ملف العدد
الإرهاصات الأولى: متى بدأ الإرهاب الجديد فى مصر؟
2017/07/02
بقلم فؤاد السعيد
0
1761
67
العدد :

شهدت ظاهرة التطرف الإسلامى العنيف تطورات جوهرية منذ سبعينيات القرن الماضى. وخلال الثمانينيات والتسعينيات اُستنفرت الدولة والنخبة والمجتمع وطرح شعار «تجفيف منابع الإرهاب» الذى كان ينطوى على معنيين رئيسيين: المعنى الأول، استمرار دعم الجهود الأمنية لاختراق الجماعات الكبيرة؛ خاصة الجهاد والجماعة الإسلامية، والسيطرة عليها، بالتوازى مع استمرار الحوار الفكرى والفقهى بين رجال الدين المعتدلين وقيادات تلك الجماعات. أما المعنى الثانى، فكان ينصب على مفهوم «المنابع الاجتماعية» للإرهاب؛ وهو ما كان يعنى توجيه المزيد من الميزانيات، والمزيد من الرعاية الاجتماعية والثقافية للمناطق الفقيرة والعشوائية.

   مع اقتراب سنوات التسعينيات من نهايتها، وتحديداً فى عقب ما عُرف وقتها بمبادرة وقف العنف، ووثيقة ترشيد العمل الجهادى، وما صاحبهما من «مراجعات» فكرية لعدد من قيادات التنظيمات الجهادية، ساد شعور عام  فى مصر بأن هذا النوع من العنف السياسى قد توقف إلى حد كبير، إلا أن الأحداث الإرهابية التالية (كمذبحة السياح  فى الأقصر عام 1997، والتفجيرات الكبيرة الموجهة للسياح فى سيناء مع السنوات الأولى للقرن الجديد) جاءت لتقوض فكرة تراجع الظاهرة الإرهابية فى مصر. بالتوازى مع ذلك، كانت استراتيجية «تجفيف المنابع» الاجتماعية والفكرية قد ذهبت أدراج الرياح؛ إذ لم تترجم أى سياسة للعدالة الاجتماعية بشكل مؤثر على أرض الواقع، كما أن الدولة والنظام السياسى افتقدتا النخبة الدينية أو المدنية المعتدلة القادرة على مواجهة التيار الكاسح للسلفية الجهادية فكرياً.

خلال السنوات الأخيرة، عرفت ظاهرة التطرف الإسلامى العنيف نقلة نوعية كبيرة مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية فى العراق والشام «داعش»، وتبدو المجتمعات والنخب والدول فى المنطقة وكأنها تلهث وراء ظاهرة تتطور وتتجدد بسرعة سواء من حيث طبيعتها وأيديولوجيتها أو قدرتها العالية فى التأثير الإعلامى. على أن النقلة النوعية المهمة فى هذا الطور الجديد إنما تتمثل فى الانتقال من نمط التجنيد التنظيمى المحدود فى التنظيمات التقليدية القديمة – مهما تكن كبيرة -  التى تعتمد أساساً على التواصل المباشر ( وجها لوجه ) بين القيادات والأعضاء، إلى نمط مختلف يعتمد على القدرة على التأثير غير المباشر فى قاعدة واسعة فضفاضة من الشباب الساخط الجاهز للتفجير، عبر مواقع التنظيم وشبكات التواصل الاجتماعى على الشبكة العنكبوتية، ومن خلال التركيز على تلبية احتياجات فكرية ( إطار فكرى دينى كفاحى سياسى بسيط واضح )، وميول نفسية لجيل من المراهقين والشباب تميل نسبة منه عادة للنقمة على النظام الاجتماعى السياسى، وعلى وضع القوى الدولية الجاثم على المنطقة منذ عقود، والذى وصل إلى حد الغزو، وإسقاط الأنظمة بالقوة المسلحة، وإعادة هيكلة الدول، بالتوازى مع تراجع قضية فلسطين على الأجندة الدولية والإقليمية.

تحتاج الظاهرة – فى طورها الجديد المتجدد – إلى المزيد من الدراسات العميقة الجادة. تطرح هذه الورقة افتراضاً مؤداه أن جهود الدولة والمجتمع والباحثين فى مصر أخفقت فى استكناه التطور النوعى الخطير الذى طرأ على طبيعة الظاهرة منذ بدايات الألفية الثالثة، وربما فاتها أن تلتقط الإرهاصات الأولى المبكرة لهذا النمط الجديد القائم على التأثير بالإيحاء عن بعد. وبالآتى  فإن فهم الظاهرة فى طورها الأخير لن يكون ممكناً بمجرد تأمل طبعتها الداعشية الأخيرة الراهنة، بل يتطلب الرجوع خطوة للخلف لاكتشاف لحظة ولادة هذا الطور الجديد للإرهاب فى مصر، حيث إن البدايات عادة ما تنبئ عن النهايات.

متى بدأ نمط الإرهاب الجديد ؟

قبل ظهور داعش بسنوات، وفى الحالة المصرية على وجه الخصوص، يمكن القول بأن هذه اللحظة تكمن فيما عُرف بتفجيرات الأزهر والحسين عامى 2005 و2009. كان عام 2005 قد شهد ثلاث هجمات بدائية متتالية استهدفت السياح فى خان الخليلى، والمتحف المصرى، وحافلة سياحية.  أسفرت هذه الهجمات عن مقتل أربعة من السياح، وإصابة عدد كبير من السياح والمصريين. كما شهد  حى الحسين بالقاهرة 2009  تفجير قنبلة فى سوق خان الخليلي قرب المشهد الحسيني بحى الحسين المكتظ بالسياح أسفر عن مقتل فتاة فرنسية وإصابة 25 سائحا.   مثلت هذه الهجمات نقلة نوعية فى طبيعة العمليات الإرهابية فى مصر ،لأسباب أربعة هى:

أولاً: أن التحقيقات لم تقنع الرأى العام ولا الباحثين المتخصصين بضلوع أىٍ من التنظيمات المعروفة داخل مصر أو خارجها فى هذه العمليات.

ثانياً: أن هذه العمليات دشنت لنوع جديد من التطرف الإسلامى العنيف يمكن أن تبادر به مجموعات صغيرة عبر تأثرهم بشلال مواقع الإرهاب الإلكترونية التى يمكن أن توجه بطريق غير مباشر لتركيز العمليات على فئات محددة كالسياح فى هذه المرحلة المشار إليها، أو الشرطة والجيش، أو الأقباط فى مراحل تالية حتى الآن.

ثالثاً: أن هذه العملية دشنت لما يمكن أن نطلق عليه «الشبكات الاجتماعية الواقعية» على الأرض، تمييزاً لها عن «الشبكات الاجتماعية الافتراضية»، حيث كان كل الفاعلين تقريبا فى هذه العمليات من الأخوة والأخوات والأقارب والرفاق من نفس البيئة الاجتماعية، بل نفس الحى السكنى، على خلاف التنظيمات التقليدية قبل ذلك التى كانت تتسم بتنوع عضويتها عائليا وجغرافيا، حتى لو غلب على عضويتها الانتماء لحيز جغرافى واسع كالصعيد، أو بحرى، أو القاهرة، وليس حى واحد بعينه.

رابعا  أن هذه الموجة دشنت أيضاً لضلوع سيدات منقتبات فيها، لتصبح أول عمل إرهابى نسائى فى تاريخ مصر الحديث، حين فتحت سيدتان منتقبتان النار من أسلحة نارية على حافلة سياحية، ثم قتلت إحداهما الأخرى قبل  أن تقدم هى نفسها على الانتحار.

خطأ استرتيجى.. تهوين فى غير محله:

كانت تفجيرات ( 2005 ) و(2009) على الأرجح مبادرات ذاتية لمواطنين عاديين ساخطين اجتماعياً ذوى توجه إسلامى جهادى (بالمعنى العام للكلمة)، ولذلك اتسمت عملياتهم بالبساطة والبدائية، وهو أسلوب مختلف بشكل جذرى عن العمليات الكبيرة المخططة للتنظيمات التقليدية المحترفة السابقة، من حيث مستوى التخطيط وتعقيد التنفيذ.  والأرجح أيضاً أن جماعات الأقارب والرفاق هذه،  وإن كانت قريبة من فكر السلفية الجهادية عموما، وفكر القاعدة خصوصا، فإنها بعيدة تنظيميا عنها ،وعن غيرها من التنظيمات.

وليبدو هذا التقدير بعيدا عما ركزت عليه  المصادر الأمنية خلال الأيام التالية لتفجير عام 2009 فى المشهد الحسينى، والتى رجحت أن يكون المنفذ أو المنفذون امتدادا للمجموعة التى سبق أن نفذت تفجيرات الأزهر، والسيدة عائشة، وميدان عبد المنعم رياض قرب المتحف المصرى عام  2005، فطريقة تصنيع العبوات الناسفة كانت متشابهة، كما أن منطقة التنفيذ واحدة أيضا، بل إن تفجير الحسين بدا وكأنه وصول متأخر إلى المكان النموذجى الذى كان مستهدفاً، والذى عجز حسن بشندى عن الوصول إليه فى تفجير الأزهر 2005 حين انفجرت فيه العبوة خطأ على مساقة تتراوح بين 200 إلى 300 متر من الموقع الاستراتيجى المطلوب فى قلب المشهد الحسينى المكتظ بالسائحين، وتصل هذه الفرضية إلى ذروة احتماليتها على ضوء المعلومات  عن وجود 22 متهماً هاربا لم يكن قد تم القبض عليهم  منذ حادث 2005، وفقا لتصريحات مصدر أمنى لصحيفة الشروق ( 24/2/2009) .

فيما بين هذين التفجيرين، وفى أعقابهما تكرر نمط التفجير العشوائى البدائى لفرد أو جماعة صغيرة من الرفاق منبتة الصلة عن التنظيمات المحترفة الكبيرة قديمة أو جديدة، وهو ما شكَّل دون شك تغيرا جوهرياً لم يحظ بما يستحقه من الدراسة والتحليل؛ إذ تضافر تياران فى اتجاه التهوين من هذا التغير الجوهرى فى طبيعة الظاهرة: أما التيار الأول، فتمثل فى الرؤية الرسمية التى تميل عادة لاستبعاد أى مسئولية للدولة عن نشوء البيئات المفرخة للإرهاب والحاضنة له، بسبب الخلل فى برامجها التنموية، وانعدام عدالة توزيع فرصها على المناطق المختلفة ( حضر/ريف – عاصمة/أقاليم – بحري/قبلى – قلب المدن/أطرافها العشوائية ). فى المقابل، يتبنى هذا التيار نظرية مؤداها أن الإرهاب هو عادةً نتاج لحالة فردية، وقرار فكرى، وميل نفسى ولا علاقة له بالظروف الاقتصادية الاجتماعية والسياسية (تصل هذه النظرية إلى ذروتها فى الوصم المعتاد للإرهابى بالمرض النفسى أو العقلى).

أما التيار الثانى الذى تضافر مع التيار السابق فى النظر لتلك العمليات بحسبانها مجرد حالات فردية لا تؤسس لنمط جديد من الإرهاب، فيتمثل فى قيادات الجماعات الإسلامية التائبة فى التسعينيات ذاتها، إذ إن أى تفسير آخر من شأنه المساس بقيمة مبادرة وقف العنف والمراجعات، حيث دأبت هذه القيادات على تأكيد الطابع الفردى لتلك التفجيرات أيضاً وأن الجيل الجديد من الشباب الذين يتبنون العنف باسم الإسلام ليس له علاقات تنظيمية، ولا يدركون الفارق بين الجهاد بمفهومه الشرعى وغير الشرعى، ولكنهم يستقون أفكارهم، من خلال عدد من الشيوخ الافتراضيين الذين لم يروهم، ولم يعرفوا عنهم شيئا، وبالآتى  لم يكن هناك نقاش ونقد لهذه الأفكار بشكل مباشر.

جيل القطيعة مع المراجعات:

فى اتجاه معاكس للتقديرات السابقة،  يلاحظ أنه لم ترد فى أقوال المتهمين أو الشهود فى  تحقيقات النيابة فى قضيتى تفجيرات الأزهر والحسين أى إشارة لأى مصدر من المصادر الفكرية التى اعتمدت عليها مبادرة وقف العنف، مثل «مبادرة وقف العنف رؤية واقعية .. ونظرة شرعية « أو « حرمة الغلو فى الدين وتكفير المسلمين»، أو« تسليط الضوء على ما وقع فى الجهاد من أخطاء» ، أو  «النصح والتبيين فى تصحيح مفاهيم المحتسبين»، كما لم يرد اسم أى من القيادات الفكرية والحركية التى كانت وراء  مبادرة وقف العنف .

و تثير هذه الملاحظات تساؤلاً مشروعاً : هل انطوت دعوة الشيخ عمر عبد الرحمن، ثم مبادرة وقف العنف على نوع من التناقض وعدم الاتساق الداخلى، وفقاً للمنطق الذى يحكم «العقل الجهادى» بحيث لم تكن مقنعة لأجيال جديدة من الإرهابيين الصغار التى تولدها المنابع الاجتماعية للإرهاب، والتى لم يتم تجفيفها بالقدر الكافى بعد رغم كل الجهود المبذولة، خاصة أن هذه الدعوات بدت وكأنها مراجعات لأسباب عملية براجماتية تتعلق بتقدير الظرف السياسى وتقدير الأضرار التى يمكن أن تقع على المجاهدين وليست قائمة على فتاوى شرعية محض – بغض النظر عن النتائج العملية – كما يحلو لهذا الشباب السلفى الجهادى أن يفكر ؟

 بعد سنوات من إعطاء الأولوية للفريضة الغائبة، أى الجهاد، كان الشيخ عمر عبد الرحمن قد طالب بإعطاء الأولوية للدعوة للإسلام بالكتابة والدرس، والنصيحة، والعلم، والحوار، وإظهار عظمة الإسلام، دون تقديم مبرر فكرى أو شرعى ناصع الوضوح، كما دعا إلى حصر الجهاد ليقتصر على الإعداد لتحرير بيت المقدس، أى أنه قصر الجهاد على دعم المجاهدين المسلمين فى فلسطين ضد الصهاينة، دون تقديم مبررات مقنعة أيضاً – من منظور العقل الجهادى نفسه – لوقف العنف ضد نظام الحكم فى مصر، أو ضد القوات الأمريكية فى حربها على المسلمين فى العراق أو أفغانستان . ويعنى هذا النهج  «العملى السياسى» أن أمر مبادرة وقف العنف فى مصر ، وضد القوات الأمريكية المحتلة لأفغانستان والعراق كان محض قرار سياسى تكتيكى – لا استراتيجى - تفرضه ظروف عدم التوازن فى القوة بين الطرفين المتقابلين، وهو بذلك يفتح المجال أمام الاختلاف مع هذا التقدير السياسى العملى دون الوقوع فى خطأ مخالفة المفتى، أو حرمة الخروج على الشريعة، كما أنه لا يتطلب سوى الإرجاء والتمهل لإعداد العدة بشكل جيد للتمكن من المواجهة أو تغير الاستراتيجية الجهادية القديمة المتمثلة فى المواجهة العنيفة سواء لقوة الدولة المصرية، أو لقوة العدو الأمريكى فى جبهات القتال ً. ونظن أن جيل الإرهاب الجديد قد أدرك أن هذا الفهم لمبادرة وقف العنف لا يمنع شرعاً من تحقيق الهدف التكتيكى ذاته، من خلال تبنى استراتيجية أخرى تقوم على إنهاك النظام المصرى أو القوات الأمريكية فى عمليات صغيرة هنا وهناك يكون لها أثرها السياسى الاقتصادى (السياحة) كاستراتيجية مؤقتة حتى تنتهى مرحلة الإعداد وتدريب العناصر واختبارها فى عمليات صغيرة هنا وهناك، وهى عمليات، مسموح بها للأفراد للمجموعات الصغيرة، بسيطة التنظيم وفقاً لما يرونه، مهما كانت بدائية عشوائية قصيرة النفس، أو دون هدف سياسى استراتيجى واضح .

وفى هذا السياق، يمكن تفسير تكرار أسماء أسامة بن لادن، وأيمن الظواهرى فى تحقيقات النيابة مع المتهمين فى قضيتى  الأزهر والحسين، ويبدو أن هذا الشباب الإسلامى الجديد الناشئ الميال لفكرة الجهاد تأثر بفكر تنظيمى الجماعة الإسلامية والجهاد – قبل المراجعات - والقاعدة أيضا، عبر المواقع الجهادية على الإنترنت. ويمكن استنتاج أن هذا الجيل الجديد أدرك أن الأمر يتعلق بطبيعة الخطة التى واجهت من خلالها قيادات (المراجعة) السجن لسنوات طويلة، وانتهت  بفشل استراتيجية المواجهة الشاملة بالقوة، وبالآتى  يمكن محاججة هذا المنطق، من خلال التفكير فى استراتيجية مواجهة بديلة قد تكون أكثر ملاءمة للظروف العملية، دون أن تقتضى وقف العنف بالضرورة .

خطورة النمط الجديد:

تكمن أهمية تفجيرات 2005 - 2009 – على هشاشتها وبدائيتها – فى أنها كان ينبغى أن تساعد فى إعادة صياغة طريقة فهمنا لذلك الحدث النوعى، وذاك النمط الجديد من الإرهاب الذى شهدته مصر منذ تفجير 2005 وما أعقبه من تفجيرات  متصلة به فى عام 2009 . حينها سادت بين العديد من الخبراء رؤية تبسيطية للحدث الذى وصف آنذاك بأنه «إرهاب المراهقين الصغار» مقارنة بإرهاب أقطاب الجماعات الإرهابية المصرية الكبيرة كالجماعة الإسلامية، أو جماعة الجهاد، وكذلك القاعدة فيما بعد، وبالآتى  تم تشخيصها على أنها مجرد حوادث فردية عابرة لا تشكل ظاهرة يخشى من تكرارها مستقبلا .

ولكن هذه النظرة تغافلت عن أن طابع البساطة والسذاجة فى هذا النمط الجديد من الإرهاب قد يكون هو فى حد ذاته مصدر خطورته ؛ فبدائية العبوة ومحلية تصنيعهما بما فى ذلك تفريغ ألعاب الأطفال النارية، وقلة خبرة مصممها وصانعها، كل هذا  قد يترجم عمليا إلى ميزات نسبية لهذا النوع من الإرهاب تجعله أكثر إثارة للقلق، إذ يعنى ما سبق أن مواد التصنيع متوافرة ويمكن الحصول عليها بسهولة، وأن طرق تركيبها أصبحت متاحة على الإنترنت وهو قبل ذلك بسيط ولا يحتاج إلى خبرة خاصة، أو معامل مجهزة، كما أن سذاجة التخطيط وعشوائية التنفيذ تعنى خلو العملية من أى طابع مميز يمكن معه توقع حدوثها أو الاستدلال على التنظيم الفاعل، وكون الفاعل هو مجرد  مجموعات صغيرة منعزلة وليست تنظيما يعنى ــ عمليا ــ صعوبة الاستدلال على مجموعة انطلاقا من مجموعة أخرى على العكس من  تنظيم مترابط أو حتى عنقودى يؤدى الإمساك بطرفه إلى الوصول إلى نهايته مهما يكن كبيراً. هذه المجموعات المتطرفة صغيرة، بحيث لا يمكنها تشكيل تنظيم كبير، وأن قراءاتها وتكوينها الفكرى يتم عبر الإنترنت، وهى إلى جانب ذلك يصعب اكتشافها وملاحقتها أمنيا، وبالآتى  ستستمر وتعاود الظهور بين الحين والآخر لتفاجئ الرأى العام بعملية تفجيرية غير متوقعة هنا أو هناك. هل نحن بصدد نمط من الإرهاب «غير المتوازى» الذى يلعب العنصر الاجتماعى الدور الأكبر فيه،  مقابل الإرهاب المنهجى للتنظيمات السابقة الكبيرة التى كان العنصر السياسى هو المحرك الجوهرى لها ؟

الوصف الإثنوجرافى والاجتماعى لبيئة الفاعلين:

 يكشف التحليل الاجتماعى للمعلومات الواردة فى مضابط تحقيقات النيابة فى هذه القضايا السابق، أن جميع المحكوم عليهم والمتهمين والشهود الذين تجاوز عددهم السبعين ينتمون للمنطقة الجغرافية ذاتها، حيث دارت معظم أقوالهم ورواياتهم فى المثلث الواقع بين أحياء شبرا الخيمة وبهتيم والمناشى، وهى المنطقة التى يقيم معظمهم فيها، وتتميز بكثافة سكانية عالية، ويغلب عليها الطابع العشوائى غير المخطط، ويتراوح المستوى الاقتصادى لقاطنيها ما بين مستويات ما تحت الفقر حتى مستوى الطبقة المتوسطة. كما ثبت ترابط وانتماء  الفاعلين فى هذه العمليات لذات الشبكات الاجتماعية؛ سواء من حيث الترابط العائلى، أو الانتماء لجماعات الرفاق فى الحى والمنطقة عموماً. 

تعد مدينة شبرا الخيمة - أصل هذه المنطقة - رابع أكبر المدن المصرية، تتجاوز مساحتها ألف كيلو متر مربع وتضم أربع  عزب رئيسية: عثمان، والشرقاوية، وسعادة،  والتعاون.  تشكلت الكتلة البشرية الأولى فى هذه المنطقة من العمال الذين وفدوا للعمل فى المنطقة الصناعية (خاصة الغزل والنسيج) التى نشأت بعد ثورة يوليو 1952. مع مرور السنين عرفت المنطقة حركة سكانية وافدة من فقراء أرياف جنوب الدلتا ؛ خاصة محافظة القليوبية، الذين لفظتهم العاصمة بعد أن فشلوا فى العثور على فرصة عمل والاستقرار فيها.  فى الوقت نفسه مثلت المنطقة ذاتها نقطة جذب لحركة بشرية أخرى تمثلت فى الفئات الأكثر فقرا من مطاريد الأحياء الشعبية داخل القاهرة ذاتها. ونظرا لصعوبة إخضاع مثل هذه المناطق لأى تعداد قومى أو غير قومى، تتراوح تقديرات سكان هذه المنطقة تراوحا شديدا مابين أربعة ملايين فى المصادر الرسمية إلى أكثر من عشرين مليونا فى تقرير التنمية البشرية الصادر عن منظمة الأمم المتحدة.

يمكن تقسيم سكان المنطقة إلى فئتين  اجتماعيتين رئيسيتين:  الأولى هى الفئة الأكثر فقرًا، وهؤلاء يعيشون فى مناطق مساكن الصفيح والخشب والخيش وغيرها، وهؤلاء ليس لهم عمل مستقر، والثانية تنتمى للشرائح الدنيا للطبقة المتوسطة.

من الصعب على أى دراسة موضوعية محايدة لظاهرة الإرهاب فى مصر إنكار قوة العامل الخاص بالبيئة الجغرافية والأصول الجهوية للفاعلين؛ فإذا كان سعد الدين إبراهيم ومأمون فندى قد رصدا هذه العلاقة بالنسبة لجماعات السبعينيات والثمانينيات، فما بالنا بقضية مثل قضية تفجيرات الأزهر والحسين ( 2005 – 2009 ) التى كان كل من اتهم، أو تم التحقيق معه فيها، ولو كشاهد، من منطقة واحدة هى منطقة شبرا الخيمة، خاصة أحياءها العشوائية، والتى تجاوز عددها السبعين،  ترجع أصول آباء معظمهم إلى بعض محافظات الوجه البحرى خاصة القليوبية. إنهم المطاريد الاقتصاديون لمحافظات الوجه البحرى.وكان فندى قد لاحظ أن معظم القيادات التى وجه لها الاتهام بعد اغتيال السادات  كانت من محافظات الصعيد، ونفس الأمر بالنسبة لجميع المتهمين من الأعضاء العاديين 183 عضواً من 280 (65  % )، منهم 73 من المناطق المتاخمة للقاهرة والتى تقطنها أغلبية ذات أصول صعيدية، مقابل 24 فقط  من أصول  قاهرية، أو ترجع للوجه البحرى ( فندى)،1 كذلك كان معظم أعضاء التكفير والهجرة من الصعيد أيضا، بينما كان معظم أعضاء الفنية العسكرية من القاهرة والإسكندرية والوجه البحرى وفقاً لدراسة سعد الدين إبراهيم.2

ثمة فوارق أساسية تميز المتهمين فى قضية الأزهر عن إرهابيى السبعينيات والثمانينيات الذين كانوا ينتمون لآباء  منهم الفقراء، ومنهم الأغنياء، ومنهم أبناء الطبقة المتوسطة المستورة، ومنهم أبناء عائلات عريقة ومحترمة اجتماعيا وثقافيا هابطة من مستوى الأثرياء إلى مستوى كبار الموظفين المستورين. عاش جيل إرهابيى السبعينيات والثمانينيات معا كمغتربين بعد رحيلهم للمدن الكبرى كجيل أول لاستكمال تعليمهم، أو بحثا عن الرزق، دون أن يفقدوا الإحساس بالهوية والكرامة والمكانة الاجتماعية الراسخة لعائلاتهم، أى أنهم ظلوا ضمن جذورهم الاجتماعية فى أرياف الصعيد (أو بحرى) وينطبق ذلك على ثلثى مجموعة المبحوثين فى دراسة سعد الدين إبراهيم مثلا (  21 من 34 من أعضاء الجماعة الإسلامية وجماعة التكفير والهجرة ).

على العكس، فإن الإرهابيين الجدد اقتلع الفقر والبطالة آباءهم من جذورهم الريفية فى محافظات الوجه البحرى غالباً، لتهاجر أسرهم اضطرارياً قبل أن تلفظهم المدينة (القاهرة أو غيرها) بقسوة ليظلوا عالقين فى مناطقهم العشوائية المطحونة بين الاستقرار الريفى المفقود، والفرص غير المتاحة للانخراط فى رغد المدينة .

فى حالة الجيل الأول أنتجت مشاعر الاغتراب، وأزمة الهوية، والرغبة فى تجاوز الشعور بالدونية تجاه أهل المدينة نوعا من أساليب الدفاع النفسية من قبيل التضخيم المفتعل للذات الجمعية الأصلية، والبحث عن غطاء أخلاقى بديل تمثل فى التمسك المبالغ فيه بمنظومة قيم وأيديولوجية بديلة (الدين) فى مواجهة المنظومة المدنية المدينية الحديثة، وبالآتى  تنطبق عليهم نظرية الاغتراب الجغرافى والصدمة الثقافية والتجمع فى مجموعات منعزلة اجتماعيا – وفكريا – والحاجة لملاذ فكرى حياتى،  ومنظومة قيمية يواجهون بها منظومة قيم المدينة.

  فى المقابل فإن مشاعر الجيل العشوائى الجديد الناشئ فى عشوائيات المدن وأحيائها الفقيرة هى مشاعر من الإحساس بالظلم الاقتصادى – الاجتماعى التى ورثوها عن آبائهم وأمهاتهم  الهابطين من الطبقة الريفية المستورة إلى الطبقة الفقيرة التى تخشى من تدهور أبنائه، الفاقدين للتعاضد الريفى القديم، إلى منظومة القيم العشوائية المنحطة، وبالتالى تتملكهم مشاعر الظلم الاجتماعى والكراهية والاغتراب الاجتماعى بدرجة أكبر من الاغتراب الجغرافى والدينى. قام جيل إرهابيى السبعينيات والثمانينيات على قاعدة البحث عن هوية أصلية تميزهم عن مجتمع المدينة الذى عجزوا ــ أو رفضوا ــ عن الانخراط فيه، بينما قام إرهابيو القرن الجديد، انطلاقا من مشاعر السخط على الظلم الاجتماعى ولفظ المدينة لهم. وفى الحالتين مثَّل التشدد الدينى العنيف الغطاء الأيديولوجى المناسب.

ملاحظات ختامية:

   أولاً: لا يقتصر التفسير الاجتماعى البيئى السابق على المنطقة العشوائية الفاصلة بين القاهرة جنوباً ومحافظات الوجه البحرى شمالاً فحسب، بل يمكن دراستها فيما يتعلق بمناطق عشوائية رئيسية مشابهة، مثل منطقة حلوان وضواحيها التى برزت خلال الشهور الأخيرة كواحدة من أقوى مراكز العنف الأهلى المحلى المؤيد للإخوان وجبهتهم الإسلامية، والتى شهدت مؤخرا ما عُرف ب«كتائب حلوان».

وكذلك منطقة جنوب غرب الجيزة، والتى تضم أحياء بولاق الدكرور والمعتمدية، وناهيا، وهى المناطق التى خرجت منها الكتلة البشرية الرئيسية التى حولت - فى أحداث 25 يناير 2011 - تظاهرة نخبوية محدودة فى ميدان مصطفى محمود بحى المهندسين القريب إلى جزء معتبر من ثورة شعبية مليونية. أما المثال الواضح الأخير فيتمثل فى الحزام السلفى المتشدد الواقع جنوبى الإسكندرية.

 ثانياً:من شأن هذا التحول الجوهرى الذى طرأ على الظاهرة، وما صاحبه من سهولة تكرار العمليات الإرهابية أن يشكل ضغطاً عصبيا على قطاعات مجتمعية واسعة قد يتحول إلى ضغط على المؤسسات السياسية لتغيير نظرتها القديمة، واكتساب خبرات جديدة للتعامل مع  الجذور الاقتصادية الاجتماعية والسياسية لظاهرة الإرهاب، بدلا من الاكتفاء التقليدى بالتعامل مع جوانبها الأمنية فحسب. وضغط مواز على المؤسسات الأمنية لاكتساب خبرات جديدة فى التعامل مع ما هو صغير متغير متحرك ومنتشر فى المجتمع، عوضاً عن خبراتهم التقليدية فى التعامل مع أهداف (تنظيمات)  ثابتة ومحددة – مهما تكن كبيرة.

 

هوامش:

1ــMamounFandy٫EgyptsIslamicGroup: RevengeTheMiddleEastJournal٫Vol48٫ No4 (Autumn٫ 1994 )٫ p608

2ــ  SaadEddinIbrahim٫ EgyptsIslamicActivisminthe1980s٫» theThirdWorldQuarterly٫ 10 (2): 632- 657٫ April1988٫ p438.

عن الكاتب : باحث - المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق