قضايا مصرية
كوتا الأقباط: واقع جديد أم تجميل للصورة؟
2017/07/02
بقلم إسحق إبراهيم
0
2289
67
العدد :

يعد ضعف مشاركة الأقباط فى العملية السياسية  أحد أهم  الانتقادات التى توجه للأنظمة السياسية المختلفة، بحسبان   أن مؤسسات الدولة هى المسئولة عن تصحيح أوجه التهميش والتمييز التى يتعرض لها قطاع من المواطنين المصريين لأسباب تعود لهويتهم الدينية المختلفة عن دين الأغلبية.  وكان تمثيل الأقباط فى البرلمانات المتعاقبة ،منذ 1952، أحد هذه المظاهر التى ميزت المناخ السياسى والمجال العام بصفة عامة، ولذا تزايدت المطالب عند وضع الدستور الحالى بالنص على التمييز الإيجابى للفئات المهمشة، أو نظام الكوتا quota  ويقصد به نصيب أو حصة، وهو إجراء توكيدى  Affirmativeaction ، بغرض ضمان أن تكون المجالس المنتخبة أكثر تنوعاً وتعبيراً عن جميع فئات المجتمع. وحاولت الوثيقة الدستورية 2014 ،التى كتبت بروح توافقية، تقديم إشارات إيجابية – حتى لو شكلية – بأن النظام الجديد مختلف عن سابقيه، ونصت المادة   244على تمثيل ملائم للفئات المهمشة، ومنها المسيحيين، وذوى الإعاقة، والشباب، والمصريين المقيمين فى الخارج، وذلك فى أول مجلس للنواب ينتخب بعد الدستور.

وقد نجح 36 مرشحا قبطيا خلال انتخابات مجلس النواب، منهم 24 على نظام القوائم، و 12 مرشحا على النظام الفردى، من إجمالى  568 عضوا منتخبا بالمجلس، بخلاف ثلاثة قام رئيس الجمهورية بتعيينهم ضمن حصته المقررة دستوريا من إجمالى 28 نائباً. وهو ما اعتبره البعض بعثاً جديداً لسنوات الحقبة الليبرالية فى النصف الأول من القرن العشرين، بعد عقود من التمثيل النيابى الهزيل للأقباط. 

تثير قراءة هذه النتائج تساؤلات ضرورية، من أبرزها: هل تعبر هذه النتائج عن تغيير حقيقى فى مزاج المصريين بإعلاء معايير الكفاءة والأهلية على حساب الطائفية والعصبية؟ وهل تعد مؤشراً للتعامل مع الأقباط فى إطار الدولة  المدنية التى تصون حقوق مواطنيها وتعاملهم على نفس القدر من المساواة والعدالة؟ هل يستطيع الأقباط تحقيق هذه النتائج فى المستقبل بدون تطبيق التمييز الإيجابى “الكوتا”؟ هل نجح الأقباط أنفسهم فى خوض معركة انتخابية بعيداً عن الحشد الطائفى؟ وكيف تعاملت الكنيسة كمؤسسة دينية مع هذا الاستحقاق السياسى؟

تحاول هذه المقالة الإجابة على  التساؤلات السابقة من خلال عرض تطور التمثيل النيابى للأقباط، وتحليل النتائج الأخيرة، فى ضوء المناخ السياسى والاجتماعى الذى أجريت خلاله.

تاريخ من المشاركة رغم محاولات التهميش:

يملك الأقباط ميراثاً غنيًا من المشاركة السياسية وتأسيس الحياة الحزبية منذ بداية القرن العشرين، واستطاعت شخصيات قبطية الوصول إلى عضوية البرلمانات عبر الانتخابات خصوصا قبل 1952، وتولى عدد منها مناصب قيادية بها، مثل ويصا واصف، رئيس مجلس النواب 1928، وزكى ميخائيل بشارة، وكيل مجلس الشيوخ 1945، وعزيز مشرقى، وكيل مجلس النواب 1949. وقد توارى هذا الماضى خلف ما يقرب من 60 عاماً من التهميش والتمييز، عمل خلالها نظام يوليو بحكامه المختلفين على تهميش الأقباط سياسيا، علاوة على إغلاق المجال العام، وهبطت بالتالى نسب تمثيلهم فى البرلمان من متوسط 6.1  % قبل 1952 إلى 1.7  % و3  % و 1.6  %  فى أثناء حكم الرؤساء جمال عبد الناصر، وأنور السادات، وحسنى مبارك على الترتيب، ومعظمهم جاء بالتعيين من قبل رئيس الجمهورية.

قبل ثورة 25 يناير، تجاهلت غالبية الأحزاب السياسية القائمة فى هذا الوقت قضايا الأقباط، وعزفت عن ترشيحهم فى الانتخابات البرلمانية، مبررة ذلك تارة بعدم وجود كوادر مناسبة، وتارة أخرى بعدم قدرة الكفاءات منهم على المنافسة والفوز فى الانتخابات. هذا إلى جانب انحياز النظام الحاكم للتعامل مع الأقباط، وفقا لنظام الملل، باختيار موالين منهم للتعيين فى المجالس التشريعية، بدلاً من ترشيحهم على قوائمه، أو تنقية المناخ الانتخابى ليكون أكثر عدالة وإتاحة للترشح. كان من الطبيعى فى ظل عدم تبنى الأحزاب وعلى رأسها  الحزب الوطنى الحاكم، لترشيح أقباط بالقدر الملائم  أن يحدث عزوفا عن الترشح والتصويت من جانب جمهور الأقباط. فالحزب الذى كان يزوِّر نتائج الانتخابات لمصلحة مرشحيه ، ويحشد مؤسسات الدولة لدعمهم يمتنع عن ترشيح أقباط، بحجة عدم قدرتهم على الفوز. وفى مناسبات عدة، رسخ هذا النظام لاستخدام مرشحيه الشعارات الدينية فى منافسة غير قانونية وغير نزيهة للفوز فى مواجهة مرشحين أقباط. ففى انتخابات 1995 لم يرشح الحزب الوطنى أقباطاً، وفى انتخابات 2000 رشح ثلاثة ،  وفى انتخابات 2005 قدم مرشحا واحدا، وفى عام 2010 رشح ثلاثة مرشحين من بين 800، بعد بدعة ترشيح أكثر من عضو للحزب على نفس المقعد.

 كسرت ثورة 25 يناير حالة اليأس والخوف والعزلة لدى عموم المصريين، ومن بينهم اﻷقباط بالطبع. فمع شعور الأقباط بأهمية صوتهم، زاد الحضور الانتخابى لهم، وتنامت مشاعر التمرد على المعادلة القديمة، خصوصا بعد تغيير نظام القيد فى الجداول الانتخابية، وإلغاء التسجيل المسبق للناخبين، بحيث أصبحت قاعدة البيانات للرقم القومى هى الأساس لمن لهم حق الانتخاب، وتُجدد تلقائيا من اللجنة العليا للانتخابات، وبذلك سُدت الأبواب أمام التزوير الذى كان يحدث عن طريق تكرار الأسماء،  وعدم حذف الوفيات، والحاجة لاستخراج البطاقة الانتخابية، واستخدامها للتصويت الجماعى أو لمنع التصويت.

وبالرغم من الاستقطاب الدينى والدعاية الطائفية التى طغت على الاستحقاقات السياسية والانتخابية التى أعقبت الثورة فإن المناخ العام أتاح للأقباط فرصة التعبير عن أنفسهم، وتبلورت أهمية الصوت القبطى ككتلة مرجحة داعمة لمدنية الدولة فى أغلب اﻷحوال. وفى سياق ذلك، تشكلت مصالح وطنية وسياسية مشتركة مع كثير من الأحزاب التى رفعت قوائمها شعارات المواطنة والمساواة. وتمكن 6 أقباط من الفوز فى انتخابات مجلس الشعب عام 2011 ، أضيف إليهم خمسة معينين من مجموعة 508 أعضاء بنسبة 2 %. ورغم أن النسبة صغيرة وغير معبرة عن حجمهم فى المجتمع، لكن الكتلة التصويتية وتأثيرها كان واضحاً للعيان فى نجاح مرشحى أحزاب قائمة الكتلة المصرية باﻷساس.

لم يتراجع دور الأقباط بعد وصول الإخوان المسلمين لمقاعد الحكم، لاسيما بعد تصاعد الخطاب الطائفى والدعاية الدينية الصريحة من جانب الجماعة، وصنف الأقباط بحسبانهم من أركان المعارضة، التى لديها مخاوف حقيقية مرتبطة بوجودهم، وبمستقبل مصر كدولة مدنية أصبحت تحت حكم  يسعى لتوظيف الدين والطائفية بشكل صريح عبرت عنه الجماعة فى ممارسات عدة منها: الحديث عن الطابع الإسلامى للحكم، والدعاية لتطبيق الشريعة، دعم أوجه التمييز ضد الأقباط وتهميش دورهم فى المناصب السياسية، وترسيخ صيغة الذمية، بديلاً عن المواطنة فى التعامل معهم. ولذلك، شارك الأقباط بفعالية وكثافة فى الاحتجاجات الجماهيرية الواسعة ضد حكم الإخوان، والتى كان من نتائجها عزل الرئيس الأسبق، محمد مرسى، والإطاحة بحكم الإخوان، واستمر هذا الدعم فى مواجهة الاعتراضات على أحداث  3 يوليو 2013، لاسيما بعد الاعتداءات واسعة النطاق التى تعرض لها عموم الأقباط دون تمييز، بمهاجمة الكنائس وممتلكاتهم فى عدة محافظات ونهبها وحرقها.

فى ظل هذا المناخ، الذى تحمل فيه الأقباط ثمناً باهظاً لمشاركتهم السياسية بشكل عام ومعارضة الإخوان على وجه الخصوص، كتبت الوثيقة الدستورية 2014 بروح توافقية تحاول تقديم إشارات إيجابية – حتى لو شكلية – بأن النظام الجديد مختلف عن سابقيه، ونصت على تمييز إيجابى للفئات المهمشة، كما فى المادة 244 التى تنص على تمثيل مناسب للأقباط.

وبناء على ذلك، ألزم قانون الانتخابات القوائم المتنافسة بتخصيص 24 مقعداً للأقباط من بين 120  خصصت للانتخاب بنظام القوائم مقسمة إلى أربعة قطاعات. ووفقا لهذا الشرط، اضطر حزب النور السلفى ــ مثلا ــ لوضع أقباط على قوائمه بالمخالفة لآراء قيادته بعدم جواز تولى أقباط مناصب “الولاية  العظمى”، ومن ضمنها الترشح للمجالس النيابية!!

فى هذا السياق، ترشح 84 قبطيا على الأقل، ضمن 13 قائمة انتخابية خاضت الانتخابات بنظام القوائم، ونجح منهم 24 مرشحاً ضمن قوائم تحالف فى حب مصر الأربع.

كان تحالف فى حب مصر الانتخابى قد أعلن عن تأسيسه قبل شهور من انتخابات مجلس النواب،  وفيما يخص المرشحين الأقباط، تعامل التحالف مع قيادات كنسية، بحسبانها ممثلة للأقباط، وطلب منها إرسال قوائم بالمرشحين المفضلين لدى الكنيسة، وهو ما تم، حيث أرسلت عدة قوائم لمرشحين أقباط، من أهمها قائمة الأنبا بولا، الرجل القوى داخل الكنيسة، وأسقف طنطا، ومسئول العلاقات بين الدولة والكنيسة، وغيرها من المناصب الدينية، وقائمة الأنبا أرميا، مسئول المركز الثقافى القبطى والقريب من دوائر صناعة القرار والأمين العام المساعد لمؤسسة بيت العائلة.

نجح على قوائم التحالف 18 سيدة، بنسبة 75 % من تمثيل الأقباط فى القوائم، ذلك لحرص منسقى القائمة على توافر أكثر من صفة فى المرشح. ومن بين الناجحين، 11 عضوا لديهم انتماءات حزبية: 6 أعضاء بحزب المصريين الأحرار، و3 أعضاء بحزب حماة الوطن، وعضوان بحزبى الوفد والمحافظين. ومن بين 13 مستقلا كانت هناك قيادتان بحزب المصريين الأحرار استقالتا من الحزب قبل العملية الانتخابية. ووفقا لوظيفة ومهنة الأعضاء، يعمل 12منهم بالجهاز الإدارى للدولة، و4 رجال أعمال، وخمسة بمهن حرة، ولواء شرطة بالمعاش. ومن بينهم عضوان بمجلس الشعب 2011 ، أحدهما منتخب والآخر معين، وعضوة معينة بمجلس الشورى من قبل الرئيس المعزول، محمد مرسى.

 أما على النظام الفردى، وهو المهم لقراءة النتائج وتوجهات الناخبين، فقد بلغ عدد المرشحين الأقباط، وفقا للقوائم المعلنة من اللجنة العليا للانتخابات 169 مرشحا، و93 مستقلاً و76 حزبياً. ومن بين 40 حزبا خاضت الانتخابات وضع 19 منها أقباطًا ضمن مرشحيه، احتل حزب المصريون الأحرار صدارتها بـ 17 من بين 227 ترشحوا على قوائمه، ثم حزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى 8 من بين 77، والوفد 8 من 264 مرشحا، والحركة الوطنية 6، والمؤتمر 5، أما حزب مستقبل وطن فقد رشح أربعة من 200 مرشح له.

ترشح الأقباط فى 74 دائرة انتخابية من بين 205 دوائر انتخابية باثنين وعشرين محافظة، فى مقدمتها القاهرة 59 مرشحاً، المنيا 19، الجيزة 18، الإسكندرية 14، أسيوط 10، والقليوبية 7 مرشحين. ولوحظ أنه فى كثير من الدوائر خاض أقباط المنافسة فى مواجهة بعضهم بعضاً، خصوصا فى الدوائر ذات الوجود المسيحى الملحوظ، فقد تنافس فى دائرة شبرا وروض الفرج 12 قبطيا من بين 30 مرشحا للفوز بمقعدين خصصا للدائرة، وبالمثل أربعة من بين عشرين مرشحا على مقعد واحد خصص لدائرة مدينة ملوى جنوب محافظة المنيا.

تمكن  د. سمير غطاس المرشح على دائرة مدينة نصر بالقاهرة من الفوز من الجولة الأولى، بينما نجح فى الوصول إلى جولة الإعادة 22 مرشحا فى المرحلة الأولى، و20 مرشحا فى الجولة الثانية، 19منهم كان صفته مستقل، و11 من حزب المصريين الأحرار و 3 مستقبل وطن، ومرشحان، اثنان للحزب المصرى الديمقراطى ومرشحان للحركة الوطنية ومرشح لكل من أحزاب: المؤتمر والحرية ومصر الحديثة والمحافظين وحراس الثورة. وكان أكثر من وصلوا لجولة الإعادة من القاهرة 16 مرشحا، المنيا 10 مرشحين فى جميع دوائرها، باستثناء دائرة دير مواس التى لم يترشح فيها أقباط، الجيزة 4، أسيوط 3، القليوبية 2، السويس وبورسعيد والأقصر وأسوان مرشح واحد. وفى 9 دوائر نجح أكثر من قبطى فى الوصول لجولة الإعادة، منها دائرة ملوى، حيث تنافس فى الجولة الثانية قبطيان على مقعد واحد.

فى مرحلة الإعادة تمكن 11 مرشحا من الفوز ليصبح إجمالى الفائزين على المقاعد الفردية 12 مرشحاً، موزعين طبقا لانتماءاتهم الحزبية إلى: 3 أعضاء بحزب المصريين الأحرار (استقال عضو وأقيل آخر فى أثناء عمل المجلس) وعضوين لحزبى المصرى الديمقراطى، ومستقبل وطن، و7 مستقلين.

عشرة مؤشرات:

أولًا:اختلفت الأجواء التى أجريت خلالها الانتخابات عن تلك التى شهدتها مصر خلال فترات ما قبل 25 يناير، وخلال انتخابات 2011.  فقد قدمت الأحزاب التى شاركت فى الانتخابات نفسها بحسبانها داعمة لرئيس الجمهورية، عبد الفتاح السيسى، ونظامه، ورفعت شعارات عامة حول الاستقرار والأمن. 

ثانيًا: لا يوجد حزب رسمى لرئيس الجمهورية، وبينما كان دعم بعض أجهزة الدولة معلنا بشكل رسمى أو مبطن لقائمة فى حب مصر، كان دعم أجهزة الدولة للمرشحين على الفردى حالة بحالة،  مما وفر فرصة متساوية للمرشحين. وساعد هذا الوضع على تحييد المجالس المحلية تجاه المرشحين، خصوصا الأقباط، كما أدى - فى نفس الوقت- لتفتيت الأصوات فى الجولة الأولى بما يسمح لمن يملك حشد  نحو 15  % من المشاركين فى التصويت بالوصول لجولة الإعادة.

ثالثًا:مع نسب التصويت المنخفضة، تظهر قوة الكتل التى يسهل حشدها، ويمكن للمرشحين الوصول إليها بسهولة، ومن بينها الأقباط.

رابعًا:أجريت الانتخابات فى ظل حضور قبطى واضح فى المجال العام، نتيجة تعدد الاستحقاقات السياسية والتوعية بأهمية المشاركة، فقد ارتفع التمثيل فى انتخابات مجلس الشعب 2011، وكذلك انتخابات النقابات المهنية، فأكبر ثلاث نقابات مهنية من حيث العضوية: المحامين والمهندسين والأطباء ضمت فى عضوية مجالسها أقباط، هذا إضافة لنقابات أخرى مهمة مثل الصحفيين –المجلس قبل الأخير-  والصيادلة.

خامسًا: تراجعت مظاهر الاستقطاب الدينى الحاد، وذلك باﻷساس لمقاطعة جماعة الإخوان المسلمين، وغالبية الطيف اﻹسلامى للانتخابات، ووجود مخاوف لدى قطاع من المرشحين بأن استخدام الدعاية الدينية قد يلفت نظر الأجهزة الأمنية لهم بحسبانهم قريبين فكريا من الجماعة أو من داعميها، وذلك فى ضوء الملاحقات الأمنية لها. كما أسهم تقسيم الدوائر الانتخابية لأربع مجموعات، دوائر ممثلة بمقعد واحد، ودوائر ممثلة بمقعدين، ودوائر ممثلة بثلاثة مقاعد ودوائر ممثلة بأربعة مقاعد، فى تراجع تأثير الطائفية فى جولة الإعادة. حيث فرصة استخدام الدعاية الدينية ضد مرشح مسيحى تعد الأقل إذا كان ينافس سبعة مرشحين على أربعة مقاعد منها إذا كان ينافس مرشح على مقعد وحيد.

سادسًا: بالرغم من تراجع الاستقطاب الدينى فإن الانتخابات لم تخل من استخدام المؤسسات الدينية فى الدعاية، والتصويت الطائفى. فقد قام عدد من رجال الدين فى توجيه الناخبين وحشدهم للذهاب للتصويت واستخدام دور العبادة فى تحقيق ذلك، إذ أعلن رجال دين مسيحى عن دعمهم لمرشحين بعينهم ومقابلتهم داخل الكنائس ومطالبة الناخبين بالتصويت لهم، يأتى فى مقدمة ذلك دعمهم لمرشحى قائمة فى حب مصر وبعض المرشحين الأقباط، خصوصا المرشحين على قوائم حزب المصريين الأحرار، وذلك فى مواجهة مرشحين منافسين أقباط ومسلمين. وهو نفس ما قام به بعض رجال الدين الإسلامى من الدعاية لقائمة فى حب مصر، وكذلك لمرشحين مسلمين، خصوصا فى مرحلة الإعادة، حيث دعا أئمة مساجد لاختيار المرشح المسلم ،مستخدمين آيات قرآنية لدعمه فى مواجهة المرشح المسيحى، مثلما حدث فى دائرة مدينة الأقصر.

فى كثير من الحالات، استخدم الدعاية الدينية مرشحو أحزاب تعلن أنها تتبنى قضايا المواطنة وتقدم نفسها بأنها داعم لحقوق الأقباط، مثل حزب المصريين الأحرار فى دائرتى الأقصر ضد مرشح حزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى، وفى دائرة الساحل بالقاهرة ضد مرشح الحزب نفسه المسيحى وآخر مستقل.

وكان من الملاحظ وجود تصويت طائفى فى كثير من الدوائر بدون توجيه أو دعاية دينية، لأسباب مرتبطة باختيارات الناخبين المحافظة والمبنية على عوامل عصبية ودينية بغض النظر عن الدعاية خلال فترة الانتخابات، لاسيما فى محافظات الصعيد.

سابعًا:جميع الدوائر التى نجح فيها أقباط على النظام الفردى تنتمى إلى مناطق حضرية، فهى دوائر مدينية لا تضم قرى، 6 منهم نجحوا فى دوائر بمحافظة القاهرة، ومرشح فى دائرة العمرانية بالجيزة، واثنان بدائرتى مدينة ملوى ومدينة أسيوط، وفى هذه الدوائر عادة ما يتراجع التصويت القبلى والعائلى مقابل عوامل أخرى منها الشهرة والنفوذ والتنظيم ، والمال السياسى.

ثامنًا:كان تصويت الأقباط فى كثير من الدوائر براجماتياً مرتكزاً على المصالح وليس ديانة المرشح. يستدل على ذلك من عدم نجاح  أقباط فى دوائر ذات كثافة تصويتية قبطية من الجولة الأولى، وحصول عدد ممن خاضوا جولة الإعادة على أصوات قليلة، وكذلك عدم حصول المرشحين الأقباط على نفس الأصوات فى الدوائر التى يوجد بها أكثر من مرشح.

تاسعًا:عدد من الفائزين كانت لديهم خبرات متراكمة، وتجارب انتخابية وسياسية سابقة، هذه الخبرات ساعدتهم على التواصل مع الناخبين بشكل أفضل، ومن بين الناجحين على مقاعد الفردى، مثلا، نبيل بولس، والذى ترشح،فى انتخابات 2010، عضو حزب مجلس محلى محافظة القاهرة لثلاث دورات  بالانتخاب، ووكيل لجنة المتابعة بالمجلس، وكذلك ثروت بخيت، والذى كان عضوًا بالأمانة العامة للحزب الوطنى، ومسئول عن انتخابات القاهرة عامى 2000 و 2005، وكذلك إيليا ثروت باسيلى، عضو مجلس محلى محافظة القاهرة عن الحزب الوطنى، قبل 25 يناير، وكذلك جون طلعت الذى خاض جولة الإعادة فى الانتخابات البرلمانية عام 2011، واللواء تادرس قلدس نائب محافظ أسيوط، هذا بالإضافة لبعض الشخصيات العامة، منها سمير غطاس الفائز بمقعد عن دائرة مدينة نصر.

عاشرًا:يمكن القول إن الصوت القبطى كان كافياً فى عدد من الدوائر لإيصال المرشحين إلى جولة الإعادة، سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين، خصوصا فى ظل تزايد أعداد المرشحين وتفتيت الأصوات (بعض من خاضوا جولة الإعادة حصلوا على 11  % فى الجولة الأولى على سبيل المثال). لكن الصوت القبطى قطعا لم يكن كافيا وحده لفوز أى مرشح بعضوية البرلمان بحصوله على نصف عدد الأصوات + واحد. فقد نجح عدد من الأقباط فى دوائر انتخابية لا يشكل الأقباط فيها وجوداً كبيراً، بل كانت لفترة قريبة مسرحاً لمظاهرات أنصار جماعة الإخوان المسلمين، مثل دائرة عين شمس التى فاز فيها قبطيان بمقعدين من بين ثلاثة مقاعد مخصصة لها، ودوائر مدينة السلام،  ومصر القديمة، والجمالية.

الخلاصة:

يعد تمثيل الأقباط فى البرلمان الحالى هو الأفضل منذ عام  1952، وبنسبة 6.3 % من إجمالى الأعضاء المنتخبين، لكن نسبتهم فى مجلس النواب الحالى ليست الأفضل فى تاريخ الحياة النيابية،  فهى تقل عن تمثيلهم فى عدد كبير من برلمانات ما قبل 1952. ويرجع الفضل فى هذه النسبة إلى النص الدستورى بتطبيق ما يعرف بالتمثيل المناسب للمسيحيين “الكوتا”، والتى تطبق لمرة واحدة، حيث أن نسبة نجاح الأقباط فى الانتخابات بالنظام الفردى بلغت 2.6 %.

وبالرغم من ذلك، لا تعكس النتائج تغييراً جوهرياً فى المناخ السياسى أو توجهات الناخبين، للأسباب الآتية:

- عدم تغيير البيئة الانتخابية، بما تتضمنه من تشريعات وأدوار مؤسسات الدولة، لإتاحة منافسة انتخابية قائمة على برامج اجتماعية واقتصادية بعيداً عن الدعاية الطائفية والدينية الصريحة، وبما يسمح بتشجيع الأسس الموضوعية لاختيار المرشحين.

- تراجع تمثيل تيارات الإسلام السياسى لا يعكس تراجعاً لمكانتها عند الناخبين، كما لا يعكس تراجعا لجاذبية خطابها التمييزى، بقدر ما يرجع لمقاطعة الانتخابات  أو ما يمكن تسميته بهدنة استكشافية من قبل الإسلاميين غير التنظيميين لمستقبل الوضع السياسى فى مصر. وفى هذا الصدد، يفسر تدهور تمثيل حزب النور بفقدانه قاعدته الجماهيرية، سواء لموقف الحزب من 30 يونيو، أو لتراجعه عن آرائه المتشددة ووضعه مسيحيين على قوائمه.

- لاتزال مؤسسات الدولة ترسخ لاستخدام الكنيسة كممثل حصرى للأقباط. ويؤسس هذا الوضع للتعامل مع الأقباط بحسبانهم طائفة دينية وليس بحسبانهم مواطنى دولة، كما أنه يحرم البرلمان من كفاءات قد لا تكون قريبة من ترشيحات الكنيسة.

- فشل الأحزاب المدنية فى البعد عن  استخدام الدعاية الدينية فى المنافسة الانتخابية، فقد ارتكبت نفس الأخطاء التى وقعت فيها السلطة، حيث غضت أحزاب مدنية الطرف عن استخدام مرشحين عنها لشعارات دينية إقصائية لهزيمة منافسيهم بدون تدخل من قيادات هذه الأحزاب لترشيد المنافسة الانتخابية ووضعها فى إطارها الطبيعى. وفى نفس الوقت، لجأت هذه الأحزاب لقيادات كنسية للحصول على موافقات للمرشحين المسيحيين.

ختاماً، يمكن القول إن النظام الانتخابى الحالى لا يمكن أن يوفر أجواء منافسة عادلة فى المستقبل للفئات المهمشة، طالما لم توضع خطة متعددة الأوجه للقضاء على  عيوبه الحالية، مع ضمان التمثيل المتوازن لجميع فئات المجتمع، وفق معايير الجدارة والكفاءة. وبطبيعة الحال، فإن استمرار التمييز الإيجابى ضرورة لتحقيق ذلك، لاسيما أنه بدون تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية حقيقية سيظل الحضور الدينى طاغيا على أجواء المنافسة الانتخابية، بما يمثله من معضلة لهذه الفئات.

عن الكاتب : صحفى، وباحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق