انتخابات
فوز روحانى والانتقال المستعصى من الثورة إلى الدولة فى إيران
2017/06/10
بقلم بشير عبد الفتاح
0
247
66
العدد :


                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                     
ما إن أعلن عن فوز الرئيس المعتدل حسن روحانى بفترة رئاسة ثانية، إثر حصوله فى انتخابات الدورة الثانية عشرةلرئاسة الجمهورية، التي أجريت في 19 مايو الماضى ،على 57% من الأصوات (23مليوناً و549 ألف و616 صوتًا)، حاصدا بذلك نسبة تصويت تفوق 50.7% التي نالها في الانتخابات الرئاسية السابقةالتي أجريت في يونيو 2013 ، وبفارق أكثر من تسعة ملايين صوت عن منافسه المحافظ إبراهيم رئيسي ،الذى حصل على  38.5% (15 مليوناً و786 ألفاً و449 صوتًا)، بنسبة مشاركة بلغت 73 % ، حتى رأى بعض المراقبين فى فوز روحانى إشارات لميل إيران أكثر باتجاه الإصلاح ،على نحو من شأنه أن يمهد السبيل لإتمام انتقالها المزمن والمستعصى من الثورة إلى الدولة.

تراجع الأصوليين:

ارتكن أصحاب هذا التصور التفاؤلى على عدة معطيات ،أهمها:تنامى التوجه الإصلاحى الاعتدالى لدى روحانى خلال الآونة الأخيرة، فرغم أنه صنف حتى عام 2000 كمحافظ قبل أن يتقارب أكثر مع المعتدلين والإصلاحيين ويغدو خليفة لرفسنجاني، فيدعم حقوق الأقلية السنية والمرأة، ويقدم الشكر للرئيس الإصلاحى الأسبق محمد خاتمى، الذى جاهر بدعمه  فى الانتخابات، متحديا حظرا مفروضا على ذكره، علنا، كونه صاحب دعوة "الحاكمية للشعب" فى مواجهة مبدأ "الحاكمية للمرشد"،الذى يتبناه المحافظون والأصوليون المتشددون، ويعتبر الخروج على إرادة المرشد خروج على إرادة الله.

وبالتوازى، أظهرت الانتخابات الرئاسية الأخيرة انجذابا لافتا من قبل الشعب الإيرانى باتجاه التيارالإصلاحى، ورفض سطوة رجال الدين المتشددين، فقد انحازت غالبية الإيرانيين للمرشح حسن روحاني وأسقطت إبراهيم رئيسي مرشح المرشد والأصوليين المحافظين والحرس الثوري للرئاسة،والمرشح لخلافة المرشد في منصب ولاية الفقيه، مما يعني أن الإيرانيين صوتوا ضد إرادة المرشد مرتين فى اقتراع واحد.

وبذلك،يكون فوز روحانى على منافسه الأصولى المتشدد، إبراهيم رئيسى ،المرشح المدعوم من المرشد الأعلى ، قد شكل الضربة الثالثة من نوعها للولى الفقيه ، حيث كانت الضربة الأولى فى الانتخابات الرئاسية لعام 1981 ،حينما فاز المرشح الليبرالى، أبو الحسن بنى صدر، على المرشح المحافظ المدعوم من المرشد ،فى حينها،حسن حبيبى، بينما جاءت الضربة الثانية فى الانتخابات الرئاسية لعام 1997، حينما فاز المرشح الإصلاحى المعتدل، محمد خاتمى، على منافسه الأصولى المتشدد وقتذاك، علي أكبر ناطقنوري.وفى الانتخابات الأخيرة،جاءت الضربة الثالثة بفوز روحانى بعدما أعلنت "جمعية مدرّسي حوزة قم العلمية"، التي يتمحور عملها حول التعاليم الشيعية تأييدها للمرشح المتشدد، إبراهيم رئيسي، شأنها شأن "مجمع علماء الدين المجاهدين" في طهران الذي يخضع لإشراف "جبهة ثبات الثورة الإسلامية" التابعة للمرشد الأعلى، آية الله علي خامنئي، ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشيخ المحافظ النافذ، آية الله محمد تقي مصباح اليزدي. بيد أن جميع المرشحين للرئاسة الذين أيدتهم هذه المؤسسات منذ عام 1997 مُنيوا بالخسارة، ومن ضمنهم المرشحين الذين خسروا الانتخابات الرئاسية الأخيرة أمام الرئيس الحالي، حسن روحاني .

ولقد أكدت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة أن التيار الأصولي المتشدد فقد الكثير من مكانته وشعبيته.فمن جهة،هناك تراجع فى شعبية التيار الدينى المتشدد، الذى بدأ يخسرسلطته الاجتماعية التي بلغت مستويات عليا في السابق. فإلى جانب تراجع دوره في إدارة الشعائر والاحتفالات الدينية بشكل ملحوظ على مدى العقدين الماضيين، لمصلحة حلول المدّاحين محلّهم في الكثير من هذه المهمات والفرائض،برز جليا غيابه عن الحملات السياسية والانتخابية. فبعدما كان النظام يعتمد سابقاً على رجال الدين للتأثير على المواطنين وحثهم على اتّباع توجيهاته، أصبح اليوم يلجأ إلى نجوم السينما والفنانين والرياضيين للتحدث إلى الشعب عن السياسة وحتى عن الأخلاق، والترويج للمرشحين المحسوبين على المرشد والحوزة الدينية فى أية انتخابات، وهو ما وضع هذا التيار فى مأزق . ففى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، على سبيل المثال،خسر الأصوليون المتشددون المنافسة ،رغم  تورط المرشح الرئاسى الخاسر، إبراهيم رئيسى، في الظهور مع أحد مطربي الراب الممنوعين في البلاد، الأمر الذي أتى بنتائج عكسية، بعدما أظهر تناقضاً لافتا بين ما يقوله لمرشحيه وما يفعله ويعتقد به أساسا. فالمعروف عنه أنه من أشد معارضي إقامة الحفلات الغنائية في مدينة مشهد، الأمر الذي انعكس سلبا على شعبيته وأظهره كشخصية سياسية منافقة تكيل بمكيالين لدى الرأي العام.

ومن جهة أخرى،شكل تفاهم واشنطن ودول الخليج، خلال زيارة ترامب إلى السعودية فى مايو الماضى، بشأن التهديد الإيرانى ودعم إدارة ترامب لأمن الخليج فى مواجهة التهديدات الإيرانية ،عاملا محفزا لحمل روحانى على إعادة النظر فى سياسات بلاده، حيث أكدت مخرجات القمم الثلاث التى استضافتها الرياض على أن الخطر الإيراني يضارع الخطر الذي تمثّله التنظيمات المتطرّفة والإرهابية من نوع "داعش"،كما مهدت السبيل لمأسسة التحالف الإقليمى المدعوم أمريكيا ضد إيران.

ولقد تزامن فوز روحانى مع تراجع لافت فى حضور الأصوليين داخل المؤسسات المنتخبة فى إيران ،حيث مُني الأصوليون نهاية شهر مايو بهزيمة أخرى في مجلس الشورى (البرلمان) ، فى أثناء انتخابات هيئة رئاسة المجلس، إذ احتفظ علي لاريجاني برئاسة البرلمان، كما أُعيد انتخاب نائبين ينتميان إلى تكتل الأمل الإصلاحي نائبين له، حيث نال لاريجاني أصوات 204 نواب من 268حضروا الجلسة ، فيما حصل مسعود بزشكيان على 179 صوتاً واحتفظ بمنصب نائب أول للرئيس، وعلي مطهري على 163 صوتاً واحتفظ بمنصب نائب ثانٍ له. في المقابل، فشل الثنائي الأصولي حميد رضا حاجي بابائي، وهادي قوامي، المنتميان إلى تكتل "الولائيون"، في مقارعة بزشكيان ومطهري.وبينما اعتبر الناشط الإصلاحي عبدالله ناصري أن لاريجاني نجح في إبعاد المتشددين عن هيئة رئاسة البرلمان، بعدما دعم برامج الرئيس حسن روحاني،أكد أحمدي نجاد أن نتائج الانتخابات كانت طبيعية، إذ عكست الحجم الحقيقي للأصوليين،مشددا على أن التيار الأصولي مات ولم يبقَ منه شيء.

ومن جهة أخرى، أدى السباق المكتوم على الاستئثار بالسلطة ما بين المرشد والحوزة الدينية من جانب، والحرس الثورى من جانب آخر خلال العقدين المنقضيين إلى ظهور نجوم سياسيين من خارج المؤسسة الدينية التقليدية،كان من أبرزهم الرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد ،وهو سياسي من خارج المؤسسة الدينية وصل إلى السلطة بدعمٍ من الحرس الثورى وتفوق على آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني في صناديق الاقتراع عام 2005 ،مما شكّل حدثاً مهماً في مسار تحوّل الجمهورية الإسلامية من حكومة يترأسها رجال الدين إلى نظام يقوده "إسلاميون من خارج المؤسسة الدينية" الذين يوظفون دعم رجال الدين للحفاظ على شرعيتهم فحسب. وكان الحرس الثوري الإسلامي الإيراني المحرك الرئيسي لهذا التغيير.

وقد بلغ قلق رجال الدين من تراجع نفوذهم حدّ عقد الندوات لمناقشة هذا الأمر على الملأ. ففي عام 2016، قام "مكتب التوعية الإسلامية"، وهو منظمة دينية ضخمة تابعة للنظام وخاضعة لإشراف خامنئي، بعقد ندوة تحت عنوان "الهيبة السياسية الاجتماعية لرجال الدين في العقد الرابع للجمهورية الإسلامية". وتطرق المتحدثون إلى أسباب تراجع مكانتهم السياسية والاجتماعية، وأقرّوا بأن المشكلة وصلت إلى مرحلة حاسمة.وتكمن أزمة تراجع مكانة رجال الدين شيئاً فشيئاً داخل النظام السياسى الإيرانى، فى تداعياتها الخطيرة المتمثلة فى لجوء السلطة الروحية إلى تغليب الاعتماد على التدابير الأمنية والعسكرية أكثر من الحسابات الدينية لضمان الاحتفاظ بنفوذها وبقاء نظام الولى الفقيه.

وبينما أكد الرئيس الأسبق، محمود أحمدي نجاد، في مقابلة أجرتها معه قناة فرنسا 24العربية ،في 3 مايو الماضي، أن "نموذج الديمقراطية الخاضعة للسيطرة" قد وصل إلى نهايته،تحدث محللون إيرانيون عن تحول الجمهورية الإسلامية من تجربة "الثيوقراطية" إلى نمط "الديكتاتورية العسكرية"، وذلك على خلفية تعاظم دور الأجهزة الأمنية والعسكرية وعلى رأسها الحرس الثورى،التى ساعدت جبهة الخميني في صراعه ضد حلفائه الثوريين، كجماعة مجاهدي خلق، كما عملت كثقل مضاد للمؤسسة العسكرية النظامية الموالية للشاه. ويعتبر الحرس الثوري الإيراني، الذى تأسس في 5 مايو/ أيار عام 1979 بهدف حماية الثورة ومكتسباتها، ويناهزعدد قواته 125 ألف مجند و90 ألف متطوع و300 ألف احتياطي، موزعين على أسلحة البر والجو، ويمتلكون أسلحة نوعية حديثة،الذراع الأقوى لصناعة وتنفيذ السياسة الخارجية الإيرانية، ولقد مكنه دوره في تصدير الثورة الإيرانية من تأكيد مكانته وأهميته في الأمن القومي الإيراني،إلى الحد الذى أتاح له ،بمرور الوقت،ترجمة ذلك النفوذ الأمنى الهائل إلى دور سياسي بارز.  

التوجه الحذر نحو الإصلاح:

خلال ولايته الرئاسية الأولى،حاول روحانى بهدوء سحب البساط من تحت أقدام الحرس الثورى،ولو من بوابة الاقتصاد،الذى امتد دور الحرس فيه إلى قطاعات النفط والغاز والاتصالات والإنشاءات، حتى لا يستثيره و كيما يكسب أرضية داعمة لهذا التوجه.ففي الخطاب الذي ألقاه خلال حملته الانتخابية في 27 نيسان/أبريل الماضى، طلب من الشركات والوكالات الاستخبارية التابعة لـ الحرس الثوري أن تكفّ عن إضعاف القطاع الخاص. وفي عام 2014 ،اعتبر روحانى أن خضوع أموال إيران، وإمكاناتها العسكرية، ووسائل إعلامها، وفضائها السيبراني لمؤسسة الحرس الثوري الإسلامي، سيجعل هذه المؤسسة فاسدة بالضرورة.وانتقد مطالبة قائد الحرس السابق، "محسن رضائي"، المحسوب على تيار المحافظين، بتسليم إدارة الاقتصاد للحرس؛ بدعوى فشل إدارة الملف الاقتصادي في البلاد ،معتبرا إياها مسوغا  لإبعاد القوات المسلحة عن مهامها الأصلية والتأثير على كفاءتها فى الاضطلاع بتلك المهام، الأمر الذى يتنافى و مضمون المادة 147 من الدستور الإيراني، التي تنص على مهام للجيش في "دعم الحكومة في المجالات الإنتاجية والإغاثة والتدريب والإعمار،شريطة ألا تترك هذه الأمور أية تأثيرات سلبية على قابلياته الدفاعية".

وبناء عليه،ظن البعض أن صعود روحانى بعد فوزه بولاية رئاسية ثانية قد يفتح الباب أمام انتقال إيران من الثورة إلى الدولة ،بما يمهد السبيل لإدخال تحولات سياسية إيجابية مهمة ،كتقليص صلاحيات مرشد الجمهورية الإسلامية، أو بالأحرى انتقالها من مؤسسة حكم إلى مؤسسة نصح تمثل قيمة معنوية ورمزية ودينية للشعب الإيرانى، وتعبر عن الثقافة السياسية الشيعية المتجذرة فى المجتمع،بدلا من صلاحياته الواسعة .

تعثر التغيير:

وسط الآمال المعلقة على روحانى داخل إيران وخارجها من أجل التغيير والانفتاح على صعيد السياستين الداخلية والخارجية،بدأ روحانى يبدى إشارات توحى بغير ذلك.

ففى أول مؤتمر صحفى له بعد الانتخابات،بدأ روحانى يتراجع عن هجومه ضد المرشد والحرس الثورى. فبعدما شن حملة ضد الأخيرخلال الانتخابات ، دفع في أول مؤتمر صحافي بعد الانتخابات يوم 22 مايو الماضى، باتجاه التهدئة مع الحرس الثوري ،وتحدث روحاني بنبرة معتدلة عنه بقوله إن الشعب الإيراني رفض تنزيل مكانة المرشد والحرس الثوري والباسيج، لأنها ملك جميع الإيرانيين، مضيفا أن الشعب يحب القوات المسلحة، لكنه يرفض أن يتحول جهاز وطني إلى جهاز حزبي.وبذلك،يكاد يتلاقى موقف روحانى من تقليص نفوذ الحرس الثورى مع الخمينى، حيث حاول الأخير نهاية عهده إنهاء الازدواجية فى المؤسسة العسكرية ،خاصة بعد زوال الأسباب الداعية لإنشاء الحرس ،ومن ثم شكّل لجنة بهدف دمج الحرس بمؤسسات الجيش،وحظيت بدعم رفسنجانى، ولكن لم يتسنّ متابعة أعمال اللجنة حتى وفاته. وقام علي خامنئي إثر تعيينه بدلا منه عام 1989بحلّ اللجنة حتى لا يفقد دعم حليف قوى له.

وفى مشهد لا يخلو من دلالات مهمة،وبعدما انتقد روحاني ضمنيا مناقشة وثيقة اليونسكو 2030 التعليمية ،التى وعد بتطبيقها، وفق المعايير الإيرانية ،في الانتخابات لضرب علاقته بالإيرانيين، أعلن روحانى تراجعه عن التوقيع على الوثيقة،التى طالتها اتهامات المرشد والأصوليين المتشددين بأنها ضد الدين،وهى الاتهامات التى تبناها  روحاني حتى إنه رفض الوثيقة.وبينما كان يتوقع منه كثيرون الوفاء بوعوده الانتخابية التي لم يتمكن من الإيفاء بها منذ 2013، ومن أبرزها إطلاق سراح السجناء السياسيين ،لاسيما،الزعيمين الإصلاحيين، مير حسين موسوي ومهدي كروبي الموضوعين رهن الإقامة الجبرية منذ عام 2011، تهرب روحاني من الرد على سؤال حول خطته لإنهاء الإقامة الجبرية عن الزعيمين الإصلاحيين ،كأهم مطالب أنصاره في الانتخابات الرئاسية، فى أثناء إلقائه خطاب النصر،حيث  اكتفى برد غامض، حينما أعلن أن الجهازين التنفيذي والتشريعي عليهما مسئوليات لكنهما يتحركان ضمن الأطر القانونية.

وفيما يخص السياسة الخارجية،وبعدما سبق وأبدى انزعاجه منها خلال حملته الرئاسية ،فيما انتقد الحرس خلال مناظرة تليفزيونية قبل الانتخابات لسعيه إلى إفشال الاتفاق النووي، عندما عرض نفقاً تحت الأرض يحتوى على عشرات الصواريخ كتب عليها: "الموت لإسرائيل"، عاد روحاني خلال مؤتمر صحافي عقده عقب فوزه بالرئاسة، وخاطب المسئولين الأمركيين بالقول: "إن إيران ستجري تجارب صاروخية، عندما تشعر بحاجة إلى ذلك ولن تنتظرهم،حيث وافقت طهران على الاتفاق النووي والقرار الأممى2231 حتى لا تخسر قوتها الدفاعية". وزعم روحاني أن صواريخ إيران من أجل السلام. وبعدها بأيام قلائل،أعلنت وكالة أنباء "فارس" ،نقلا عن أمير علي حاجي زادة ،رئيس القوة الجو فضائية بالحرس الثوري ،إقامة الحرس الثورى ثالث مصنع تحت الأرض للصواريخ الباليستية ،مؤكدا نية طهران مواصلة تطوير قدراتها الصاروخية بقوة.

وبعدما أعرب روحانى عن استعداد بلاده لإقامة علاقات وثيقة مع الدول العربية والإسلامية ،زعم أن مستشاري ودبلوماسيي بلاده وقفوا إلى جانب سوريا والعراق في مواجهة الإرهاب، مشدداً على أن إيران ستواصل دورها بقوة، وأنها مستعدة لتقديم الدعم لدول أخرى في المنطقة، على غرار سوريا والعراق. وأضاف أنه لا يمكن لأي طرف أن يدعي ثبات الأمن في المنطقة من دون إيران.

معوقات:

ثمة تحديات عديدة تحول دون مضى روحانى قدما على درب التغيير والإصلاح ،الذى توقعه كثيرون،لعل أهمها: أن تنشئته السياسية ،كما معظم مؤيديه، قد تكوّنت وتشكلت داخل النظام الثيوقراطي ومعتقداته وأسلوب عمله،كما لا تزال لدى التيار الأصولى وكذا إبراهيم رئيسي، قواعده الشعبية، ذلك أن أقل قليلاً من 16 مليون ناخب صوتوا له، فضلا عن دعم الحرس الثوري الذي يملك إمبراطورية صناعية ضخمة، وكذلك المرشد خامنئي، وهو التكتل الذى عرقل الكثير من الجهود والمساعى الإصلاحية لروحانى خلال مدة رئاسته الأولى، الأمر الذى من شأنه أن يزيد ،فى قابل الأيام،من حالة الاستقطاب داخل النظام السياسى الإيرانى،الذى اضطره الإفلاس الأيديولوجي إلى الاعتماد بشكل كبير على الجيش، والأجهزة الأمنية، ووكالات المخابرات،وهو ما دفع الناس إلى القبول بالنظام الحالى، رغم مثالبه،باعتباره الضامن الموثوق الوحيد في مواجهة حالة انعدام اليقين التى تخيم على منطقة تعج بالاضطرابات، ولا تزال أسيرة حالة السيولة الجيواستراتيجية.

وبرأسه يطل العامل الخارجى ،فأمريكيا،تمثل دعوة واشنطن على لسان وزير الخارجية الأمريكي، تيلرسون، عقب الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة،الرئيس روحانى للعمل على تفكيك شبكات الحرس الثورى والخلايا والميليشيات الموالية له قيدا على مساعى روحانى الإصلاحية،مخافة أن تفسر تلك المساعى على أنها امتثال للإملاءات الأمريكية ،ومن ثم يكيل خصومه له اتهامات بالعمالة لمصلحة واشنطن،التى شرعت فى فرض عقوبات جديدة على طهران عقب إعلانها عن إنشاء مصنع ثالث للصواريخ الباليستية تحت الأرض بعد فوز روحانى مباشرة.

أما روسيا، فيبقى التقارب الإيرانى معها محل تساؤل فى هذا السياق.ففى ظل ارتياب قطاعات شعبية واسعة داخل إيران حيال عائد التنسيق والتفاهم بين الجانبين داخل سوريا، يبدو الرئيس الروسى عازما على مواصلة النهج التفاهمى مع طهران فى عهد روحانى. فرغم أن ترامب لم يهنىء روحانى بالفوز بولاية ثانية،إلا أن بوتين هنأه،مؤكدا أن موسكو وطهران ستواصلان التعاون من أجل الحفاظ على الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط والعالم بشكل عام،مؤكدا أن الاتفاقات المبرمة بين البلدين فى أثناء زيارة روحاني الأخيرة  لموسكو، سيتم تطبيقها بالكامل، ومن بينها إنشاء روسيا 45 مفاعلا نوويا فى إيران، وتزويد روسيا لإيران بمنظومة صواريخ إس 300.

وعلاوة على ما ذكر آنفا، يتطلب الحديث عن حجم التغيير المحتمل فى إيران بعد فوز روحانى حديثا موازيا عن مصير المرشد الحالى،الذى ناهز السبعة وسبعين ربيعا فيما يحاصره المرض العضال، ما يضع هذا الحديث فى صدارة الاهتمام خلال الولاية الرئاسيةالثانية لروحاني.وثمة سيناريوهات ثلاثة محتملة فى خلافة خامنئي: أولها، أن يتمكن الحرس الثوري من تولي زمام الأمور، وتحديد من سيخلف المرشد،وساعتها،ستنزلق إيران إلى الديكتاتورية العسكرية، إثرهيمنة الحرس الثورى على مقاليد الأمور.والثاني،أن تستفيق المؤسسة الدينية وتستعيد عافيتها وتبسط سيطرتها على الأوضاع مجدداعبر الزج بأحد رجالاتها الأقوياء إلى منصب المرشد،لتبقى إيران فى قبضة الثيوقراطية الدينية المتحالفة مع القوى الأمنية والعسكرية.أما ثالثها،فيتمثل فى إخفاق الجناحين العسكرى والدينى عن حسم الأمر وفقا لرؤيتهما،الأمر الذى قد يزج بالبلاد إلى أتون حالة من الفوضى ربما تسفر عن أفول حقبة نظام الولى الفقيه،وتؤسس لمرحلة انتقالية يديرها تحالف يقوده روحانى ويتكون من المعتدلين والإصلاحيين بدعم من عسكريين، ورجال دين، وأعمال،  وشباب معتدلين .

وما بين هذا السيناريو أو ذاك،تبقى إيران أسيرة معضلة الانتقال العسير والمستعصى من الثورة إلى الدولة،متحدية بذلك منطق غالبية التجارب الثورية العالمية ،التى فضلت الانتقال إلى الدولة على عبثية الدوران الأبدى أو طويل الأمد فى غياهب الثورة. ففى حين  تخلى كل من  تروتسكي وماو تسى تونج، عن مبدأ "الثورة المستمرة"، لا يزال القادة السياسيون والدينيون والعسكريون الإيرانيون يتشبثون بالعيش فى كهف ثورة العام 1979ونظام الولى الفقيه، الذى وضعه الخمينى عقب الإطاحة بشركاء تلك الثورة من الليبراليين واليساريين ، فيما برحت البلاد حبيسة الازدواجية أو الثنائية المقيتة فى كل شىء،ما بين المرشد الولى الفقيه والمؤسسات الموالية له وغير المنتخبة، لكنها تحتفظ بنصيب الأسد من النفوذ والسلطة والثروة ، كالجيش والحرس الثورى والحوزة الدينية، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، والمجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، ومجلس الأمن القومي من جانب، والرئيس المنتخب،والمؤسسات المنتخبة الأخرى كالبرلمان والبلديات،على الجانب الآخر، وهى المؤسسات التى يدعمها غالبية الإيرانيين ولا يترددون فى تعزيز الوجود الإصلاحي فيها خلال جميع الاستحقاقات الانتخابية، لكنها ما برحت، رغم ذلك، تفتقر إلى أسباب القوة الحقيقية، ممثلة فى الموارد المالية أو السلطة الفعلية.

 

عن الكاتب : رئيس تحرير مجلة الديمقراطية السابق
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق