صحف و دوريات
«الدولة العميقة» في الولايات المتحدة: بين الحقائق والدجل/ حسن منيمنة
2017/03/19
0
286
65
العدد :

حسن منيمنة

الحياة

19/3/2017

«الدولة العميقة» في الولايات المتحدة: بين الحقائق والدجل

«الدولة العميقة» مصطلح يقترن عادة بالدول التي شهدت انتقالاً نحو نظام التمثيل الانتخابي بعدما أمضت فترة طويلة في ظل نظام إداري سلطوي، على الغالب عسكري. فعند سعي السلطة المنتخَبة الجديدة إلى الإمساك بالزمام، تلقى اعتراضاً بدرجات متفاوتة من مراكز القوة الثابتة في بنى الدولة، سواءً كان الهدف عرقلة الانتقال وتعطيله، أو اقتصر على تعثّر التأقلم مع الواقع الجديد. وفي دوائر العلوم السياسية، غالباً ما تقترن الإشارة إلى «الدولة العميقة» بدراسة طبيعة الحكم في تركيا ومصر خصوصاً. إلا أن هذا المصطلح وجد السبيل أخيراً إلى الخطاب السياسي في الولايات المتحدة، ليصبح جزءاً مهماً من عتاد «اليمين البديل» و «الإعلام البديل»، بل في محيط الرئيس الجديد دونالد ترامب نفسه. والدولة العميقة، بصفتها اليد الخفية التي تتحكم بواقع السياسة، لها سوابق عدّة في الثقافة السياسية الأميركية. وأكثرها استدعاءً كلمة الرئيس الأسبق دوايت أيزنهاور، التي ألقاها قبيل تسليمه مقاليد الحكم لخلفه عام ١٩٦١، إذ حذّر من «المجمّع العسكري الصناعي» منبّهاً إلى أن تخلف الطبقة السياسية عن أداء دورها الرقابي يفتح المجال أمام تجاوزات من هذا المجمّع، من خلال التلاقي في المصالح بين منتجي السلاح الساعين إلى تسويقه والقادة العسكريين الراغبين بتعزيز القوة الضاربة التي بحوزتهم، ما قد يؤدي، في حال غياب الضوابط، إلى استنزاف المصلحة العامة. فهذا التنبيه إلى مسؤولية السلطة المدنية في الإشراف على الإنفاق العسكري أمسى بيد بعض المنقّبين عن المؤامرات الدليل القاطع على صحة توقعاتهم.

وبقيت الريبة المرتفعة من نظام الحكم ككل محصورة غالباً في الهامش الثقافي، غير أن التآكل في الثقة بالمؤسسات المختلفة استمر بين مدّ وجزر، إلى أن بلغ أوجه خلال الحملة الشعبوية التي قادها ترامب في الموسم الانتخابي الماضي، والتي شرعن خلالها كافة المخاوف والتوجسات. والجديد في استثمار ترامب لهذه المشاعر أنه لم يستهدف طرفاً ما، كأحد الحزبين، أو إحدى السلطات الثلاث، أو الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، أو الإعلام، بل استهدفها جميعاً، وذلك تحسّباً لخسارته المرتقبة حينئذ.

إلا أنه، بدل الخسارة، فاز بالرئاسة. وعلى رغم أن ترامب هو اليوم الرئيس، لأقوى دولة في العالم، ضمن نظام سياسي رئاسي بامتياز، للرئيس فيه صلاحيات واسعة النطاق، وبوسعه بالتالي تفنيد أية مؤامرة، إلا أن خطابه لا يزال يتغذّى على الطروحات المؤامراتية ويستثمرها ويثريها. فهي مؤامرة أن فوزه لم يشمل الحصول على أكثرية أصوات الناخبين، إذ بلغت أعداد غير المواطنين الذين أدلوا بأصوات ضدّه الملايين، وفق تأكيداته. وهي مؤامرة تهدف إلى التقليل من أهمية فوزه الإدعاء بأن حجم الحضور يوم تنصيبه لم يكن الأعظم في التاريخ، والصور التي تظهر ضآلة هذا الحضور مزوّرة وفق قناعته. وأخيراً، لا آخراً، بلغت الرئيس تقارير شبه صحافية من مشغل الإشاعات والتدليسات الذي يطلق على نفسه صفة «الإعلام البديل» تفيد بأن ثمة فضيحة منقطعة النظير، فسارع ترامب إلى تبنيها والعمل بمقتضاها. ومفاد الفضيحة أن الرئيس السابق باراك أوباما، وفق هذه الأقاويل، عمد إلى التنصت على منزل ترامب.

ثمة فضيحة خطيرة، بل منقطعة النظير بالتأكيد هنا. فإما أن الرئيس السابق تجاوز صلاحياته ونقض الفصل الدستوري بين السلطات وارتكب جريمة يستحق على أساسها السجن والتشهير، وهو ما لا دليل عليه البتة، أو أن الرئيس الجديد اتهم سلفه بما يتعدى القدح والذم ويكشف عن قصور هائل لديه، وهو الأقرب إلى الواقع. ما قد تبيّنه المتابعات وجلسات الاستماع إلى المسؤولين الأمنيين أنه، في عهد الرئيس السابق، ربما استحصل جهاز أمني ما على إذن قضائي للتحقيق بشبهات تطاول أحد مساعدي ترامب، في قضية التواصل المريب مع الأجهزة الروسية أو غيرها. إلا أن ذلك، إن صحّ، يندرج وحسب في إطار قيام الأجهزة المعنية بمهماتها، ولا يجري بالتنسيق مع البيت الأبيض.

لكن الحاجة إلى الترقيع، والتي أضحت ترتقي إلى مستوى الفن الإبداعي في زمن هذا الرئيس، تتطلب ضعضعة التهمة المباشرة التي أطلقها ترامب بحق أوباما، والتي شملت نعته إياه بالسيئ والمريض، لتتماهى مع الممكن والمشروع من عمل الأجهزة الأمنية. واستدعاء مفهوم «الدولة العميقة» يصلح لتبرير اللهجة المتشنجة لترامب، ليصبح العمل الاعتيادي للأجهزة مدعاة للتخوف من المؤامرة.

والواقع أنه بالنسبة الى بعض «الأصوليين» من الجمهوريين والمحافظين وأصحاب «اليمين الجديد»، فإن الدولة، كل الدولة، هي «دولة عميقة» يجب أن يجري العمل على تفكيكها. وهنا تتلاقى المصلحة الآنية في حاجة ترامب إلى الترقيع والموقف العقائدي المبدئي لبعض أنصاره، ويرتقي الحديث عن «الدولة العميقة» إلى مستوى تشخيص آفة تفتك بالولايات المتحدة.

والمفارقة هي أنه، بناءً على طبيعة النظام الرئاسي في الولايات المتحدة، بوسع ترامب على الفور أن يرفع غطاء السرية عن أية وثيقة أو قضية أو تحقيق ليكشف حقيقة أي أمر للملأ، أو على الأقل بوسعه استقدام رأس أي جهاز ليطلعه على كامل التفاصيل التي يريد الاستعلام عنها. فأعداد الناخبين غير الشرعيين، أو جمهور احتفال التنصيب، أو حتى حقيقة ما إذا كان هناك تحقيق ما يطاول فرداً ما من طاقمه، هي مسائل بوسع ترامب الوصول إلى أدق تفاصيلها كيفما شاء. ولكنه لا يفعل. بل يطلب من الكونغرس، ذي الصلاحيات الأقل استفاضة وشمولاً، أن يصل إلى حقيقة الأمور، في مهمة هي أقرب إلى العبثية.

والسؤال الأهم هو: هل أن العبث يخفي وراءه الخبث؟ ففيما يمعن ترامب بالدجل في شأن مؤامرات مفترضة، متوعداً بتحقيقات لا تتحقق، فإن طاقمه، وفق الرؤية التي صرّح بها كبير مستشاريه ستيف بانون، يعمد بنشاط إلى تفكيك هذه الدولة الأميركية العميقة، لا بمعنى اليد الخفية، بل بمعنى دولة المؤسسات القائمة على الاستمرارية والتدرج. والتهويل بـ «الدولة العميقة» هو هنا وسيلة ناجعة وحسب لدحر أي اعتراض من أي مسؤول داخل أجهزة الدولة يرى في هذا العمل تخريباً لا إصلاحاً.

هو إذاً اختبار غير مسبوق في الولايات المتحدة لمتانة نظامها السياسي ولحدود صلاحيات الرئيس.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق