تقارير
كل شىء هادئ فى فرنسا !
2017/07/02
بقلم د.مصطفى نور الدين
0
826
67
العدد :

 

جسدت الانتخابات الرئاسية فى فرنسا، فى مايو 2017، حجم التحولات الجذرية التى كانت تختمر منذ عقود، كنتيجة لسياسات النظام الرأسمالى التى اتسمت بالعقم لعدم مقدرتها على إحداث تحولات كيفية، لا اقتصاديا ولا اجتماعيا، سواء فى ظل الأحزاب اليمينية أو الحزب الاشتراكى.وقبل تناول تفاصيل الوضع الفرنسى الراهن والآفاق المحتملة نوجز نتيجة الدورة الثانية للانتخابات، وكيفية تفسيرها اجتماعيا وسياسيا.

بحسب وزارة الداخلية الفرنسية كان عدد المسجلين فى قوائم الانتخابات 47 مليوناً و449 ألف مواطن.ومن قاموا بالإدلاء بأصواتهم 35 مليونا و408 آلاف مواطن، ومن بين هؤلاء لم تحسب أصوات نحو 4 ملايين إذ قاموا بوضع بطاقة بيضاء أو باطلة فى الصندوق. وبلغ عدد من قاطعوا الانتخابات 12 مليون مواطن. بمعنى آخر، فقد قاطع بشكل إيجابى أو سلبى أكثر من 16 مليون مواطن  إما لرفضهم لكل من المرشحين أو لتقديرهم أن هذا النظام الديمقراطى التمثيلى ليس أفضل أشكال الديمقراطية.

وجاءت النتيجة بحصول ماكرون على 66.1 % من الأصوات، أى 20 مليوناً و703 أصوات. بمعنى أدق أن من يمكن احتسابهم أتباع ماكرون حقا هم من أعطوه أصواتهم فى المرحلة الأولى من الانتخابات أى 8.3 مليون مواطن. ومن لحق به فى المرحلة الثانية هم من الأحزاب الأخرى ليحولوا دون وصول اليمين المتطرف للسلطة. وحصلت المنافِسة «مارين لوبن» على 33.9 % من الأصوات، أى 10 ملايين و637 صوتا.

تلك السطور محاولة لقياس عمق تلك التحولات وخلفياتها الممتدة منذ ثلاثة عقود من الزمن، وبشكل أكثر فى السنوات الراهنة. فالانتخابات الرئاسية والمحلية، لاختيار عمد المدن والقرى، وكذا الانتخابات البرلمانية هى «ترمومتر» لقياس ردود فعل تعكس تغيرات فى التوجهات السياسية. هذه التغيرات هى نتاج لسياسات اقتصادية واجتماعية وثقافية مارستها الحكومات المختلفة التى شكلتها أحزاب «مختلفة أيديولوجيا»، ولكن فى الواقع الاختلاف فيما بينها هو فى الدرجة وليس فى الكيف، فحينما تستقرهذه الأحزاب فى السلطة لا تحيد عن السياسات الليبرالية الاقتصادية بأية حال.

فنحن أمام عدة ظواهر جديدة فى المشهد السياسى. أولها، تمثل فى فقدان الثقة فى الحزبين الكبيرين (حزب اليمين التقليدى، والحزب الاشتراكى) ، وليس واضحا كيف يمكن لأى من الحزبين العودة للساحة السياسية بعد أن قضى عليهما تماما. ثانيها، الصعود الهائل لليمين المتطرف العنصرى. ثالثها، ظاهرة الالتفاف حول حزب جديد يعلن أن هويته لا يمينية ولا يسارية.

ولأنه لا يوجد حزب سياسى بدون فكر يتبناه كمحور للتباين عن غيره ويشكل قاعدته التى يدافع عنها فى كل نواحى المجتمع، فإن سمات هذا الفكر لها أهميتها. غير أن الواقع الملموس اقتصاديا وثقافيا واجتماعيا هو الدالة التى توضح أسباب الانتماء لهذا الحزب أو ذاك، ولذلك نتعرض لبعض التفاصيل عن توزع المواطنين على اليمين المتطرف، وحزب «الجمهورية سائرة»، حسبما أطلق عليه الرئيس «ماكرون» أخيرا.

وقد كشفت الانتخابات الرئاسية لعام 2017 بشكل كبير أن هذه الاختيارات طبقية بامتياز، ويحاول البعض نفى أنها أيديولوجية، وكأن هناك انفصال بين ما هو طبقى وما هو أيديولوجى. فنظرة على المناطق الجغرافية، التى حقق كل حزب فيها أعلى معدلات نجاحه، وكذا على مستوى درجة التعليم والدخل، والفرق بين المدن الكبرى والقرى والمدن الصغرى تظهر هذا التداخل بين ما هو طبقى وما هو أيديولوجى فى الانتماء السياسى لهذا الحزب أو ذاك.

حقق حزب الجبهة الوطنية، اليمينى المتطرف، توسعا هائلا فى عدد من أدلوا بأصواتهم لرئيسته، مارين لوبن، ليتجاوز 10 ملايين مواطن. أى شكل هؤلاء نحو ربع عدد المسجلين فى قوائم الانتخابات البالغ عددهم نحو 47 مليون مواطن (يصل عدد السكان فىعام 2016 إلى نحو 67 مليونا).

وتعد تلك القفزة ضعف ما حققها «جان مارى لوبن»، حينما كان رئيسا للحزب والمنافس للديجولى «جاك شيراك»، فى عام 2002، بعد خروج ممثل الحزب الاشتراكى، «ليونيل جوسبان»، من تصفية الدورة الثانية.

ومن تحليل المعطيات، نلاحظ أن اليمين المتطرف حقق أعلى قفزاته فى المناطق الفقيرة والريفية والأقل عددا من حيث السكان. فقد وصلت نسبة من منحوا أصواتهم للجبهة الوطنية من إجمالى الأصوات إلى أكثر من 44 % فى المناطق التى لم يصل عدد سكانها إلى 500 نسمة، ونحو 40 % للمناطق المأهولة بنحو 2500 نسمة، وهكذا بالتدريج لتنخفض إلى ما يقرب من 23 % فى المدن الكبرى التى يسكنها مئة ألف نسمة أو أكثر.

وبشكل مُناظر، فإنه كلما كانت المنطقة الجغرافية ثرية تنخفض فيها نسبة تقدم الجبهة الوطنية والعكس صحيح. ففى المناطق الثرية جدا نجحت الجبهة الوطنية فى حصد نسبة 30 % فقط، بينما بلغت تلك النسبة 43 % فى المناطق الفقيرة، و37 % فى المناطق شديدة الفقر.  يؤكذ ذلك ارتفاع نسبة الذين لم يشاركوا فى التصويت لتدنى الحالة التعليمية أو لعدم اهتمامهم بالشأن العام، أو لتقديرهم أن ذلك لن يغير من الوضع القائم شيئاً، أو من كل ذلك معا.

أى أنه بشكل عام، كلما كانت المنطقة أو المدينة حضرية قلَّ تقدم الجبهة الوطنية. ففى باريس مثلا كانت نسبة من منحوا أصواتهم لهذا الحزب 9.8 % فقط، بينما فى المنطقة الأدنى حضرية «لوكلوز» فبلغت النسبة 80 % لصالح اليمين المتطرف.

وفى دراسات متعددة اتضح أن أكثر من 64 % من العمال الفقراء يمنحون أصواتهم لليمين المتطرف، وهى ظاهرة تتكرر منذ سنوات، نظرا لما لمسوه من سياسات الحزب الاشتراكى الذى تداول السلطة مرات عديدة ولم تتحسن أحوالهم فانفضوا عنه، وكذلك انفضوا عن الأحزاب الأكثر راديكالية لعلمهم أنها لن تصل أبدا للسلطة.

وتوصلت بعض دراسات استطلاع الرأى إلى أن الكوادر الذين يميلون لمنح أصواتهم لليمين المتطرف أقل من 13 %، بينما إيمانويل ماكرون فيميل إليه 33 %. وأن العمال يميلون إلى اليمين المتطرف بنسبة 40 % وبنسبة 13 % إلى «ماكرون». وفيما يخص فئات العمر بين (18-34 سنة) فنسبة 26 % تميل لليمين المتطرف مقابل 22 % إلى ماكرون.

غير أن المدهش فى نتائج الانتخابات هو انخفاض عدد من منحوا أصواتهم لليمين المتطرف، من المناطق التى تتميز بعدد مهاجرين كبير. أى أنه برغم التلويح الدائم فى برامج اليمين المتطرف، منذ عقود، عن مخاطر الهجرة على الثقافة والخصوصية الفرنسية، وكسبب فى ارتفاع عدد العاطلين عن العمل، فإن أعلى معدلات حصل عليها الحزب هى تلك المناطق التى ينخفض فيها أعداد المهاجرين عن المعدل الوطنى. وتلك الظاهرة هى تأكيد لما سبق عرضه فى السطور السابقة. فالمناطق الريفية التى لا توجد بها أعداد كبيرة خصت اليمين المتطرف بأعلى نسبة من الأصوات. وعلى النقيض من المناطق الحضرية التى يتركز فيها نحو 80 % من المهاجرين، كانت الأصوات التى حصدها اليمين المتطرف أدنى بشكل كبير، مع استثناء لبعض المدن التى شكلت قواعد للحزب منذ عشرات السنين.

لماذا يمنح الفرنسيون أصواتهم للجبهة الوطنية المتطرفة ؟

هنا يحق طرح السؤال خلف هذه الظاهرة. وفى عدد من الدراسات والكتب لباحثين فى الجغرافيا والأبحاث الاجتماعية نجد الإجابة بشكل واضح٫ حيث يظهر فى تلك الدراسات أن ثمة «فرنسا المركز»٫ أى المدن الحضرية٫ و«فرنسا الهوامش أو الأطراف»٫ أى المناطق الريفية. هذه التسمية تكاد تكون اقتباسا  من الاستخدام الذى استعمله سمير أمين فى سبعينيات القرن الماضى عن المركز والهوامش، ليعنى بالمركز الدول الرأسمالية المتقدمة، وبالهوامش المجتمعات التابعة المتخلفة.

وقبل التعرض لتلك النقطة، تلزم الإشارة إلى أن معدل البطالة بلغ 10 % من السكان فى سن العمل، ويضرب شريحة المواطنين بين 25 - 49 سنة. ويبلغ عدد العاطلين نحو 3 ملايين مواطنا وهو ما يشهد زيادة كبيرة بالقياس بعام 1980، حيث كان العدد نحو مليون و 200 ألف مواطن فقط شكلوا نحــو 5 % من السكان فى سن العمل، وكما هو الحال دوما تتحمل المرأة نسبة كبيرة بين العاطلين، وترتفع هذه النسبة، حيث كانت نحو 7 % فى عام 1980 واليوم 9.5 %.

ولتفسير أحد أسباب التوجهات فى اختيار اليمين المتطرف عند العمال والمواطنين من ذوى التعليم المتدنى أو بدون شهادات، نشير إلى أن نسبة البطالة تضربهم أكثر من أى فئة اجتماعية أخرى. فهذه الفئات نسبة البطالة بينها تصل إلى نحو 16.8 % طبقا لمعطيات 2015، فى حين أن نسبة البطالة لدى الكادر هى  4 %فقط.

وكما سبقت الإشارة كانت من الظواهر المهمة هو اتجاه الفقراء لمنح أصواتهم لليمين المتطرف. ويعرف الفقر فى الاتحاد الأوروبى فى فئتين قياسا بأقل من دخل شهرى يقدر بألف يورو. الفئة الأولى من الفقراء الذين يصل دخلهم إلى 60 % من هذا الحد المعين، والفئة الثانية هى التى يبلغ دخلها نصف المبلغ، مع ضرورة الإشارة إلى أن الحد الأدنى الصافى للأجور يقترب فى فرنسا من 1300 يورو.

وطبقا للمعطيات الرسمية لجهاز الإحصاءات الفرنسى فى عام 2014، فإن 2.8 مليون طفل يعيشون فى أسر دخلها الشهرى أقل من ألف يورو. وإذا جمعنا كل من فئتى الفقراء، فإن عددهم يقترب من 14 مليون مواطن.

والدراسات الحقلية التى يقوم بها «كريستوف جيولوى» تكشف عن تزايد ظاهرة الإهمال التى يتعرض لها سكان المناطق الريفية التى يطلق عليها «فرنسا المهمشة». وتلك الظاهرة ناجمة أساسا عن العولمة المعممة التى تركز على الحضر على حساب الريف. فكل الجهود موجهة للمراكز الحضرية، عبر تركيز الكوادر للدولة وللشركات والعمالة المهاجرة للخدمات.

ويصحب ظاهرة العولمة إغلاق المصانع ونقلها إلى بلدان أخرى حيث أجر العمالة منخفض، وهو ما يترك سكان المناطق الفرنسية دون عمل. والشىء  ذاته يتمثل فى التوسع فى زرع المحلات الكبرى «السوبر ماركت» فى المدن الصغيرة وبالقرب من القرى، وهو ما يتسبب فى إغلاق المحلات الصغرى فيها، وتحول بعض أصحابها إلى أُجراء فى المحلات الكبرى، وفقدان الغالبية لأعمالهم. وينطبق الأمر أيضا على المدارس والمستشفيات التى تغلق وتحوِّل تلك المناطق لصحراء سكانية لا يتمتعون برعاية الدولة المركزية. يطلق الباحث على تلك الظاهرة «التمزقات الاجتماعية» وهى فى عرفه من ناحية بين المركز والأطراف، ومن ناحية أخرى نتاج الهجرة المتزايدة، والتى تمنح الإحساس لدى الفرنسيين «من ذوى اللون الأبيض» بأنهم يفقدون هويتهم.

وتلك الفكرة الأخيرة يقول بها بعض الكتاب الآخرين مثلما هو الحال فى كتابات «ميشيل ويلبيك» وخاصة لدى «رينو كامو» فى «الإحلال الكبير» و « تجرد الحضارة» إذ يرى نهاية الثقافة الفرنسية وحضارتها، وإحلال تلك التى يحملها المهاجرين لتصبح الغالبة. هذه الفكرة تأتى نتيجة الانتخابات لتكذب صدق تأثيرها بشكل مطلق حيث ــ كما توضح السطور السابقةــ لم تكن هناك علاقة مباشرة بين التوجه لليمين المتطرف وكثافة تواجد المهاجرين فى المدن والمناطق الفرنسية، بينما تظل الأسباب مناسبة فيما يتعلق بتأثير العولمة وما تحدثه من هدم للبناء الاقتصادى والاجتماعى فى تلك المناطق.

حول اليمين واليسار وغموض أمره!

منذ عشرات السنين يعاد طرح التساؤل حول الاختلاف بين اليسار واليمين، فى ظل عالم تتحكم فيه آلية العولمة المعممة. فهل لايزال خطاب اليسار مقبولا ومفهوما من المواطنين ؟ المفكر «جان كلود ميشيل» اختص المسألة بالعديد من كتاباته، وأهمها «غموض أمر اليسار» و«عدونا: رأس المال»، حيث يرى أننا نحيا فى «مجتمع مستهلكين فى النزع الأخير» يتقلص عددهم بالتدريج ليصبحوا حفنة مستهلكين هائلى الثراء». وفى هذا المجتمع يضع اليسار قضاياه مقلوبة. فأولوياته تذهب لمسألة «الزواج للجميع» أو«إباحة الحشيش» وتشييد أوروبا أساسا سلعية، بدلا من التطرق لحال العاملين المطحونين فى أشغال صعبة وظروف لا إنسانية. لقد أطلقت منذ سنوات فى واحدة من مقالاتى عن الحملات الانتخابية أن اليسار يغازل «البناء التحتى للإنسان» للتعبير عن تلك التوجهات التى تبعده عن القضايا الأساسية للمواطنين. بجانب أن هذا «اليسار» انشغل بقضية التحالفات الانتخابية، ولم يهتم بتطوير لغة خطابه ليتفهمه العمال البسطاء فى كل القطاعات، ومن كل الأجناس. وفى تقدير المفكر «آلان تورين» أن الحزب الاشتراكى هو ما قام بتفجير نفسه بسياسته الخاطئة المتتالية، وخاصة التخلى عن سياسة تصنيع وقفل المصانع ونقل الصناعات إلى بلدان أخرى، حيث تكلفة الإنتاج أدنى وكذلك بهدف التخلص من الطبقة العاملة. فاليسار لم ينشغل بالعمال إطلاقا.

وتلك قضية يتطرق لها باستفاضة الفيلسوف «آلان باديو» الذى يرى أن الديمقراطية التمثيلية غير حقيقية، إذ هى إشغال للمواطنين بتحقيق نزواتهم الفردية من كل صنف، فيتصورون أن تلك هى الديمقراطية، والمجتمع الاستهلاكى يمنح هذا الوهم. نجد تلك الفكرة أيضا لدى «هربرت ماركوزه» فى كتاباته، خاصة «الإنسان ذو البعد الواحد» و«إيروس والحضارة»، وكذا فى كتابات «جى دى بور»، وخاصة فى كتابه «مجتمع الفرجة»، فالديمقراطية التى تروج لها الرأسمالية هى تلك الأفكار التى ترفض أن يكون للشارع السياسى كلمته فى أمور الحياة وأن يترك الأمر كما هو الحال للنخبة القادرة ماديا والمهيمنة على المؤسسات والشركات الكبرى المتعددة الجنسية والاحتكارية.

ولا توجد ثمة دهشة  من سقوط ممثل الحزب اليمينى التقليدى وخروج مرشحه «فرنسوا فيون» من التصفية فى الجولة الأولى، فلقد شغل «فيون» رئاسة الوزارة طوال فترة حكم الرئيس «نيكولا ساركوزى» الذى لم يتمكن فى عام 2012 من تجديد فترة رئاسته التى تميزت بسياسات تقترب من اليمين المتطرف. يضاف إلى ذلك تفجر قضية فساد تخص «فيون»، ولم يتراجع برغم ذلك عن مواصلة حملته الانتخابية، ورفَض الامتثال للقضاء فظهر بصورة «شخص فوق القانون».

ماذا يحمل ماكرون لفرنسا ؟

نجاح «إيمانويل ماكرون» يثير التساؤل حول من يكون، وما الفكر الذى يحمله فعليا كشخص برغم أنه كان عضوا بالحزب الاشتراكى ووزيرا للاقتصاد، وتقدم كمرشح لا يسارى ولا يمينى ! فما هذا المخلوق السياسى الجديد ؟

يرى المؤرخ «جيروم بيريه» أنه يوجد تعدد ليبرالى ولا توجد ليبرالية واحدة. وأن «ماكرون» ليبرالى كمدافع عن دولة القانون والحرية الفردية وقبول الآخر. فهو يقترب من مدرسة «جون ستيوارت مل» إذ يجمع بين الليبرالية الكلاسيكية والليبرالية الحديثة، وبالآتى  فهو يقترب من «الطريق الثالث» الذى تبناه عالم الاجتماع البريطانى «أنطونى جيدنس». «فماكرون» يتبنى فكرة الفرد الحامل لمشروع، وأن الدولة هى اليد أو الآلة التى تعين الفرد على تحقيق مشروعه.

يضاف أنه فى برنامجه يضع الدولة كمستثمر بتخصيص 50 مليار يورو لمشروعات كبرى.. فالدولة سوف تلعب دورا اقتصاديا هائلا أى فى ظل حكمه سوف يتم إنجاز ليبرالية دولة.

أما الكاتب «أليكسى فانتراى» فيرى أنه «اشتراكى اجتماعى» أو بتعبير أكثر دقه، فهو «خطوة يسارى نحو قبول اقتصاد السوق». فلديه المساواة الليبرالية هى حق كل شخص فى التمتع بحظه، ويرمى ليس لمنح فرصة للجميع، ولكن لمن لا يملكون فرصة بسبب عاهة، أو تجريم عنصرى، أو غيره.

وترى الباحثة «سبيراتادومترى» أنه «ليبرالى عدالى». فهو يتكلم عن فرنسا التى يجب أن تكون حظا للجميع. وبشكل مكمل يتكلم عن منح مساعدة لأصحاب الأعمال الذين يوظفون عمالة جديدة أو للمعلم الذى يقبل العمل فى مدارس المناطق الصعبة اجتماعيا لكثافة تواجد المهاجرين والفقراء. وكذا هناك حرص للمساواة بين الرجل والمرأة فى كل المجالات.

فجَّرت الانتخابات الرئاسية الأخيرة تلك القضايا لدى كثير من المفكرين ومنهم «رجيس دوبريه» الذى يرى فى الرئيس الجديد نموذجا أمريكيا بينما يقول المفكر «إدجار موران» أن العقبة الأولى هى البرلمان وتشكيله، ولكن ماكرون نجح فى اجتيازها، حيث فاز حزب الجمهورية إلى الأمامبزعامة ماكرون وحليفه حزب (الحركة الديمقراطية) الذى ينتمى إلى تيار يمين الوسط بـ 350 مقعدا فى البرلمان من إجمالى 577 مقعدا، بينما منى الحزبين التقليديين الاشتراكى والجمهورى المحافظ بهزيمة كبيرة، فى حين فازت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان لأول مرة بمقعد فى البرلمان. إلا أن حزب «الجبهة الوطنية» الذى تتزعمه واجه خيبة أمل بعد فوزه بسبعة مقاعد أخرى فقط. أما العقبة الثانية فهى الرئيس نفسه، وهل لديه المقدرة على الوعى بمشاكل الواقع ومواجهتها بشكل جيد. بينما ترى الباحثة «مونيك بينسون – شارلو» أن الرئيس الجديد هو ملياردير. فما يحدث فى فرنسا مماثل لوصول الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» للرئاسة. وكما كان الحال فى إيطاليا مع رئاسة «بيرولسكونى». ربما ليس ثريا بذات الدرجة إلا أن من يسانده ويتحدث باسمهم هم أثرياء أوروبا والشركات الكبرى، فهو توجه نحو الخصخصة وانتهاء القطاع العام. فرأس المال أصبح «سلاح تدمير شامل». ويرى المفكر «ميشيل أنفورى» أن «ماكرون» هو خادم لرأس المال ولأوروبا التى تأخذ لديه الأولوية قبل فرنسا.

إن البرنامج المعلن للرئيس «إيمانويل ماكرون» يتضمن الكثير من المآخذ لعل أهمها هو دوام العلاقة الفرنسية مع حلف شمال الأطلسى ومشاركة فرنسا للدور العدوانى للولايات المتحدة. وعلى صعيد، السياسة الداخلية، يؤخذ عليه التراجع عن مكاسب اجتماعية واقتصادية هى ثمرة نضال أجيال من المواطنين تتعلق بحقوق العمال. هذا التراجع يشكل مظهرا من مظاهر الليبرالية الجديدة التى تمنح أصحاب الأعمال نفوذا، دون حدود لطرد العاملين.

ولكن المظهر الأكثر خطورة ويضرب الديمقراطية التمثيلية فى مقتل هو ما أعلنه «ماكرون» عن الكيفية التى سوف تنفذ بها الحكومة المسار الذى أعلن عنه تحت بند إعادة التكوين للنظام أو الإصلاح. إذ يعتمد فى ذلك على حق الحكومة فى فرض «روشتة» لوضع القوانين وتمريرها دون مناقشة فى البرلمان، وكذا اللجوء لما يسمى «طرح الثقة فى الحكومة» لفرض القانون كما تشاء، دون اعتراض من البرلمان. تلك السياسة هى لتمرير قرارات الحكومة على البرلمان باللجوء للمادة ٣٨ من الدستور. غير أن استخدامها لم يكن يتم فى الماضى البعيد إلا بشكل استثنائى، ولكن هذا الاستخدام تزايدت وتيرته منذ تسعينيات القرن الماضى، فى ظل حكومات الحزب الاشتراكى أو الحكومات اليمينية ثم تضاعف مرتين ونصف المرة استخدام هذه الآلية وبشكل لافت خلال السنوات 2004 - 2013.

المغزى السياسى لهذه الآلية له أهمية خاصة، إذ يعنى تجاوز السلطة التنفيذية لكل من البرلمان ومجلس الشيوخ، وفرض إرادة سياسية فوقية على الإرادة المنتخبة شعبيا. ولكن نتائج الانتخابات البر لمانية جاءت لتساعد على تمرير كل السياسات بدون معارضة.

هذه التطورات التى تخص مسألة الدولة الرأسمالية والديمقراطية ومستقبلها، نرى لها تصورا مبكرا تنبأ به المفكر «نيكوسبولنتازاس»، فى حوار معه قبل شهرين من وفاته فى 1979، لتنطبق على فرنسا اليوم، إذ قال : «الدولة المتسلطة» يمكن أن تتجسد فى النيوليبرالية ويصحب هذا الاضمحلال للديمقراطية التمثيلية فى صورتها الكلاسيكية ولكن دون أن يصل بها الحال لتتساوى مع الفاشية».

وأخيرا كان الإحساس الذى تولد لدىَّ منذ انتخابات 2002 هو أن المجتمع الفرنسى لا يمكن أن تحدث به قفزة وعى نوعى ما لم يمر بأزمة حادة وصادمة. هذه الأزمة لم تحدث فى هذا التاريخ بنجاح الديجولى «جاك شيراك» ولم تحدث فى انتخابات 2017 بفوز «إيمانويل ماكرون»، وبالتالى سوف تستمر السياسات النيوليبرالية، فى ظل تشاحنات تقليدية بين القوى السياسية وتمزقات وتوافقات معتادة حتى يأتى موعد انتخابات أخرى.

عن الكاتب : باحث مصرى مقيم فى فرنسا
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق