارض مع هذه الأحكام فى القانون الذى وافق عليه مجلس النواب فى نوفمبر 2016، وأحاله لرئيس الجمهورية لإصداره، وهو حتى كتابة هذه الورقة محل جدل حول إصداره، أو إعادته للبرلمان لتعديله5، كما تتعارض كثير من نصوصه مع المواثيق والاتفاقيات الدولية الموقعة عليها مصر فى هذا المجال، ويتناقض - بشكل فج - مع المعايير الدولية الخاصة بقوانين المنظمات غير الربحية.

أولا ـ العبارات والمصطلحات الفضفاضة والغامضة:

تسمح العبارات والمصطلحات الفضفاضة للسلطة بتضييق أو توسيع الأطراف التى يطبق عليها القانون وتوقع عليها العقوبات، كما تمكنها من أن تقحم جهات غير معنية. ووفقا لما هو مطروح، تسرى بنود فى هذا القانون، على سبيل المثال، على عدد من الجهات التى يشير واقعها وتوصيفها إلى خروجها عن إطار العمل الأهلى، مثل النفع العام، وهو ما ينطبق كذلك على الجمعيات المركزية التى يتضمن نظامها الأساسى العمل على نطاق الدولة ككل، وإنشاء فروع لها، حيث نص القانون على خضوعها هى الأخرى له، بل ويتطلب تأسيسها موافقة الوزير المختص.

لا يحدد القانون الجديد فى أى من بنوده أغراض الجمعيات، لكنه فى المادة الثالثة من الديباجة يحظر على أى كيان ممارسة العمل الأهلى، أو أى نشاط يدخل فى أغراضه. وبما أنه لم يحددها، فإنه يترك للسلطة أن تقرر، سواء فى اللائحة التنفيذية، أو الممارسة العملية ما تراه ضمن هذه الأغراض، وبالتالى يمكنها من ملاحقة كيانات غير مخاطبة بهذا القانون على هذا الأساس، بل ويمنع أى جهة من إصدار تصاريح لممارسة هذا الغرض غير المحدد.

كما أن عدم التحديد فى التعريفات للجهة الإدارية المنوطة، وكذلك الوزير المختص، من شأنه أن يؤدى إلى توسع التدخل الحكومى فى عمل الجمعيات الأهلية، فقد نصت النسخ السابقة من القوانين والمقترحات المقدمة على وزارة التضامن الاجتماعى ووزير التضامن بصفتهما الجهة والوزير المختص بعمل الجمعيات الأهلية، بينما نصت المادة الأولى من القانون المذكور، على أن الوزير المختص هو «الوزير المختص بشئون الجمعيات والعمل الأهلى»، والجهة الإدارية هى «الوزارة المختصة بشئون الجمعيات والعمل الأهلى»، أى أنه عّرف الماء بعد الجهد بالماء. كما أنه فى المادة 42 لم يحدد أى مدة لدعوة الجمعية العمومية لانتخاب مجلس إدارة جديد، فى حال حل المجلس القائم، وبالتالى تظل الجمعية تحت إدارة المجلس المعين من جانب السلطة التنفيذية للفترة التى تحددها.

إذا كانت المصطلحات الفضفاضة تؤدى إلى مد عصا القانون لأطراف ليست معنية به، فغموض المصطلحات يفتح للسلطات الحق التقديرى فى تحديد ما يعتبر مخالفا، وما لا يعتبر كذلك، ويمد سلطتهم لتوقيت تطبيق القانون من عدمه، وهو ما يتعارض كذلك مع حكم الدستور الخاص بالأساس الديمقراطى لنشأة الجمعيات. يضاف إلى ذلك، أنه فى عدة مواد تستخدم العبارات المستهجنة من قبل كافة الخبراء القانونيين من نوعية «النظام العام» أو «الآداب العامة»، وكان يجدر به - فيما يخص الأمن -القومى كذلك أن يحدد القوانين التى يحيل لها لتفسير هذه العبارات، إلا إذا كان الغرض منها أن تظل مطاطة قابلة للاستخدام ضد من ترغب السلطة التنفيذية فى معاقبته.

ثانيا ـ تدخل الجهة الإدارية:

لم يكتف القانون بالسلطات التقديرية الممنوحة للسلطة التنفيذية فى المواد المشار إليها، إنما، وفى مخالفة لحكم وارد فى المادة (75) للدستور، والذى ينص على عدم جواز تدخل الجهة الإدارية فى عمل المجتمع المدنى، جاءت مجموعة من المواد التى تتيح لها السيطرة بدءا من عملية التسجيل، للرقابة السابقة على العمل، وصولاً للتدخل المباشر فى عمل المنظمة، وحتى فى حال حلها جعل من نفسه وصياً على ما ينتج عن ذلك.

السيطرة:

فيما يخص مبدأ التأسيس بالإخطار، فهو يفقد قيمته على أرض الواقع، بسبب ربطه بمهلة للرفض6، فالمادة 9، نصت على «إذا تبين للجهة الإدارية خلال مدة 60 يوم عمل من تاريخ الإخطار أن من بين أغراض الجمعية نشاطا محظورا أو مؤثمًا، وفق قانون العقوبات، أو أى قانون آخر، أو أن بيانات وملحقات الإخطار غير مستوفاة، أو غير صحيحة، أوقفت القيد بقرار مسبب يخطر به ممثل جماعة المؤسسين بموجب كتاب موصى عليه بعلم الوصول. وفى هذه الحالة، لممثل جماعة المؤسسين تصويب الخطأ، أو استيفاء البيانات، أو الطعن على هذا القرار أمام المحكمة المختصة خلال 60 يوم عمل من تاريخ إخطاره به»، وتكون قد فرغت مبدأ الإخطار من مضمونه، كما أنه فى حالة وجود مخالفة فى الهدف من تأسيس الجمعية، فوجوب اللجوء إلى القضاء يجب أن يكون على الجهة التنفيذية، وليست على الجمعية، وإلا عد تصريحا وليس إخطارا. وهو إلى حد كبير شبيه بالمادة التى حكم بعدم دستوريتها فى قانون التظاهر، كما أنه يتعارض مع حق المنظمة فى الحصول على الشخصية الاعتبارية فور الإخطار، وهو الحق الذى نص عليه الدستور.

كما أن القانون تجاوز كل الأعراف القانونية المعمول بها، فى حالة التمويل. فبدلا من منح الترخيص تلقائيا بعد تجاوز مدة الرد، نص على عكس هذا المبدأ فى المادة 24، حيث اعتبر عدم الرد رفضا، وهو ما يعنى رفع أى إلزام على الجهة الإدارية فى دراسة الموضوع من أساسه.

الرقابة السابقة:

استحدث مشروع القانون ما يسمى «اللجنة التنسيقية»، وهى وفق التعريف «لجنة يصدر بتشكيلها قرار من رئيس مجلس الوزراء للبت فى كل ما يتعلق بعمل المنظمات الأجنبية غير الحكومية والاتحادات النوعية والإقليمية الأجنبية العاملة فى مصر، والتمويل الأجنبى للجمعيات والمؤسسات الأهلية المصرية»، وتتكون من ممثل عن كل من وزارة الخارجية، ووزارة العدل، ونائب لرئيس مجلس الدولة، ووزارة الداخلية، ووزارة التعاون الدولى، ووزارة التضامن الاجتماعى، وهيئة الأمن القومى، والبنك المركزى، يعكس ذلك التشكيل الأشبه بتشكيل مجلس الدفاع الوطنى مدى الهاجس لدى الحكومة من عمل المنظمات الأجنبية والتمويل الأجنبى للمؤسسات المصرية7 . وذات الجهاز يتولى البت فى كل ما يتعلق بتأسيس وعمل ونشاط المنظمات الأجنبية غير الحكومية فى مصر، وكافة صور تعاونها مع المؤسسات والجهات الحكومية وغير الحكومية داخل البلاد، والتمويل الأجنبى للجمعيات والمؤسسات الأهلية المصرية

التدخل المباشر:

لا تتحرك الجمعيات والمؤسسات، وفقا لهذا القانون، خطوة دون الحصول على موافقة إما من الجهة الإدارية أو الجهاز المذكور أعلاه، من تمويل داخلى، أو خارجى إلى أنشطة، إلى تعاون مع جهات شبيهة، أو كيانات تحتاج إليها فى خدمات: المادة 19 و87 (ب)، وحتى فتح فروع لجمعية أو مؤسسة مرخصة (مادة 21). بل فى المادة 34 بما تطرحه من إجراءات تجعل الجهة الإدارية طرفا فى العملية الانتخابية التى تجرى داخل الجمعيات، بل وتعطيها اليد العليا فيها، وتسمح لها بتوجيهها منذ البداية.

يظهر هذا التدخل كذلك فى البند (ل) فى المادة (42)، والتى تسمح بإغلاق الجمعية، التى لم تمارس نشاطاً لمدة عام، والجهة متحكمة فى كل مصادر تمويلها، حيث يعد بندا للسيطرة والترتيب المسبق لإغلاق المنظمات التى ليست على هوى السلطة.

وراثتها بعد الحل:

صندوق دعم الجمعيات فى تشكيله (المادة 79) بعيد تماما عن أى مظهر ديمقراطى، وهو ممثل للسلطة التنفيذية والمنظمات التابعة لها من جمعيات نفع عام أو اتحادات. وهو وفقا للقانون ما تؤول إليه أموال الجمعيات بعد حلها. كما أنه صاحب السلطة فى المنح فيما يخص كل ما هو حكومى، أى أنه المنبع والمصب فى آن واحد. أما الباب الثامن ككل، فمن المفترض أن يترك حرا. فالاتحادات هى بطبيعتها تكتل حر للجمعيات، أو المؤسسات القائمة والمصرح بها بالفعل، فلماذا يوضع له شروط وقيود، وتنظيم خاص؟ السبب هو الهيمنة والسيطرة كما يحدث مع النقابات. ففكرة الاتحادات والروابط الحرة هى متعارضة بالضرورة مع فلسفة واضع مثل هذا التشريع، وهو واضح جدا فى المادة (85).

ثالثا ـ التضييق على المنظمات والتأثير على استقلاليتها:

فيما نص الدستور على قدرة المنظمات على ممارسة عملها بحرية، فإننا نجد القانون - إضافة لما سبق من تدخل الجهة الإدارية - يضع مجموعة من المعوقات والتعقيدات على عمل المجتمع المدنى. ويشير د. عمرو هاشم ربيع إلى ورود ثلاثة أمور لا وجود لها فى مشروع الحكومة: الأول، لا نشر لاستطلاعات رأى تقوم بها الجمعيات قبل عرض النتائج على الحكومة. والثانى، إيقاع أعضاء مجلس إدارة الجمعية تحت الرقابة المالية، وفق قانون الكسب غير المشروع. والثالث، حل الجمعية إذا تعارضت مع مقتضى الأمن القومى، وهى عبارة هلامية غير محددة8.

أما الموافقات على التمويل من الداخل فهو بموافقة مسبقة بشهر قبل التحصل عليها، وهو ما من شأنه التضييق على الجمعيات الخيرية، والتعامل مع البنوك بخطابات من البنك المركزى، المادة (8) «ط»، والتمويل دفعة بدفعة تستغرق كل منها 60 يوماً، وليس على دفعاته المختلفة مرة واحدة. كما تلزم المادة (14) المجتمع المدنى بالعمل، وفقا لخطة الدولة واحتياجاتها والأولويات التى تحددها، وهنا لو كان لنا نصيب فى إعمال النقد الأدبى لقلنا إن هذه العبارة «تضاد يفيد المعنى» فالمجتمع المدنى المستقل بطبيعة تعريفه يضعه هذا القانون تحت خطة الدولة، فهو بالفعل تناقض وتضاد، ولكنه لا يفيد المعنى، بل يدمر المفهوم والمصطلح.

رابعا ـ  مفاهيم وأفكار تجاوزها الزمن:

إن فلسفة المجتمع المدنى يمكن تلخيصها فى أنه ذو قدرة عالية النفاذ بحكم طبيعته لتحقيق أهداف تنموية وخيرية وتوعوية فى شكل تكاملى مع الحكومات، ولكنه مستقل، لذلك يجب على القوانين التى تنظم عمله، وهى قوانين أثبتت التجربة إمكانية التخلى عنها، أو جعلها اختيارية، كما فى النموذج الفرنسى، يجب أن يكون عاملاً مساعداً فى تحقيق تلك الأهداف، وليست معيقة لتحقيقها. وهذا أحد التوجهات الحديثة لقوانين المجتمع المدنى، إلا أن د. أيمن عبد الوهاب يرى أن القانون المطروح كأنه اختص «بتنظيم علاقة الدولة بالجمعيات وليس علاقة الجمعيات بالمجتمع كما يفترض، حيث تستند إلى عدد من الآليات التى من شأنها أن تحكم قبضة الدولة على العمل الأهلى، وهنا يمكن الإشارة لبعض المآخذ، مثل الضبطية القانونية لموظفى التضامن، واعتبار مال الجمعيات مالا عاما، وتحصيل نسبة من تلك الأموال، وتغليظ العقوبات، وتشكيل الجهاز القومى لتنظيم عمل المنظمات الأجنبية، والمعنى بالموافقة، أو رفض حصول الجمعيات على التمويل الأجنبى»9.

وعلى الرغم من إرساء مبدأ الشفافية فى عمل المؤسسات بإلزامها بالعلانية والإفصاح عن أنشطتها وما يتعلق بها، وما يحمله من إيجابية فى المادة 25، إلا أن المادة ذاتها شهدت –كذلك- الإصرار على نفس الأفكار القديمة للرقاب، والتى عفى عليها الزمان، وذلك بالنص على «على الجمعية أن تحتفظ فى مركز إدارتها بالوثائق والمكاتبات والسجلات الخاصة بها، وكذا الإشعارات والخطابات البنكية، وتبين اللائحة التنفيذية لهذا القانون هذه السجلات وكيفية إمساكها واستعمالها والبيانات التى تحتوى عليها، ويجب ختم هذه السجلات من الجهة الإدارية قبل استعمالها»، أو شهادة حسن السمعة المنصوص عليها فى البند 2 من المادة 60.

خامسا ـ تغليظ العقوبات:

ينطبق على العقوبات الواردة فى القانون المطروح قول المتنبى «وَكم ذا بِمِصرَمِنَ المُضحِكاتِ،وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كالبكاء». فالعقوبات الواردة فى القانون - بالتأكيد - تتعارض مع حرية الممارسة المنصوص عليها فى الدستور، أو عدم جواز تدخل الجهة الإدارية. فبينما يعتبر فى المعايير الدولية أنه من أسس القوانين غير الربحية، عدم وجود عقوبات السالبة للحرية، وعلى الرغم من أن آخر مسودتين من الحكومة، وعلى الرغم من المآخذ عليهما، إلا أنهما كانتا قد تجاوزتا هذه العقوبة، إلا أنها عادت فى نسخة البرلمان، بل زادت من غلاظتها، إضافة إلى الاحتفاظ بحق بتطبيق العقوبة الأشد، إن وجدت فى القوانين الأخرى.

وتتميز العقوبات فى هذا القانون، إضافة للحبس من عام لخمسة فى الباب التاسع، بالتوسع فيها لتشمل أطرافاً ليست مخاطبة بالقانون، مثل «كل من عاون» مادة 87 «ب»، أو كل من منح تصريح فى المادة 88 «أ». كما إن الغرامات المالية شبه تعجيزية ومبالغ فيها من خمسين ألفاً إلى مليون جنيه فى المادة 87. والجديد ما ورد فى المادة 23 بتقييد القضاء فى نظر هذه العقوبات، حيث نص على «الفصل دون العرض على هيئة مفوضى الدولة».

خاتمة:

يعتبر حق إنشاء جمعيات واتحادات ونقابات، أى مؤسسات المجتمع المدنى، من الحقوق المتصلة بحرية الرأى والتعبير. ففى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان تنص المادة (20) على أن «لكل شخص الحق فى حرية الاشتراك فى الجمعيات والجماعات السلمية»10، كما أن العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، جاء بهذا الحق بشىء من الدقة والتفصيل، إذ تذهب المادة (21) بالاعتراف بالحق فى التجمع السلمي؛ ولا يجوز وضع القيود على ممارسة هذا الحق، غير ما يفرض منها، تمشيا مع القانون، والتى تستوجبها فى مجتمع ديمقراطى11 .

إذا قمنا بمقارنة القيود الموضوعة فى القانون محل التحليل، بالقيود المفروضة على المجتمع المدنى على المستوى الدولى، سنجد أن المركز الدولى للقوانين غير الربحية بواشنطن قد صنفها إلى ثمانية أنواع من القيود، ينطبق على القانون والواقع المصرى سبعة منها. يتصدر هذه القيود عدم القدرة على التسجيل، وتأمين مزايا الشخصية القانونية، وعدم القدرة على الحصول على تمويل أجنبى بيسر، إذ يعتمد أسلوب الموافقة، وليس الإخطار كما فى الدول الديمقراطية. وقيّد الرقابة الصارمة والتحكمية، فأعطى الحق للجهات الإدارية فى رقابة دائمة على المنظمات من خلال كل تلك الموافقات التى يجب على المنظمات الحصول عليها. وكذلك تأسيس جمعيات موازية، تعمل فى نفس المجال أو نفس المنطقة، وتلقى دعما حكوميا، فى محاولة لجذب التحويلات لمثل هذه الجمعيات. وأخيرا، قيّد توقيع عقوبات جنائية ضد الأفراد المنضمين للمنظمات، تصل فى القانون المصرى إلى خمسة أعوام سجنًا.12أى أننا أمام قانون خارج السياق الزمنى (مقارنة بالتطورات التى شهدتها التشريعات غير الربحية) والمكانى (مقارنة بتطور قوانين المجتمع المدنى فى مصر)، سيكون فى ظله من الصعب استمرار العمل الأهلى فى مصر ليس فقط الحقوقى أو التنموى، بل حتى الخيرى، كما سيكون من المستحيل الدفاع عن ذلك القانون فى المحافل الدولية. وإذا كان البعض يظن أن صعود اليمين فى الغرب سيجنب مصر مثل هذه المواجهات، فذلك تصور ساذج. فما أن تستقر الأمور سيبدأ اليمين فى استخدام الكروت القديمة لصالحه، وهذا ما يجب أن نكون مستعدين له بمجتمع مدنى قوى قادر على أن يلعب الدور المنوط به فى عملية التنمية، ويستطيع أن يساعد مصر على لعب دورها الإقليمى، ومستعد لمواجهة التحديات والمخاطر الدولية التى تلوح فى الأفق. وهنا يجب أن نشير إلى أن أى متابع دون تخصص يستطيع تبين أن الدول التى سقطت فى منطقتنا؛ العراق (2003) وليبيا (2011) وسوريا (2012) لم يكن بها مجتمع مدنى، بينما الدول التى أفسحت مجالاً للمجتمع المدنى ليلعب دورا فى عملية التحول مثل تونس فقد نجحت فى إنجاز الكثير على طريق التحول، بل حصلت منظماته على جائزة نوبل لدورها فى هذه العملية. وأبعد من ذلك الدول التى تمكنت من استيعاب حراك 2011، وتمكنت من إحداث إصلاح من داخل النظام القائم، مثل المغرب أو الأردن، هى دول تمتلك مجتمعاً مدنياً نشيطاً منذ البداية. وهو ما يؤكد أن الفزع من المجتمع المدنى ما هو إلا فزع من يخشون الإصلاح والتغيير، وليس من يخافون على الدول والأوطان.

المصادر:

1 - Peter Burnell،Building Better Democracy،Why Political Parties Matter?  Westminster Foundation for Democracy،2004،p.1.

2 - التفاصيل الكاملة لتقرير لجنة تقصى الحقائق حول التمويل الأجنبي ، موقع جريدة الأهرام، 22 ديسمبر 2011، https://goo.gl/8BhlNf

3 - Mohamed Agati،Undermining Standards of Good Governance: Egypt ’s NGO Law and Its Impact on the Transparency and Accountability of CSOs،https://goo.gl/OlxL7O

4 - دستور مصر 2014، المادة 75، https://goo.gl/BY4U5w

5 - النص الكامل لقانون الجمعيات الأهلية بعد موافقة البرلمان عليه، اليوم السابع، 29 نوفمبر 2016، https://goo.gl/3mCMif

6 - محمد زارع، قانون الجمعيات الأهلية «إعلان حرب» على المجتمع المدنى، موقع جريدة التحرير، 1 ديسمبر 2016، https://goo.gl/MzMR8B

7 - محمد العجاتى، قراءة فى مشروع قانون الجمعيات والمؤسسات الأهلية، 7 نوفمبر 2016، https://goo.gl/MkWjW5

8 - عمرو هاشم ربيع، هوس فى البرلمان لتأميم المجتمع المدنى، المصرى اليوم، 27 نوفمبر 2016، https://goo.gl/dwNtyB

9 - أيمن عبد الوهاب، قانون الجمعيات الأهلية والرؤية الغائبة، مجلة قضايا برلمانية، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، العدد 55، ديسمبر 2016، https://goo.gl/NrwgDR

10 - الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، موقع الأمم المتحدة، https://goo.gl/pmGaJL

11 - العهد الدولى الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، مكتبة حقوق الإنسان، جامعة مينيسوتا، https://goo.gl/qt6lT2

12 - محمد العجاتى، مصر فى مرحلة التحول إلى سلطوية جديدة. قانون الجمعيات الجديد نموذجًا، موقع جريدة الشروق، 21 يناير 2012، https://goo.gl/9eDwbX

عن الكاتب : باحث، مدير منتدى البدائل بالقاهرة
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق