ملف العدد
هوامش التطرف: دراسة حالة «التوأم الجهادى» فى المغرب
2017/09/13
بقلم د. محمد مصباح
0
2058
67
العدد :

مقدمة:

يعد موضوع التطرف العنيف والتحول نحو الراديكالية أحد أكثر الموضوعات اشتغالا من الناحية العلمية والمعرفية، نظرا للاهتمام الدال للباحثين والمهتمين بمدخلاته ومخرجاته من الناحية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، خاصة وأن استيعابه يتطلب تفكيك عدد من الميكانيزمات والسيرورات التى تتأسس عليها هذه المنظومة، بحسبانها سيرورة معقدة تتطلب توافر مجموعة من الشروط الاجتماعية والفكرية والنفسية. لذلك، فإن فهم الشروط المنتجة لهذه الظاهرة، يساعد أيضا فى فهم الطرق التى يمكن اعتمادها للوقاية منه.

ومن هذا المنطلق، اعتمد الباحثون فى تحليل ظاهرة التحول نحو التطرف العنيف على عدد من التفسيرات تختلف فى درجة عمقها ومنظوراتها. فبعضها يسير فى اتجاه إعطاء الأولوية فى التحليل للبنيات والبيئة السياسية المساعدة على تنامى الأفكار المتطرفة، والدور الذى تلعبه الإحاطات النفسية والإحساس بالمظالم فى جعل الفرد قابلاً للتحول نحو التطرف. فى المقابل، هناك بعض التفسيرات الأخرى التى تركز على مراحل ومسارات التطرف، بحسبانها سلسلة أو حلقات مترابطة. ويعتبر بعض الباحثين أن عملية التحول نحو الراديكالية تمر عبر ثلاث مراحل مترابطة1. توصف المرحلة الأولى بمرحلة «توافر البيئة»availability، وهى مرتبطة أساسا بالبيئة السياسية والاجتماعية التى تمنح ظروفا مواتية للاستقطاب من طرف المجموعات المتشددة، ويدخل هنا الانحدار من خلال عائلة يمارس داخلها العنف، أو حالة الإحباط بسبب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أو الغضب من طبيعة السياسات الدولية تجاه العالم العربى والإسلامى وغيرها. فى حين توصف المرحلة الثانية بمرحلة الاستقطاب، ويتم فيها الانتقال بعد  عملية التواصل الأولى بين الأفراد من جهة، والمجموعات السرية من جهة أخرى. وتتم عملية الاستقطاب عادة عن طريق العُقد، مثل اللقاءات فى المساجد بعد الصلوات، أو فى اللقاءات المنزلية، أو الجمعيات الخيرية، وغيرها. وتبرز المرحلة الثالثة والأخيرة من عملية التحول نحو التطرف من خلال الالتزام بالفعل بالنسبة لعدد من الأفراد. ومن الصعب تحديد الأسباب المباشرة التى تدفع الفرد إلى الالتزام بفعل عنيف. فهى تختلف من حالة إلى حالة، ويستلهم هذا النموذج من التفسير الدوركايمى لظاهرة الانتحار مع تكييفها مع نموذج التطرف الدينى، حيث يميز هذا النموذج بين ثلاثة دوافع أساسية. يرتبط الدافع الأول بالجانب الشخصى، ويمكن توصيفه بالنموذج الأنانى، حيث يقوم المتطرف بتبنى سلوكاً عنفياً بسبب تعرضه لصدمة أو رغبة فى انتقام بسبب فقدان أحد أفراد عائلته. ثانيا: الانعزال عن المجتمع العام، حيث يخضع عدد من الأفراد المتطرفين إلى عملية تلقين أيديولوجى صارمة بعد عزلهم عن المجتمع العام، هذا الانعزال يكون ماديا ورمزيا، بحيث يتم تتم عملية الفصل عن المجتمع وانعزاله بحسبانه جاهليا أو وثنيا، وهذا الإحساس بالاستعلاء الشعورى على بقية المجتمع يسانده تضامن قوىّ بين أعضاء المجموعة السرية، وميْلٌ للمساواة بين أعضائها. ثالثا: الانخراط بشكل كبير فى المجتمع، والإحساس بواجب نصرة المجتمع والدفاع عنه. فعدد من الجماعات المسلحة تتبنى العنف، نتيجة إحساس بخطر خارجى، يرافقه عجز القوى الأخرى، مثل مؤسسات الدولة، والدول الأخرى، والقوى السياسية على المستوى المحلى، عن دفع هذا الخطر، مما يضطر هذه المجموعات المتطرفة إلى تصدر المشهد والتحدث باسم الجماعة المسلمة بحسبانها ممثلا «للأمة» وخط الدفاع الأول عنها2.

مقابل تفسير التطرف، بحسبانه مراحل مترابطة ببعضها بعضاً، يفضل باحثون آخرون تقديم تفسير نفسى-اجتماعى لظاهرة التطرف، من خلال ربطها بديناميات الصراع بين المجموعات. ويفسر هذا النموذج مسألة التشدد السياسى، بحسبانه مستوى مرتفع من مستويات منسوب تطرف الأفكار والشعور والسلوكات فى دعم الصراع بين المجموعات والعنف3. يحصر ماكلوى وموسكالينكو اثنى عشر ميكانيزما للتشدد تحدث بين الأفراد والمجموعات والجمهور الواسع، وضمن هذه الميكانيزمات يوجد عشرة ميكانيزمات يحدث ضمنها التشدد فى سياق التماثل/التماهى Identificationمع المجموعة ورد فعل على الخطر المتخيل لمجموعة الانتماء. ومن ثم يقترح الباحثان  فهم تنوع وقوة التطرف كعملية تنبع أكثر من خلال ديناميات الصراع التى تحدث بين المجموعات أكثر من كونها تقلبات نفسية على المستوى الشخصى4.

بالمقابل من هذه التفسيرات البنيوية أو النفسية، هناك نماذج أكثر عملية وبراجماتية فى فهم وتحليل تطرف السلفية الجهادية، من خلال ربطها بعملية مكونة من أربع محطات. أولا: ما قبل الراديكالية، وهى مرحلة ما قبل اكتشاف الأيديولوجية السلفية الجهادية. ثانيا: مرحلة تعريف الذات، تتميز بالتعرف على الأيديولوجية  السلفية، وتبنى أسسها الفكرية، والانتماء إلى مناصريها. ثالثا: التلقين، وهى مرحلة التكثيف، حيث يتم إخضاع الشخص لسلسلة من الأفكار التى تهدف إلى إعادة صياغة وعيه وسلوكه وانخراطه فى المجموعة ممن لهم ميولا مشتركة. رابعا: مرحلة الفعل، أو الجهاد، والسمة المميزة لها هى قبول الفرد الانخراط فى الفعل من أجل القضية5.

واعتماداً على هذه النماذج التحليلية والنظرية، سنحاول فى هذه الورقة وصف مسار التحول نحو التطرف العنيف لدى فئة حساسة داخل المجتمع، وهى فئة النساء والمراهقين، من خلال توصيف مكثف لحالة واحدة، وهى حالة جهاديتين مغربيتين معروفتين بـ«التوأم الجهادى»6  واللتين توصفان إعلاميا بـ«أصغر إرهابيتين» فى العالم.7 وقد تم اعتقالهما عام 2003 وسنهما آنذاك لم تتجاوز أربعة عشر عاماً، وذلك على خلفية محاولة تفجير البرلمان المغربى، وحكم عليهما بالسجن خمس سنوات مع النفاذ.8 وقد أجريتُ مع إحدى الأختين (إيمان لغريس) سلسلة حوارات معمقة حول مسارهما قبل وبعد التطرف، وهو ما سيتم تفصيله فيه فى هذه الورقة، من خلال التركيز على مختلف السيرورات التى أسهمت فى تحول التوأم نحو التطرف العنيف. كما تم الاعتماد أيضا على بعض الدراسات الأكاديمية9 وأيضا ما نشرته وسائل الإعلام التى تناولت هذه الحالة.

وستحاول هذه الورقة ــ أيضا ــ  الإجابة على السؤال المركزى الآتى:   ما هى الشروط والآليات التى تسهم فى إنتاج تحول الأفراد نحو التطرف العنيف؟

التوأم الجهادى..  من الفكرة إلى التنفيذ:

إن تحول الأفراد نحو التطرف هو سيرورة ممتدة ترتبط بعوامل ذاتية وموضوعية تتفاعل مع بعضها قبل أن تتحول إلى سلوك عنيف. إنها تقتضى أولا وقبل كل شئتوافر بيئة اجتماعية وسياسية ملائمة، وأيضا شبكات اجتماعية تقوم بوظيفة الاستقطاب والتعبئة الأيديولوجية، ثم أخيرا شخص لديه قابلية للتحول نحو الأيديولوجية  المتطرفة. ولهذا فهى سيرورة معقدة ومرتبطة بالسياق. ومن هنا فإن التوأم المغربيتين، إيمان وسناء وخضوعهما للبحث والدراسة ، يرجع إلى كونه يتميز بالفردية وفى الوقت نفسه بالقابلية للتعميم. فمن حيث الفردية، فكون سناء وإيمان فتاتين مراهقتين (لم يتجاوز عمرهما 14 سنة عند اعتقالهما) فإنها تمثل حالة نادرة ضمن معتقلى التيار الجهادى بالمغرب. ولكن الشروط الاجتماعية والبيئة السياسية التى ساعتد على  تطرفهما يمس فئات اجتماعية عريضة، ومن هنا يمكن تعميم بعض نتائج هذه الحالة بشكل أوسع فى دراسة التطرف العنيف فى المغرب والعالم العربى.

مرحلة الطفولة:

ضمن بيئة اجتماعية وأسرية قاسية، عاشت كل من إيمان وسناء طفولة لاتزال ذكرياتها تبسم جزءا من حياتهما اليومية. تفاصيل أحداث جمعت بين وضعية أسرية مفككة، ومخرجات توحش الشارع، من حكايات تشرد واغتصاب وفقر مدقع، وهو الأمر الذى مثَّل أحد الشروط التس سهلت مسار تحولهما نحو التطرف الفكرى، فى مرحلة متقدمة من حياتهما. وبسبب إهمال الأم وغياب الأب، كان الشارع مصدر رزقها، كما كان أيضا وفى الوقت نفسه مصدرا لمعاناتهما النفسية والمادية، حيث تحكى إيمان تعرضها للاغتصاب عدة مرات، وابتدأت مع فرد من العائلة، وانتهت بممارسة دورية بعيدا عن رقابة أعين  الأسرة. وتصف إيمان حياتها بشكل عام، فتقول : «عيشتنا مُرَّة منذ الصغر، معاناة، تفكك أسرى، لا أعرف والِدِى، أهملتنا والدتى لفترة من الزمن، لم أكن أراها، وأختى كانت عند خالتى »10. وأردفت: أنها تعرضت للاغتصاب أشهراً قبل الاعتقال عن طريق  أحد أفراد أسرتها، وذلك تم بعلم أمها، حسب رواية إيمان11.

التحول نحو الراديكالية:

ونتيجة لهذه الوضعية الهشة التى تتميز بالإقصاء الاجتماعى. والتفكك الأسرى، تحول تراكم الإحباط والتوتر والإحساس بالظلم إلى رغبة فى الموت، عبر محاولة الانتحار فى سن الحادية عشر12. لقد كانت تلك الحالة النفسية بحاجة إلى إطلاق الزناد لتنفجر المكبوتات. وهو ما حدث فى نهاية عام 2000 مع تفجر الانتفاضة الفلسطينية الثانية التى شكلت المحطة الأولى من تحولهما نحو الراديكالية. فقد كانت الأختان تتابعان أحداث القضية الفلسطينية، من خلال ما كانت تنقله القنوات الإعلامية آنذاك، التى كانت حديث الساعة فى تلك الفترة. وقد شكل حدث اغتيال الطفل الفلسطينى، محمد الدرة، مشهد البداية التى أفاضت الكأس فى علاقة الأختين مع مسألة العنف، حيث أثرت فيهما صور محمد الدرة، وهو يقتل وراء أبيه. وأثار فيهما مشاعر الغضب والإحساس بالظلم، وأيضا برز نوع من الغيرية Altruismوالتعاطف مع القضايا الإسلامية، من دون أن يكون خلف هذه المشاعر أى تكوين أيديولوجى محدد. فقد كان التعاطف مع القضية الفلسطينية نوعا من التعويض النفسى عن عدم قدرتهما على تغيير وضعيتهما الحالية فى المغرب.

بدأ التوأم ارتياد المساجد فى سن الحادية عشرة، وذلك بعد لقائمها بمجموعة من السلفيين الذين يبيعون الكاسيت (الأشرطة) الدينية، مثل أشرطة تحمل مواضيع تستهدف الانصراف عن الدنيا نحو الآخرة كعذاب القبر وغيرها من الأشرطة التى كانت منتشرة بشكل واسع أمام أبواب المساجد فى تلك الفترة. بدأت سناء تلبس الحجاب بعدما حثها إمام مسجد على ذلك، وأقنعت أختها إيمان بذلك، ورغم أن أحد أفراد أسرتها رفض ذلك  كما رفض الضغوط التى مارسها عليهما، ولكنهما تشبثا بذلك الموقف13. وستسوء علاقتها بوالدتها أكثر فأكثر بسبب تقدم أحد السلفيين-الجهاديين لخطبة أختها سناء عندما كان عمرها 13 سنة. إلا أن طلبه قوبل برفض الأم التى لم تحتمل رغبات بناتها، ليكون مصيرهم بعد ذلك الطرد النهائى من البيت. 

بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001، سيحصل تحول ثانٍ فى علاقتها بالأفكار المتطرفة. ففى الواقع، كانت مشاعر الغضب والكراهية منتشرة ضد سياسات الولايات المتحدة فى العالم العربى، وبدأت فى تلك الأوقات نقاشات مفتوحة فى الجامعات ووسائل الإعلام حول قضايا الدين والسياسة والعنف، وعلاقة أحداث سبتمبر بما يحدث فى  فلسطين والعالم الإسلامى، وفهم التوأم أن ما حدث « فى أمريكا هو ثأر لفلسطين والعراق، والدول التى تسببت أمريكا فى خرابها، وظلم أهلها»14. خلال تلك الفترة بالضبط،  تولدت لديهما فكرة الانتقام ضد الواقع الذى يعيشونه عبر محاكاة أحداث 11 سبتمبر، و«قلت لأختى لماذا لا نقوم بشئ مماثل. كانت مجرد دردشة فصارت قضية. لا أحد أخبرنا بها. بل هو من خيال محض»15 .

البحث عن التبرير الشرعى للعنف:

أمام حماس الممارسة الجهادية، وعائق الفتوى الدينية، عمدت كل من سناء وإيمان على استجلاب التبرير الشرعى، بغية الانخراط فى مشروعهما الجهادى، فكان أن اتجها نحو مسجد فى الرباط، اشتهر بتردد السلفيين عليه، وتوجها إلى خطيبه السلفى التقليدى بسؤال حول شرعية تفجير محلات الخمور، إلا أن فتواه لم تكن بمستوى طموحهما، بحسبانها ممارسة غير جائزة من الناحية الشرعية، نظرا لنتائجها العكسية. الأمر الذى دفعهما أكثر إلى مواصلة المخطط، والبحث عن مخرجات شرعية أخرى، ترقى وقناعتهما.     

التعبئة الأيديولوجية :

فى تلك الفترة ساءت علاقة إيمان بأمها بشكل كبير، بحيث تعرضت للطرد بشكل متكرر من البيت، وهو ما أدى إلى تشردها فى الشارع، وهناك تعرفت على شخص يدعى عبد القادر لبصير (ويلقب بـ «أبو حمزة»)، وهو تكفيرى-جهادى، سبق أن كان عضوا فى الجماعة السلفية للدعوة والقتال فى الجزائر، وهى مجموعة مسلحة منحدرة من الجماعة الإسلامية المقاتلة GIA. انتقلت إيمان للعيش معه فى منزله رفقة أسرته. وهو انتقال جذرى ليس من جهة قطع العلاقة مع والدتها ولكن أيضا لأن النموذج البديل الذى انخرطت فيه سينقلها من مستوى التعاطف مع تفجيرات 11 سبتمبر، ومع القضايا الإسلامية بشكل عام إلى مرحلة التلقين المنهجى للأيديولوجية  الجهادية والاستعداد للقيام بعمليات تخريبية إذا ما تيسرت الظروف الموضوعية لذلك. لقد كان الحقد والغضب على الأوضاع هو المحرك وراء تحولها نحو الراديكالية، ولكنها كانت فى حاجة إلى مرشد ومعلم mentorيعلمها معالم المنهج التكفيرى والجهادى، قصد التحول الفعلى نحو التطرف العنيف.

كان أبو حمزة سلفيا جهاديا متشددا بفكره وآرائه الدينية، وقد أسهم بشكل بارز فى رسم المرحلة الأولى من مسار تحول التوأم نحو التطرف والراديكالية، فأبو حمزة كان تكفيريا إلى حد بعيد، كما كانت مواقفه تعرف من الغلو حد تحريم الصلاة فى المساجد العادية، فضلا عن حرمة دفن الموحدين على شاكلته فى المقابر، وقد كان لذلك أثر على إيمان وسناء، بأن وجدا فيه المصدر الشرعى لمخططاتهما الجهادية، خاصة أنه كان يفتيهما بجواز القيام بتفجيرات تستهدف الشرطة والجنود والسياح، وقد وصل حده فى التكفير إلى أنه كفَّر الجهاديين الذين ليسوا على منهجه التكفيرى16.

شكلت الدروس والنقاشات اليومية مع أبو حمزة المصدر الرئيسى للتلقين الأيديولوجى بالنسبة للتوأم  التى استغرقت نحو ستة أشهر تلقوا خلالها دروسا فى مسائل التكفير، والولاء، والبراء، والعقيدة، والجهاد، وغيرها. ولكن إيمان وأختها كانتا تلتقيان أيضا بجهاديين آخرين (أقل تطرفا)، حسب توصيفهما، وهؤلاء يحلمون بالجهاد فى الشيشان وأفغانستان وكوسوفو والبوسنة والهرسك، ولكن لم تكن لهم رغبة فى تنفيذ عمليات داخل المغرب17. أسهم هؤلاء الجهاديون أيضا فى تعميق معرفتهما بالأيديولوجية الجهادية عن طريق الأشرطة وكتب عن الحرب والجهاد، إلى غير ذلك. ورغم تنبيههم لهما بالابتعاد عن ابو حمزة، كونه مشبوهاً وسبق اعتقاله عام 1994، رفقة جزائريين من السلفية للدعوة والقتال الجزائرى، إلا أنهما لم تعيرا للأمر أهمية كبيرة.

وضمن هذه الأجواء الخصبة والمواتية لأيديولوجية التطرف العنيف، استطاع أبو حمزة أن يستثمر حماسة إيمان وسناء لمزيد من التطرف، بل وشجعهما على القيام بتفجيرات تستهدف محلات الخمور، فضلا عن البرلمان المغربى، والذى لم يتوان فى تفكير واستباحة دم كل من يدخله، وهو فى نظره يضم :  الطواغيت والكفار، فقد كان يعتبر كل البرلمانيين كفار وكل من يدخل البرلمان فهو كافر ودمه مستباح»18.

من التلقين نحو التنفيذ:

وجد أبو حمزة الأختين على استعداد لتنفيذ عمليات انتحارية. وبعد إلحاح منهما بدأ أبو حمزة فى المماطلة، ربما لأنه لم يكن يمتلك الأدوات اللوجيستيكية لتنفيذ أعماله، وبعد أسابيع قليلة على تفجيرات 16 مايو 2003، اعتقلت السلطات المغربية أبو حمزة وهو ما أدى إلى إجهاض مشروع التوأم فى تفجير البرلمان. وتقر إيمان أنها كانت مستعدة فى تلك الفترة على تنفيذ العملية، وأن العائق الوحيد الذى منعها كان عائقا  لوجيستيكياً، أى عدم تمكنها من الحصول على متفجرات بسبب اعتقال أبو حمزة قبل ذلك. «كنت سأكون أنا وأختى عنصر التنفيذ وأبو حمزة من سيتزعم. ورسمنا أنا وأختى خطة للتفجير»19، واكتشفت السلطات المغربية الخطة وأجهضتها فى مرحلة مبكرة.

خاتمة:

من خلال توصيف كثيف لحالة التوأم الجهادى، قمنا بتحليل أحد نماذج التحول نحو التطرف العنيف، وبالتحديد مسار التهميش الاجتماعى بحسبانه أحد المداخل الأساسية لتفسير التطرف الدينى السلوكيات العنيفة. فى هذه الحالة المدروسة، فإن الراديكالية هى مرحلة سابقة على الأيديولوجيا. فالإقصاء الاجتماعى والتفكك الأسرى وفرا الشروط الأولية لتنمية مشاعر الإحباط والحقد والرغبة فى الانتقام، ولكن هذه الشروط وحدها ليست كافية لتفسير التطرف العنيف، لكونها فى حاجة إلى شبكات اجتماعية نشطة لتحويل المظالم الاجتماعية إلى أداة للاحتجاج، عبر توظيف بعض التفسيرات الدينية كأداة للتعبئة الأيديولوجية  وتبرير السلوكيات العنيفة. ومن هنا فإن حالة التوأم الجهادى تحيل إلى نموذج التهميش الاجتماعى كشرط للتطرف العنيف، وهذا النموذج يعتبر أن الأفراد يتطرفون فى البداية نتيجة الغضب والإحباط بسبب الوضعية الاجتماعية التى يعيشونها، ثم بعد ذلك يبحثون عن أيديولوجية لتبرير تطرفهم. وتمثل الأيديولوجيا الجهادية بالنسبة لهؤلاء المتطرفين الأيديولوجيا الأكثر ثورية والأقرب إلى وضعيتهم الاجتماعية والنفسية. بحيث أضحت تمثل أيديولوجية المهمشين والمقموعين، ولهذا تلقى صدى اجتماعيا واسعا لدى الفئات المحرومة لاسيما فى صفوف الشباب الحضرى المهمش. إن التطرف يعد هو ظاهرة شبابية وحضرية بامتياز.

صحيح أن المقاربات البنيوية تركز على التهميش الاجتماعى والاقتصادى، ولكن مع ذلك ينبغى أيضا الحذر من المبالغة فى تصوير الدور الذى تلعبه الشروط الاجتماعية فى تفسير التطرف العنيف. فهناك العديد من الحالات التى تمثل استثناءات من هذا النمط، كما أن التفسيرات الاقتصادية والاجتماعية ليست كافية فحسب لتفسير التطرف العنيف، بل هى خليط من الدوافع الشخصية فى تفاعل مع البيئة السياسية والشبكات الاجتماعية. ومن هنا، فإن فهم ظاهرة التطرف ينبغى أن يأخذ بعين الحسبان  هذه المستويات الثلاثة (البنية، الشبكة، الفرد) والتفاعلات التى تحدث فيما بينها.

 

الهوامش:

1 -  Kim Cragin٫Understanding Terrorist Motivations٫RAND Corporation٫December 2009.

2 -   Op. Cit.

3 -   Clark McCauley & Sophia Moskalenko (2008) Mechanisms of Political Radicalization: Pathways Toward Terrorism٫Terrorism and Political Violence٫20:3٫415-433.

4 -   Op. Cit.

5 -   Randy Borum٫Radicalization into Violent Extremism II: A Review of Conceptual Models and Empirical Research٫Journal of Strategic Security٫Volume 4 Number 4٫winter 2011٫p: 46.

6 -   من الشهرة التى لاقته هذه الحالة فى المغرب، تم تصوير فيلم لبنانى عرض بالقنوات التلفزية المغربية. يمكن مشاهدة مقاطع منه على الرابط التالى: 

https://www.youtube.com/watch?v=qhBrFQi73sY

7 -    عبد القادر لبصير يتزوج الطفلة إيمان ب«الفاتحة» لتصبح زوجته الثانية . جريدةالمساء،يوم08 - 07 - 2010

8 -   Procès des «jumelles terroristes»: 5 ans de prison ferme٫L’economiste٫N°:1613٫Le 01/10/2003

http://leconomiste.com/article/proces-des-8220jumelles-terroristes8221-5-ans-de-prison-ferme

9 -   Marc Sageman (2008)٫Leaderless Jihad: Terror Networks in the Twenty-First Century٫University of Pennsylvania Press.

10 -   مقابلات الكاتب مع إيمان لغريس. بين15 دجنبر2013 إلى20 يناير2014.

11 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجع نفسه

12 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجع نفسه

13 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجع نفسه

14 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجع نفسه

15 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجع نفسه

16 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجع نفسه

17 -   مقابلة مع إيمان لغريس، المرجع نفسه

18 -   مقابلة مع إيمان لغريس،المرجعنفسه

19 -   المرجع نفسه.

 

عن الكاتب : باحث مغربى مشارك، معهد شاتام هاوس،لندن
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق