صحف و دوريات
السينما والمستقبل: من الخيال الواقعى إلى الرقمي/ نبيل عبد الفتاح
2017/02/16
0
393
65
العدد :

نبيل عبد الفتاح

الأهرام

16/2/2017

السينما والمستقبل: من الخيال الواقعى إلى الرقمي

هل الكتابة عن مؤشرات التحول نحو المستقبل ومساراته واحتمالاته فى الثقافة والسياسة والدين والقيم، هى هروب من مواجهة مشكلات الواقع وأزماته ومعضلاته الكبرى؟

الإجابة بالقطع لا، لأن المستقبل ومساراته ينطلق أساسًا من وضعية مشكلات الواقع الفعلى التى تواجه الفرد / الإنسان، والجماعات والمجتمع والنظم السياسية والدول أيًا كانت أشكالها وطبيعتها، ومواريثها الرمزية والتاريخية ومستويات تطورها التقنى والعلمى والمعرفى والثقافى فى السينما والمسرح والفنون الشعبية، والتشكيلية، وفى السرديات الروائية والقصصية والشعر والفلسفة، ومنظومات الأفكار ومستويات حريات الرأى والفكر والتعبير والتدين والاعتقاد وفق تطوراتها المعاصرة ... إلخ! سياسة المستقبل فى عديد المجالات هى إعداد وتهيئة الأنظمة وبنيات الفكر والمعرفة والمعلومات، وأجهزة الدولة، والمجتمعات المدنية كى تواجه تحديات اللحظة التاريخية بالرؤى والسياسات والخطط والبرامج العلمية والخيال السياسى الخلاق، من منظور المآلات المستقبلية فى عالمنا الذى ينتفض بالتغير السريع والمكثف، وانهيار منظومات وتآكل وانزواء أفكار ومصطلحات ولغة سياسية وفلسفية وسوسيولوجية وثقافية ودينية.... إلخ، لم تعد مقاربات الوصف والتفكيك والتحليل الحداثية وما بعدها قادرة على إمدادنا بالمفاهيم والمصطلحات القادرة على فك بعض ظواهر السيولة والعنف والإرهاب، والتغير الاجتماعى والسياسى فى ظل الثورات الرقمية وما تحمله من لغة جديدة مختلفة، وأنماط فى التفكير والتعبير والسرد والتى تعيد تغيير الإنسان/ الفرد والجماعات الافتراضية والمجتمعات والدول وليست قصرًا على الواقع الرقمى وعوالمه المتعددة وجماعاته.

من هنا الخطابات حول المستقبل ومساراته ومآلاته هو استشراف وتحفيز للعقل العام، وللنخب السياسية والثقافية والفنية على التفكير الإبداعى من أجل صياغة رؤى للتكيف والتطوير مع المتغيرات الكبرى التى ستحدث، تراجعت السينما المصرية وذلك لعديد الأسباب وعلى رأسها: غلبة منطق السوق والتمويل من بعض المنتجين الذين يسعون إلى تنظيم ربحيتهم من مغازلة الدوافع والقيم والسلوكيات السوقية التى تعبر عن تهتكات اجتماعية، وعنف وغلظة فى السلوك، والمخاتلة، والكذب والنصب والإثارة ذات المحمولات الإباحية، إلى جميع مكونات «الباثولوجيا الاجتماعية»... إلخ!، وذلك من خلال معالجات فجة وسوقية، والاستثناءات نادرة. من هنا نستطيع القول إن هذا النمط من السينما الرديئة مآله الاندثار، لأن تقنيات السينما والأساليب الإخراجية والتمثيلية الجديدة ستتحول إلى العالم الرقمي. ثمة تحولات نوعية تجتاح هذا العالم المرئى الساحر الذى شكل مخيلاتنا ووجداننا وتتمثل فيما يلي:

 1- التحول إلى نهاية وظيفة دور العرض السينمائية، - وكانت بمنزلة قاعات ساحرة -، فى ظل الاقتصاد الرقمى ومواقع التفاعل الاجتماعي، ستؤثر على وظيفتها، وسيتم التحول إلى الواقع الرقمي، وبث الشرائط مقابل ثمن، ومن ثم ستنتهى وظيفة دور العرض لمصلحة العرض الفردي، أو لمجموعة على الأجهزة النقالة أو الألواح الرقمية أو بعض الأقنية التلفازية الخاصة أو إلى بعض الشبكات.

2-سيتراجع دور الروايات والقصص القصيرة فى الإنتاج السينمائى لمصلحة نمط من الرؤى والسرود والجماليات البصرية.

3-تزايد فى الأفلام التى تعتمد على الرسوم المتحركة التى تحاكى حركة وسلوك الإنسان والجماعات وتفاعلاتهم، وهو ما بدأت مؤشراته فى عديد الأفلام التى حققت أرباحًا قياسية، وشجعت المخرجين وفنانى الرسوم المتحركة على تطوير أعمالهم أو التداخل بين البشرى والحركى أو ما يمكن أن نطلق عليه التناص البصرى البشرى والحركى فى ذات الشريط، وهو ما سوف يتزايد مستقبلاً وربما ستحتل موقعًا متميزًا وغالبًا على خرائط الإنتاج السينمائى الأمريكى والغربي، وستتمدد إلى سينما جنوب العالم.

4-مع ثورة وتحولات الهواتف النقالة وأجيالها التى تتطور بسرعة فائقة، ومعها الألواح الرقمية، تحدث الآن ثورة هائلة فى الصور وفى توثيق لحظات إنسانية مليارية كل ثانية ودقيقة لتفاصيل تفاصيل الحياة اليومية للفرد فى كل أحواله من السعادة والخوف والألم والاكتشاف والمفاجأة والانبهار، والإثارة بكل أنواعها، وإلى توثيق جماليات القبح، والجمال الإنسانى وفى الأشياء والأبنية والتقنيات... إلخ، على نحو جعل حياة الفرد/ الإنسان تتمركز على الصور التى نحيا بها الآن وفى المستقبل، وتصيغ مخيلاتنا، وأفكارنا وعواطفنا، وأشجاننا وأحزاننا وتاريخنا. من هنا سيغدو التصوير وبعض الأفلام القصيرة جدًا جزءًا من الحياة اليومية للفرد/ الإنسان فى غالبُ أرجاء عالمنا كله، وباتت جزءًا من التواصل عبر مجتمعاته ودوله، وأداة احتجاج وصرخات، وتبادل لصور الجمال والقبح والفرح والحزن الذى يتم تبادله فى أسواق التبادل الكوني، وستغدو ترليونات ومليارات الصور والأفلام فى المستقبل جزءًا من تحديد هوية الفرد وعالمه المابعدى المتغير، وربما يسهم بفعالية فى تحولاته.

5-سينتقل تعليم الفنون السينمائية (الإخراج، والسيناريو، والحوار، والتصوير والتأليف والإضاءة)، من الكليات الجامعية والمعاهد السينمائية، إلى المراكز السينمائية الرقمية التى يتعلم فيها الفرد ما يريده من تخصص، من خلال الاشتراك على الواقع الرقمي.

6-سيؤدى التطور الكبير فى الهواتف النقالة الذكية إلى نهاية الكاميرات الكبرى والإضاءة والزوايا ...إلخ، وستصبح جزءًا من الإمكانات التقنية فائقة التطور للهواتف النقالة الذكية، والألواح الرقمية التى ستتغير أشكالها، وأساليب استخدامها لتمكن الهواة والمحترفين من استخدامها، ومن ثم ستنتهى أدوار ووظائف مهندس الإضاءة والديكور والمصورين ...إلخ، ومن ثم سيخرج أعداد كبيرة من هذه الوظائف من مجال الإنتاج السينمائى أسوة بعديد من الوظائف فى مهن عديدة كالصحافة الورقية ومجال بيع وتوزيع السلع والخدمات التى انتقلت إلى العالم الرقمي. عالم الصور والسينما الساحرة سيتغير نوعيًا ومعه نوستالجيات وأحلام وذكريات وشخوص وأيقونات سكنت خيالنا ووجداننا!

 

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق