الافتتاحية
إحياء قومى أم عولمة بقواعد جديدة ؟
2017/03/28
بقلم د. هناء عبيد
0
1511
66
العدد :

يمر العالم بلحظة إحياء قومى تبزغ فيها ظاهرة التأكيد على الانتماء والفخار القومى، مع ميول انعزالية أو انفصالية تصل إلى بناء الأسوار العازلة بين الدول، وتنذر بتفكك كيانات إقليمية كبرى، فيما يبدو كردة فعل لظاهرة العولمة التى أُطًّر لها باعتبارها نهاية التاريخ. يتواكب ذلك مع التركيز على المصالح الاقتصادية الوطنية، وتبنى سياسات حمائية، ومعاداة الأجانب، مع صعود ظاهرة الحكام «الأقوياء» الذين يصدرون خطابا شعبويا متشحا برداء الانتماء القومى. وتتجلى مظاهر هذا الإحياء فى بلدان غنية، وبلدان فقيرة على السواء، كما ترتبط هذه الظاهرة سياسيا بتيارات اليمين أو اليسار، وإن كان تجليها الأخير، خاصة فى الغرب، مرتبطا بصعود وخطاب تيارات اليمين المحافظ.

فمن دونالد ترامب ودعاوى «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، للإحياء القومى الروسى، والصينى، إلى الميول الاستقلالية داخل الاتحاد الأوروبى، وصعود اليمين المحافظ، إلى استدعاء عناصر من الخبرة الناصرية فى السياق المصرى، تبرز نزعة واضحة للإحياء والاحتشاد والفخار القومى.

وتثير هذه الموجة ردات فعل متخوفة لعدد من الأسباب. فعلماء السياسة يربطون بين تصاعد القومية وظاهرة الحروب، حيث تتواتر إلى الذاكرة الصلة بين الاحتشاد القومى والخطاب المعادى للآخر، وبين اندلاع الحروب فى الخبرة التاريخية، خاصة إذا اقترنت القومية بأفكار عنصرية تحمل معانى الاستعلاء أو الشعوب والأجناس المتفوقة والمختارة. من ثم، يربط الكثيرون بين الفاشية والنازية أو الخبرة التاريخية للثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين من جانب، والقومية من جانب آخر. من ناحية ثانية يخشى أنصار الحرية الاقتصادية من تشويش اعتبارات الحمائية وحسابات المصلحة الاقتصادية الوطنية على آلية السوق، أو الطابع «التعاونى» والعابر للدول الذى لعبت فيه الشركات متعددة الجنسية دورا بارزا فى العقود الثلاثة الأخيرة. كما يثير الخطاب المعادى للأجانب، والذى تواكب مع هذا المد القومى، التوجس من الافتئات على حقوق وأوضاع اللاجئين والمهاجرين، الأمر الذى لا يعدم مؤشرات وبوادر ظاهرة وعديدة. وفى كل الأحوال، يخشى هذا الخطاب من جنوح المد القومى إلى التضحية باعتبارات الحريات وحقوق الإنسان فى صيغة سلطوية تستدعى «اصطفافا» فى مواجهة مخاوف أمنية، أو أعداء الداخل والخارج.

ويتناول ملف العدد من مجلة الديمقراطية ظاهرة الإحياء القومى بتجلياتها المختلفة، فى محاولة للاشتباك مع لحظة التحول العالمية قيد التشكل، والتى تعتمل فيها العديد من المؤثرات المتناقضة. فبينما يبدو من مظاهرها أنها تؤذن بتفكك واقع أرست قواعده  العوامل الإدماجية للعولمة، لتبعث من جديد خطاب وممارسات الإحياء القومى، إلا أن الإحياء القومى فى عالم اليوم يتم على خلفية من تراجع دور الدولة وقدرتها على السيطرة، والانعزال، والحشد،  فضلا عن ارتباط قطاعات داخل المجتمعات المختلفة بمصالح وقيم عابرة للقومية.

وتتناول مقالات الملف ظاهرة المد القومى وتجلياتها فى عدد متنوع من النماذج، خاصة فى اختلاطها بالخطاب الشعبوى، وصعود اليمين فى بعض الدول الغربية، أو عقب اهتزازات عنيفة، أو عمليات تغيير كبرى فى حالات أخرى، مما يجعل من الرابطة القومية الخيار الوحدوى «الآمن»، أو الأكثر قدرة على الحشد فى مراحل ما بعد التغيير.

على هذه الخلفية، يناقش الملف أوجها متعددة للظاهرة، منها علاقتها بالأبعاد الاقتصادية للعولمة، والمتغيرات الجيلية، والصعود الشعبوى. كما تتناول موضوعاته تجليات مختلفة للصعود والإحياء القومى فى العديد من التجارب، منها الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الأوروبية، وروسيا، واليابان، ومصر. ويناقش الملف أيضا  انعكاسات الظاهرة على التعامل مع قضايا اللاجئين والمهاجرين، فضلا عن الدور المتغير للجيوش، بل تناقش مظاهرها الأكثر «نعومة» كما تتجلى فى اختلاط القومية بالرياضة.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق