صحف و دوريات
مستقبل العراق/ نيفين مسعد
2017/07/16
0
171
67
العدد :

د. نيفين مسعد

الأهرام

15/7/2017

مستقبل العراق

بعد أكثر من ثمانية أشهر على انطلاق معركة تحرير الموصل فى أكتوبر 2016 أعلن حيدر العبادى رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة العراقية تحرير المدينة . هذا الإنجاز الكبير من حق أهل العراق ومن حق كل العرب أن يفخروا به، فالنصر لم يكن سهلا أبدا بل سقط فى سبيل تحقيقه الآلاف من الشهداء، وهُجِر آلاف آخرون من ديارهم وبدت المدينة غداة تحريرها وكأنها خرجت لتوها من حرب عالمية ثالثة . ومع أن أحدا لم يكن يتوقع أن يكون طرد داعش من الموصل بالسرعة نفسها التى سقطت بها المدينة فى يد التنظيم، إلا أن أحدا فى الوقت نفسه لم يتوقع أن يستمر التحرير كل هذه الشهور الطويلة، ومازلت أذكر كيف أن رئيس الوقف السنى العراقى الشيخ عبد اللطيف الهميم قد توقع بدرجة عالية من الثقة أن تستغرق العملية العسكرية ما بين أسبوعين و ثلاثة أسابيع وكان ذلك خلال فعاليات الصالون الثقافى العراقى الشهرى الذى تنظمه فى القاهرة «كتلة المواطن» « و قبل يومين اثنين من انطلاق معركة «قادمون يا نينوى».

خلال هذه الشهور الطويلة لم تتبلور رؤية سياسية جامعة يلتف حولها العراقيون فيما يخص مستقبل الموصل ومستقبل العراق ككل، ويرجع ذلك فى تقديرى إلى عدة أسباب، السبب الأول والأهم هو أن الأطراف المختلفة لم ترغب فى تحديد مواقفها السياسية قبل أن يهدأ غبار المعركة وتتشكل توازنات القوة بناء على الإنجازات العسكرية على الأرض، ولعلنا نذكر تصريح مسعود بارزانى رئيس إقليم كردستان حول الحدود التى يرسمها الدم والتمسك برفع علم كردستان على محافظة كركوك وتحديد موعد الاستفتاء على حق تقرير المصير فى سبتمبر المقبل، فيما يبدو وكأنه محاولة مبكرة لقطف ثمار النصر على داعش . بقول آخر فإن معيار المشاركة فى الحرب على داعش وأيضا حجم هذه المشاركة أصبح معيارًا مهما من معايير ترسيم شكل الدولة فى العراق ، أكثر من ذلك فإن بارزانى هاجم الأسبوع الماضى فى بروكسل «حركة التغيير» الكردية المعارضة لأنها لم تنخرط فى معركة تحرير الموصل، ما يعنى ضمنا أنه يقدم مبررا لتهميشها سياسيا وهذا ينقلنا من علاقة العرب بالأكراد إلى العلاقة بين الأكراد أنفسهم

السبب الثانى أن هناك ما يشبه الاتفاق بين مختلف الأطراف على أن أسس العملية السياسية القائمة فى العراق لم تعد قابلة للاستمرار بعد كل ما تسببت فيه من عدم استقرار، وهذا يستدعى حكما إعادة النظر فيها ، لكن الاختلاف يبدأ من لحظة مناقشة الجوانب المطلوب تعديلها فى تلك العملية، وقد حفلت مبادرة «التسوية الوطنية» التى طرحها عمار الحكيم بالعديد من المراجعات التى تبدأ بتغيير شكل نظام الحكم من برلمانى إلى مختلط وتنتهى بتأجيل طلبات تأسيس الأقاليم لما بعد الانتهاء من إجراءات التسوية، وهذه نقاط خلافية بطبيعتها. والطرح الذى يقدمه مقتدى الصدر وإياد علاوى والقائم على رفض المحاصصة وتأكيد المواطنة لم يتبلور بشكل واضح، لكن الأهم أن الأسس التى يقوم عليها تقارب الرجلين أسس غير صلبة فأن يرفض علاوى الطائفية السياسية فهذا مفهوم بحكم توجهه المبدئى العلمانى، لكن ماذا عن حركة الصدر المؤسسة هى نفسها على أساس طائفي؟ وماهى حدود قدرة التقارب بين «حركة الأحرار» و«ائتلاف الوطنية» اللتين يمثلهما الصدر وعلاوى على أن تكون عابرة للطوائف فيما هى فاقدة للاتساق الداخلى ؟

السبب الثالث أن كل جهود السنة الرامية إلى إيجاد مرجعية سياسية موحدة تقود حراكهم فى المرحلة المقبلة وتمثلهم فى أى مفاوضات تتعلق بمستقبل الموصل، هذه الجهود باءت بالفشل. أمس الأول الخميس انعقد مؤتمر لفريق من أهل السنة رتب له محمود المشهدانى الرئيس السابق لمجلس النواب العراقى تحت شعار «من أجل دولة المواطنة لا دولة المكونات». يفخر هذا المؤتمر بأنه يرفض تقسيم العراق ولا يتبنى مطلب الإقليم السنى وبأنه لا يخضع لإملاءات خارجية، وهنا هو يغمز من قناة فى مؤتمر سنى آخر رتب له رئيس مجلس النواب الحالى سليم الجبورى وكان مقررا عقده اليوم السبت لكن رُئى تأجيله لأسباب مختلفة . هنا نلاحظ أن الحركة فى الساحة السنية تسير بالضبط فى عكس الاتجاه الذى تطمح إليه أى إنشاء مرجعية سياسية موحدة، ونظرا لأن السنة لا توجد لهم مرجعية دينية على شاكلة المرجعية الدينية للشيعة تضبط اختلافاتهم السياسية فسوف يظل أى تصور يطرحه السنة لمستقبل الموصل و العراق ككل يعبر عن جزء منهم دون الآخر.

وفى تحليل تنافس السنة على الزعامة لا يمكن إغفال تأثير المتغير الإقليمى، وليس ببعيد الدور التركى فى تنصيب سليم الجبورى قائدا للحراك السنى فى مؤتمر إستنبول الذى انعقد فى شهر مايو الماضى، ثم الانقلاب على هذا الاختيار فى مؤتمر لاحق انعقد ببروكسيل دعمته بعض الدول الخليجية رفضا لأن يقود الجبورى نائب رئيس «الحزب الإسلامى» والمنتمى لتيار الإخوان الشارع السنى العراقى.

السبب الرابع فى عدم إنجاز تصور جامع لمستقبل العراق هو أن التطورات فى سوريا مفتوحة على احتمالات كثيرة ومتغيرة بشكل مدهش نتيجة تعدد اللاعبين الدوليين والإقليميين على ساحتها ، ومع الترابط الكبير بين الملفين السورى والعراقى فإن قضية مستقبل العراق مازالت تنتظر وضوح الصورة فى سوريا من حيث خرائط مناطق النفوذ ووضع الأكراد ومصير بشار الأسد ، وجميعها متغيرات تنعكس على حدود الدور الإيرانى فى العراق.

انتصر الشعب العراقى عسكريا فى الموصل ونتمنى من كل قلوبنا أن ينتصر سياسيا، فهذا الوطن يستحق الأفضل ولديه من قدرات أبنائه وموارده الطبيعية وحضارته العريقة ما يؤهله للنهوض. الآن وقت الاحتفال بالنصر الكبير وليت أن انتظار الاحتفال بعراق تعددى ديمقراطى موحد مستقر لا يطول.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق