صحف و دوريات
دليل تركيا الجديد للنظام «شبه السلطوى»/ نوح فيلدمان
2017/04/18
0
173
66
العدد :

نوح فيلدمان

المصرى اليوم

18/4/2017

دليل تركيا الجديد للنظام «شبه السلطوى»

على الرغم من أن نتيجة الاستفتاء على التعديلات الدستورية فى تركيا مازالت محل نزاع حتى الآن، فإن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان أكد أن النصر كان حليفه، وذلك بعدما أعلنت لجنة الانتخابات أن أكثر من 51% من المشاركين قالوا «نعم»، فى حين أعلنت المعارضة أنها ستطعن على نتائج الاستفتاء، ولكن ما هو واضح الآن هو أن الديمقراطية الدستورية هى الخاسر فى هذه العملية.

وتبدو التعديلات الدستورية فى ظاهرها أنها تهدف لتحويل نظام الحكم فى تركيا إلى النظام الرئاسى بدلًا من النظام البرلمانى، ولكنها فى الواقع تهدف لتعزيز سلطة أردوغان، الذى تحرك، على مدى الـ15 عامًا الأخيرة، من كونه رئيسًا للوزراء إلى رئيس للبلاد، إلى زعيمها شبه السلطوى.

وقد أظهر أردوغان، مرة أخرى، أنه رائد للسلالة الجديدة الناشئة فى العالم من الزعماء «شبه السلطويين»، والتى تشمل: رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، ورئيس وزراء بولندا السابق جاروسلو كاتشينسكى، فكل هؤلاء ليسوا زعماء فاشيين على الطراز القديم، فهم وصلوا إلى السلطة عن طريق الديمقراطية، ولكنهم خططوا بعد ذلك لإلغائها، وجعلوا حكمهم بمثابة سلطة ديكتاتورية بشكل كامل.

ويعمل دليل الزعماء السلطويين الجدد على الحفاظ على فكرة إجراء الانتخابات بشكل منتظم، وعلى شكل الديمقراطية متعددة الأحزاب، فى حين أنه فى الواقع يعمل على ترسيخ سلطة هؤلاء الزعماء، وعلى تهيئة الرأى العام لتحقيق الفوز فى أى انتخابات، وقد أضعف أردوغان، مثل زملائه السلطويين، حرية الصحافة، وحرية التعبير، دون إغلاق جميع الأصوات السياسية البديلة.

فقد طرح الرئيس التركى تغييراته المنهجية المقترحة لنظام الحكم فى البلاد للاستفتاء الشعبى، وهذا أمر لا يفعله الديكتاتوريون التقليديون، فصحيح أنه بذل جهودًا لإسكات المعارضة، وقد يكون حزب «العدالة والتنمية»، الحاكم، زوَر فى الاستفتاء فى بعض الأماكن، إلا أنه مع ذلك تبقى الحقيقة هى أن الانتخابات كانت نظيفة بشكل كاف ليجعلنا لا نستطيع القول بأن أغلبية الجمهور المصوت لا يريد هذه النتيجة.

وكل هذا يؤدى إلى اللغز الحقيقى: لماذا كل هذا العناء؟، إذا كانت خطتك تهدف إلى تقليص الديمقراطية الدستورية لصالح الاستبداد، فلماذا تتبع القواعد الديمقراطية معظم الوقت؟.

وجزء من الجواب على هذا السؤال هو أن أردوغان، مثل أوربان، وحزب «بيس» البولندى، يرغب فى معرفة حجم الدعم الذى يحظى به على الأرض، ومدى وجود المعارضة الحقيقية فى البلاد، فحينما يكون ما يقرب من نصف السكان لا يؤيدونه، فإن التحدى الذى يواجه نظام أردوغان، شبه السلطوى، هو تجنب دفع المعارضة إلى الرفض الشامل لشرعيته، أو بمعنى آخر يمكننا تسمية الأمر بـ«درس حسنى مبارك»، ففى حال رغب عدد كاف من الناس فى الإطاحة بالرئيس، فإن الشعب سيذهب إلى الشوارع، ثم يقوم الجيش بالباقى.

ومن خلال الحفاظ على الأشكال الأساسية للديمقراطية الدستورية على الأقل، فإن النظام شبه السلطوى يتجنب إبعاد المعارضة عن الحد الذى تحاول فيه الإطاحة به.

وقد أثبت أردوغان مرتين، فى السنوات الأخيرة، أنه حقق هذا التوازن، وبالتالى فإنه قد تجنب مصير مبارك، ففى احتجاجات حديقة «جيزى» عام 2013، واجه الرئيس التركى مظاهرات عامة ضخمة فى إسطنبول، وفى النهاية أوقف هذه الاحتجاجات بالقوة، ولكن الجيش لم يغتنم الفرصة لانتزاع السلطة.

ثم فى صيف عام 2016 حاولت بعض عناصر الجيش القيام بانقلاب غريب، ولكنه فشل، لأن الجمهور لم ينزل إلى الشوارع لدعم الجيش، ويبدو أن الكثير من الجمهور رأوا أن الانقلاب كان معاديًا للديمقراطية، فقد يكون أردوغان زعيمًا شبه استبدادى، لكنه جاء عن طريق الانتخاب، وهو أمر أقل استبدادية من النظام العسكرى.

والتفسير الآخر للنظام شبه السلطوى هو أن حكام اليوم لا يؤمنون بأن الديكتاتورية الكاملة هى طريقة مرغوبة للبقاء فى السلطة، فقد عاش أردوغان تجربة منعه من ممارسة السياسة بسبب خطابه الدينى، فيما عاصر أوربان وكاتشينسكى فترة سقوط الشيوعية، وهو أمر كاف لتعليم أى شخص أن الحكم دون وجود معارضة حقيقية لن ينجح.

وبطبيعة الحال، قد يحلم الزعماء شبه السلطويين بالسلطة الكاملة، لكن حلمهم الحقيقى هو إعادة انتخابهم إلى الأبد بأكثر من 50% من الأصوات، وليس من قبيل المصادفة أن أحزاب هؤلاء الزعماء كلها شعبوية.

وتعد آخر نقطة فى استراتيجية الزعماء شبه السلطويين، هى أنهم يضعون فى اعتبارهم أنهم قد يفقدون شعبيتهم فى يوم ما، فمعظم الديكتاتوريين الحقيقيين تم اغتيالهم أو انتهت حياتهم فى السجن أو المنفى، ولكن إذا كانت المعارضة ليبرالية ديمقراطية ودستورية، فإنه إذا جاءت فى نهاية المطاف إلى السلطة، فإنها لن تعاقب النظام شبه الاستبدادى بشدة، كما كانت ستتم معاقبة النظام الديكتاتورى الحقيقى، ويبدو أن النظام شبه الاستبدادى هو طريقة رائعة للبقاء فى السلطة طالما أن لديك قاعدة شعبية، واستعداد لتقليص حرية التعبير والانتخابات الحرة.

وللأسف ليس لدى العالم الآن مجموعة جيدة من الأدوات للرد على مثل هذا النظام، فقد كانت ردود أوروبا على المجر وبولندا غير فعَالة، وبالنسبة لأردوغان، فإن موقفه غير قابل للتأثر بالنسبة للجيران الإقليميين، ونظرائه الأوروبيين، وعلينا أن نتوقع لجوء المزيد من القادة فى جميع أنحاء العالم لاتباع نهجه.

ترجمة- فاطمة زيـدان

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق