صحف و دوريات
في ضرورة تحليل الزعماء والقادة / محمد برهومة
2017/03/16
0
248
65
العدد :

محمد برهومة

الحياة

16/3/2017

في ضرورة تحليل الزعماء والقادة

مع صعود زعماء من أمثال دونالد ترامب وفلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان، وبدرجة أقل بنيامين نتانياهو، وكون أوروبا على موعد مع زعامات يمينية شعبوية، فإن الطلب على تحليل القادة في حقل تحليل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ينتعش مجدداً من جانب أرقى الجامعات و «مراكز التفكير والأبحاث» في العالم، غير أن ذلك يتم بمفهوم منهجي جديد وسياق علمي مختلف عن السابق.

لقد كان التقليد الأميركي بخاصة، والغربي بعامة، يرى أنّ البعد الشخصي للقادة جزء من خصوصيتهم الواجب احترامها، لا سيما من الأطباء النفسيين، الذين لطالما اعتبروا أسرار مرض القادة موضوعاً أخلاقياً يتطلب الكتمان. النظرة اليوم تكاد تتغير جزئياً، حيث بدأ بعضهم يتحدث عن ترامب كقائدٍ مريضٍ قد يجلب الكوارث على السياسة العامة، ما يعني أن التحذير من خطورته واجب أخلاقي يفوق واجب الطبيب بالكتمان أو الامتناع عن إعلان التحليل الشخصي (النفسي والعقلي). بهذا المعنى، يجوز الحديث عن اتجاه عنوانه العريض أثر البعد الشخصي للزعماء في تحليل السياسة الخارجية والعلاقات الدولية. ومع أن هذا الحقل يتنامى منذ سنوات، فإن مجيء ترامب «من خارج المؤسسة» وكمتمرد عليها عزز من أهمية فهم وتحليل البعد الشخصي لترامب في سياق مقاربة وتوقع السياسة الخارجية لإدارته، التي فيها مسؤولون لا يكتمون رغبتهم في إعادة تشكيل أميركا والعالم من جديد، وهذا محلّ خطورة في ظل رئيس مفرط الثقة في قدرته على إعادة هندسة أميركا والعالم.

ثمّ إنّ الطلب على تحليل القادة في مدارس السياسة الخارجية والعلاقات الدولية الجديدة اكتسب زخماً إضافياً مع تنامي الهواجس من تراجع قدرة المؤسسات الأميركية على لجم «تمرد» ترامب على التقاليد الراسخة. ولأن صفة «التمرد» مقرونة بصفات من قبيل أن ترامب (وكذلك بوتين وأردوغان إلى حدّ ما) «غير متوقَّع» ولديه القدرة المستمرة على «المفاجأة»، فإن تحليل طريقته في التفكير ومعرفة أولوياته وخياراته وأهدافه يتطلبان منهجيات جديدة غير تقليدية، ولعل من أبرز هذه المنهجيات الصاعدة في الفهم والتفسير والتوقع نظرية المباريات أو اللعبة (Game Theory) في العلاقات الدولية ونظرية تحليل القادة من خلال خطاباتهم.

ميزة المنهجيات الجديدة أنها تحاول تقديم بدائل أكثر ثقة، في ظل تراجع قدرة علم السياسة التقليدي واستطلاعات الرأي وأدوات التحليل الكلاسيكية عن التوقّع ورسم سيناريوات مستقبلية ذات صدقية عالية. هذه المنهجيات يتحسّن أداؤها طردياً بتوافر المعلومات الوافية عن القادة، لكنها تُقدّم «أفضل تخمين» عن سلوكهم السياسي وتفضيلاتهم المتوقعة في حال كانت المعلومات عنهم شحيحة.

إن تصاعد الأثر الشخصي للزعماء في العلاقات الدولية المترافق مع تراجع مكانة المؤسسات الدولتية في التحكم في مخرجات السياسة قد يُنتِج قواعد جديدة في النظام الدولي والعلاقات بين الدول وقياس أوزان القوة للاعبين، ومن المهم تطوير المنهجيات والمعارف التي تُسعف في الفهم الاستباقي لهذه الظاهرات والسعي لتحجيم أخطارها، ومن بعض تلك الأخطار الانكفاء عن الديموقراطية الليبرالية، وأن يكون الزعماء أقوى من المؤسسات. كل هذا يفرض على مؤسسات صناعة القرار في العالم العربي تطوير أدواتها لفهم وتفسير تعقيدات المشهد الدولي، لتحديد أنماط الاستجابة و «تَوْزِين» الفرص والتحديات والكُلَف بكفاءة أفضل.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق