الافتتاحية
فى فهم التطرف .. أى جديد؟
2017/07/02
بقلم د. هناء عبيد
0
745
67
العدد :

تحولت ظواهر التطرف العنيف والإرهاب من حوادث استثنائية إلى واقع شبه يومى فى مختلف دول العالم. ومع التزايد المخيف فى وتيرة تلك الأحداث، وتباين السياقات التى تحدث فى إطارها، والتغير فى شكل العمليات ونوعية مرتكبيها، تتجدد الحاجة إلى دراسات جادة لطبيعة تلك الظواهر وسبل مواجهتها.

ويسعى هذا العدد من مجلة الديمقراطية إلى المساهمة فى تشريح ظواهر الإرهاب والتطرف العنيف، من خلال بحث جذورها، وأسباب تراكمها، والعوامل التى تتغذى عليها، مع التركيز على مستحدثات الظاهرة، وما تستلزمه من تغير فى أدوات معالجتها النظرية والعملية.

 ويقدم ملف العدد نخبة متنوعة من الأوراق، التى تلقى الضوء على جذور الظاهرة وتحولاتها فى نسختها الداعشية، متناولة ظواهر الإرهاب الجديد، وتراجع البعد الأيديولوجى، والتنظيمى للأعمال الإرهابية، وانخراط أفراد وفواعل ذات طابع براجماتى، لا تنظيمى ،خاصة من الشباب فيها، مع دراسات حالة لعدد من الدول التى تعانى من الظاهرة مثل :صر، وتونس، والمغرب، فضلاً عن الإرهاب والتطرف فى سياقات أفريقية، وآسيوية وأوروبية.

وانطلاقًا من توضيح عناصر الاختلاف ومساحات التقاطع بين مفاهيم الراديكالية، والعنف، والإرهاب، تركز بعض الإسهامات على مدخل الفاعلين والسمات الفردية أو الجماعية لمرتكبى العمليات الإرهابية، سواء على الصعيد النفسى، أو الانتماء الطبقى، والحظوظ من التعليم، ومستوى الدخل، بينما يندرج بعضها الآخر فى إطار المدخل البنائى، فتتطرق إلى سمات السياق الحاضن للإرهاب والتطرف العنيف، والذى يحوى عناصر تساعد على تحول التطرف من مجال الفكر أو النزوع الشخصى إلى ممارسة إجرامية.

وبالرغم من تسيُّد نظرية الجذور الاجتماعية والاقتصادية لدراسات الإرهاب لفترة طويلة، وهى تلك التى تربط بين الحرمان الاقتصادى والإقصاء، أو التهميش الاجتماعى من ناحية والقيام بعمليات إرهابية من ناحية أخرى، فإنه منذ مطلع الألفية، وخاصة على خلفية تحليل بيانات مرتكبى أحداث الحادى عشر من سبتمبر، اهتزت الثقة بمقولات تلك النظرية. فى السياق نفسه، فإن التفسيرات النفسية القائمة على فرضية الاختلال أو الاضطراب النفسى لمرتكبى الحوادث الإرهابية لا تدعمها الأدلة المتوافرة عن مرتكبى الأعمال الإرهابية، والتى بينت أن نسبة ضئيلة جدًا من المتهمين فى حوادث الإرهاب اتسمت باضطراب أو مشاكل نفسية، مما استدعى البحث فى تفسيرات بديلة.

وفى إطار التفسيرات البديلة المطروحة، تبرز العوامل الثقافية، التى تسمح بتكريس ثقافة مجتمعية حاضنة للفكر المتطرف الذى يسمح بالتمييز ضد الآخر، بما يمثل البنية التحتية للسلوك الذى قد يستحيل عنيفا، فى ظل توافر الفرصة لذلك، فضلا عن دور صناعة السلاح فى دعم ثقافة العنف لتعزيز مكاسبها.

كما تطرح - فى إطار العوامل المفسرة- سمات السياق، مثل أزمات الانسداد السياسى، أو مشكلات الاندماج فى الدول الغربية، والتى يندفع فى إطارها أبناء المهاجرين، أو المتحولون إلى الإسلام، إلى الانخراط فى أعمال عنيفة، فضلاً عن عوامل أخرى ذات طبيعة فردية أو ذاتية، مثل أزمات التحقق لدى الشباب، سواء فى جوانبه المادية أو الروحية.

وبالرغم من تواتر رفض التفسير الاقتصادى الاجتماعى للميل إلى العنف والتطرف، تشكك بعض الاتجاهات الأحدث فى جدوى الدراسات الإحصائية الداعمة لهذا التوجه، على أساس أنها تفتقر إلى النظرة التاريخية، وتتسم بالانتقائية فى عينة البحث؛ حيث تركز على المشاهير من رءوس الإرهاب فقط، كما تتجاهل أن تلك الفئات من الفاعلين –وإن تمتعت بقدر من التعليم والدخل – فإنها تنتمى إلى مجتمعات يسود فيها الفقر والتفاوت الاجتماعى كمفرخة للإرهاب، وفشل سياسات تجفيف منابع الإرهاب، من خلال سياسات ناجحة للعدالة الاجتماعية، حيث يُسم العديد من الضالعين فى هذه الأعمال بأنهم “المطاريد الاقتصاديون» على هوامش المدن وفى عشوائياتها.

وبرغم تركيز معظم الدراسات على التطرف الدينى، وخاصة الإسلامى، فى ضوء صعود ظاهرة داعش، فإن أوراق الملف تتطرق إلى أنماط مختلفة من الأفكار المتطرفة، خاصة فى أفريقيا والهند، تلعب فيها مجموعة من العوامل المركبةدورًا فى الميل إلى التطرف العنيف.

وارتباطًا بموضوع الملف، يتناول قسم قضايا مصرية مسألة المواطنة، فى ضوء تعرض أقباط مصر للإرهاب المجرم، وذلك من خلال عدة أوراق تتطرق إلى سبل تجفيف منابع التمييز، وتعزيز رأس المال الاجتماعى، سواء من خلال أدوات السياسات العامة، أو الأدوات الثقافية، أو من خلال التمييز الإيجابى لتعزيز المشاركة السياسية والتمثيل المؤسسى للأقباط.

 

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق