ثقافة ديمقراطية
«نحن لا نزرع الفتنة»: المواطنة والتعددية فى السينما المصرية
2017/09/13
بقلم ليديا على
0
2165
67
العدد :

«كانت السينما بالنسبة لى هى الجنة، والتذاكر هى صكوك الغفران، أما ده فهو رضوان حارس الجنة1، ودول هما الملايكة  (البلاسير)2،أما الممثلين فهم القديسين والأولياء الصالحون...ربنا يجعلنا من بركاتهم»(الطفل نعيم من فيلم بحب السيما- 2004).

يجب التنويه أنه فى أثناء كتابة هذا المقال قامت عشرات الأسر من الأقباط الأرثوذكس بالنزوح من محافظة العريش بشمال سيناء، بعد مقتل سبعة أقباط على أيدى ارهابيين مسلحين من المرجح انتمائهم لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الأمر الذى سبب حالة من الرعب بين الأقباط من سكان المنطقة، ودفع العديد منهم للنزوح إلى عدة مناطق مجاورة على رأسها محافظة الإسماعيلية. وعلى مدار فبراير 2017، كانت هناك عمليات استهداف للأقباط فى شمال سيناء على أساس الهوية الدينية.

ربما جاء ما تقدم ليطرح تساؤلا ملحا، ماذا نعرف- نحن جموع المصريين- عن بعضنا بعضا؟ ماذا نعرف عن التنوع العرقى والثقافى الذى يميز الشعب المصرى؟ وإذا كان الوعى العام أو الدارج يكتفى بمعلومة أن الأغلبية من السكان ينتمون دينيا إلى الإسلام، بينما تدين الأقلية الباقية بالمسيحية، مع وجود بعض المئات من اليهود فى طريقهم للانقراض بسبب عامل السن، وخروج النسبة الأكبر منهم من مصر خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضى.فماذا نعرف عن تلك الأقلية المسيحية، والتى غالبا ما يتم إختذالها فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وشخص البطريرك فى المجال العام؟ إلى أى مدى أسهمت الفنون، وعلى رأسها السينما، فى عرض الاختلاف بين مواطنين مصريين ممن ينتمون للجماعة القبطية، والتعامل مع هذا التعدد كجزء من تنوع المجتمع المصرى كان من الأولى استعراضه والوقوف عليه. تتناول هذه المقالة عرضا لبعض الأفلام التى تناولت من بين شخصياتها قضايا تمس المجتمع المسيحى، حتى وإن لم تكن فى جوهرها، وذلك فى محاولة للإجابة على السؤال العام، ماذا نعرف عن بعضنا بعضا؟ وكيف واكبت السينما المصرية تطورات المجال العام فى مصر واستطاعت رصد تأثيرها فى مختلف قطاعات الشعب المصرى ومن بينهم المواطنون المسيحيون؟

كرست مشاهد فيلم «بين القصرين» لركائز الوحدة الوطنية وتعانق الهلال مع الصليب فى مصر. وعلى الرغم من عدم معايشة جموع المشاهدين فى عالمنا الآن أحداث ثورة 1919، إلا أن حسن الإمام (مخرج الفيلم) استطاع تجسيد هذه اللحظة التاريخية وتخليدها. ربما كانت الرسالة المباشرة تعكس اتحاد عنصرى الأمة فى مواجهة الأزمات السياسية والاستعمار آنذاك، ولكن المؤكد أن هذه المشاهد أيضا أبرزت قبول الاختلاف بين الشعب المصرى، ووجود هذه الثنائية التى عبرت عنه: الهلال والصليب...الشيخ والقس، كلاهما- وإن اتحدا- ظلا متمسكان بمرجعيتهما الدينية والثقافية، فارضين نفسيهما على المجال العام. ربما جسدت السينما أيضا خلف كاميراتها بوتقة للتعايش بين العاملين بها على اختلاف انتماءاتهم الدينية. الأمثلة فى هذا الصدد كثيرة، بل إن السينما المصرية قدمت أيضا فى كواليس أعمالها قصصا لا تقل أسطورية عما عرضته شاشاتها. فنذكر زواج ليلى مراد وأنور وجدى، وإسلام ليلى مراد. كذلك فاتن حمامة وميشيل شلهوب، والذى صار بعد دخوله عالم السينما، ثم إعلان إسلامه، النجم عمر الشريف. كذلك، ضمت السينما المصرية فى صفوفها نجوم من اليهود نذكر، على سبيل المثال، توجو مزراحى، وراقية إبراهيم، ونجمة إبراهيم، بالإضافة إلى نجوم مسيحيين، على رأٍسهم نجيب الريحانى، وعائلة فيروز الفنية (فيروز، ونيلى، ولبلبة). ربما جاء هذا الزخم الواقعى ليثرى بدوره مسيرة سينمائية حاولت- بين رحى مقص الرقيب- طرح مشاكل المواطنة ومتابعة تطوراتها على مدى القرن العشرين.

مرحلة الأربعينيات والخمسينيات .. رصد التنوع على استحياء:

تخلل هذه المرحلة ثلاثة أفلام تعد من أهم ما صنعته السينما المصرية: الأول هو فاطمة وماريكا وراشيل (إنتاج 1949)، والثانى الشيخ حسن (إنتاج 1952) والثالث حسن ومرقص وكوهين (1954).

«فاطمة وماريكا وراشيل دول جوا قلبى كوكتيل» (أغنية لمحمد فوزى من الفيلم).

عنوان الفيلم الأول الانتباه لمحاولته الجمع بين ثلاث شخصيات هى فى الأصل تمثل الديانات السماوية الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، التى عرفتها مصر آنذاك، ولكن دون الدخول فى تفاصيل الطوائف التى تضمها كل منها. يلعب محمد فوزى «يوسف» (يوسف حزقيل وجوزيف كيرياكو) دور الدون جوان الذى يتعرف على الفتيات الثلاث.  يعكس الفيلم شيئا  من الوصم بالنسبة لأصحاب للديانات الثلاث، فعلى سبيل المثال يصور الفيلم راشيل وأسرتها بأنهم ماديون، حريصون كل الحرص على جمع الأموال ونيل عريس غنى.بينما تجسد الممثلة لولا صدقى شخصية ماريكا، الخياطة، والتى تبدو من لكنتها أنها غير مصرية (يونانية)، ربما تطلع صناع الفيلم إلى الربط بين المسيحية والأجانب الذين عاشوا فى مصر خلال تلك الفترة، متفاديا التطرق للمسيحيين المصريين، وإن كانت تبرز «ماريكا» مصطلح أو لقب «الخواجة»، والذى لا يزال يطلقه بعض المسلمين فى مصر على المسيحيين منهم. كما يبدو أيضا أن الهدف من وراء الفيلم كان بالأحرى تجسيد المطامع الاستعمارية فى مصر، واعتبار اليهود- حتى وإن كانوا مصريين- جزءا من أزمة هذه المرحلة، أخذا فى الاعتبار توقيت خروج الفيلم، بعد عام واحد فقط من اندلاع حرب فلسطين. وينتهى الفيلم نهاية سعيدة بفوز فاطمة بقلب الشاب المصرى، الأمر الذى يترك المشاهد ذا النزعة القومية أو ذا الميول الإسلامية متفائلا بالرسالة التى راق له استيعابها من العمل الفنى.

«مثل طيب للأجانب اللى بيعيشوا فى مصر» (الشيخ حسن فى وصفه للخواجة جورج أبو لويزا).

اتسم الفيلم الثانى بشئ من الجرأة ميزته، ربما حتى يومنا هذا، فى طرحه لمسألة الزواج بين مختلفى الديانة، حتى وإن كان بصورة شديدة التعميم تكاد تغفل العديد من التفاصيل والتساؤلات والمشكلات التى لاتزال تعترض عقد هذا الرباط حتى فى القرن الحادى  والعشرين. يتناول الفيلم القصة التى تنشأ بين الشيخ حسن (حسين صدقى)  والفتاة المسيحية لويزا (ليلى فوزى) . بيد أن العمل يؤكد فى أكثر من مشهد على مسألة أن لويزا ليست مسيحية مصرية، إنما أجنبية، ربما لتفادى الدخول فى مسائل شائكة مع المجتمع المصرى، وهذا على الرغم مما اتسمت به هذه الفترة من درجة أكبر من التنوع وتقبل آخر، باتت فى تراجع مستمر منذ السبعينيات وحتى الآن. يبرز الفيلم التأثير «الإيجابى» أخلاقيا على لويزا، جراء حبها للشيخ حسن. يغلب على الفيلم الجانب الخطابى الواعظ الذى كتيرا ما تميزت به أفلام حسين صدقى، بل وأيضا حياته الشخصية وحتى وفاته. ربما جاءت نهاية فيلم «الشيخ»مأساوية، فبعد إتمام زواج الشيخ حسن ولويزا على الرغم من معارضة عائلتها لهذا الأمر، تموت بعد أن يثمر هذا الزواج عن طفلة. لا نعلم الكثير عن شخصية لويزا سوى ما تقدم، فضلا عن تماهيها مع تعاليم الشيخ حسن واستيعابها صحيح الإسلام، وكأن الحل الذى تطرق له ذهن صناع الفيلم آنذاك لأزمة عدم تقبل المجتمع المصرى للزواج المختلط، هو إعلان لويزا فى مشهد النهاية وقبل وفاتها أنها اعتنقت الإسلام، موصية بضم طفلتهما إلى والدها المسلم. ويقال إنه عند عرض الفيلم لأول مرة فى مارس 1952، (باسم ليلة القدر) اعترضت عليه عدة جهات دينية، مما أدى إلى رفعه من السينمات بعد طرحه بعدة أيام. إلا أنه بعد يوليو 1952 طالب «الفنان المؤمن» حسين صدقى – وفق أسلوب كتابة اسمه على الأفيش الترويجى للعمل- بإعادة عرض الفيلم، بعد أن قام بتغيير عنوانه للشيخ حسن، ويقال إنه تمت إضافة سبعة دقائق أخرى فى الفيلم، فى محاولة من حسين صدقى، وهو البطل وكاتب القصة والمخرج والمنتج، لاسترضاء الجهات الرقابية. ومن المرجح أن يكون المشهد المضاف هو اعتراف لويزا بإسلامها أمام رجل الدين المسيحى، وذلك ربما تفاديا لأن يفهم أن هدف الفيلم الترويج للزواج المختلط . وبالفعل، بعد عدة محاولات من جانبه باء معظمها بالفشل، اقتنع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بجدوى عرض الفيلم فى عام 1954. جاء هذا القرار بالتزامن مع تجدد الدعوة لإنشاء كيان دولى إسلامى عالمى كانت مصر قائمة عليها بالتعاون مع المملكة العربية السعودية. إلا أنه عاد ومنع عرضه للمرة الأخيرة بعد اعتراض عدد من الجهات، أبرزها المركز الكاثوليكى المصرى للسينما، ليظل الفيلم حتى يومنا هذا هو الأجرأ فى تاريخ السينما المصرية فى تناوله لقصة الحب والزواج بين أصحاب الديانات المختلفة فى قالب اجتماعى ابتعد قليلا عن وطأة الإسقاطات السياسية...وهو ما لم تقو عليه الأجيال المتتالية من صناع السينما.

«ولكى أبدأ الحديث من أوله، أرانى مدفوعا إلى سرد ذكريات طريفة، قد يكون فى إثباتها تتمة لتاريخ حياة هذه المسرحية، ولا يعجب من قولى أحد، فإن للمسرحيات عند كتابتها وممثليها تاريخ حياة كما للأفراد سواء بسواء، كنا زميلى نجيب الريحانى وأنا نعود ذات يوم مريضا من أصدقائنا بأحد المستشفيات فى حى العباسية، وقد استرعى نظرنا فى الطريق لافتة فوق أحد المتاجر (مستودع  الأمانة) لصاحبه «ل. ابسخرون وص. عثمان». مقالة لبديع خيرى نشرت فى جريدة مسرحنا تتناول نشأة فكرة مسرحية «حسن ومرقص وكوهين».3

أُنتج الفيلم الثالث فى عام 1954، وعرض فى نفس العام. ويشار إلى أن هذا العمل كان فى الأصل مسرحية من تأليف كل من بديع خيرى ونجيب الريحانى عرضت لأول مرة فى نوفمبر 1941، ثم ما لبث أن تحول إلى فيلم سينمائى فى 1954 بطولة حسن فايق، عبد الفتاح القصرى، استيفان روستى، وكمال المصرى. يتناول الفيلم قصة ثلاثة شركاء ملاك لصيدلية، حسن (المسلم) ومرقص (المسيحى)  وكوهين (اليهودى)، يجمعهم حب المال. فيقومون بحيلة لخداع أحد العاملين لديهم، «عباس»، بعد علمهم أنه ورث مبالغ طائلة وأصبح من الأغنياء، بغرض الاستيلاء على ثروته. على العكس من الفيلمين المشار إليهما أعلاه، جسد الفيلم شخصية المصرى المسيحى، وليس الأجنبى. يذكر أن فكرة إضافة شخصية يهودية ثالثة للقصة كانت فكرة نجيب الريحانى، بهدف إبراز الوحدة الوطنية من جانب، فضلا عن التركيز على أن خلق المصالح المشتركة بين الأفراد على اختلافاتهم كفيل بإقرار التعايش السلمى بينهم من جانب آخر. فى أحد المشاهد، يخرج عباس من منزله، حاملا هَمَّ الذهاب إلى عمله متأخرا فى متجر المواد الغذائية، فيدعو ربه «يا رب اكفينى شر سبع حاجات: الفقر، والمرض والجهل، وأم تنتن، وحسن، ومرقص، وكوهين»، ربما جملة حوارية عبقرية تشير إلى اتحاد الأشخاص الثلاثة فى الشر على اختلاف انتماءاتهم الدينية. ومن هنا كانت عبقرية العمل، فبمقارنته بأعمال أخرى تطرقت لإشكاليات الوحدة الوطنية، خرج هذا الفيلم كأيقونة سينمائية إنسانية بكل المقاييس، ابتعدت عن مثالية الأديان وصورت أبطال العمل كأشخاص عاديين لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، اجتمعوا فى قصة عن غاية حب المال التى بررت وسائلهم الجشعة، مُؤرخة على الأرجح لواقع  إجتماعى عرفته مصر على مدار تاريخها، قبل أن يخرج «كوهين» وسلالته من مصر بلا عودة.

بيد أن هذا العمل على عظمته، لم يسلم من مقص الرقيب. فحين أرسل النص قبل عرض المسرحية لإدارة المطبوعات المنوط بها هذا العمل آنذاك، جاء الرد من أحد علماء الأزهر بالرفض، متعللا بأن ذكر اسم «حسن» فى عمل فنى من شأنه المساس بقدسية حفيد النبى محمد (صلى الله عليه وسلم)، ثم ما لبث أن اعترضت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لسبب مشابه يتعلق باسم البطل المسيحى، على أساس أن «مرقص» الرسول هو بشير الكرازة المرقسية والمبشر بالمسيحية فى مصر، وأخيرا اعترض الحاخام اليهودى، لرفضه المساس باسم «كوهين»، والذى يعنى فى العبرية الكاهن الأعظم. إلا أنه بفضل العديد من الوسطاء من الديانات الثلاث، استطاع النص أن يمر دون المساس بجوهره، ليظل العمل رسالة فريدة لم تتكرر ويبقى صَّناعه رسلا فى ذاكرة الإبداع.

الستينيات .. البصمة الناصرية فى السينما:

ربما كانت الستينيات مرحلة مختلفة فى مصر، عكست الأفلام فيها قيم ثورة يوليو والناصرية من رفض للاستعمار، ونبذ الإقطاع، والإعلاء من قيمة العمل. بينما على جانب رصد التنوع فى المجتمع المصرى لم تأت السينما بالكثير، ربما كان التقارب بين الرئيس جمال عبد الناصر والبابا كيرلس يمثل حاجزا من الصعب اختراقه، ولو حتى بالتطرق إلى أوضاع المسيحيين المصريين، حتى تأثُّر الكنيسة وأبنائها بنكسة 1967 وما تلاها جاء التعبير عنها فى أفلام لاحقة على هذه المرحلة، أبرزها فيلم «ضحك ولعب وجد وحب» (إنتاج 1993) بطولة عمر الشريف، ويسرا، وعمرو دياب. وتدور فكرته الأساسية حول سنوات الهزيمة والنكسة بين 1967 و1973، وشيوع حالة من الضياع بين الشباب المصرى نذاك.  ضم العمل شخصية الشاب المسيحى «فريد» الذى يحيا حياة غير مستقرة أسريًا بعد هجرة أسرته من الصعيد إلى القاهرة، ولاسيما فى ظل تشدد والده، وهو ما عُدَّ بداية جديدة فى السينما المصرية للتطرق لرموز التشدد على الجانبين المسلم والمسيحى. ويكون مصير فريد فى النهاية الاستشهاد فى حرب 1973. يذكر لهذا الفيلم أبرازه كذلك لمشاهد تجمع المواطنين أمام كنيسة العذراء بالزيتون خلال أواخر الستينيات، حيث أشيع وقتها ظهور السيدة مريم فى هذا المكان، حاملة بشارة النصر لمصر.

وبالتطرق إلى هذه المرحلة، نذكر فيلمين كانا من أهم ما تمت صناعته: الأول، شفيقة القبطية (إنتاج 1962) بطولة هند رستم وحسن يوسف، وقد تناول قصة حياة الراقصة شفيقة القبطية، ولكن دون التطرق لأية قضايا خلافية. وأما الثانى،  «الراهبة» وهو إنتاج عام 1965، وأيضا بطولة هند رستم، شمس البارودى، وإيهاب نافع. يصور الفيلم حياة فتاة مسيحية تقع فى حب شاب، ولكنه يبادل شقيقتها الحب، وكرد فعل على هذه الصدمة، تلجأ الأولى للعمل فى ملهى ليلى، ثم سرعان ما تجد الطريق المستقيم، فتتجه لحياة الرهبنة. ربما تميز هذا الفيلم بجمال المشاهد المأخوذة فى مناطق تصوير ذات طبيعة خلابة، فقد تم تصويره فى لبنان. وربما كان هذا أيضا أمرا نال من حبكة العمل. فعلى سبيل المثال، من غير الواضح إلى أى الطوائف المسيحية تنتمى هذه الأسرة؟ من ناحية أخرى، فإن هذا الفيلم عله يتشابه مع شفيقة القبطية، فكلاهما بطولة هند رستم وإخراج حسن الإمام وآثرا النأى عن أى موضوعات شائكة قد تثيرها العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، مما جعل من تلك الأفلام مجرد صورة لواقع ما لم تعشه النسبة الأكبر من المشاهدين، دون ــ بالضرورة ــ تحفيز ذهن الجمهور للتفكير فى مناطق الاختلاف والتقارب بين الجانبين.

السبعينيات.. سنوات الانسحاب:

من أبرز ما أُنتج خلال هذه الفترة فيلم «لقاء هناك» (1976) بطولة نور الشريف، وسهير رمزى، وزبيدة ثروت. ويتناول قصة حب تنشأ بين شاب مسلم «ملحد» عباس وفتاة مسيحية إيفون. ولكن، يذكر لهذا العمل أنه عكس حالة مر بها الأقباط فى مصر، بدءا من هذه الفترة، ألا وهى الانسحاب التدريجى من المجال العام خلف أسوار الكنيسة، وهو ما جسدته ببراعة شخصية إيفون. فعندما ترفض أسرتا عباس وإيفون قصة الحب بينهما على الرغم من أواصر الصداقة الوطيدة التى تجمع بين العائلتين، تهرب إيفون وتلجأ لعباس، مطالبة إياه بالزواج منها، ومن ثم تطبيق مبادئ الحرية التى طالما آمن وروج لها. ولكنه يتراجع عن فكرة الزواج منها، ومن هنا تبدأ بوادر عودته لصحيح الدين، وفقا للتراتب الذى رسمه صناع العمل. فلا تجد إيفون بدورها سوى أبواب الكنيسة مفتوحة أمامها لتستقبلها وتصير راهبة. ربما جاء هذا العمل بمنزلة التعبير عن أولى الصرخات التى أطلقتها السينما، محذرة من مغبة اختفاء المسيحيين خلف أسوار الكنيسة، وهو ما كان يدور بالفعل خلال هذه الفترة، مع بزوغ نجم البابا شنودة، البطريرك المناضل، وتصاعد نفوذ التيارات الإسلامية المتشددة. وربما جاءت قصة حب عباس وإيفون وموقف عباس منها تعبيرا عن مرحلة الصدمة التى عانت منها الجماعة القبطية فى عقب اختفاء كل من جمال عبد الناصر والبابا كيرلس السادس، لترمز إلى تحولات المجتمع المصرى الذى بات أكثر توجسا فى تقبل التنوع، وأكثر حذرا فى استيعاب الاختلافات. على الجانب الآخر، فإن القصة الرئيسية هى عن «عباس» الملحد ورحلته فى البحث عن الإيمان، لتظل «إيفون» مجرد مرحلة فى حياة البطل دون طرح تفسير منطقى لعزوفه عن إتمام زواجه منها، ربما فى محاولة منه لتفادى المضى قدما نحو المزيد من القضايا الشائكة، فكانت الفكرة «النجمة» هى الإلحاد وعلاقته بالتشدد الدينى، وليس قصص الحب المختلطة.

الثمانينيات والتسعينيات.. الأقباط كأدوار ثانوية:

على عكس ما تقدم، لم تقدم السينما خلال هذه الفترة أفلاما لعبت فيها شخصيات قبطية دور البطولة. فقد اكتفت الأفلام فقط بإظهار المسيحيين فى صورة الأخوة الذين غالبا ما يلعبون أدوارا ثانوية أو مكملة للبطل، أو  للأبطال الرئيسيين، أى الشخصيات المسلمة. ربما كانت التسعينيات من أكثر الفترات صعوبة لما شهدته من بداية الحرب على الإرهاب والتى عانى منها، بصورة أكبر، المواطنون فى الصعيد. وقد شهدت هذه الفترة إنتاج فيلمين تناولا العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. فكان الاول «الارهابى» (إنتاج 1994)، بطولة عادل إمام وصلاح ذو الفقار ومصطفى متولى، والذى لعب دور رب الأسرة المسيحى المتزوج من سيدة متشددة دينيا. ولعل كان هذا الفيلم كان إحدى المحاولات التى سعت لتوضيح مسألة التشدد الفكرى أو التعصب الذى يمكن أن يصبح الفرد فريسة لهما أياً كانت ديانته. ولكن يظل يمثل الأقباط فيه شخصيات ثانوية، فهم جيران الأسرة التى استضافت البطل وتمكنت من تغيير فكره الإرهابى. وأما الثانى، فهو «كلام فى الممنوع» (إنتاج 1998) وبطولة نور الشريف وماجد المصرى. ولعل الرسالة الأساسية للفيلم هى إعادة ترميم أواصر الوحدة الوطنية مما شابها من تهتك، منذ فترة السبعينيات، وذلك من خلال قصة أحد الضباط، وهو مسلم، والذى يحاول بشتى الطرق إثبات براءة طبيب مسيحى متهم فى جريمة قتل. ولكن ظلت السينما بعيدة عن تصوير حياة القطاع الأكبر من المسيحيين من سكان المناطق النائية، سواء فى القاهرة، أو الصعيد، الذى يتميز بكثافة سكانية قبطية عالية نسبيا. كما استمرت السمة الأساسية لهذين العملين هو العزف على نغمة الوحدة الوطنية، حتى وإن جاء ذلك بصورة مختلفة فى الفيلمين.

الألفية.. التنوع سيد الموقف:

من أهم أفلام هذه المرحلة وربما من أكثرها تميزا فى السينما المصرية، فيلم بحب السيما (إنتاج 2004) بطولة محمود حميدة وليلى علوى.يتناول قصة أسرة مسيحية خلال الستينيات تعيش فى جو من التشدد بسبب تدين الأب «عدلى» بصورة يصعب على باقى أفراد الأسرة احتمالها، وتصل إلى منع أصغر ابنائه وهو الطفل «نعيم» والشخصية الرئيسية فى العمل من الذهاب إلى السينما. يعكس العمل صورة للمجتمع المسيحى، موضحا أن ليس هناك ما يختلف عنه كثيرا مقارنة بنظيره المسلم، متناولا أيضا بعض التحولات التى شهدتها الجماعة القبطية، مثل الهجرة إلى أوروبا وأمريكا خلال فترة الستينيات، وما بعد نكسة 1967. ربما كانت رسالة الفيلم أبعد من كونها مجرد تصوير لروتين يومى لأسرة مسيحية مصرية، إنما هى نقد لاذع للسلطة الأبوية بجميع أشكالها الدينية والدنيوية، وكذلك عرض حى لاليات المقاومة والهروب التى يواجهها بها المقهورون...فجاء «حب السيما» إحدى وسائل هروب «نعيم» لعالم آخر يرى من خلاله دنيا الله، بعيدا عن تطرف والده واستسلام أمه.

- كفاية كده إنت شربت كتير.

- كل واحد فينا كابس على نفس اللى تحتيه وخايف ومرعوب وبيمثل وبيكذب على اللى فُويقه من العبد لله لحد عبد الناصر نفسه... عنده اللى بيضحكوا ويكذبوا عليه...سلسلة طويلة من الخوف والكبت والجبن والكذب.

- أنا باعترف وبأصوم وأصلى...لكن مبحبكش، أنا دايما خايف منك...نفسى أحبك زى أبويا.

(مقتطفات من حوار عدلى بطل العمل).

قوبل الفيلم بموجة عارمة من الهجوم، حتى وصل الأمر إلى أن قام بعض من رموز الإكليروس فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية برفع دعاوى قضائية تطالب بمنع عرض الفيلم. كما عمق الخلافات بين الكنيستين الإنجيلية والأرثوذكسية، على الرغم من تناول الفيلم للمحة من الإختلافات بين الطوائف المسيحية، ربما يمثل هذا إضافة لجوانب تميز هذا العمل.

حسن ومرقص (إنتاج 2008)، مثل عودة النجم الراحل عمر الشريف بعد غياب طويل عن السينما المصرية. لعل هذا الأمر أحد أهم المميزات الفنية التى خلدت اسم العمل. يحكى الفيلم عن أسرتين؛ مسيحية ومسلمة تضطرهما الظروف- برعاية أمن الدولة- إلى تبديل ديانتهما لحماية أرواح كل من أفرادها، وتتناول الأحداث قصة الصداقة التى تنشأ بين الجانبين، فضلا عن قصة حب تنشأ على المهمش بين ابن الأسرة المسيحى والفتاة المسلمة، وهو الأمر الذى يؤدى إلى انكشاف حقيقة كل من الطرفين، ليعودا إلى أجواء التعصب التى استطاعا الخروج منها، بل ومواجهتها، عندما اضطرا إلى تبديل الإنتماءات الدينية وعيش حياة الاخر لفترة وجيزة. عكس الفيلم بامتياز تطورات المجتمع المصرى فى الألفية الثالثة، فبعد أن كان إنتاج الخمسينيات والأربعينيات «حسن ومرقص وكوهين»، أو «فاطمة وماريكا وراشيل»، فقد رحلا كوهين وراشيل، وباتت العلاقة غير مستقرة بين من تبقيا.

يضاف إلى أفلام هذه الفترة، فيلم واحد- صفر(إنتاج2009) وبطولة نيللى كريم، وإلهام شاهين، وخالد أبو النجا. ويتناول قصصا مستقلة لعدد من الشخصيات المرتبطة بعضها بعضا خلال يوم واحد فقط تقام فيه مباراة كرة قدم لمنتخب مصر فى إطار البطولة الأفريقية. لعل أبرز هذه القصص حالة  «نيفين» السيدة المسيحية التى تتطلع إلى حلم الأمومة، مهما كلفها هذا الأمر، وذلك على الرغم من العقبة الرئيسية التى تعترض حلمها والمتمثلة فى أزمة الزواج الثانى. ربما كانت هذه المرة الأولى التى تطرح فيها السينما المصرية هذه الأزمة بصورة صريحة، بل وتفرد لها مشهدا حواريا جمع بين إلهام شاهين والمحامى الذى حاول طرح جميع الحلول أمامها، ومن بينها تغيير الملة أو الديانة لتحقيق حلمها، وصولا إلى تحريك دعوى قضائية ضد الكنيسة لإرغامها على منحها تصريح للزواج الثانى إسوة بزوجها السابق، وهو ما ترفضه بشدة، متمسكة بانتمائها الدينى الأصلى، ورافضة كذلك الدخول فى خصومة مع كنيستها. على الرغم من هذه الجرأة فى طرح الموضوع، إلا أن نهاية الفيلم تتركنا دون تصور واضح عن قرار هذه السيدة، أو حتى أى آفاق عن تصور عام لأى من الخيارات المطروحة امامها.  أخيرا، جاء فيلم «لا مؤاخذة» (إنتاج 2014). جاء العمل بإنتاج متواضع، يحكى عن قصة طفل مسيحى لا يجد سوى ادعاء أنه مسلم هربا من اضطهاد زملاء الدراسة ومجتمع المدرسة بصفة عامة له. يقدم الفيلم فكرة جديدة، ولكنه يربطها أيضا بمنظومة من الفشل التعليمى والتربوى، ليطرح أمرا تكرر  ذكره فى مختلف القنوات الإعلامية يتعلق بأهمية البدء بإصلاح منظومة التعليم لدرء مخاطر التعصب.

الخلاصة:

عرفت مصر فن السينما منذ بداياته فى القرن التاسع عشر. ففى الوقت نفسه الذى عرف فيه العالم الفن السابع، تحديدا فى فرنسا، كانت مصر مواكبة لهذا التطور، وقد أنشأ المخرج محمد كريم أول شركة لصناعة الأفلام فى عام 1917. لتكون مصر رائدة بامتياز فى تقديم السينما للمنطقة العربية والأفريقية. لقد أثرى صناع السينما المصريون الفن العربى بالعديد من الأعمال التى تركت بصماتها، ولا تزال باكورة الإنتاج المصرى، على الرغم من أزمة السينما، تصنع أعمالا ذات قيمة. لقد ذخر المجتمع المصرى بتنوعه وتعدده بالعديد من الموضوعات التى مثلت تربة خصبة لكاتبى السيناريو والمخرجين والممثلين، وتطرقت الأفلام المصرية لمختلف القضايا. ولكن، تظل الأزمة الطائفية، ووضع المسيحيين فى مصر من الموضوعات التى عالجتها السينما على استحياء. ربما لعبت الجهات الرقابية دورا محوريا فى هذا الصدد، وهو ما يستوجب فتح نقاش عن ماهية تلك الجهات وحدود دورها هل هى جهات ذات طبيعة فنية؟ أم أخلاقية؟ أم دينية؟ ومن له الحق فى لعب هذا الدور؟ فحين يتعلق الأمر بعمل سينمائى يتخلله قضية دينية أو حتى يتناول من بين شخصياته مسيحيين مصريين، غالبا ما تتدخل الجهات الدينية فى العمل. فعلى الرغم مما تم عرضه سلفا حول تاريخ تناول السينما المصرية لقضايا التنوع الدينى منذ أربعينيات القرن الماضى، وإثرائها الفنى فى هذا السياق، نجد أنه خلال العامين الأخيرين، توقف العمل فى فيلم «الراهب»، على الرغم من انتشار فيديو ترويجى له على موقع يو تيوب. ويعلل القائمون على العمل هذا التراجع بتدخل بعض الجهات الدينية، ورفضها التطرق لحياة الرهبنة فى فيلم سينمائى. ربما وجب الامتنان لظهور أفلام – قبل بداية القرن الحادى  والعشرين- تتناول ولو منحى بسيط من حياة الرهبنة..حفظ الله تراث السينما المصرية من مزاج الرقباء.

الهوامش:

1- منظم الدخول للسينما.

2- المسؤول عن توصيل كل فرد لمكانه فى قاعة العرض.

3- http://lite.almasryalyoum.com/extra/54725/

(نشر المقال فى عدد أبريل 2017 من مجلة الديمقراطية)

 

 

عن الكاتب : طالبة دكتوراه فى العلوم السياسية- جامعة باريس 1 سوربون
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق