تقارير
أزمة الديمقراطية في أمريكا اللاتينية: دلالات صعود اليمين وتراجع اليسار
2017/05/05
بقلم د. صدفة محمد محمود
0
388
66
العدد :

تعاني الديمقراطيات الناشئة في أمريكا اللاتينية من أزمة عميقة؛ تتجلى أبرز مظاهرها في تراجع الدعم الشعبي للديمقراطية، باعتبارها أفضل نظام للحكم، فضلا عن انخفاض معدلات الثقة العامة في الحكومات القائمة ومؤسسات الدولة، بالإضافة إلى تدهور ترتيب دول أمريكا اللاتينية في مؤشر الديمقراطية Democracy Indexالصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية في الإيكونوميست (EIU) لعام 2016.

وفي هذا الإطار، تراجع تأييد مواطني دول أمريكا اللاتينية للديمقراطية باعتبارها أفضل نظام للحكم، إلى أدنى مستوى له عام 2016، حيث كشفت نتائج  مسح، أجرته مؤسسة Latinobarometroعلى نحو 20 ألف مواطن في 18 دولة بأمريكا اللاتينية، عن انخفاض معدل تأييد الديمقراطية من 61 بالمئة عام 2010 إلى 54 بالمئة عام 2016.

ومما تجدر الإشارة إليه أن قبول الديمقراطية كأفضل نظام للحكم ليس مرتبطا بنوعية التيار السياسي الحاكم (يمين ويسار)، حيث تأتي فنزويلا اليسارية في مقدمة دول أمريكا اللاتينية من حيث دعم وتأييد مواطنيها للديمقراطية (77 بالمئة)، تليها الأرجنتين التي يحكمها اليمين (71 بالمئة)، ثم أوروجواي، والإكوادور، وبوليفيا التي يحكمها اليسار، وذلك بنسبة (68 بالمئة)، (67 بالمئة)، و(64 بالمئة) على التوالي، أما شيلي التي يحكمها اليسار فقد بلغت نسبة تأييد مواطنيها للديمقراطية(54 بالمئة)، فى حين بلغت هذه النسبة في باراجواي التي يحكمها اليمين (55 بالمئة). وفي المقابل، بلغت نسبة تأييد المواطنين للديمقراطية كأفضل نظام للحكم في كل من كولومبيا، بيرو، والمكسيك، والبرازيل التي يحكمها اليمين (54بالمئة)، (53 بالمئة)،(48 بالمئة)، (32 بالمئة) على التوالي، في حين جاءت جواتيمالا (يمين) في المرتبة الأخيرة بالنسبة لتأييد الديمقراطية بنسبة (31 بالمئة).

ويرتبط الانخفاض في معدل تأييد ودعم الديمقراطية ببروز حالة من "اللامبالاة السياسية".  ففي عام 2016 أشار 23 بالمئة من مواطني دول أمريكا اللاتينية إلى أنهم غير معنيين كثيرا بما إذا كانت حكوماتهم تتمتع بالشرعية الديمقراطية أم لا، بينما بلغت هذه النسبة 16 بالمئة فقط عام 2010.وفي السياق ذاته، تسود دول أمريكا اللاتينية حالة من عدم الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة، وكذلك في مؤسسات الدولة.  وتعد الأحزاب السياسية في مقدمة المؤسسات التي لا تحظى بثقة مواطني دول أمريكا اللاتينية، حيث أوضحت نتائج المسح السابق الإشارة إليه أن 17 بالمئة فقط من المواطنين في أمريكا اللاتينية يثقون في الأحزاب السياسية.

وفيما يتعلق بحالة الديمقراطية في أمريكا اللاتينية، فقد كشف مؤشر الديمقراطية الصادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية لعام 2016، والذي يصنف الدول (على مقياس من 0-10)، وفقا لمؤشرات العملية الانتخابية، والتعددية، والحريات المدنية، وأداء الحكومة، والمشاركة السياسية، والثقافة السياسية، عن تراجع قيمة المؤشر في منطقة أمريكا اللاتينية من متوسط ​​سنوي قدره 6.37 خلال الفترة (2011-2015) إلى 6.33 في عام 2016، حيث حصلت دول المنطقة على درجات عالية نسبيا فيما يتعلق بمؤشر العملية الانتخابية، والتعددية، والحريات المدنية، بينما سجلت درجات متدنية في مجالي المشاركة السياسية والثقافة السياسيتين.

ووفقا للمؤشر، فإنه لا توجد في أمريكا اللاتينية سوى دولة واحدة صنفت باعتبارها "ديمقراطية كاملة" هي "أوروجواي"، ودولة واحدة صنفت باعتبارها نظاماً استبدادياً هي "كوبا"، بالإضافة إلى (15 دولة) تصنف ضمن فئة"الديمقراطيات المعيبة"، وهناك (7 دول) صنفت باعتبارها "أنظمة هجين"، وهذه الدول يحكمها خليطا من الحكومات اليسارية واليمينية على حد سواء.

وفي ضوء ما سبق، فقد شهد عامي 2015 و2016 وصول تيار اليمين إلى السلطة في عدد من دول أمريكا اللاتينية، وذلك عقب ما يسمى عقد "موجة المد الوردي Pink Tide"، والذي حكم خلاله عدد من زعماء وقادة اليسار، في إطار رفض المواطنين للسياسات الاقتصادية الليبرالية التي طبقت في أمريكا اللاتينية خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة.ومع ذلك، فلا ينبغي تفسير انحسار اليسار، باعتباره تعبيرا عن "تحول أيديولوجي" في الإقليم إلى اليمين، بل يمثل في حقيقة الأمر تعبيرا عن الاستياء العام من الحكومات القائمة.

ذلك يعني أن العامل الأساسي المحدد للسلوك التصويتي للمواطنين في المنطقة هو أداء الحكومات، وكذلك كيفية عمل الديمقراطية وليس العامل الأيديولوجي. وتمثل بيرو مثالا واضحا على ذلك، حيث تعد البلد الوحيد في العالم الذي شهد منذ عام 2001 وصول تيار سياسي مختلف إلى السلطة مع كل دورة انتخابية، علاوة على أن تراجع مؤشرات دعم الديمقراطية والثقة في المؤسسات السياسية، وكذلك تراجع مؤشرات الحريات العامة والديمقراطية في كافة دول أمريكا اللاتينية على اختلاف توجهاتها السياسية، إنما يعكس حالة من السخط العام ليس فقط بسبب تراجع معدلات النمو الاقتصادي، ولكن أيضا بسبب تفاقم مشكلات الجريمة، والفساد، والمحسوبية، والتفاوت الاجتماعي، وكذلك إساءة استخدام السلطة السياسية، والاستياء العميق من كيفية عمل المؤسسات السياسية، وهو ما تمت ترجمته في اندلاع الاحتجاجات في العديد من دول المنطقة خلال عامي 2015 و2016.

أولا: مؤشرات صعود اليمين وتراجع اليسار

منذ عام 1998، وصلت حكومات اليسار ويسار الوسط المنتخبة شعبيا إلى السلطة في تسع دول بأمريكا اللاتينية. وبدأ الجيل الأول من زعماء اليسار يصل إلى سدة الحكم مع تولي "هوجو شافيز" رئاسة فنزويلا عام 1999، ثم فوز"ريكاردو لوجوس" برئاسة شيلي عام 2000، و"لولا دا سيلفا"، مؤسس حزب العمال، بالانتخابات الرئاسية في البرازيل عام 2002، وأعقبها سيطرة الحزب البيروني على مقاليد السلطة في الأرجنتين (الزوجان نيستور وكريستينا كيرشنر) خلال الفترة ما بين 2003 -2015، ثم وصل حزب الحركة من أجل الاشتراكية بزعامة "إيفو موراليس" إلى السلطة في بوليفيا عام 2006، أما الرئيس الاشتراكي "رفائيل كوريا" فيحكم الإكوادور منذ عام 2007، وتلى ذلك وصول اليسار للحكم في كل من باراجواي عام 2008، وبيرو عام 2011.

ومع ذلك، فقد خالفت نتائج  الانتخابات الرئاسية في الأرجنتين وبيرو وكذلك الانتخابات التشريعية في فنزويلا هذا التوجه. والهزائم الانتخابية المتعاقبة، التي منيت بها الحكومات اليسارية خلال أقل من عام، إلى جانب انتهاء حكم اليسار في البرازيل، مع عزل الكونجرس الرئيسة "ديلما روسيف" في أغسطس 2016، وكذلك انخفاض معدلات تأييد الحكومات اليسارية في بعض الدول، خاصة فنزويلا وشيلي، دفعت العديد من الباحثين والمحللين الغربيين للإعلان عن صعود اليمين، ونهاية اليسار في أمريكا اللاتينية.

وفي هذا الإطار، مثلت نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في الإكوادور، التي جرت في19 فبراير 2017، اختبارا جديدا لليسار في أمريكا اللاتينية؛حيث أسهمت، بشكل مؤقت، في عرقلة تمدد اليمين، مع دخول مرشح الحزب الاشتراكي الحاكم، ونائب الرئيس "لينين مورينيو" في جولة إعادة مع مرشح اليمين، والتي من المقرر أن تجري في 2 أبريل، وذلك بعدما نجح تيار اليمين في تحقيق نجاحات انتخابية ملحوظة في أمريكا اللاتينية خلال عامي 2015 و2016. ففي 25 أكتوبر 2015، فاز المرشح المحافظ "جيمي موراليس" برئاسة جواتيمالا، وفي 22 نوفمبر 2015، فاز اليميني مرشح المعارضة "موريسيو ماكري" في الانتخابات الرئاسية الأرجنتينية. وبعد ذلك بأسبوعين - في 6 ديسمبر2015- هزم يمين الوسط في فنزويلا - ممثلا في طاولة الوحدة الديمقراطية- الحزب الاشتراكي الموحد لفنزويلا في الانتخابات البرلمانية، كذلك فاز المرشح الليبرالي المحافظ "بيدرو بابلو كوزينسكي" في الانتخابات الرئاسية التي جرت في بيرو في يونيو 2016.

ثانيا: أسباب صعود اليمين وتراجع اليسار

كثيرة هى العوامل التى زادت من زخم اليمين فى القارة اللاتينية، وأدت فى الوقت نفسه إلى تراجع موقع وموضع اليسار، وتأتى على النحو الاتى:

(1) سوء الأوضاع الاقتصادية:

تعد الأحزاب اليمينية هي المستفيد الرئيسى من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في المنطقة. وثمة ارتباط واضح بين خسائر اليسار في الانتخابات في كل من الأرجنتين وفنزويلا وبيرو، وتراجع شعبيته في بعض الدول الأخرى، كالبرازيل من جهة، واستياء المواطنين من تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة من جهة أخرى. ويمكن أن يعزى الركود الاقتصادي الذي تشهده معظم دول أمريكا اللاتينية إلى الإدارة الاقتصادية السيئة من قبل حكومات اليسار، إلى جانب تدهور أسعار السلع الأساسية، بسبب تباطؤ معدل النمو في الاقتصاد العالمي فضلاً عن زيادة مطالب الطبقة المتوسطة والضغوط التي مارستها على حكومات اليسار التي تعهدت بزيادة الإنفاق الاجتماعي.

(2) انتشار الفساد

من الأسباب الأخرى لصعود اليمين وتراجع شعبية الحكومات اليسارية، تذمر وإحباط الناخبين من انتشار الفساد الحكومي. فمعظم حكومات اليسار ظلت في السلطة لمدة عشر سنوات أو أكثر، مما أسهم في نمو الفساد وانتشار صفقات التمويل غير القانوني للحملات الانتخابية، من أجل استمرار الحكومات في السلطة لأطول فترة ممكنة. فعلى سبيل المثال، تم عزل "ديلما روسيف" في البرازيل في أغسطس الماضي، على خلفية مزاعم بتلاعبها في حسابات الموازنة العامة للدولة خلال حملة إعادة انتخابها عام 2014.وفي الأرجنتين، تواجه الرئيسة السابقة "كيرستينا كيرشنر"، منذ أن تركت منصبها في ديسمبر 2015، اتهامات بالتلاعب في حسابات البنك المركزي، والفساد وغسل الأموال. هذا بالإضافة إلى الاتهامات بالكسب غير المشروع التي طالت بعض أعضاء الحكومة اليسارية برئاسة "ميشيل باشليت" في شيلي، وأفراد من عائلتها.

(3)غياب القيادات الكاريزمية وأزمة الجيل الثاني في اليسار اللاتيني:

رغم النجاحات التي حققها الجيل الأول من زعماء اليسار، فكان الجيل الثاني من الرؤساء اليساريين أقل كاريزمية وقدرة على إدارة مقاليد الحكم، بالمقارنة بقادة الحركات الشعبوية الذين وصلوا إلى السلطة لأول مرة في أمريكا اللاتينية منذ أكثر من عقد من الزمان. فعلى سبيل المثال، وصلت كريستينا كيرشنر إلى السلطة في الأرجنتين عام 2007، ثم أعيد انتخابها لولاية ثانية عام 2011، استناداً إلى شعبية زوجها الرئيس الراحل "نيستور كيرشنر". ولكنها أثبتت مهارة أقل في حكم البلاد مما كان عليه سلفها.وفي البرازيل، فشلت "ديلما روسيف" في حل المشكلات الاقتصادية التي واجهت البلاد، بالمقارنة بما وصل إليه معلمها "لولا دا سيلفا"، الذي حكم البلاد لولايتين رئاسيتين من 2003 إلى 2011. وتم عزلها من منصبها قبل اتمام فترة ولايتها الثانية. وفي فبراير 2016، تبددت آمال الرئيس "ايفو موراليس" في بوليفيا لشغل ولاية رئاسية رابعة بعد خسارته في الاستفتاء الشعبي على تعديل الدستور. وفي فنزويلا، يواجه "نيكولاس مادورو"، مهمة صعبة من أجل مواصلة البناء على الثورة البوليفارية الشعبوية التي أطلقها الرئيس الراحل "هوجو شافيز".

ثالثا: حدود صعود اليمين وتراجع اليسار في أمريكا اللاتينية:

في الواقع، أضعفت هزيمة اليسار في الأرجنتين، وفنزويلا، وبيرو، والبرازيل، وباراجواي، بشكل مؤقت، مكانة الأحزاب اليسارية في أمريكا اللاتينية،لكنها في الوقت نفسه، كشفت عن حدود صعود اليمين وتراجع اليسار في المنطقة، وذلك على النحو الآتى:

(1) إن القول بهزيمة وانحسار اليسار في أمريكا اللاتينية هي مسألة أوسع نطاقا من فكرة الهزائم الانتخابية، بالنظر إلى محاولات بعض الحكومات اليسارية القائمة البقاء، ومواجهة المشكلات التي تتعرض لها. والأمر مرهون بما إذا كان التراجع الواضح في الدعم الشعبي لهذه الحكومات سوف يترجم إلى مزيد من الخسائر الانتخابية، لاسيما إذا تحسن الوضع الاقتصادي، خاصة أن عام 2017سوف يشهد انتخابات حاسمة في تاريخ المنطقة، وهي الانتخابات التشريعية في الأرجنتين في 22 أكتوبر، والانتخابات الرئاسية في شيلي في 19 نوفمبر، والتي ستكون - كاشفة إلى حد كبير- عن توجهات المواطنين في أمريكا اللاتينية نحو مزيد من التحول إلى اليمين أو استمرار اليسار في الحكم.

(2) إذا كانت نتائج  الانتخابات اللاحقة سوف تسهم في وصول المزيد من الحكومات اليمينية إلى السلطة، فإن استمرار هذا التوجه مرهون بقدرة هذه الحكومات على الحفاظ على نفوذها وسلطتها. إذ تواجه حكومات اليمين التي وصلت إلى السلطة على حساب حكومات يسار الوسط في المنطقة العديد من التحديات، وخاصة في البرازيل والأرجنتين. فالاتهامات بالفساد تلاحق الرئيس البرازيلي ميشال تامر، فضلا عن الشكوك في شرعية توليه رئاسة البلاد، حيث نظمت المظاهرات، احتجاجا على الاتهامات بالفساد التي طالت ستة من أعضاء حكومة تامر، مما دفعهم إلى تقديم الاستقالة.كذلك طالت الاتهامات بالفساد تامر نفسه، بشأن مزاعم تورطه في فضيحة فساد شركة الأشغال العامة العملاقة "اوديبريشت"، وتلقيه ملايين الدولارات لتمويل حملات حزبه "الحركة الديمقراطية البرازيلية" (يمين الوسط)، عندما كان نائبا للرئيسعام 2014.وفي الإطار نفسه، يواجه الرئيس الأرجنتينى باتهامات بالفسادعلى خلفية فضيحة "وثائق بنما" التي كشفت عن تعاملات مالية مشبوهة لماكري، وتعمده -بنية سيئة- عدم الكشف عن كامل المعلومات في إعلانه عن أصوله المالية، عندما أصبح رئيس بلدية بوينس آيرس في عام 2007 أو رئيسا عام 2015.

(3) بالرغم من غموض المستقبل الانتخابي للحكومات اليسارية، فليس هناك من شك في أن إرثيها السياسي والاجتماعي سوف يدوم؛ فسياسات إعادة التوزيع، والخدمات الاجتماعية التي تديرها الدولة لا تزال تحظى بشعبية كبيرة لدى الناخبين في أمريكا اللاتينية. كما كانت الحكومات اليسارية ناجحة في تقليل معدل الفقر، والتفاوت الاجتماعي، وتعزيز التنوع، فضلا عن تدعيم التكامل السياسي والاقتصادي بين دول القارة، حيث نجحت في إخراج نحو 56 مليون شخص من براثن الفقر، لذلك فإن القول بالتراجع عن سياسات الرفاه الاجتماعي التي تبنتها الحكومات اليسارية من المؤكد أن يثير، بل أثار بالفعل، احتجاجات شعبية واسعة النطاق، وبالتحديد في كل من البرازيل والأرجنتين.

(4) الافتراض الشائع بأن أحزاب اليسار ويسار الوسط هي حزمة واحدة، ترتفع وتنخفض معا، مع كل خسارة انتخابية، على نحو يخلق ما يسمى بـ تأثير "الدومينو السياسي" في جميع أنحاء المنطقة، هو افتراض يتجاهل تنوع تيار اليسار الذي يتألف من حكومات تستخدم أساليب واستراتيجيات متنوعة. فرغم أن موجة المد الوردي في أمريكا اللاتينية أصبحت بالنسبة للكثيرين مرادفا للـ "الشعبوية" و"اليسارية الراديكالية"، فإن اليسار اللاتيني يشهد تنوعاً كبيراً في الأهداف والاستراتيجيات، بدءاً من السياسات الشعبوية في فنزويلا وبوليفيا والإكوادور إلى الإصلاحات المعتدلة في البرازيل وشيلي، التي أبقت إلى حد كبير، على السياسات الاقتصادية الليبرالية، مع مزيج من السياسات الاجتماعية المبتكرة. هذا التنوع وعدم التجانس في تيار اليسار يجعل من الصعب التنبؤ بمستقبل هذا التيار في أمريكا اللاتينية.

(5)على الرغم من الخسائر الانتخابية والتراجع في معدلات الدعم الشعبي التي تعاني منها الحكومات اليسارية، فإنه لا يزال من السابق لأوانه إعلان موت اليسار في أمريكا اللاتينية.
فلا يزال يحظى عدد من الرؤساء اليساريين بتأييد شعبي كبير، من ذلك الرئيس البوليفي الذي يحظى بتأييد شعبي واسع النطاق، ولاتزال حكومات يسار الوسط في نيكاراجوا والإكوادور تتمتع بدعم وتأييد شعبي واسع، في حين تتدنى شعبية حكومات يمين الوسط في المكسيك، وكولومبيا، والبرازيل، وباراجواي، وهندوراس.

(6) يظل العامل الأمريكي له تأثيره الواضح على التحولات السياسية الجارية في أمريكا اللاتينية. فقبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية، توقع العديد من المحللين أن يؤدي صعود الحكومات اليمينية في أمريكا اللاتينية إلى علاقات أوثق مع الولايات المتحدة الأمريكية. ولكن مع فوز "دونالد ترامب"، فإن الوضع أصبح أكثر غموضا، إذ لم يتحدث الأخير خلال حملته الانتخابية بشكل مستفيض عن توجهات سياسته الخارجية نحو أمريكا اللاتينية، وإن ركز فقط على قضايا الهجرة والسياسة التجارية، على نحو دفع الكثيرين إلى القول إن فوز ترامب سيسهم في عرقلة صعود اليمين في المنطقة.

·   ومن جملة ما سبق، يمكن القول إن الناخبين في أمريكا اللاتينية قاموا بمعاقبة أحزاب اليسار لسوء إدارتهم الاقتصادية للبلاد، وفضائح الفساد التي طالت عدد كبير من أعضائها. غير أن الأحزاب اليمينية هى الأخرى لم تعد في مأمن من "العقاب الانتخابي" من قبل الناخبين، إذا لم تنجح في تحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولا لجموع المواطنين..

القصد أن صعود اليمين فى القارة اللاتينية لا يعنى تراجع زخم اليسار أو تآكل حضوره، فكل تيار يحظى بحضور نوعى، لكنهما فى الوقت نفسه يعانيان من أزمات لا تخطئها عين، لاسيما ما يتعلق بمؤشر الديمقراطية، فالسلوك الديمقراطى لليمين واليسار يكشف عن تراجع قيم الديمقراطية، وأن ظلت آلياتها الإجرائية قائمة، وهو الأمر الذي ينذر بتداعيات سلبية على التجربة اللاتينية التي ظلت لأكثر من عقد أنموذجاً ديمقراطياً.

عن الكاتب : باحثة متخصصة فى شؤون أمريكا اللاتينية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق