رؤى ديمقراطية
المشروع الوطنى الفلسطينى: تحديات وآفاق
2017/08/03
بقلم د.عبد العليم محمد
0
294
67
العدد :

القضية الفلسطينية وإدارة ترامب:

تراوح الموقف من تصريحات ومواقف الرئيس الأمريكى “دونالد ترامب”، أثناء الحملة الانتخابية وبعد فوزه، فى مختلف الدوائر السياسية العالمية ودوائر السياسة الخارجية المختلفة بين موقفين أولهما اعتبار هذه التصريحات وبالتحديد تلك التى سبقت صعوده إلى قمة الرئاسة، مجرد تكتيكات انتخابية لجذب أصوات الفئات التى أعارت انتبهاها لخطابه وشخصه، وأنها قد لا تتحول بالضرورة إلى مواقف رسمية للإدارة الأمريكية الجديدة، أما ثانيهما فقد أخذ هذه التصريحات والمواقف على محمل الجد وعملوا، من ثم، على تغيير الواقع واتخذوا إجراءات وترتيبات تحصن مواقفهم، إزاء الإدارة الأمريكية الجديدة.

فى إطار الموقف الثانى، الذى تعامل مع مواقف الإدارة الأمريكية بجدية تدخل دول، مثل روسيا والصين، وكوريا، وإيران، فهذه الدول استثمرت ضعف الإدارة الأمريكية فى عهد أوباما وانسحابها من الأزمات الدولية لتثبيت مواقعها وترتيب أوضاعها. فروسيا حرصت على ذلك فى الشرق الأوسط ،وأوروبا، والصين فى بحر الصين الجنوبى والمواقع الخاصة بنفوذها وقوتها، أما إيران فإنها قادرة على استيعاب سلبيات هذه المواقف الأمريكية الجديدة إذا ما حاول ترامب وضع تصريحاته بشأنها موضع التنفيذ.

والحال أن العالم العربى يكاد يكون هو المنطقة الوحيدة التى لم تُعدَّ للأمر عُدته ولم تتخذ من الترتيبات ما يمكنها من التعامل الإيجابى مع احتمالات تغيير سياسة الولايات المتحدة الأمريكية  فى الشرق الأوسط والنجاة من آثارها المدمرة إذا وضعت موضع التطبيق.

وسواء تعلق الأمر بالدول العربية ومكوناتها المجتمعية والسياسية أو النظام العربى ،أو الإقليمى لا يمتلك أى منهم أوراقاً أو قدرات تمكنها من المساومة، وتصبح، من ثم الساحة المفضلة لدى “ترامب” لممارسة مواقفه الجديدة، خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

موقف الإدارة الأمريكية الجديدة من الصراع الفلسطينى ــ الإسرائيلى، ومن إسرائيل ظاهر للعيان. ففضلا عن استلهام الميراث الأمريكى لضمان أمن إسرائيل ومساعدتها عسكريا وماليا، فإنه يحاول أن يتطابق مع المواقف الإسرائيلية، إزاء الاستيطان، والموقف من المنظمات الدولية التى تدين إسرائيل والدولة الفلسطينية واللاجئين والقدس، فى جميع هذه القضايا صرح “ترامب” أكثر من مرة بما يفيد أنه يبحث عن حلول أخرى غير حل الدولتين، وأن الحل لديه هو الحل الذى ترتضيه الأطراف، والمعنى الضمنى هو الحل الذى ترتضيه إسرائيل!.

هذا الموقف وإن كان جديدا من ناحية صياغته فى عبارات واضحة أحيانا وغامضة أحيانا أخرى، وصادمةأحيانا ثالثة، إلا أنه فى حقيقة الأمر يعبر عن مختلف المواقف الأمريكية السابقة تجاه القضية الفلسطينية، حيث استقرت هذه المواقف لدى المستويين اللفظى والتعبيرى، ولكنها لم تترجم إلى ضغوط حقيقية تمارس على إسرائيل ولم تترجم إلى تعاطف حقيقى، والتزام أخلاقى إزاء الشعب الفلسطينى، بل ظلت خطابية أكثر منها عملية. وربما يمكن القول بشأن “ترامب” قال علنا ما يقوله مختلف الرؤساء الأمريكيين سرا، وذلك بسبب أيديولوجيته العنصرية وشعبويته وكراهيته للآخرين عربا ومسلمين، ومن أصول لاتينية أى المختلفين معه.

المواقف الأمريكية بشأن القضية الفلسطينية لا تكتفى بالاتفاق مع المواقف الإسرائيلية إزاء الاستيطان واللاجئين وحل الدولة الواحدة الإسرائيلية الصهيونية بالطبع وحسب، بل هى تمتد للتطابق مع منطلقات ومرتكزات السياسة الإسرائيلية فى العمق الأيديولوجى والثقافى. فثمة ما يسميه بعض الكتاب الاشتراك فى القيم أى تلك القيم الأساسية، من وجهة نظرهم، ألا وهى الديمقراطية وإسرائيل هى واحة الديمقراطية، الوحيدة فى المنطقة، ولم تمتد إليها رياح التغيير التى عصفت بالدول العربية أو الإرهاب، بل استطاعت أن تفيد من كليهما فى إضعاف الدول العربية المحيطة، ونسج علاقات جديدة مع روسيا وتركيا لتعظيم الاستفادة من حصاد هذه المواجهة. من ناحية أخرى هناك قيم الريادة، والهجرة، والاستيطان، والمغامرة، واقتطاع أراضى فلسطين من العالم العربى وتعميرها، وإقامة دولة قوية مدنية ديمقراطية، وهناك من ناحية ثالثة القيم التوراتية التى شكلت دوافع هؤلاء المستوطنين فى أمريكا عند اكتشافها، وفى إسرائيل لدى التفكير فى إنشائها عقب وعد بلفور وقبله فى مؤتمر بازل الصهيونى عام 1896.

قد لا يمكن الجزم الآن بمآل هذه المواقف الأمريكية المعلنة للإدارة الجديدة من الصراع ــ العربى، الإسرائيلى، والصراع الفلسطينى ــ  الإسرائيلى، حيث تخضع ترجمة هذه المواقف للدراسة من قبل فريق “ترامب” حتى بافتراض أن بعض هذه المواقف الجديدة من قبيل الاختبار لردود الفعل العربية والعالمية وإعادة الحسابات والتقييم على ضوء ذلك، إلا أن الموقف العربى والفلسطينى ــ على أية حالة ــ فى حالة انكشاف واضح على مختلف الصعد. فالمآسى تتوالى والمشكلات تتفاقم، والدول القطرية والوطنية العربية تنهار بفعل الإرهاب من قبل الإرهابيين الوافدين أو من غيرهم، كما أن جدول الأعمال العربى مسكون بهاجس القضاء على الإرهاب، وإعادة البناء والإعمار، وتسوية المشكلات الناجمة عن العنف والدمار والإرهاب والاقتتال الأهلى فى سوريا، وليبيا، واليمن، وتراجعت مكانة القضية الفلسطينية فى جدول الأعمال العربى، ويقف العرب مكتوفى الأيدى إزاء المشروعات الإقليمية النافذة لإيران، وتركيا، وإسرائيل، بل يغيب العرب عن تسوية النزاع فى سوريا، وغيرها من الأزمات.

أما على الصعيد الفلسطينى، فأوراق المساومة تبدو منعدمة. فالانقسام مستمر بين فتح وحماس، بين غزة ورام الله، وكأن الأمر والمستجدات لا تعنيهما، من ناحية أخرى، فالسلطة والمنظمة والفصائل تقف “محلك سر” لا تجديد للأبنية والأفكار والاستراتيجيات، بل على النقيض من ذلك، فالاستراتيجيات التى تم اختيارها وفشلت لا تزال هى الحاكمة وكأنها محصنة. من ناحية أخرى، فإن المقاومة ضعف صوتها وتكاد تكون محرمة ومحظورة، والنتيجة أن الاحتلال ينعم بالهدوء والاستمرار دون ثمن ودون تكلفة، ومخططاته فى تزايد واستمرار للاستحواذ على الأراضى الفلسطينية أو ما تبقى منها.

بناء على هذا المشهد، كيف يمكن أن ننتظر تغييرا فى مواقف الإدارة الأمريكية وإسرائيل؟ علينا أن نبدأ بأنفسنا، أى إعادة ترتيب الأولويات، وهيكلة المشروع الوطنى الفلسطينى، واستعادة قيمة التحرر الوطنى بكل أساليبه وأدواته، ودعم ذلك من المحيط العربى للضغط على الاحتلال، ورفع تكلفة استمراره، وتوفير القدرة على إيذاء إسرائيل، أى تنغيص الاحتلال، ودون ذلك لا يمكن توقع تغييرفى  هذه السياسات، سواء الأمريكية أو الإسرائيلية.

الدور المصرى:

تحظى مصر فى هذا المشهد بأهمية ومسئولية خاصة، بحكم ثقلها الدبلوماسى والسياسى وعلاقتها الجديدة مع الإدارة الأمريكية، وعلى القيادة المصرية أن توضح للرئيس الأمريكى مخاطر تجاهل تطلعات الشعب الفلسطينى واعتماد المواقف والتصريحات المعلنة كسياسة رسمية، لأن الاستقرار فى المنطقة لن يتحقق فقط بالقضاء على الإرهاب والتخلص من داعش بل وأيضا بالحل العادل والمعترف به دوليا أى حل الدولتين، وهو ما عبر عنه خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسى أمام القمة الأمريكية الإسلامية التى عقدت مؤخرا فى السعودية.

تحدثت الأنباء والتحليلات خلال الفترة الماضية عما أسمته “صفقة القرن” لتسوية الصراع العربى ــ الإسرائيلى والقضية الفلسطينية، وبدء المفاوضات. ورغم هذا الحديث لم يظهر أى مؤشر حتى الآن على حقيقة هذا الأمر، وربما يكون فى إطار الدراسة والتشكيل من قبل فريق من الإدارة الأمريكية الجديدة. وعندما زار الرئيس الأمريكى الأراضى المحتلة فى رام الله والسلطة الفلسطينية، تحدث مطولا عن الإرهاب، وعزائه للبريطانيين فى ضحايا العملية الإرهابية التى تزامنت مع الزيارة، ولا غبار على ذلك بطبيعة الحال، لكنه لم يلوح من قريب أو بعيد ببادرة حسن نية تجاه الفلسطينيين، ولم يبد أية إشارة إلى معاناتهم ومعاناة أَسراهم فى سجون الاحتلال ولا أمانيهم الوطنية.

وبغض النظر عن مضمون هذه الزيارة ونتائجها ورمزيتها، فإن دفع القضية الفلسطينية قُدما إلى الأمام لتحقيق أمانى الشعب الفلسطينى الوطنية لا يمكن أن يقتصر على التعاطف الدولى، حتى ولو كان من قبل أكبر قوة سياسية وعسكرية فى العالم، بل ينبغى أن يتوافق ذلك مع جهد فلسطينى دءوب لا يعرف الكلل أو الملل لإعادة بناء الواقع الفلسطينى بصورة تمكن من تجاوز أزمته الراهنة، واستشراف آفاق مرحلة جديدة تؤهله لتحقيق البرنامج الوطنى للشعب الفلسطينى، ولن يتأتى ذلك إلا عبر تشخيص أزمة الواقع الفلسطينى، وبلورة رؤية سياسية جديدة للتعامل مع المستجدات والمعطيات.

تحديات الواقع الفلسطينى:

وبناءً على ذلك، فإن الواقع الفلسطينى الراهن يمر بأزمة غير مسبوقة، أسهم فى تشكيلها عوامل مختلفة، ويواجه المشروع الفلسطينى فى هذه الآونة تحديات مختلفة، أبرزها التحدى الإسرائيلى، والذى يتمثل فى سيطرة اليمين الدينى والقومى المتطرف، منذ سنوات عديدة، على مجريات السياسة الإسرائيلية، والذى ترتب عليه تحول فى اتجاهات الرأى العام الإسرائيلى نحو التشدد، والتطرف، وتآكل التعاطف الإسرائيلى مع مشروع السلام والتسوية، ساعد على إجراء هذا التحول فشل اليسار الإسرائيلى فى مؤتمر كامب ديفيد عام 2000 حول القضايا النهائية، وإعلان فشل المفاوضات الذى أفضى إلى تصدر اليمين الدينى والقومى المتطرف المشهد السياسى فى إسرائيل، وتصاعد وتيرة الاستيطان فى الضفة الغربية والقدس.

وقد انعكست هذه التحولات على طبيعة الحل، من وجهة النظر الإسرائيلية، حيث تحول توجه هذا الحل من اعتماده على التقاسم الإقليمى ــ أى تقاسم الأرض مع الفلسطينيين وهى قسمة غير عادلة بكل تأكيد – إلى التقاسم الوظيفى، أى توزيع الصلاحيات والوظائف بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، وأن تسند الأولى، أى إسرائيل، إلى الأخيرة مهام القيام بوظائف الصحة والتعليم والأمن الداخلى وتنفض سلطات الاحتلال يدها من هذه الأعباء، ويعنى ذلك عمليا الإبقاء على السلطة الفلسطينية كما هى، أى سلطة حكم ذاتى محدود بالسيادة الإسرائيلية والاحتلال.

أما على الصعيد الفلسطينى، فإن الخيارات تقتصر حتى الآن على المفاوضات والمقاومة، وكلتاهما حرصت إسرائيل على أن يكون حصادهما صفرا، وأن تصل كلتاهما إلى طريق مسدود، فلا المفاوضات أحدثت نقلة فى الحل، من وجهة النظر الفلسطينية، ولا المقاومة أيضاً اقتربت من أهداف البرنامج الوطنى الفلسطينى، وظل حق تقرير المصير والدولة فى حدود 1967، وكذلك قضية اللاجئين معلقا، وراوحت هذه القضية مكانها منذ بدء المفاوضات وحتى الآن.

وتفسير ذلك يعود إلى الخلل الواضح والهيكلى فى كل من هذين الخيارين. فالتفاوض بدأ من سقف منخفض للغاية حول 22 % من أراضى فلسطين التاريخية رغم ما هو معروف فى التفاوض من أنه يجب أن يبدأ من سقف مرتفع ينتهى إلى الحد الأدنى المقبول، ومن ثم كان من الطبيعى أن تنتهى عملية التفاوض إلى ما انتهت إليه، أى رفض إسرائيل لهذا السقف، والتطلع إلى ما هو أدنى منه، وقبول الطرف الفلسطينى بذلك.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتراف بإسرائيل كدولة، لم تقابله إسرائيل سوى بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعى للشعب الفلسطينى، وليس وحيدا، كما لو كانت إسرائيل تتوقع ظهور منافس لمنظمة التحرير الفلسطينية، كما لم تعترف إسرائيل بحق تقرير المصير للشعب الفلسطينى.

ولم يرتبط الاعتراف بإسرائيل بوقف الاستيطان، وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، بل سبق كل هذه المسائل، بالإضافة إلى قبول منظمة التحرير الفلسطينية بمفهوم إعادة الانتشار للقوات الإسرائيلية، بدلاً من الانسحاب والجلاء.

وترتيبا على ذلك فإن عدم التناسب واضح بين طبيعة التنازلات الإسرائيلية والفلسطينية، فالأولى أى الإسرائيلية، يمكن التراجع عنها وقد حدث ذلك بالفعل، أى توقفت عملية إعادة الانتشار وقامت إسرائيل بإعادة احتلال المناطق والأراضى التى سبق أن أعادت انتشار قواتها فيها، هذا فى حين أن التنازلات الفلسطينية من الصعب التراجع عنها إلا فى إطار مقاربة استراتيجية مختلفة جذريا عن الوضع الراهن.

أما التحدى المتمثل فى المحيط العربى، فيظهر جليا فى تفكك الدولة الوطنية العربية الشرقية فى العراق وسوريا، وانفجار الصراعات الطائفية والمذهبية، بعد أحداث ما سمى الربيع العربى، وترتب على ذلك تبلور نتائج أثرت سلبا فى المواجهة العربية ــ الإسرائيلية لمصلحة إسرائيل على الأقل من منظور الرصيد الاستراتيجى العربى من هذه المواجهة. من بين هذه النتائج تفكيك وتدمير الأسلحة الكيماوية السورية، وانخراط حزب الله اللبنانى فى الصراع السورى الداخلى والأهلى، وهو ما يعنى انصرافه عن مقاومة إسرائيل.

وترتب على ذلك أن وجدت بيئة استراتيجية فى المنطقة لصالح المشروع الإسرائيلى للسلام والهيمنة فى المنطقة، ولم تعد القضية الفلسطينية تشغل المكانة اللائقة بها كقضية العرب الأولى، وظهرت أجندات قُطرية ووطنية تتمحور حول إعادة البناء وحسم الصراع الأهلى، واستعادة الدولة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن التفاوض تحول مع الوقت إلى غاية فى حد ذاته بدلا من أن يكون وسيلة، ففقد مرجعيته وجدوله الزمنى، وأصبح أداة لاستهلاك الوقت، وتكريس الأمر الواقع الإسرائيلى.

أما خيار المقاومة، فبدوره عانى من مشكلات هيكلية وخلل بنائى، فهو تبلور منذ البداية لإضعاف استراتيجية التفاوض، بل وإفشالها، ولم يكن جزءا من استراتيجية وطنية شاملة تجمع بين التفاوض والمقاومة، بل خيار منفصل، له أهداف وحسابات ومصالح تتعارض مع أهداف التفاوض. فالمقاومة انطلقت من أن كل فلسطين وقف إسلامى لا يجوز التفريط فى أى جزء منها، فى حين أن التفاوض تأسس على إقامة دولة فى حدود 1967.

عطفا على ذلك، فإن المقاومة لم تراع توازن القوى القائم، وإذا كان من الصحيح ــ على ضوء الخبرة التاريخية لصراع حركات التحرر من الاستعمار ــ أن ميزان القوى لم يكن أبدا لمصلحة قوى التحرر، ولم يمنع ذلك من المقاومة، فإنه من الصحيح أيضا أن إدراك هذه الحقيقة لا يعنى تبنى تكتيكات وحسابات تجعل العدو يستخدم جميع أدوات قوته وثقله العسكرى فى مواجهة المقاومة، كما أن المقاومة لم تحسن اختيار الأهداف، أى التركيز على المنشآت العسكرية، وقوات الاحتلال، والمستوطنين، ونتيجة لذلك، فإن المقاومة بالشكل والأسلوب الذى تمت به أفقدت الفلسطينيين تعاطف الإسرائيليين، وهو عنصر مهم، عندما يكون الهدف حمل إسرائيل على قبول السلام.

فضلا عن ذلك فإن  هذه التحديات التى تواجه المشروع الوطنى الفلسطينى، وهى التحدى الإسرائيلى والاتجاه نحو التطرف، والتحدى الداخلى، ووصول الخيارات المطروحة فلسطينيا إلى أفق مسدود. وكذلك التحدى العربى، وتراجع مكانة القضية الفلسطينية، واختلال موازين القوى لمصلحة المشروع الإسرائيلى، فإن المشروع الوطنى الفلسطينى يواجه تحديا من نوع آخر، ألا وهو ذلك المتمثل فى التحرير والدولة والعلاقة بينهما. إذ يبدو حتى الآن أن منظمة التحرير الفلسطينية تخلت عن برنامج التحرر الوطنى لمصلحة برنامج بناء سلطة فى الأراضى المحتلة، بيد أن هذه السلطة ولدت متعثرة ومحاصرة بالاحتلال والقيود التى يفرضها ويرتهن وجودها بخيار التفاوض، وأصبحت أسيرة له، فلا هى تستطيع التخلى عن التفاوض، ولا هى تستطيع أن تتقدم بخيار التفاوض صوب الأهداف الوطنية، وهكذا تم تهميش خيار التحرر والتحرير لمصلحة بناء مؤسسات سلطة خاضعة للاحتلال، تعتمد على المساعدات والمنح الدولية.

تلك المساعدات والمنح تستهدف المزيد من تقييد السلطة، والإبقاء على تبعيتها وارتهانها للخارج، ودفع ثمن استمرار الاحتلال ومضاعفاته، بدلا من الضغط على إسرائيل للانسحاب. بل على العكس من ذلك، إذ يبدو أن المساعدات والمنح تصب لمصلحة استمرار الاحتلال، وقبول الموقف الإسرائيلى، وتصاعد وتيرة الاستيطان. فى المقابل تقوم هذه المساعدات بتخفيف وقع استمرار الاحتلال، وحمل الفلسطينيين على قبول استمراره. وفضلا عن ذلك، فإن توجيه هذه المساعدات والمنح يتقرر على ضوء إرادة المانحين، وإرادة إسرائيل، وموافقة السلطة الفلسطينية، حيث تحظى برامج حقوق الإنسان بمخصصات أكبر من مخصصات الزراعة الفلسطينية (فى إحدى السنوات حصلت برامج حقوق الإنسان على 70 مليون دولار، فى حين حصلت الزراعة الفلسطينية على 20 مليون دولار)، وفق إحدى الدراسات.

ترتب على أولوية قيام الدولة على التحرر والجلاء أن التزمت الدولة الفلسطينية ــ قيد الإنشاء ــ بالتزامات الدول، أى حسن الجوار، ونبذ العنف والمقاومة، وتبادل المعلومات مع الجانب الإسرائيلى تحت مسمى التنسيق الأمنى حول الأمن والإرهاب وهكذا، صار مشروع التحرر الوطنى، كمشروع وطنى للاستقلال ذى مجال متميز نسبيا، مهمشاً عن التزامات الدول.

ولا شك فى أن التداخل بين التحرير والاستقلال، وبناء الدولة والمؤسسات كثيراً ما  حدث فى تاريخ حركات التحرر، وكانت هاتان المهمتان ــ أى التحرر والدولة ــ متكاملتين إحداهما تفضى إلى الأخرى وتدعمها، أما عن الحالة الفلسطينية، فطغت إحداهما على الأخرى، أى أن مهمة بناء دولة سبقت وعطلت مهمة التحرير والاستقلال.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تعرض المشروع الوطنى الفلسطينى لما هو أخطر من ذلك، أقصد الانقسام الفلسطينى – الفلسطينى فى عام 2007 بين حركة فتح والسلطة فى رام الله من جهة، وحركة حماس فى غزة من جهة أخرى. وهو انقسام جغرافى وسياسى وأيديولوجى بامتياز، ويتعارضان تعارضا مطلقا – ما لم تتوافر إرادة سياسية تتجاوزه – ففى حين أن حركة فتح بحسبانها العمود الفقرى للحركة الوطنية الفلسطينية، هى حركة وطنية تتميز بانفتاحها على جميع أطياف المشهد الفلسطينى منذ بدايتها ولها برنامج سياسى براجماتى غير عقائدى، فإن حركة حماس تتميز بأن لها أيديولوجية إسلامية مناقضة لتوجه فتح، ولها منطلقات مختلفة جذريا، وهذا الانشقاق السياسى والجغرافى والايديولوجي معوق لبلورة المشروع الوطنى، كما أن حضور الأيديولوجيا على هذا النحو العقائدى المغلق قد يضر فى الحالة الفلسطينية بالمشروع الوطنى ويسمح بوجود امتدادات إقليمية داخل الساحة الفلسطينية لا تكترث بالمصلحة الوطنية الفلسطينية، وتعوق التقدم فى الحوار والمصالحة والوحدة.

وبناءً على ما سبق، فقد اكتسب الاقتتال الداخلى، والاتهامات المتبادلة، والحملات الإعلامية الأولوية على ما عداها من مهمات وطنية تتعلق بمواجهة الاحتلال ورفع تكلفة استمراره فى إطار الاستراتيجية الوطنية. كذلك أفضى استمرار الانقسام إلى تآكل الموقف الفلسطينى الداخلى والخارجى، وفقدان المصداقية، وقبول تنازلات إضافية تلائم الحل الإسرائيلى بأكثر مما تلائم الحل الفلسطينى، مثل تبادل الأراضى الذى يبدو كمخرج إسرائيلى للواقع الاستيطانى، وتشجيع الاستيطان، ومحاولة تعديل المبادرة العربية للسلام.

لقد أفضت هذه التحديات جميع إلى جمود المؤسسات الفلسطينية السياسية، ومنظمة التحرير، والمجلس الوطنى،  والمجلس التشريعى، وبقية مؤسسات، السلطة وتفشى منطق توزيع الغنائم والزبائنية السياسية والذى أصبح المنطق السائد فى صُغْرَ»يات المسائل وكبرياتها، على حد سواء، أى بداية من الحصول على وظيفة فى الجهاز الإدارى للسلطة، وصولا إلى المحسوبية والرشاوى والمحاصصة والقرارات المتعلقة بأنشطة القطاع الخاص، واهتزاز منظومة القيم الإيجابية الضرورية للتصدى لمشروع الاحتلال، وظهور الولاءات العشائرية والمناطقية وتفشى الوهن فى الأهداف العامة، وطغيان المصالح والغايات الخاصة، كذلك احتجبت الانتخابات، واستمر تهميش المؤسسات، والإبقاء على المقاربات التى قادت إلى الوضع الراهن.

آفاق النهوض الوطنى الفلسطينى:

يتطلب استشراف آفاق المشروع الوطنى الفلسطينى وتجديده  أولا الإقرار بأننا إزاء وضع صعب لن يكون تخطيه سهلا أو فى المدى المنظور، بل يتطلب المشزوع إعادة البناء على جميع المستويات، بهدف تغيير ميزان القوى، وجعل عنصر الزمن حليفا للشعب الفلسطينى. ويتأتى ذلك من خلال فك الارتباط بين المشروع الوطنى والمشروع الاستعمارى الإسرائيلى، ويعنى ذلك أن يكون للمشروع الوطنى استقلاله العام عن المشروع الاستعمارى، أى ليس مجرد ردات فعل على الأفعال الاستعمارية، بل خطة طويلة المدى كفاحية ومدروسة بدقة تستند إلى الكفاح الممتد بمختلف جوانبه الدبلوماسية والقيمية والاقتصادية، والذى يستهدف كسر هيمنة الاحتلال، ودحره، وزيادة تكلفته المادية والبشرية وانتظام كل ذلك فى خطة وطنية مستدامة على جميع  الصعد.

كذلك ينخرط فى هذا الاتجاه إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية، ولا ينصرف ذلك إلى المصالحة بالمعنى التقليدى، ذلك أن الأحزاب والفصائل المختلفة تعكس مصالح فئات ووجهات نظر مختلفة، وذلك أمرٌ طبيعى فى أى مرحلة، المقصود هنا هو توحيد المؤسسات السياسية الفلسطينية٬ تفعيلها واستعادة دورها، سيما مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الوطنية، وإجراء الانتخابات بحسبانها طريق التجديد وبعث الحياة فى المؤسسات.

ولن يتأتى ذلك إلا من خلال تبنى مقاربة سياسية جديدة للوضع الراهن لتحقيق البرنامج السياسى، تتمثل فى تجنب انفراد الولايات المتحدة الأمريكية برعاية المفاوضات، والتركيز على الدبلوماسية الرسمية والشعبية المستندة إلى القانون الدولى فى مختلف دول العالم، وجعل العالم ساحة صراع مفتوح ضد الاحتلال.

يترافق ذلك مع استراتيجية لتطوير الفهم والتأييد الشعبى العربى والعالمى للقضية الفلسطينية، وتنسيق كامل بين الدبلوماسية الرسمية والشعبية، ودعم حملات المقاطعة العالمية الرسمية والشعبية وسحب الاستثمارات من إسرائيل، وفرض العقوبات عليها.

فى هذا السياق، فإن استلهام قيم ودروس ومنهجية انتفاضة 1987 الأولى، والكفاح الجماهيرى والشعبى المدنى الشامل والممتد والمتواصل يكتسب أهمية من ناحية  القدرة على تشكيل قيادة وطنية موحدة متغلغلة فى المجتمع ومنظماته السياسية، والشعبية، والكفاحية، والقدرة، على تحقيق الاكتفاء الذاتى، ومقاطعة السلع الإسرائيلية، وبعث قيم التكامل والتكافل والتعاضد فى المجتمع لاستنهاض القيم الإيجابية الضرورية للمشروع الوطنى للاستقلال.

إن دروس وقيم ومبادئ انتفاضة 1987 تمثل أهم إنجاز حضارى وسياسى للشعب الفلسطينى الذى ارتكز بدوره على ميراث حقبة السبعينيات فى تشكيل المنظمات والاتحادات المهنية والنقابية فى الداخل والخارج، وخلق مجتمع مدنى حقيقى وفاعل يمكنه مواصلة الكفاح الشعبى، وهى إنجازات لها مدلولها حتى الآن، ولم تفقد بريقها بعد، ولم يعف عليها الزمن، بل يمكن بعثها وإحياؤها، على ضوء الظروف، والمستجدات، والمعطيات الإقليمية والدولية الراهنة.

 

عن الكاتب : مستشارـ مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق