صحف و دوريات
انتخاب ماكرون وانحسار موجة الشعبوية في أوروبا/ جان لويس بورلانج
2017/05/18
0
140
66
العدد :

جان لويس بورلانج

الحياة

17/5/2017

انتخاب ماكرون وانحسار موجة الشعبوية في أوروبا

في التاريخ «حقبات» تنذر لإدارة الشؤون السائرة والعادية، و «حقبات» أخرى هي أبرز لحظات حياة شعب من الشعوب، على قول شارل بيغي (كاتب، 1873-1914). ويبدو اليوم أن فرنسا، بعد سنوات من الرتابة والتفاهة، تعيش في «عصر» (مرحلة تاريخية يسمها حادث بارز بسمته) يصل وشائج الحاضر بحوادث التاريخ البارزة. ومثل هذه اللحظات المميزة في القرنين الأخيرين لا يزيد عددها في فرنسا عن عدد أصابع اليد الواحدة. وفي العشرين سنة الأخيرة، كنا على هامش التاريخ وفجأة اكتشفنا أننا نخوض ثورة ثلاثية: نزع الأهلية عن الثنائية الحزبية التي كانت مهيمنة (اليمين- اليسار) إثر عجزها عن الابتكار واجتراح الحلول والإنتاج؛ وثورة جيلية على وقع توجيه رجال ونساء مولودين بعد 1968 دفة الشؤون العامة، وهو جيل أقصاه جيل «البايبي بومرز» (جيل الانفجار السكاني المولود بعد الحرب العالمية الثانية) عن المسؤوليات العامة؛ وثورة جغرافية سياسية يغلب عليها انتهاء دورة أو طور الانطواء على الهوية ومعاداة أوروبا- وبدأت المرحلة هذه قبل عقدين؛ والعودة الى الضرورات أو المقتضيات الأوروبية في مواجهة اضطراب يعصف بقيم أوروبا وأمنها بسبب التطرف الإسلامي واختلال التوازن في عولمة منفلتة من كل عقال سياسي، من جهة، وفي مواجهة خطر عقد مؤتمر يالطا جديد بين الثنائي الأميركي – الروسي الذي لا يتستر على مناوأته الاتحاد الأوروبي واستقلال الأوروبيين، من جهة أخرى. واليوم، نحن أمام دورة أو طور تاريخي جديد يدور على مرأى من عيوننا، إثر الاقتراع الفرنسي.

ويقال إن الرئيس الفرنسي المنتخب لن ينال غالبية في الانتخابات التشريعية. ولكن انتظار النتائج واجب. واليوم، نمرّ في مرحلة انهيار «الحزب الاشتراكي» وانزلاقه الى دوامة الموت- ووقع موته وقع الفجيعة على ملايين الفرنسيين الذين يتمسكون بهذا الطيف المتلاشي وبأسطورة اتحاد اليسار. ونحن أمام اضطراب معسكر اليمين وتشوشه، إثر افتقاره الى قائد والانقطاع الأيديولوجي بين ورثة القومية المستبدة ومعاداة الأجانب من جهة، وبين يمين يرفع لواء مجتمع حر ومنفتح على أوروبا- وهو اضطر الى تفكيك برنامجه الرئاسي كله على وقع تنازعه بين من هم مستعدون للدوران في فلك إيمانويل ماكرون وبين من يرغبون في إحياء النظام السياسي القديم والثنائية الحزبية الآفلة، من جهة أخرى. والحق يقال إن انفراط عقد اليسار الفرنسي سبق نظيره في صفوف اليمين، ولكنّ الحزبين هذين «يمضيان قدماً» (في إشارة الى حركة ماكرون «الى الأمام» أو «قدماً») في الانهيار. واليسار التقليدي لفظ أنفاسه الأخيرة. ويبدو أن اليمين التقليدي لن تقيض له الحياة بعد الانتخابات التشريعية. واليسار مصاب في صميم أسطورته المؤسسة عن وحدته الجوهرية والثابتة. واليمين مصاب في مشروعه وفي استراتيجيته، ولكنه لم يزعم يوماً الوحدة أو الصفوف المرصوصة. لذا، قد يكون قادراً على التكيف. ولا يخفى أن هذه الأزمة المزدوجة لن تطوي قيم الحزبين هذين، فالأول (اليمين) يرفع لواء الحرية، والثاني المساواة والعدالة، بل ستقيض لها (القيم هذه) حياة جديدة في شكل جديد في التوليفة الماكرونية.

والانقسام اليميني- اليساري لم ينقضِ بعد، ولم تطوَ حساسياته بعد. وفي الإمكان القول إن فرنسا خرجت من عهد المواجهة بين تيارين نقيضين ومتناقضين كما «الضوء والليل»، على قول جاك لانغ في 1981، إلى عهد تلتقي فيه الظلال والأضواء وتتدرج، وتمتزج في خليط قيم اليسار واليمين من حرية ومساواة. ولكن الشقاق بين بعض قيم اليسار واليمين بائن ويتعاظم، وهو وثيق الصلة بمسائل مثل قبول أو رفض الاقتصاد المفتوح والبنيان الأوروبي. ولكن الشقاق هذا لم يعد فحسب بين اليمين واليسار وانتقلت عدواه الى صفوف معسكريهما الداخلية. وترمي «الثورة الماكرونية» الى إرساء الانقسام على ترتيب جديد: الانقسام بين اليمين واليسار على حاله، ولكنه ثانوي قياساً على الشقاق بين مؤيدي الانفتاح ومعارضيه من دعاة الانغلاق.

والماكرونية مزيج من الديغولية والوسطية. وصلة إيمانويل ماكرون بالفرنسيين مباشرة من غير وسيط. وهو يمثل نهضة ما سمي في عهد الجمهورية الرابعة «القوة الثالثة»، أي مساومة حكومية بين الاشتراكيين المعتدلين والديموقراطيين – المسيحيين والليبراليين الاجتماعيين.

وفي الأشهر الأخيرة، انحسر الطعن في الاتحاد الأوروبي ولم يعد عاصفاً ولا مهيمناً. وبدأت مرحلة كره أوروبا قبل عشرين عاماً مع تبدد الخطر الروسي موقتاً وبروز آثار العولمة المزعزعة للاستقرار. وساهمت كراهية أوروبا والطعن فيها في تهميش الأحزاب المسيحية - الديموقراطية، فيما خلا في ألمانيا، وألمت أزمة بارزة بالتيار الاشتراكي – الديموقراطي، وبرزت أحزاب شعبوية فأصيبت عجلة الاتحاد الأوروبي بالشلل. وعلى رغم البريكزيت، يبدو أن أوروبا تخرج، اليوم، من هذه المرحلة مع انبعاث الخطر على وقع مواقف بوتين المهددة والتخلي الأميركي عن أوروبا واضطرابات الشرق الأوسط. والخطر هذا يتربص بشعوب أوروبا الغربية. فقيم أوروبا ومصالحها وأمنها وفكرة الإنسان وحقوقه- أي ما أنجزته أوروبا في القرون الخمسة عشرة الماضية- لن تنجو وتزدهر ما لم ندافع عنها. ولن تقيض الحياة للأوروبا في العقد المقبل ما لم تشرع أبواب أوروبا الحريات على التضامن الأوروبي وما لم تتسلح فتبرز أوروبا الدفاع أو القوة الدفاعية المشتركة.

وغرق حزب «الجبهة الوطنية» يعتق فرنسا في الأمد القصير من كابوس بلوغه السلطة. وتذرر اليسار يطلق عنان قوى اجتماعية ساخطة وقوى احتجاج قد تنزلق الى العنف. فالمجتمع الفرنسي بالغ التذرر والانقسام على نفسه. وكل يرى أنه عدو الآخر. والحاجة ماسة الى إصلاحات تُدرج في سياق أوسع يرفع القيود ويحرك عجلة المجتمع. ويبدو أن إيمانويل ماكرون قادر على النزول على حاجات بلاده.

* نائب أوروبي سابق، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 11/5/2017

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق