مكتبة الديمقراطية
«القومية الروسية الجديدة: الإمبريالية، والعرقية، والسلطوية من عام 2000 إلى2015 »
2017/03/28
0
681
66
العدد :

تحرير:

  بال كولستو، وهيلج بلاكيسرود

الناشر: Edinburgh University Press

 

عرض: هانى عبدالخالق

 يقدم هذا الكتاب تحليلا عميقا لجذور ومستويات القومية الروسية التى برزت فى السنوات الأخيرة، ويعرض المظاهر المختلفة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، لتلك القومية التى تجسدت فى الاتحاد السوفيتى السابق فى أوج قوته، وحتى بعد انهياره، وإن كان ذلك بأشكال ومستويات مختلفة. 

 يحتوى الكتاب من اثنى عشر فصلا، وشارك فى وضعه فريق متنوع من الباحثين والأكاديميين المتخصصين فى الشأن الروسى من ستة بلدان مختلفة. وقسم محرر الكتاب تلك الفصول إلى قسمين، يتناول القسم الأول منهما – من الفصل الأول وحتى الفصل السابع- فكرة القومية الروسية على المستوى المجتمعى والشعبى، بينما يركز القسم الثانى – بداية من الفصل الثامن وحتى الفصل الثانى عشر والأخير - على القومية الروسية على مستوى الدولة وسياساتها، بقيادة فلادمير بوتين. 

 ويرى الكاتب بال كولستو، الذى كتب المقدمة بالإضافة إلى الفصل الأول، أن القومية الروسية تتخذ اتجاها متصاعدا فى المجتمع الروسى، وفى الخطاب العام، وكانت فى الماضى ترتبط بميول امبريالية تظهر فى الفخر عموما بدولة قوية ذات عرقيات متعددة، قادرة على ممارسة التأثير على المستويين المحلى والدولى.  وتركز القومية الروسية فى الفترة الراهنة على قضايا عرقية بصورة متزايدة، ويصفها كولستو بأنها «قومية عرقية» تتخذ عدة أشكال، مثل العنصرية، وكراهية المهاجرين الأجانب، لكنها أيضا تمثل اتجاها فكريا يسعى لمحاكاة النموذج القومى المحافظ فى أوروبا.

 وقد اعتاد القوميون الروس بشكل تقليدى التركيز على الحاجة إلى الحفاظ على دولتهم كدولة قوية وكبيرة، ولم يشغلوا بالهم بالمصالح العرقية أو نقاء الجنس الروسى، كما يطالب بعض القوميين المتشددين فى الفترة الأخيرة. ويشار إلى القوميين التقليديين باسم أنصار الدولة أو «الدولتيين»، وذلك مقارنة بالقوميين العرقيين الذين يناضلون من أجل مصالح الشعب الروسى وليس السلطة، والعرق الروسى، وليس الدولة الروسية. ويختلف أفراد هاتين المجموعتين بشكل كبير، وربما يعادون بعضهم بعضا خلال ممارستهم للمعارضة السياسية.  ولذا، يرى كولستو أن تحقيق «التجانس العرقى والثقافى سيكون أمرا مستحيلا» لأن روسيا دولة ضخمة ذات ثقافات متعددة، وتسعى لممارسة نفوذ إقليمى فى مرحلة ما بعد الاتحاد السوفيتى. فالرئيس الروسى، فلادمير بوتين، يسعى للحفاظ على قدر كبير من النفوذ فى منطقتى آسيا الوسطى والقوقاز، وذلك رغبة منه فى إبقاء حدود روسيا مفتوحة أمام المهاجرين القادمين للعمل من هاتين المنطقتين.

 فقد تزايدت أعداد هؤلاء المهاجرين بسبب ارتفاع نسب البطالة فى دول آسيا الوسطى، مثل أوزبكستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وكذلك فى دول القوقاز، بينما يحتاج الاقتصاد الروسى الذى يعتمد بشكل كبير على استخراج النفط إلى مزيد من الأيدى العاملة. 

لكن بسبب تزايد الكراهية للمهاجرين أصبح القوميون المتشددون فى روسيا يحشدون قواهم للتعبير عن رفضهم للعمال المهاجرين من هذه الدول. واندلعت احتجاجات وأعمال شغب فى موسكو فى عام 2010 بسبب مقتل مشجع كرة قدم روسى خلال  مشاجرة مع شباب من منطقة القوقاز، وألقت الشرطة القبض على آلاف المحتجين.  وأعقب ذلك الحدث تغير كبير فى موقف الدولة تجاه القوميين، فقبل ذلك، كانت الدولة تتغاضى بشكل واضح عن أنشطة تلك الحركة، ومنها الحركة المتطرفة للقوميين فى البلاد.

لكن عقب ذلك الحدث، أعادت روسيا التفكير فى تلك الاستراتيجية ومدى جدواها.  ويرى كولستو أن تحول الهوية الروسية نحو التركيز على العرقية كان قد اكتسب زخما بشكل واضح عقب انهيار الاتحاد السوفيتى. فروسيا الاتحادية الحالية أقل تنوعا من الناحية الثقافية مقارنة بالدول التى عاش فيها الروس وآباؤهم الأوائل تحت الإمبراطورية القيصرية، أو الاتحاد السوفيتى.

  وحتى فى العقد الأول بعد تفكك الاتحاد السوفيتى، استمرت مشاعر القومية فى الانتشار، من خلال  الحنين إلى الإمبراطورية السابقة.   ويعتقد الكاتب إميل باين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة موسكو، فى الفصل الثانى الذى يتناول تأثير الإمبريالية على القومية الروسية، أن الإرث الإمبراطورى لروسيا لا يزال ينعكس بشكل أو بآخر على الحياة السياسية فى البلاد، بل ويؤثر على طبيعة وشكل القومية الروسية.  ويعتقد باين أن ما يحدث فى روسيا من تداخل بين الوعى القومى والوعى الإمبريالى أدى إلى خلق ما يسميه “القومية الإمبريالية” لروسيا، والتى تجلت فى مواقف عديدة، آخرها ضم إقليم القرم إلى السيادة الروسية فى عام2014  عقب الثورة الأوكرانية، بعد أن كان يخضع لأوكرانيا منذ عام 1991.  لكن الباحث ألكسندر فيركوفسكى من مركز “SOVA” للمعلومات وتحليل البيانات فى موسكو، يؤكد على أن هناك جناحا متطرفا للقومية الروسية، والذى يعمل وفق ديناميات محددة فى روسيا. ويرى فيركوفسكى، فى الفصل الثالث، أن ذلك الجناح بدأ ينشط منذ عام 2008، مع بداية حكم الرئيس الروسى السابق ديميترى ميدفيديف. ويركز التحليل الذى يقدمه فيركوفسكى على القوميين الذين يعارضون السلطة بشكل واضح، وخاصة هؤلاء الذين شاركوا فى الاحتجاجات الشهيرة فى الرابع من نوفمبر عام 2014. ويعتقد الكاتب أنه فى مرحله ما من مراحل تطور القومية المتطرفة العنيفة، والتى تدعو إلى نموذج «سلطة العرق الأبيض» النقى لروسيا ليحل محل الإمبراطورية الضائعة، يعد عام 2008 هو العام الذى بلغ فيه مستوى العنف العرقى ذروته.

 ويستند اختيار الكاتب لهذا العام إلى البيانات التى جمعها مركز (SOVA)، والتى أشارت إلى أن عدد جرائم العنصرية والكراهية فى روسيا بلغ 116 حالة فى ذلك العام فقط، وهو ما يدل على تطور ملحوظ.  ويربط الكاتب بين تلك المستويات من جرائم الكراهية، والقومية المتطرفة فى روسيا، التى تختلف عن القومية التقليدية فى البلاد التى كانت سائدة فى فترة التسعينيات. وتعتمد تلك الحركة القومية المتطرفة على فكرة إعادة بناء دولة روسية على أساس ما يفترضونه من عرق روسى نقى، لا يشمل سكان مناطق مثل القوقاز وآسيا الوسطى.  ولذلك، ظهرت حملات مكثفة فى عام  2013 من قبل القوميين المتطرفين لاستهداف “المهاجرين غير الشرعيين” إلى روسيا، وهى حملات أثارت توترات عرقية، وشجعت على القيام بأنشطة معادية ضد المهاجرين.  ويعتقد فيركوفسكى أن تلك الحركة لم تتمكن من كسب مزيد من المؤيدين، خاصة عقب الجدل الذى دار حول التدخل العسكرى الروسى فى أوكرانيا، واختلاف مؤيدى الحركة القومية الروسية حول ما إذا كان من الأفضل التدخل عسكريا فى أوكرانيا، أم تأييد النزعة الانفصالية للأوكرانيين، والتى كان يراها فريق من الروس أنها تصب فى مصلحة الحركة القومية العرقية التى تطالب بالاهتمام بالعرق الروسى أولاً.

 وتعتقد الباحثة أناستاسيا متروفانوفا، من الجامعة الأرثوذكسية الروسية، أن هناك قومية فى روسيا يمكن النظر إليها على أساس دينى. وتقول - فى الفصل الرابع – إن هناك قومية أرثوذكسية، وقومية علمانية تتصارعان فى روسيا، ولكل منهما مؤيدون ومعارضون.

 وترى متروفانوفا أن أنصار القومية الأرثوذكسية يرفضون فكرة القومية العرقية ويرونها تتعارض مع تعاليم الكنيسة التى تقول إن أنصار المسيحية الأرثوذكسية على اختلاف عرقياتهم فى البلاد يجب أن يتوحدوا تحت تعاليم تلك الكنيسة. وتضيف الكاتبة أن القومية العلمانية فى روسيا تلقى قبولا أوسع، وأصبحت واعدة أكثر داخل الحركة القومية الروسية عموما، وأمامها فرص للتطور والانتشار، من خلال ظهور قيادات جديدة، ومؤسسات واعدة تدعمها.

أما ميخائيل إيه أليكسيف، الباحث بجامعة سان دييجو فى كاليفورنيا بالولايات المتحدة، فيركز فى الفصل السادس على تبعات الاستراتيجية التى استخدمها بوتين فى الفترة الأخيرة، والتى تتمثل فى العودة إلى القومية الروسية العرقية خلال فترة ضم إقليم القرم فى 2014. وقد اتضح ذلك فى الخطابات الرسمية الموجهة إلى الأقليات العرقية فى البلاد.  ولذا، يشكك أليكسيف فيما إذا كانت الأقليات العرقية على الأراضى الروسية يمكن أن تؤيد وتدعم التوسع الذى تؤيده الأغلبية العرقية فى روسيا على أساس قومى. ويتطرق الكاتب إلى استطلاعات الرأى التى أظهرت تأييدا كبيرا لضم القرم لروسيا، حتى فى المناطق التى تضم أقليات عرقية، وهو ما جعله يعتقد أنه من الصعب الاعتماد على هذه النتائج، بسبب سيطرة الدولة بصورة كبيرة على غالبية وسائل الإعلام.  لكن فى نهاية المطاف، يعتقد أليكسيف، ومعه الباحث هنرى هيل من جامعة جورج واشنطن، الذى شاركه فى تحرير الفصل السابع، أن استطلاعات الرأى اللاحقة، التى أجريت عقب ضم روسيا لإقليم القرم، تشير إلى أن تلك الخطوة زادت من شعبية النظام الروسى الحالى بصفة عامة، وشعبية بوتين بصفة خاصة.

فقد عبر أغلب المشاركين عن اعتقادهم بأن بوتين هو الرجل المناسب الذى يستطيع أن يتعامل مع كل أنواع التحديات القومية التى تواجهها الدولة والمجتمع أيضا. وهو ما خلق حالة من التأثير يعرًّفها الكاتبان بأنها حالة “تجمع حول القائد”، مقارنة بالحالة المقابلة التى توصف بأنها “تجمع حول العلم” الوطنى للدولة. وتقول مارلين لارويل، من جامعة جورج واشنطن، فى الفصل العاشر بعنوان “روسيا كحضارة أوروبية معادية لليبرالية» إن هناك غموضا رئيسيا فى خطاب الدولة الروسية عن الهوية الوطنية، منذ عودة بوتين إلى السلطة. يتمثل ذلك الغموض فى أن روسيا أصبحت معادية بشكل متزايد للغرب، بينما لا تزال تصر ــ  فى الوقت نفسه ــ على أنها جزء من الهوية الأوروبية الحقيقية.

فقد طور الكرملين خطابا محكما يفصل القيم الليبرالية الغربية عن أوروبا، ويقدم روسيا كممثلة للقيم الأوروبية الأصيلة، التى توطدت فى روسيا، وفُقدت فى الغرب. ولذلك، يقدم الكرملين روسيا على أنها «المخلص المسيحى» الحقيقى. ويتوافق هذا الخطاب مع التغير فى الهوية الذى شهدته روسيا فى الرأى العام مع بداية الألفية الجديدة، خاصة مع تزايد العداء والكراهية للمهاجرين، وتقديم روسيا على أنها ممثل للقيم الأوروبية الحقيقية. وهذا الاتجاه تعبر عنه أيضا أشد الحركات المعارضة لبوتين، وهى الحركة الوطنية-الليبرالية، والتى تطالب بأن يُسلك المسار الأوروبى للتنمية. وتقول تلك الحركة التى ترى القومية الروسية على أنها إرث أوروبى، إن هدفها هو تحويل روسيا إلى النموذج الأوروبى الناجح.

ويتناول الكاتبان ستيفن هاتشنجز، وفيرا تولز، الباحثان بجامعة مانشيستر بالمملكة المتحدة، فى الفصل الحادى عشر، الطريقة التى يقدم بها التليفزيون الروسى الموالى للدولة مفهومى العرقية والوطنية فى نشراته الإخبارية، كما يحللان فعالية هذه الوسيلة كأداة لصياغة الشعور بالانتماء بين المواطنين فى روسيا ما بعد الاتحاد السوفيتى. وتغطى المواد التى تم جمعها وتحليلها الفترة من عام 2000 إلى عام 2014، كما يقدم الكاتبان مراجعتها لتلك الفترة حتى ظهور الأزمة الأوكرانية، التى جسدت بشكل واضح دور تليفزيون الدولة فى إثارة وتحفيز الحس القومى لدى الشعب الروسى.  لكن لا يمكن النظر إلى خطاب التليفزيون الموالى للدولة دون ملاحظة التوتر والخلافات داخل مشروع بناء الدولة فى نظام بوتين. فمن ناحية، تقدم تقارير الأخبار التليفزيونية التنوع العرقى والثقافى كإحدى الخصائص الفريدة المميزة للدولة الروسية، ومن ناحية أخرى، يجد مقدمو تلك البرامج الإخبارية أنفسهم بين أمرين متعارضين: الأول هو الحفاظ على التعايش والانسجام العرقى فى المجتمع، من خلال التكتم على الأخبار التى تتناول أحداث التوتر العرقى، والآخر هو الاستسلام للمشاعر الشعبية التى تعبر عن تزايد مستويات الكراهية والعداء للأجانب فى المجتمع الروسى.

ويعرض الباحث بيتر روتلاند، من جامعة ويسليان بالولايات المتحدة ، فى الفصل الثانى عشر والأخير  جانبا آخر من الجوانب التى كثيرا ما يتم تجاهلها عند الحديث عن القومية الروسية، وهو الجانب الاقتصادى ودوره فى الجدل الدائر حول الهوية الوطنية فى روسيا.  فهناك أنصار الحداثة الذين يعتقدون أن تبنى أفكار السوق الأوروبية هو الطريق الوحيد لاستعادة الرخاء لروسيا، وبالتالى وضعها على المستوى العالمى. ومن ناحية أخرى، هناك القوميون الذين يرون أن التكامل الاقتصادى مع أوروبا سوف يضعف المؤسسات السياسية، والأعراف الثقافية التى تعد أمرا ضروريا لفهم الهوية الروسية.  ويرى هؤلاء أن إقامة كتلة اقتصادية تجارية بديلة، مع الوقوف فى وجه النفوذ الاقتصادى الغربى، هو أمر ضرورى لمنع استغلال الاقتصاد الروسى من قبل الغرب، بل ولمنع تدمير الدولة الروسية نفسها.

ولا يبدو أن هناك موقفا وسطا بين هذين الفريقين، وهو ما يعنى عدم وجود نموذج اقتصادى روسى يمكنه أن يجمع بين عناصر الانفتاح التجارى، مع تنفيذ الإجراءات التى تضمن تحقيق التنمية الاقتصادية للبلاد على المدى البعيد.وكان بوتين يسعى لإقامة مثل ذلك النموذج الاقتصادى البديل فى الفترة ما بين 2000 إلى 2008، من خلال “الاتحاد الاقتصادى الأوراسي”، ليكون بمثابة كتلة تجارية تقع تحت سيطرة روسيا، ومنعزلة عن المؤسسات العالمية الأخرى التى تقع تحت سيطرة الولايات المتحدة وحلفائها. لكن ذلك النموذج أظهر قصورا واضحا مع بداية الأزمة المالية العالمية فى 2008، وما تبعها من ركود اقتصادى.  

 وفى النهاية، سيظل القائم هو: هل سيستمر الجدل -  وربما الصراع - حول الهوية الوطنية لروسيا، وما تتضمنه من نزعات قومية مختلفة، أم أن ذلك سيتراجع لمصلحة محض قومية وطنية جامعة؟ لكن يبدو أن الوقت لا يزال مبكرا لتحديد ما إذا كان النظام سيواصل دوره الرئيسى فى  تعزيز المشاعر الوطنية فى روسيا، أم أن المعارضة بقيادة القوميين المتشددين سوف تتمكن من السيطرة على الأوضاع وفرض أجندتها.  ويبدو أن مشكلة تصاعد الحركات القومية ليست حكرا على روسيا، وإنما يتكرر الأمر، على سبيل المثال، فى العديد من دول أوروبا، وقد يكون السبب الرئيسى فى ذلك، من وجهة نظر البعض ، هو موجات المهاجرين التى تتدفق إلى تلك البلاد، مع خشية سكانها من أن يهدد ذلك الاستقرار السياسى، والاقتصادى، والاجتماعى فى بلادهم.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق