رؤى ديمقراطية
عما لم يخبرنا به صندوق النقد فى وثائقه
2017/03/28
بقلم بيسان كساب
0
2266
67
العدد :

  فى 18 يناير 2017،  أفرج صندوق النقد الدولى عن وثائق اتفاقه مع مصر بشأن القرض الذى وافق عليه الصندوق منتصف نوفمبر 2016، على نحو قد يبدو معه تحليل ما أفصح عنه الصندوق متقادما، فى حين يبدو تحليل جانب، مما أغفلت الوثائق ذكره، وجوبيًا.

فعلى سبيل، وقعت مصر مع الصندوق على الاتفاق للحصول على القرض عبر آلية «التسهيل التمويلى الممدد»، فى حين لم تذكر الوثائق شيئا عما يعنيه قرار الصندوق توقيع الاتفاق مع مصر بهذه الآلية دون غيرها، ولا ما تعنيه تلك الآلية من الأساس.

التسهيل التمويلى الممدد...ما الذى يعنيه ذلك؟

تتميز هذه الآلية بوجود برنامج يغطى فترة أطول لمساعدة البلدان1. ويأتى الاتفاق عبر هذه الآلية ليشير إلى عمق أزمة الاقتصاد المصرى، إذ يقول الصندوق على موقعه إنه يوجه هذا النوع من القروض للدول التى «تشهد اختلالات كبيرة فى المدفوعات بسبب معوقات هيكلية، أو تعانى من بطء النمو، وضعف جوهرى فى مركز ميزان المدفوعات».

وسجل ميزان المدفوعات المصرى فى 2015/2016 عجزًا قيمته 2٫8 مليار دولار تقريبًا، مقابل فائض قيمته 3٫72 مليار فى العام السابق، وفق بيانات البنك المركزى.

وقالت وزارة المالية فى بيان2، وقت الإعلان عن موافقة الصندوق النهائية على القرض،  إن مصر لن  تسدد أى فوائد أو ترد أى أقساط قبل أربع سنوات ونصف سنة، على أن يسدد كامل القرض خلال عشر سنوات من تاريخ الاقتراض، وعبر 12 دفعة سداد متساوية، متضمنًا خدمة دين - ما بين فوائد ورسوم- تتراوح بين 1٫55 %، و %1٫65.

وبذلك تكون مصر قد حصلت على أطول فترة سداد تتيحها هذه الآلية، إذ يقول الصندوق على موقعه الرسمى إنه “عادة ما تتم الموافقة على اتفاقات (تسهيل الصندوق الممدد)  لفترات لا تتجاوز ثلاث سنوات، مع إمكانية تمديدها بحد أقصى لا يتجاوز سنة واحدة فى كل مرة، حسب مقتضى الحال. ومع ذلك، يجوز أن تصل مدة الاتفاق القصوى إلى أربع سنوات عند الموافقة عليه، بناء على عدة عوامل، منها احتياج ميزان المدفوعات للتمويل بما يتجاوز الثلاث سنوات – وهو الطابع المطول الذى يتسم به التصحيح اللازم لاستعادة الاستقرار الاقتصادى الكلى – ووجود تأكيدات كافية بشأن قدرة البلد العضو على تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة ومستمرة واستعداده لإنجازها. ويجوز إتمام السداد على فترة أطول أيضا تتراوح بين 4٫5، و10 سنوات، مع تقسيم المدفوعات إلى اثنتى عشرة دفعة نصف سنوية”.

كما أن حجم القرض من ناحية أخرى يعزز أيضا من هذا الاستنتاج - عمق الأزمة التى يواجهها الاقتصاد المصرى- كما يبدو من مراجعة شروط هذه الآلية من خلال المعلومات المتاحة عنها على الموقع الرسمى للصندوق.

إذ حصلت مصر على ما يقرب من الحد الأقصى المتاح - فى الأحوال العادية- من حجم القروض المتاحة وفقًا لهذه الآلية، قياسًا إلى حصة البلد المقترض فى الصندوق. إذ يبلغ الحد الأقصى المتاح للبلدان، وفقا لتلك الآلية 435 % من حصتها طوال مدة البرنامج، بينما بلغ القرض المصرى 422 % من حصتها فى الصندوق.

وقد يبدو هذا الاستنتاج أكثر دلالة، إذا تذكرنا أن إتمام الاتفاق على هذا القرض جاء على خلفية أكثر من خمس سنوات من المفاوضات المتقطعة بين صندوق النقد والحكومات المتعاقبة بعد الثورة، منذ أن أٌعلن رسميا فى يونيو من عام 2011، عن طلب مصر الاقتراض من صندوق النقد الدولى.

إلا أن المفاوضات السابقة خاضتها مصر للحصول على قرض بنظام «الاستعداد الائتمانى»،3 وهو النظام المخصص لـ«دعم البلدان منخفضة الدخل التى وصلت اقتصاداتها الكلية إلى أوضاع قابلة للاستمرار بشكل عام، لكنها قد تمر بفترة قصيرة من الاحتياجات التمويلية والتصحيحية العارضة، بما فى ذلك الاحتياجات التى تسببها الصدمات» وذلك تبعا للموقع الرسمى لصندوق النقد الدولى.

ويقول موقع الصندوق إن تسهيل الاستعداد الائتمانى يتاح للبلدان التى تواجه موازين مدفوعاتها احتياجات آنية أو محتملة، و«فى الحالات التى يتوقع أن تنتهى فيها احتياجاتها التمويلية والتصحيحية خلال عامين”.

هذا الاختلاف الواضح بين تصنيف الدول المؤهلة للحصول على تسهيل الصندوق الممدد وتلك المؤهلة للحصول على الاستعداد الائتمانى، قد يدعم بوضوح استنتاج، مفاده ارتفاع المخاطر التى تواجه الاقتصاد المصرى خلال السنوات الخمس.

أما الرسم الآتى والذى يصور حجم الارتفاع فى الدين الخارجى، وفى الدين الخارجى قصير الأجل بالذات خلال هذه الفترة، فقد يفسر، من جهة أخرى ربما، لماذا أًصبح حتميا على الحكومة المصرية أن تختار آلية للاقتراض من صندوق النقد الدولى تتيح هذا الأمد الطويل للسداد، فى ظل ما يكشف عنه – الرسم – من ارتفاع “درامي” فى الدين قصير الأجل.

إذ أظهرت أحدث بيانات البنك المركزى 4 ارتفاع الديون الخارجية لتتجاوز 60٫1 مليار دولار فى الربع الأول من العام 2016/2017- بنهاية سبتمبر من عام 2016-، وفقا للنشرة الشهرية للبنك المركزى، مقابل 55.7 مليار دولار فى الربع الأخير من عام 2015/2016.

وتضمنت هذه الزيادة ارتفاع الدين قصير الأجل ليصل إلى 7٫9 مليار دولار، مقابل سبعة مليارات دولار تقريبا فى نهاية العام الماضى، وارتفاع نسبته إلى إجمالى الدين الخارجى إلى 13٫2 % مقابل 12٫6 %.

وكان الدين قصير الأجل قد شهد ارتفاعا بنسبة تمثل 173 % تقريبا بنهاية عام 2015/2016، مقابل العام السابق، ضمن ارتفاع إجمالى الدين الخارجى وقتها بنسبة 16 %.

فيما يوضح الرسم الآتى، المنقول عن تقرير الوضع الخارجى للاقتصاد المصرى، الارتفاع الكبير فى نسبة الدين الخارجى قصير الأجل إلى إجمالى الاحتياطى النقدى فى الفترة بين 2013/2014 إلى2016/2015.

 

ومما قد يلفت النظر فى هذا السياق، ويدعم مجددا نفس الاستنتاج بشأن خطورة وضع الاقتصاد المصرى فيما يتعلق بالدين الخارجى بالذات، هو ارتباط آلية “تسهيل الصندوق الممدد” بأزمة الديون السيادية الأوروبية.

إذ تضم قائمة الدول، التى ارتبطت مع الصندوق باتفاقات حول قروض وفقا لهذه الآلية، اليونان، وأيرلندا، والبرتغال، وألبانيا، وأرمينيا، وجامايكا، وباكستان، وصربيا، وسيشيل، وتونس.

وارتبط اتفاق صندوق النقد الدولى، وفقا لآلية تسهيل الصندوق الممدد مع الدول الثلاث الأولى- اليونان وأيرلندا والبرتغال- باحتدام أزمة الديون الأوروبية، خاصة أن أوضاع الديون فى الدول الثلاث هى التى استدعت مشروع الإنقاذ الذى أعده قادة منطقة اليورو.

إذ أبرمت أيرلندا مع صندوق النقد الدولى، فى ديسمبر عام 2010، اتفاقا فى إطار التسهيل التمويلى الممدد بقيمة 22٫5 مليار يورو تقريبا، أو ما يعادل 2322 % تقريبا من حصة عضويتها فى الصندوق – وهى نسبة استثنائية بطبيعة الحال- قد يفسرها ما جاء فى نص بيان الصندوق وقت الإعلان عن الاتفاق من أن الاقتصاد الأيرلندى يواجه “أزمة غير مسبوقة فى تاريخه الحديث”.5

كما عقدت البرتغال فى مايو عام 2011 اتفاقا مع صندوق النقد الدولى، عبر تسهيل التمويل الممدد قيمته 26 مليار يورو تقريبا بنفس الآلية، وهو ما يوازى 2306 % من حصة البرتغال فى الصندوق.6

وقال الصندوق فى بيان وقت الإعلان عن اتمام الاتفاق إن “الاقتصاد البرتغالى يواجه أزمة حادة، نتيجة لتراكم الاختلالات الخارجية والداخلية والمشاكل الهيكلية العميقة الجذور التى تسببت فى  الركود الاقتصادى، وعدم القدرة على المنافسة وارتفاع معدلات البطالة”.

أما اليونان صاحبة الاقتصاد الأكثر اضطرابا فى منطقة اليورو، فقد أبرمت اتفاقا، عبر آلية التسهيل التمويلى الممدد هى الأخرى عام 2012 ليغطى أربع سنوات يتيح لها الحصول على 28 مليار يورو، تمثل 2159 % من حصة اليونان فى الصندوق- وهى نسبة استثنائية كما هو واضح7.

لكن مما يلفت النظر بشدة فى هذا السياق هو أن اتفاق اليونان مع الصندوق، عبر هذه الآلية، جاء على أنقاض اتفاق أٌلغى بنظام الاستعداد الإئتمانى، أى أن إحتدام أزمة الديون فى اليونان أدى إلى الانتقال من الاستعداد الإئتمانى إلى تسهيل التمويل الممدد، وهو ما يؤيد الاستنتاج بشأن خطورة الوضع المصرى، فى ظل إبرام الاتفاق مع الصندوق بآلية التسهيل الممدد، بديلا عن آلية الاستعداد الإئتمانى  التى كان التفاوض يجرى حولها منذ عام 2011، وحتى منتصف 2013 مع انقطاع المفاوضات وقتها مع الحكومة المصرية.

التعليم والصحة ..الصندوق يسمح بالفتات فقط:

بغض النظر عما تضمنته الوثائق من إفصاح حول الجدول الزمنى لتنفيذ الإجراءات التقشفية ذات الصلة بالقرض، فقد تضمنت فى المقابل النص على عدد من الإجراءات الاجتماعية فى صورة إنفاق عام لـ«تخفيف» آثار الإجراءات التقشفية تلك، والتى شملت كما هو معروف رفع سعر المواد البترولية وفرض ضريبة القيمة المضافة «وتحرير» سعر الجنيه، على سبيل المثال لا الحصر.

يفترض أن يصل حجم هذا الإنفاق (لتخفيف أثر سياسات التقشف) إلى 1 % من الناتج المحلى الإجمالى فى العام المالى الحالى بحد أدنى 25 مليار جنيه،  مقابل 3.9  % من الناتج المحلى الإجمالى، تمثل حجم الوفورات المالية الناجمة من الإجراءات التقشفية عموما على صعيد خفض المصروفات وزيادة الإيرادات.

كما يفترض أن يتم إنفاق هذه النسبة – الواحد بالمئة- بحيث توجه نسبة 0.2 % لدعم الغذاء أو السلع التموينية و0.1 % لزيادة معاشى “تكافل” و”كرامة”، و0.3 % لشبكة الأمان الاجتماعى، ونسبة غير موضحة للإسكان الاجتماعى،و0.3 % للصحة التعليم والبحث العلمى والتنمية.

قبل نشر الوثائق، كانت الحكومة المصرية قد اتخذت بالفعل بعض الإجراءات على صعيد زيادة مخصصات معاشى تكافل وكرامة مثلا، وزيادة دعم السلع التموينية على سبيل المثال، بغض النظر عما إن كانت هذه الزيادة محاسبية فقط وتمثل، ربما، ارتفاع تكلفة الدعم الناجم عن تراجع سعر الجنيه من عدمه.

لكن ما يعنينا هنا هو هذا الإنفاق المفترض على الصحة والتعليم والبحث العلمى والتنمية، أو بالأحرى ما يعنينا هنا هو فهم السياق الذى سيجرى فيه هذا الإنفاق، هذا السياق الذى لم تتضمنه وثائق صندوق النقد، ولم تخبرنا به.

لم تخبرنا وثائق صندوق النقد أن هذا الإنفاق الاضافى المزمع على الصحة والتعليم والبحث العلمى والتنمية، والذى يفترض أن يبلغ 7٫5 مليار جنيه، لا يتجاوز 12 % على أفضل تقدير مما هو حق أًصيل للشعب، وفقا للدستور، صادرته الحكومة دون وجه حق مطلع العام المالى الحالى.

إذ نصت المادة 18 من الدستور على أن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للصحة لا تقل عن 3 % من الناتج القومى الإجمالى ،تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، ونصت المادة 19 على أن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم لا تقل عن 4 % من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، ونصت المادة 21 على أن تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومى للتعليم الجامعى لا تقل عن 2 % من الناتج القومى الإجمالى تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية، ونصت المادة 23 على أن تخصص الدولة للبحث العلمى نسبة من الإنفاق الحكومى لا تقل عن 1 % من الناتج القومى الإجمالى، تتصاعد تدريجيا حتى تتفق مع المعدلات العالمية.

كما نصت المادة 238 من الدستور على أن تضمن الدولة تنفيذ التزامها بتخصيص الحد الأدنى لمعدلات الإنفاق الحكومى ــ على التعليم، والتعليم العالى، والصحة، والبحث العلمى المقررة تلك تدريجيا، اعتبارا من تاريخ العمل به، على أن تلتزم به كاملا فى موازنة الدولة للسنة المالية 2016/2017.

لكن موازنة العام المالى8 تضمنت، إنفاق 49 مليار جنيه ما يعادل 1.7 % فقط من الناتج المحلى الإجمالى على الصحة، بدلا من 3 %، كما هو مقرر فى الدستور، كما تضمنت مخصصات للتعليم والتعليم العالى مجتمعين تبلغ 104 مليارات جنيه تقابل بالكاد 4 % من الناتج المحلى الإجمالى المتوقع فى نفس العام، بدلا من 6 %، وفقا للاستحقاق الدستورى.

فيما لم يرد أى ذكر فى البيان المالى للموازنة بشأن الإنفاق الحكومى على البحث العلمى أصلا.

وقدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية فجوة الموارد الضرورية للالتزام بالمقررات الدستورية على التعليم والتعليم العالى معا بـ 62.9 مليار جنيه، وعلى الصحة بـ 34.5 مليار جنيه، بحيث يبلغ مجموع الإنفاق الضرورى فى هذا السياق 97.4 مليار جنيه.

واستناداً لمعيار آخر “مخفف” لتصنيف النفقات، اعتمده صندوق النقد الدولى، بناء على وجهة نظر الحكومة المصرية، تقدر المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تلك الفجوة بـ 61.2 مليار جنيه.

إذ نقل صندوق النقد،9 عن الحكومة المصرية فى تقرير مشاورات المادة الرابعة عن عام 2014/2013،  والمنشورة فى فبراير من عام 2015، - ما احتجت به من وجود بنود إنفاق على الصحة والتعليم غير مرئية لا تندرج ضمن قطاعى التعليم والصحة فى الموازنة العامة بعيدا عن التصنيف التقليدى الذى يعتمد على إنفاق الوزارات المعنية- وزارات الصحة والتعليم والتعليم العالى- كمعيار للإنفاق على تلك البنود. ومن جانبه اعترف الصندوق بأن ما أسماه «المعايير الدولية» تسمح بتعريف أوسع للنفقات على هذه البنود، بحيث يسمح باحتساب الخدمات الصحية والتعليمية التى قد تقدمها بعض الوزارات الأخرى ضمن الإنفاق على الصحة والتعليم.

لكن الحكومة لم تلتزم حتى بما أقره الدستور كحد أدنى للإنفاق على الصحة، والتعليم، والبحث العلمى حتى بهذا المعيار المخفف، بل لجأ البرلمان فى محاولة لإنقاذ الحكومة من مأزقها الدستورى - مطلع العام المالى الحالى، حين أعدت مشروع الموازنة العامة دون الالتزام بالمعايير الدستورية للإنفاق على الصحة والتعليم والبحث العلمى- عبر حيلة “تلفيقية” غير مسبوقة.

ففى تقرير غير منشور للجنة الخطة والموازنة ،10 فى مجلس النواب، أوصت اللجنة بإعادة تعريف الإنفاق على الصحة، والتعليم، والبحث العلمى على نحو تتحمل معه هذه القطاعات نصيبها من فوائد خدمة الدين العام، فضلا عن حصر كل الاعتمادات التى تصرف على خدمات الصحة، والتعليم، والبحث العلمى من قبل أى جهات أخرى بخلاف الوزارات المعنية، بما فى ذلك المستشفيات الشرطية والعسكرية، بالرغم من أن تلك المستشفيات لا تفتح أبوابها للجمهور مجانا، ولا تمنح خدمات مدعومة إلا للعاملين فى وزارتى الدفاع والداخلية.

وتتجاوز تلك المعايير الشاذة التى أقرها البرلمان المعايير العالمية التى تلتزم بها مصر للتصنيف الوظيفى للمصروفات العامة، والصادرة عن صندوق النقد الدولى نفسه عام 2001، والتى تعرف الإنفاق على الصحة،  على سبيل الحصر، باعتباره “الإنفاق على المنتجات والأجهزة، المعدات الطبية، وخدمات العيادات الخارجية، وخدمات المستشفيات، والخدمات الصحية العامة، والبحوث والتطوير فى مجال الصحة والشئون الصحية غير المصنفة فى مكان آخر»، وتعرف الإنفاق على التعليم، باعتباره «التعليم ما قبل الابتدائى والتعليم الابتدائى، والتعليم الثانوى، والتعليم غير العالى ما بعد الثانوى، والتعليم العالى، والتعليم غير المحدد بمستوى و(الـ)خدمات (الـ)تابعة للخدمات التعليمية، والبحوث والتطوير فى مجال التعليم وشئون التعليم غير المصنفة فى مكان آخر». 11

وفى تعقيبها على توجه البرلمان هذا، قالت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إن  العرف الاقتصادى استقر على أن أهم أضرار الديون وفوائدها خدمة دين أنها تلتهم من نصيب الإنفاق الاجتماعى للحكومة على مدى أجيال، وهو ما يعرف بفخ المديونية، حيث تقترض الحكومات من أجل تحقيق التنمية، ولكن ينتهى بها الأمر بإنفاق مواردها المحدودة على خدمة الدَين (فوائد وأقساط)، بدلًا من إنفاقها على التعليم والصحة والبحث العلمى، «ومن ثم فـ «الفوائد على الدين العام، هى انتقاص من الإنفاق الاجتماعى ولا يمكن بأى شكل من الأشكال اعتبارها جزءًا منه».

هذا التجاهل للالتزامات الدستورية الصريحة جاء فى حقيقة الأمر برعاية صندوق النقد على نحو أو آخر، فتقرير مشاورات المادة الرابعة كان يتضمن إشارات متكررة لالتزام الحكومة المصرية بتلبية ما قرره الدستور فيما يتعلق بالإنفاق العام على الصحة والتعليم والبحث العلمى، وتأكيد متواصل على أن الإجراءات المالية التقشفية، وفى القلب منها ضريبة القيمة المضافة، ستسمح بتمويل هذه الالتزامات،وصولا لإدراج النسب الدستورية فى جدول بتوقعات صندوق النقد- بناء على بيانات وزارة المالية- حول الإنفاق العام فى السنة المالية 2016/2017، بينما جاءت وثائق القرض المعلنة فى يناير الماضى لتتجاهل أى إشارة لتلك الإلتزامات الدستورية، اللهم إلا إشارة عابرة على لسان الحكومة المصرية نفسها فى خطاب النوايا الموجه لكريستين لاجارد. مديرة الصندوق، تضمن وعدا بلا أى تفاصيل بمنح الأولوية لتلك الالتزامات، دون أى إشارة لتوقيت التنفيذ.

وبعبارة أخرى، فقد تعهدت الحكومة المصرية، قبل عامين تقريبا، لصندوق النقد نفسه باستخدام الوفورات المالية من الإجراءات التقشفية -التى كثيراً ما دفع الصندوق الحكومة لإجرائها - فى تمويل رفع الإنفاق على التعليم، والصحة والبحث العلمى إلى المعدلات الدستورية، قبل أن يعقد الطرفان اتفاقا بشأن القرض تضمن تمرير تلك الإجراءات، فضلا عن تحرير سعر الجنيه، مقابل صرف 12 % فقط من المستحقات الدستورية تلك.

ارتبطت الحدود الدنيا للإنفاق على البنود الاجتماعية، طبقا للدستور، بنسبتها للناتج القومى الإجمالى، ولكن فى ظل غياب أى بيانات رسمية أو غير رسمية منشورة ومحدثة أو توقعات عنه، فقد استتندت تقديرات المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى معيار آخر أكثر واقعية، تستند إليه الحكومة والبرلمان، هو الناتج المحلى الإجمالى الذى لا تختلف تقديراته كثيرا عن الناتج القومى الإجمالى.

 يُجرى خبراء صندوق النقد الدولى عملية متابعة مستمرة لاقتصادات البلدان الأعضاء، عبر زيارات دورية ـ سنويا فى العادة ـ لبعثات الصندوق، تتضمن لقاءات مع الحكومات والبنوك المركزية فى الأساس. وتشمل عملية المتابعة، تلك، فى الأساس، أسعار الصرف، والسياسات النقدية، والمالية، وسياسات المالية العامة، و«الإصلاحات» الهيكلية الحاسمة بالنسبة للاقتصاد الكلى. وعند العودة إلى مقر الصندوق، يقدم خبراء الصندوق تقريرا إلى المجلس التنفيذي لمناقشته. ويلى ذلك نقل  آراء المجلس إلى سلطات البلد العضو، فى ختام عملية تعرف باسم «مشاورات المادة الرابعة» نسبة إلى المادة الرابعة من اتفاق تأسيس صندوق النقد الدولى.

الغرض من دليل إحصاءات مالية الحكومة لعام 2001، كما يقول صندوق النقد، هو أن يكون مرجعا يصف نظام إحصاءات مالية الحكومة. وهو يغطي  المفاهيم والتعاريف والتصنيفات والقواعد المحاسبية، ويقدم إطارا تحليليا شاملا يمكن، وفقا له، تلخيص الإحصاءات وعرضها فى شكل ملائم للتحليل والتخطيط وتقرير السياسات.

المصادر:

صندوق النقد الدولى، ووزارة المالية، والبنك المركزى، والمبادرة المصرية للحقوق الشخصية

1-http://www.imf.org/ar/About/Factsheets/Sheets/2016/08/01/20/56/Extended-Fund-Facility

2- http://www.mof.gov.eg/Arabic/MOFNews/Media/Pages/releas-a-13-11-16.aspx

3-http://www.imf.org/ar/About/Factsheets/Sheets/2016/08/01/20/33/Stand-By-Arrangement

4-http://www.cbe.org.eg/ar/EconomicResearch/Publications/_layouts/xlviewer.aspx?id=/MonthlyStatisticaclBulletinDL/External%20Sector%20Data%20237.xls.xlsx&DefaultItemOpen=1#

5 - http://www.imf.org/external/np/sec/pr/2010/pr10496.htm

6 -http://www.imf.org/external/np/sec/pr/2011/pr11190.htm

7- https://www.imf.org/external/np/sec/pr/2012/pr1285.htm

8-http://eipr.org/publications/%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A9-%D9%85%D8%AE%D8%A7%D9%84%D9%81-%D9%84%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1

9 - http://www.imf.org/external/pubs/ft/scr/2015/cr1533.pdf

10 -تقرير غير منشور للجنة الخطة والموازنة

11- http://www.imf.org/external/pubs/ft/gfs/manual/ara/pdf/all.pdf

بيان حول مناقشة البرلمان المقررات الدستورية بشأن الإنفاق على الصحة، والتعليم، والبحث العلمى- المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

http://eipr.org/press/2016/07/%D9%81%D9%84%D9%86%D8%AD%D8%AA%D8%B1%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%B3%D8%AA%D9%88%D8%B1-%D9%88%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D9%84-%D8%A3%D8%AC%D9%8A%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%A7

 

(نشر المقال فى عدد أبريل 2017 من مجلة الديمقراطية)

 

عن الكاتب : صحفية مختصة بالاقتصاد
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق