رؤى ديمقراطية
حوائط وأسوار الدولة القومية.. فعل مسرحى للقوة الإمبريالية
2017/03/28
بقلم منال لطفى
0
2424
67
العدد :

ثلث دول العالم تبنى حوائط حولها لتأكيد السيادة،  لكنها  رسالة ارتجاف و«بارانويا».

لم يشهد العالم فى تاريخه تناميا لظاهرة بناء الجدران والأسوار والحوائط العازلة مثلما يحدث فى الوقت الراهن. فاليوم، نحو ثلث دول العالم، 65 دولة، لديها بالفعل حوائط عازلة وجدران فاصلة أو تقوم بتشييدها، أى أربعة أضعاف عدد الحوائط الفاصلة التى كانت موجودة لدى سقوط حائط برلين فى نهاية الثمانينيات من القرن العشرين، حيث كان يبلغ عدد الحوائط العازلة 16 حائطًا فقط.

وبينما كانت الإمبراطوريات والممالك القديمة تبنى الأسوار فى حالات الحرب، اليوم  يبنى الجميع الأسوار الفاصلة والجدران العازلة والحوائط الممتدة، الدول الكبيرة والدول الصغيرة، الثرية والفقيرة، حتى بات بناء الجدران والأسوار هو الرد السياسى -الأمنى على طائفة واسعة من المشكلات والمخاوف، الحقيقية والمتوهمة، التى تواجهها الدولة القومية.

لكن، وعلى خلاف حوائط وجدران القرون الأولى التى كانت تبنى شامخة ممتدة لإخافة المتربصين، فإن حوائط وجدران اليوم ليست كلها مشيدة من الحديد والخرسانة. فبعضها الآخر مشيد من قوانين للفصل، والتقسيم، والمنع للحفاظ على الثروات والنقاء القومى. فالرئيس الأمريكى دونالد ترامب، قبل أن يضع حجراً فى الحائط الذى يريد بناءه مع المكسيك لوَّح بقرارات لتضييق ومنع دخول المهاجرين من المكسيك باسم حماية الولايات المتحدة والحفاظ على وظائفها وثرواتها لمواطنيها فقط.

وعلى خلاف حوائط وجدران القرون الأولى التى كانت تبنى على الحدود الخارجية، فإن حوائط وجدران اليوم الكثير منها مبنى داخل ــ وفى قلب ــ الدولة القومية نفسها، وذلك عبر المجتمعات داخل الأسوار باتت تنتشر لفصل الفقراء عن الأغنياء، والبيض عن السود، والمسلمين عن المسيحيين، والكاثوليك عن البروتستانت. هذه الحوائط العازلة داخل الدولة التى تفصل المجتمعات والعرقيات والديانات والطبقات، تمنع الانتقال حرفيا بمعناه الجغرافى أو مجازيا، عبر تجميد الانتقال بين الطبقات (الحراك الاجتماعى)،  أو بين الأعراق والقوميات المختلفة فى الهوية والمتضادة فى المصالح.

وعلى خلاف حوائط وجدران القرون الأولى، فإن بناء الحوائط والجدران العازلة اليوم لا يستهدف حماية الدولة من جيش دولة أخرى. حوائط اليوم مبنية ضد الأفراد أو الجماعات الفارين من حروب أهلية، أو تمييز دينى، أو فقر، أو محاكمات سياسية، أو المهاجرين، أو المهربين، أو الإرهابيين الحقيقيين والمتوهمين، مثل قرار ترامب منع دخول مواطنى سبع دول إسلامية، بدعوى الخطر الأمنى المحتمل من هذه الدول.

إن هوجة الجدران والحوائط والأسوار تسير عكس الزمن. فبعد انهيار نظام الفصل العنصرى فى جنوب أفريقيا، ثم سقوط حائط برلين، وانهيار الاتحاد السوفيتى السابق، كان العالم فى حالة غير مسبوقة من الانتشاء والاحتفاء، فقد بدأت كل الأسوار، المادية والأيديولوجية، تسقط باسم العولمة. سقطت الحمائية، والحدود، والقيود على التجارة، والقيود على حركة انتقال الأفراد والأفكار ورأس المال. 

واعتُبر هذا بداية تاريخ جديد للتجربة الإنسانية قائم على التداخل والاندماج والانفتاح وإلغاء الحدود والعوائق أمام حرية الحركة بكل أطيافها.  وبشر النيوليبراليون والكوزموبولتيون والحقوقيون بعالم بلا حدود؛ بقرية كونية، حيث تتعايش الدول والقوميات والأعراق والثقافات واللغات.

وظل هذا الاعتقاد راسخا لعقود. لكن  يبدو أنه يتهاوى الآن. فالعالم لم يبنفى تاريخه أسوارا وجدرانا بالكثافة والسرعة والتواتر الذى يبنى بها الآن.  لكن هذه الحوائط والجدار والأسوار تثير التباسا فى عصر العولمة، فهى تحمل تناقضا وتوترا مكتوما بين التدفق والانغلاق، بين التداخل والعزل، بين الاندماج والفصل، بين الانفتاح والحواجز، بين الملكية الخاصة والموارد المفتوحة، بين المحلى والعالمى وبين الحدود وإلغاء الحدود. 1 وتتزايد وتيرة بناء تلك الحوائط والأسوار، ولا تقتصر على منطقة أو قارة. فالكل يبنى، برغم أن جدوى تلك الأسوار والحوائط فى تحقيق المرجو منها محل شك كبير. فهى لا تقوم بالردع عن الهجرة أو التهريب أو الحماية.  وجل ما تفعله هو إعطاء صورة إيجابية عن الدولة وسيادتها وحدودها المؤمنة. 2  فماذا تخبرنا الحدود عن أنفسنا؟ عن مخاوفنا؟ عن هويتنا؟ عن دولنا؟ وعن علاقتنا بالآخر؟ وعن عصرنا؟.

الجدران العازلة واهتراء السيادة:

تنامى الجدران العازلة والحدود الفاصلة يثير الاهتمام والخوف، لأنها تبدو فى مضمونها الحمائى الانغلاقى، وتجسيدها الشكلى القاسى الخشن من الطوب والأسمنت والرمال والحديد والأسلاك الشائكة، تبدو ككائن بدائى ما قبل حداثى تنتمى للزمن الخاطئ. فالقرن الحادى والعشرون هو قرن القوة السائلة بامتياز. حيث القوة والسلطة عبارة عن شبكة ممتدة ميكروفيزيائية بلا رأس، ولا يمكن الإمساك بها. وبينما كل شئ سائل ومتحرك ومؤقت ونسبى ومتنقل وجزئى، فإن الحوائط تبدو قائمة، وصلبة، ودائمة، وكلية. وربما أفضل طريقة لفهم ظاهرة تنامى الحوائط الفاصلة والجدران العازلة هو وضعها فى سياق لماذا تبنى، وتحت أى مبررات، وما هو المطلوب منها؟

فانتشار بناء الحوائط والجدران حول الدول القومية فى العالم اليوم يمكننا النظر إليه من منظور السيادة. ففى كل حالات بناء الأسوار والحوائط يكون التبرير مرتبطا بفكرة السيادة. لكن المفارقة أن الظاهرة تعبر فعليا عن التراجع المضطرد والمتزايد فى السيادة، وتحلل الارتباط الآلى أو الميكانيكى بين السيادة من ناحية، والدولة القومية من ناحية أخرى. فخصائص السيادة ومكوناتها لم تعد حكرا على الدولة القومية. ووسط عالم مفتوح على التدفق الحر غير المحكوم لرأس المال، والأفكار، والبشر، والبضائع، والعنف، والأوبئة، ومشاكل البيئة، تقف الدولة القومية عاجزة عن حماية «سيادتها». فهذا التدفق يشكل تحديا للدولة القومية على حدودها، وفى قلبها أيضا. فالدولة القومية برغم حدودها وجدرانها العازلة هى جزء من جغرافيا وفضاء عالمى مفتوح على الانتقال الحر. ووقف هذا التدفق، أو السيطرة عليه، أو التحكم فيه مستحيل.

فقد تقلص مفهوم سيادة الدولة القومية وتراجع فى ضوء مفاعيل أيديولوجيات وممارسات النيوليبرالية التى فكت الارتباط الآلى بين الدولة القومية وخصائص السيادة. فرأس المال والأفكار ــ مثلا ــ لا يخضعان لأى قوة، ولا يلتزمان بأى قوانين، وكلاهما يحمل الكثير من الصفات المؤسسة لمبدأ السيادة. وإذا أردت أن تكون جزءا من ذلك الفضاء المعولم، عليك أن تقبل بأن قوانينك المحلية يجب أن تحتل مكانة ثانوية أمام القوانين العالمية لحركة رأس المال والبضائع والبشر.

أيضا تراجع مفهوم السيادة بالمعنى الكلاسيكى، بسبب عولمة القوانين والمؤسسات الدولية (الأمم المتحدة، المحكمة الجنائية الدولية، مواثيق حقوق الإنسان الدولية، محكمة العدل الدولية). فكل هذه المؤسسات بسلطاتها تتجاوز وتتحدى مفهوم السيادة الكلاسيكى للدولة القومية. لكن كل هذه التطورات لا تعنى أننا نعيش مرحلة «ما بعد سيادة الدولة القومية»، كما لا يعنى أن سيادة الدول القومية تتلاشى لمصلحة «إمبراطورية كونية» تضم دول العالم مبتورة السيادة. فالدولة القومية لاتزال محور العلاقات الدولية، على الرغم من كل أشكال  التهديد لفكرة السيادة العليا المرتبطة بالدولة القومية.

انتشار الأسوار..كيف يفسر عالمنا؟

أمام كل أشكال الانتقاص من السيادة، تقف الحدود والحوائط والأسوار بمنزلة رد من الدولة القومية على إخفاقها فى احتكار السيادة بمعناه القانونى والسياسى.

فأوروبا أمام أزمة اللاجئين التى تفاقمت عام 2015، ردت ببناء جدار فاصل على الحدود المجرية- الصربية بطول 177 كيلومتراً لمنع دخول اللاجئين من سوريا والعراق وأفغانستان وأفريقيا، ونفس الشئ فعلته اليونان ببناء حائط بطول 7  أميال على الحدود مع تركيا لمنع المهاجرين واللاجئين من العبور من تركيا واليونان إلى باقى أوروبا. وهناك أيضا الجدار الذى شيدته تركيا على حدودها مع سوريا بطول 500 ميل لمنع تسلل المتطرفين والمهاجرين. وحائط الأسلاك الشائكة الذى شيَّدته مقدونيا على حدودها مع اليونان للغرض نفسه.

وهناك دول تكاد تكون مسوَّرة من كل جانب. فالسعودية مثلا لديها جدار فاصل مع اليمن ارتفاعه نحو ثلاثة أمتار ونصف المتر من الخرسانة المسلحة، وهى أوشكت على الانتهاء من الحائط بينها وبين العراق بطول 560 ميلاً والذى تشيده لمنع تسلل عناصر من «القاعدة» أو ما يسمى تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام إليها. وقريبا ستصبح العراق محاصرة بالأسوار من كل اتجاه. فإلى جانب الحائط الذى تشيده السعودية على حدودها معها، تعزز الكويت حائطها العازل مع العراق، وتبنى الأردن أسوارا فاصلة مع العراق أيضا، لضمان عدم تسلل المهاجرين أو المتطرفين.

والهند أيضا لديها أسوار عازلة مع كل جيرانها تقريبا، باكستان وبورما وكشمير وبنجلاديش، حيث شيدت الهند جداراً بطول 2500 ميل من الأسلاك الشائكة والحديد لتطويق بنجلاديش، ومنع عبور المهاجرين الاقتصاديين إليها. وهناك أوزبكستان التى شيدت جداراً عازلاً مع قيرغيستان عام 1999، باسم الحماية من الإرهاب، لكن عمليا كان فى إطار نزاع على الأراضى، ثم شيدت جدار آخر على حدودها مع أفغانستان فى عام 2001. وحاليا تشيد تركمانستان جدارا عازلا مع أوزبكستان. وإسرائيل التى لديها جدار فاصل على حدودها مع سيناء المصرية، وجدار عازل فى الأراضى الفلسطينية المحتلة فى الضفة الغربية، وجدار فاصل على حدودها مع الجولان السورى. وهناك الحائط الذى شيدته مصر على حدودها مع غزة. وتعتزم الإمارات بناء سور على طول حدودها مع سلطنة عمان. وهناك الجدار الذى شيدته إيران على حدودها مع باكستان، والجدار الأمنى المكهرب على حدود جنوب أفريقيا وزيمبابوى، والحائط المكهرب العازل التى شيدته بتسوانا على حدودها مع زيمبابوى عام 2003 خلال انتشار وباء جنون البقر، ولكن فى النهاية البشر أيضا مُنعوا من الدخول، والحائط الذى تبنيه كينيا مع الصومال لمنع تسلل المتطرفين أو المهاجرين إليها.

والجدار الذى شيدته الصين على حدودها مع كوريا الشمالية لمنع تدفق اللاجئين، والسور الذى شيدته كوريا الشمالية بالمقابل على حدودها مع الصين ردا على الجدار الصينى. وهناك أسوار تشيدها الدول معا، مثل تايلاند وماليزيا اللتين تعاونتا لبناء جدار بينهما من الخرسانة المسلحة بطول 10 كيلومتر لمنع التهريب والهجرة غير الشرعية. والجدار الفاصل فى بلفاست فى ايرلندا  الشمالية الذى يفصل المجتمعات الكاثوليكية عن البروتستانتية، منذ تسعينيات القرن الماضى.  كما نذكر السور بين كوريا الجنوبية وكوريا الشمالية، وحائط 1974 فى قبرص الذى بنى بعد الغزو التركى للجزيرة للفصل بين القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيين. والحاجز الرملى الذى شيدته المغرب مع الصحراء المغربية بطول 1700 ميل لمنع مقاتلى جبهة البولساريو من التسلل، والحائط الذى شيدته اسبانيا حول سبته ومليلة لمنع المهاجرين من أفريقيا.

لنصل أخيرا إلى  الجدار الأشهر فى عالمنا اليوم، الجدار على الحدود الجنوبية الأمريكية مع المكسيك، الذى أوصل دونالد ترامب للرئاسة بأشهر عبارة خلال انتخابات 2016 «شيد ذلك الجدار»، والذى يريد ترامب بناءه بطول الحدود بين البلدين البالغ 2000 ميل. وهناك مقترحات لتشييد جدار بين الولايات المتحدة  وكندا، وتعتزم البرازيل بناء حائط من الخرسانة والحديد على حدودها مع بارجواى.

هذه الجدران الفاصلة والحوائط الخرسانية والأسوار المكهربة، يجب ألا تجعلنا نغفل عن جدران وحوائط أخرى داخل الدولة القومية. ففى جنوب كاليفورنيا، وفى أريزونا فى الولايات المتحدة هناك انتشار هائل للمجتمعات المسورة بالقرب من الحائط مع المكسيك. وفى مدينة بدوا الفرنسية شيدت السلطات المحلية حائط لفصل مناطق الطبقة الوسطى البيضاء عن الجيتوهات الأفريقية حيث يعيش المهاجرون الوافدون الجدد. وهناك نماذج أخرى، مثل الحائط الفاصل فى جنوب أفريقيا، وهو عبارة عن خطوط متراصة من الأسوار ونقاط التفتيش المتداخلة التى تشكل شبكة فعلية من الحواجز التى تفصل المجتمعات والمناطق على أساس عرقى -طبقى قبل وحتى بعد انتهاء نظام الفصل العنصرى رسميا. فهذه الحوائط تختلف عن بعضها  بعضًا فيما تريد «الحماية منه» و«منع دخوله»، من فقراء، ومهاجرين، وطالبى اللجوء، والعمال، والمخدرات، والمجرمين، والأسلحة، والمهربين، والبضائع، والإرهاب.

لكن فى غالبية الحالات، يخفى الغرض الأمنى من بناء الحوائط والأسوار العازلة، هدفا سياسيا.   فالجدار العازل فى الضفة الغربية مثلا، والذى يستشهد به ترامب كثيرا قائلا إنه حمى إسرائيل من الهجمات من جانب الفلسطينيين، هدفه سياسى أكثر بكثير منه أمنى، فهذا الجدار الذى قسم القرى والمدن الفلسطينية وقطَّع أوصالها ومنع الترابط الجغرافى بينها وحولها إلى جيتوهات معزولة، قتل، عمليا ، فكرة دولة فلسطينية ممتدة  على الأراضى الفلسطينية التى شيد فيها ويمر عبرها الجدار.  فالتواصل بينها أصبح صعبًا. ليس فقط تواصل الأراضى، بل وحركة المواطنين للعمل والانتقال والزراعة والعبادة.

فالحصول على تصريح أمنى للعبور والعمل والصلاة يستلزم فلسطينى لا تعتبره إسرائيل «خطرا»، وهذا يتضمن ألا يكون مشاركا لا هو ولا أى فرد من أسرته فى أى ممارسات تعتبرها إسرائيل تحديا لها أو لقوانينها. بعبارة أخرى، الجدار الأمنى يعمل على «تقييد» و«تقنين» الفلسطينى «الصالح» لعبور الجدار، وفقا لمعطيات الأمن الإسرائيلى.

الأسوار والجدران .. رسالة ارتجاف وضعف:

لكن هناك جانبًا مشتركًا فى انتشار ظاهرة الحوائط العازلة والأسوار فى هذه اللحظة من التاريخ الإنسانى. ففى كل حالات الحوائط والجدران والأسوار التى تبنيها الدولة القومية يرد ذكر «الآخر»  للتبرير واكتساب الشرعية. هى تشيد باسم «الأمن» و»الحماية من الإرهاب» أو سرقة الوظائف أو الثروات، وتشيد دائما فى مواجه «الآخر».  هذه الحوائط والجدران هى إذًا شاهد ضمنى وصريح على سيادة غير مستقرة وغير مؤمنة أو محمية. وبدلا من أن تكون دليلا على القوة، تصبح دليلا على نقص السيادة وتضعضعها.  بعبارة أخرى، فى مساعى التصدى للسيادة المتلاشية للدولة، فإن الأسوار والحوائط العازلة تناقض نفسها. فهى تعطى هالة من سلطة السيادة الكاملة من ناحية، وصورة السيادة المنتقصة التى تعانى الاهتراء من ناحية أخرى. فمجرد الحاجة لبناء الأسوار والحوائط العازلة تظهر قلة خيارات الدولة القومية أمام فشلها وإخفاقها فى احتكار السيادة بمعناه القانونى والسياسى.

فالجدران الفاصلة والأسوار العازلة تظهر ضعف، وارتجاف، شكوك، خوف، وتحسس، عدم استقرار، وتردد، وارتياب، والتباس، وعدم ثقة، و«بارانويا«. وبناؤها يعطى المعنى النقيض للمستهدف منها.  فهى وإن كان هدفها أعطاء الإحساس بالسيطرة والقوة والمنع، فى أيضا تعطى المعنى العكسى المتمثل فى الخوف والضغف. فالحدود تعمل على الضد من المطلوب منها، ومن قلبها بذور نقيضها.

فهذه الجغرافيا المحكومة بالحدود والجدران والأسوار، مقابل الفضاء العالمى من التدفقات وحرية الحركة تشكل دليلا دامغا على عدم قدرة الدولة القومية سياسيا  أو قانونيا على السيطرة على القوى التى أطلقتها العولمة وأشكال الاستعمار والسيطرة الحديثة. وفى وجه ذلك الانفلات، تتزايد الحدود والحواجز والجدران، لكنها بحضورها الجسدى الفظ، المتعالى، القبيح، تؤدى وظيفة ودورا مسرحيا. إنها مصممة لتجسيد القوة، والفاعلية، المنع، الفصل، والتقسيم، لكنها لا تفعل هذا ولا تستطيع فعل هذا. 3 وجل ما تستطيع فعله هو أن تكون وعاءً يتضمن كل تلك التناقضات والتوترات.  فالأسوار والجدران العازلة التى هى للمنع، وللحماية، وللصد، وللفصل، وللتقسيم تقف  ــ مثل جندى أعزل ــ فاشلة بلا قدرة أمام عولمة انتقال البشر ورأس المال والأفكار والتكنولوجيا. فسلطات الدولة القومية تقف بلا حيلة مثلا أمام حرية انتقال العمالة. فالشركات الصينية برأسمالها الضخم ومشروعاتها حول العالم تشترط دائما تشغيل يد عاملة صينية مع رأس المال القادم عبر الحدود إلى أفريقيا، أو أمريكا الجنوبية، أو آسيا أو الشرق الأوسط.

والأسوار والجدران الفاصلة تؤدى هنا دورا مسرحيا لتجسيد قوة غير موجودة للدولة القومية. هذا الأداء المسرحى للحوائط والأسوار العازلة، وما يفترض أن يوحى به من القوة والسيادة والسيطرة على المجال الجغرافى، ماديا وقانونيا، بالرغم من تناقضه وثغراته، يظل مصدر «ارتياح سياسى».

فالحوائط والجدران على الحدود لم تقلل من أعداد الهجرة غير الشرعية، أو تهريب البشر، أو البضائع، أو الإرهاب، لكنها تشَّيد ــ كما يقول بيتر أندرياس ــ للردع، وإعطاء صورة إيجابية عن الدولة وسيادتها وحدودها. فحماية الحدود عبر تقويتها بالأسوار هو مثل ممارسة طقوس دينية أو احتفالية أمام الفشل فى الردع عن عبور الحدود. 4 كما أن تشييدها هو لحفظ ماء الوجه من عدم قدرة الدولة، أى دولة، على حماية حدودها بشكل كامل ومطلق. وكلما أخفقت الدولة وعدت ببناء حائط أكبر وأوسع وأضخم وأطول. ففى الولايات المتحدة، يتساوى الجمهوريون والديمقراطيون فى دفاعهم المستميت عن بناء الأسوار والحوائط العازلة. والجدار الفاصل مع المكسيك، الذى أوصل ترامب للرئاسة، شيد بالفعل جانب كبير منه خلال الإدارات الأمريكية السابقة، حتى خلال إدارة الرئيس السابق، باراك أوباما. لكن أوباما لم يسمه «حائط عازل»، لأن التسمية التى كانت مثل «سم سياسى» فى السابق، باتت اليوم «ترياق للقومية» الراغبة فى حماية نفسها من الآخر ومن شره.5

وفى جميع الحالات يتم البناء باسم السيادة، مع أن هناك إجماعًا على محدودية نجاح وفاعلية الجدران والأسوار فى حماية السيادة. لكن هذا ليس مهم، المهم هو تأثيرها النفسى والمعنوى، فهى تعبير مسرحى عن القوة أكثر منها سياسة ناجحة. وكما يقول الاقتصادى الهندى البارز، جاجداش باجواتى، عن الجدار بين الهند وبنجلاديش:«بناء الجدار على طول الحدود الممتدة بين الهند وبنجلاديش لم يكن له أى فاعلية، إلا إنه مع ذلك قرار سياسى صائب جدا. فلو ظهرت كأنك لا تفعل أى شئ على الإطلاق، سيكون هذا مكلف للغاية سياسيا. وفى هذا السياق، بناء الجدار هو  الشئ الأقل تكلفة والأقرب لعدم فعل أى شئ، بينما تبدو كأنك تفعل شيئا». 6

 فالأسوار والحوائط العازلة لا تقوم حقيقة بما يفترض أن تقوم به من ناحية الدور  الأمنى، لكن وجودها يظل مهما معنويا ونفسيا وسياسيا.  فالرغبة العارمة فى بناء الحوائط العازلة مرتبط أساسا، ليس بدورها وما تستطيع القيام به، بل بحالة جماعية من القلق من «عجز الدولة عن حماية السيادة». فالسيادة كما يوضحها توماس هوبز لها جانب دينى -روحى، الرموز تلعب فيه دورا كبيرا.

فالدولة بسيادتها تفصل رمزيا بين الخير والشر، بين نحن وهم، بين القوة والضعف، بين السيادة وانعدام السيادة، بين القانون والغابة، بين الداخل والخارج، بين النظام والفوضى، بين الحياة والموت، بين الوحدة والتشتت، بين الهوية الوطنية وصراع الهويات، وأخيرا بين الحماية والخطر. والسيادة كما يوضحها عالم النفس، سيجموند فرويد، لها جانب أبوى «كطفل يريد حماية والده». فالحوائط والأسوار العازلة تعطى صورة وثقة للدولة فى العالم، فى وقت يقل فيه بشكل مضطرد الأمن والحماية التى شكلت أساس العقد الاجتماعى بين الفرد والدولة. والانفصال بين السيادة والدولة القومية، يهدد أمان المواطنين ويتركهم فى حالة من القلق، كما يهدد الخيال الجمعى الوطنى حول الحماية والحدود والحقوق الحصرية لهؤلاء الذين ولدوا على هذه البقعة من الأرض.

حشود بشرية.. بلا دول:

هناك الكثير من الجوانب المسكوت عنها فى بناء الحوائط والجدران لحماية القومية والسيادة. مثل، تكلفتها العالية من الناحية الاقتصادية. حيث تكلف وتكبد المليارات. أما تكلفتها الإنسانية، والنفسية فلا يمكن قياسها ماديا، فهى تفرق ملايين العائلات.

أما تكلفتها السياسية فلا تقل خطورة أو مأساوية. فالأسوار والجدران العازلة لا تشيد باسم العنصرية أو العداء للآخر بالضرورة، لكن تشييدها ينتج عنه تناميا للمشاعر العنصرية والعداء للجيران. فهى رسالة ضمنية أن الآخر على الحدود هو سبب المشاكل التى تعانى منها الدولة.  بعبارة أخرى، بناء الأسوار والحوائط العازلة يرفع من على كاهل الدولة القومية مسئولية  قضايا العمالة الرخيصة، والسلع التنافسية، والعنف، والإرهاب، والمخدرات، والجريمة وينقلها لقوى خارجية، فى الكثير من الحالات، لا يمكن لمسها.  والآخر فى هذه الحالة يتحول تلقائيا إلى خطر على الهوية الوطنية، والاقتصاد، والوظائف، والرعاية الصحية، وبرامج الضمان الاجتماعى.

 وفى هذا الإطار، لا ينبغى أن يكون مثيرا للدهشة الارتفاع غير المسبوق فى معاداة العمالة الأجنبية والمهاجرين فى مناطق عديدة من العالم، وعلى رأسها أوروبا والولايات المتحدة، وتزايد العنصرية والانتهاكات والاعتداءات ضد المهاجرين والعمالة الرخيصة القادمة من أمريكا الجنوبية، وأفريقيا، واسيا، والشرق الأوسط.  فهذه الحشود، التى تسميها حنا ارندت «حشود بلا دول» (لأنها غير مقبولة  فى أوطانها أو خارج أوطانها)، تلعب الجدران والأسوار والحوائط العازلة دور «القفص» أو «السياج» حولها لمنعها من دخول الدول الغنية. لكن الحوائط والجدران العازلة لا تغلق الباب، أو الأسوار، أو الحدود كليا وبشكل شامل، فهى لا تريد، ولا تستطيع، أن تدخل فى معركة مع قوى العولمة التى تستفيد من الهجرة غير الشرعية والعمالة الرخيصة.  فالأسوار والحوائط العازلة تلعب فى الكثير من الحالات دورا تنظيميا لانتقال العمالة الرخيصة غير الشرعية التى تحقق أكبر أرباح ممكنة للشركات العابرة للقومية والحدود.

ففى حالة الجدار الفاصل بين المكسيك الولايات، لن تتمكن قطاعات الزراعة أو البناء من المنافسة بدون تشغيل يد عاملة غير شرعية من المكسيك. وبرغم الجدار والتضييق، توظف هذه القطاعات العمالة غير الشرعية من المكسيك بدون أى تردد. فلو لم يكن هناك طلب عليها لما غامرت أساسا بعبور الحدود بشكل غير شرعى.  فهناك طلب عال فى الاقتصاد النيوليبرالى المعولم على العمالة قليلة التكلفة التى لا تتمتع بأى حقوق قانونية. وهذا الطلب هو ما يسمح باستمرار الظاهرة. الشيء  نفسه ينطبق على الجدار الفاصل فى الضفة الغربية فى فلسطين. فالجدار لا يمنع، ولا يحاول أن يمنع الفلسطينيين من العبور يوميا والعمل داخل إسرائيل بأقل أجر ممكن، وبدون أى حماية قانونية أو نقابية. العكس هو الصحيح، هناك نقاط ضعيفة فى الجدار تسمح بالعبور اليومى للعمالة الفلسطينية الرخيصة إلى إسرائيل.

مقاومة الحوائط والأسوار العازلة:

لم تعد الحوائط والجدران العازلة تخيف أحد. فأشكال السخرية منها وتحديها ماثل أمامنا كل يوم، بدءا من عبور عشرات الآلاف يوميا ــ بشكل غير شرعى ــ لجدران وحوائط شيدت خصيصا لمنعهم، مثل هؤلاء المهاجرين الذين يعبرون يوميا من الحائط بين المكسيك وأمريكا، أو الجدار بين إسبانيا وسبته ومليلة، أو بالعبور فوق الأسوار أو من تحتها عبر الأنفاق، مثل العبور تحت الحائط بين مصر وغزة عبر سلسلة من الأنفاق، وانتهاءً  بنزع الغطاء عن سطوة الأسوار والجدران وهيمنتها، بتحويلها إلى جداريات للمقاومة بجرافيتى يسخر منها ويتعالى عليها، مثل الجدار الإسرائيلى فى الضفة الغربية الذى حوله رسام الجرافيتى البريطانى بانكسى، إلى شهادة إدانة ضد إسرائيل والسخرية منها، أو تحويل الأسوار هى نفسها إلى شاهد على قسوتها، كما يحدث على الحائط على الحدود الأمريكية -المكسيكية، حيث علقت أكفان رمزية يتم تحديث أعدادها كل شهر لإضافة من ماتوا، وهم يحاولون عبورها.

المراجع:

WendyBrown، ‘WalledStates، WaningSovereignty’، : MITPress، Feb. 2014.

PeterAndreas، ‘TheWallAroundtheWest: StateBordersandImmigrationControlsinNorthAmericaandEurope’، Rowman& Littlefield، DEC2000.

MarcelloDiCintio، ‘Walls: TravelsAlongtheBarricades’٫ UnionBooks، July2013.

PeterAndreas، 2000.

MarcHoogheandSofieMarien، ‘ThewallwithMexicoisautopianprojectofTrumpssupports’، Democracyandculture، LondonSchoolofEconomics، 6 May2016.

SusannahCrockford، ‘whybuildingawallontheUS- Mexicoborderisasymbolicmonument، notsensibleimmigrationpolicy’، Democracyandculture، LondonSchoolofEconomics، 21 Feb2017.

JagdishBhagwati، ‘InDefenseofGlobalization’، OxfordUniversityPress، 2007

( تم نشر الموضوع فى عدد أبريل 2017 من مجلة الديمقراطية رقم 66  )

عن الكاتب : باحثة-مراسل الأهرام فى لندن
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق