صحف و دوريات
أهوال مستقبل الموصل: مدينة باتت بلا تنوّع/ صفاء خلف
2017/07/17
0
102
67
العدد :

صفاء خلف

السفير العربي

13/7/2017

أهوال مستقبل الموصل: مدينة باتت بلا تنوّع

•    المفارقة أن التنظيم الإرهابي، حين احتل المدينة في صيف 2014، لم تكن لديه إمكانات بشريّة أو عسكرية أو لوجستية كالتي كانت متوافرة للقوات الحكومية والبيشمركة لحظة الانهيار.

•    أخطر مؤشرات سقوط الموصل، كان تهشّم العقد الاجتماعي بين مكونات المدينة. كان هذا بمثابة استئصال عمود الاستقرار الأهلي المدني ــ المديني، وتكسيره، والتعويض عنه بجدران عزل مخيفة بين الموصليين، على أساس الانقسام السياسي والاختلاف الديني والمذهبي، والتمايزات المناطقية، والتباين الطبقي الحاد، والشعور بالهزيمة، وانتفاء العامل الوطني.

•    كانت الموصل واحدة من القلاع المتزمتة قومياً والمحافظة دينياً، فضلاً عن إرثها العتيد بانتماء النخبة العسكرية العراقية إليها، منذ تأسيس الجيش العراقي في العام 1921. ومع قرار حلّ الجيش العراقي ظلّت تلك النخبة متهمة بخيانة النظام الجديد ضمناً، ومعاقبة بالابعاد علناً.

•    بعد انتهاء حرب الأشهر الثمانية هذه، لم يتبق من الموصل القديمة سوى أطلال لمدينة مندرسة ضاعت ملامحها الثقافية والتاريخية والحضارية، بفعل التخريب المتعمد الذي أحدثه التنظيم الارهابي، وضخامة القوة النارية، وشراسة القتال بين القوات المُحرِّرة وتلك المُغتصِبة.

•    أفرغ "داعش"، وفقاً لنظرية خلافته المزعومة، الموصل من تنوعها. حوّل المدينة الحضارية إلى مجتمع أحادي مغلق، يحكمه بالشريعة القسرية على المواطنين السُنة، وخلق أحقاداً عميقة ستظلّ تطارد عواقبها المدينة.

•    لم يتخيّل المسيحيون أو الايزيديون أو الشيعة التركمان والشبك ومجموعة صغيرة من الصابئة المندائيين، أنهم سيكونون بمواجهة هكذا اختبار قاس مع مواطنيهم المنخرطين في التنظيم الإرهابي، وأن حصيلة تلك المواجهة أفرزت صدمة اجتماعية عميقة وانهيار ما تبقى من ثقة مهزوزة كانت تمثل ستاراً مانعاً طيلة 14 عاماً مضت.

•    العصف التكفيري الذي أذاب المنطقة كلّها في مرجل الإلغاء، قضى على الإرث المديني للتدين الموصلي أو تراكمات النهضة التي خلقها الصعود الوطني واليساري والقومي العربي.

•    الحكومة تواجه إعادة إعمار الموصل ومحو آثار الحرب و"داعش" بفترة قياسية، وإلا فالخراب الذي خلفتّه المعارك، وانعدام الخدمات، والتناحر السياسي، والتجاذبات الطائفية.. ستظلّ حاضرة بقوة

 الموصل من أبرز المناطق التي شهدت تغيّراً ديموغرافياً عنيفاً، نتيجة وقوعها على الخطّ التاريخي للحروب في المنطقة. فموقعها الجغرافي المؤثر اقتصادياً ومن ثم سياسياً جعلها تتفرّد بميزة الوصل بين مناطق أطماع القوى الكبرى، وصولاً إلى لحظة احتلالها الجديد على يد تنظيم "داعش" الارهابي في حزيران/ يونيو 2014. والعراق أيضاً، أحد أكبر مناطق النزاع التاريخية التي تعرّضت لتغيّرات ديموغرافية ونزوح مجموعات بشرية كبيرة في منطقة الشرق الأدنى، على مدى قرون طويلة تمتد إلى حقب ما قبل الميلاد.

تهشيم العقد الاجتماعي

وخلال الاحتلالات المتوالية، كانت مدينة الموصل تسلخ نفسها من انتماءٍ ونمط معيشة وهويّة ثقافية، وتعتنق أخرى تُحتّمها معطيات "الفاتحين الجدد". وأنتج هذا الخط الزمني المتقلّب تنوع مصادر الحكم للموصل ولوظيفتها الجغرافية سياسياً واقتصادياً، وحتى ثقافياً ومذهبياً. ومن الصعب اعتبار أن ثمة "عرق" او "مجموعة" موصلية أصيلة بحكم الذوبان المستمر لسكانها بالمجموعات الوافدة إليها، وتَشكّل مجموعات جديدة تستثمر الهويّات الثقافية والاجتماعية القديمة أو تزيحها، وترفع من قيمة الثقافات الجديدة التي غالباً ما تزاح ايضاً مع وفود ثقافة أخرى مستعمِرة للمنطقة. ومع كل تغيّر، يدفع سكان المدينة وما حولها ضريبة باهظة من الدمار والنزوح والقتل والتشريد والعيش في ظل حصارات عدة، وفي أكثر الاحيان النفي النهائي، كتجربة تنظيم "داعش" الاخيرة المريرة هذه.

منطق السيادة كان يُحتّم على الحكومة العراقية القيام بعملية عسكرية لاستعادة مدينة الموصل، هي الأكبر للنظام السياسي الجديد في العراق منذ العام 2003. لكن المفارقة أن التنظيم الإرهابي، حين احتل المدينة في صيف 2014، لم تكن لديه إمكانات بشريّة أو عسكرية أو لوجستية كالتي كانت متوافرة للقوات الحكومية والبيشمركة لحظة الانهيار. هذه المفارقة لا تعني اعترافاً بقوة التنظيم الإرهابي، بل تشير لعوامل غير مُدركة لسقوط الموصل، وستظل غير مُدركة حتى بعد لحظة استعادة المدينة الآن (بسطت القوات العراقية كامل السيطرة على جانبي المدينة الايسر والايمن في 8 تموز/ يوليو الجاري). المسألة تتعلق بانفلاش مجموعة العلاقات المكوّنة لمفهوم "المدينة" وتبعيتها إلى "الوطن"، باعتباره الحاضنة الجغرافية والسياسية والثقافية لها، فضلاً عن فقدان الثقة العميق بالنظام السياسي، بسبب تفكّك العلاقات الداخلية التي تربط مكونات المدينة بتاريخ التعايش الأهلي، وانحسار الوعي الاجتماعي بجدوى الاستمرار ضمن المجتمع الجامع والنمط التاريخي لبقاء الكتلة البشرية الموصليّة على تنوعها الشديد في إطار واحد.

أخطر مؤشرات سقوط الموصل، كان تهشّم العقد الاجتماعي بين مكونات المدينة. كان هذا بمثابة استئصال عمود الاستقرار الأهلي المدني ــ المديني، وتكسيره، والتعويض عنه بجدران عزل مخيفة بين الموصليين، على أساس الانقسام السياسي والاختلاف الديني والمذهبي، والتمايزات المناطقية، والتباين الطبقي الحاد، والشعور بالهزيمة، وانتفاء العامل الوطني. عوامل شديدة الحساسية والخطورة أُزيحت لصالح العامل السياسي المباشر الذي طغى على سطح كل الأزمات في البلاد، وتحوّل إلى طبقة تعمية سوداء سميكة تحجب التفكير بمسببات المعطيات الأخطر.

تخوين يقابل تمرد

في العام 2005، حين أجريت الانتخابات النيابية الاولى في إطار "الانتقال الديمقراطي"، قاطع العرب السُنة من الموصليين تلك التجربة، ما أفرز استجابة سياسية غير مقنعة بالمرّة، بحصول التحالف الكردستاني على 31 مقعداً تمثيلياً للمحافظة في البرلمان الاتحادي من أصل 41 مقعداً. الأمر ذاته حصل مع مجلس إدارة المحافظة، حيث هيمنت الكتلة الكردية. غير أن نسبة السكان الكرد (بما فيها المناطق المتنازع عليها) لم تكن تتجاوز 20 في المئة، لكن المقاطعة السُنية وكثافة التصويت المُضاد والرغبة الحكومية والأميركية والإقليمية بعدم إعادة التصويت منعاً لتعقيد جديد للمشهد السياسي.. عززكل ذلك واقعاً سياسياً مشوّهاً، بانت نتائجه طيلة السنوات العشر التي تلت ذلك الخيار الانتحاري. هذه الخطوة الخاسرة خطاها الموصليّون السُنة نتيجة صدمة عنيفة غير متوقعة مع انهيار النظام السابق. لا يمكن القول إن سكان المدينة كانوا يوالون ذلك النظام بالمطلق، لكن الموصل كانت تعدّ واحدة من القلاع المتزمتة قومياً والمحافظة دينياً، فضلاً عن إرثها العتيد بانتماء النخبة العسكرية العراقية إليها، منذ تأسيس الجيش العراقي في العام 1921. ومع قرار حلّ الجيش العراقي ظلّت تلك النخبة متهمة بخيانة النظام الجديد ضمناً، ومعاقبة بالابعاد علناً. كان بالامكان احتواء الغضب القومي الموصلي والنخبة العسكرية، والتعامل مع التركيبة الاجتماعية الموصلية المعقدة، بآلية تراعي خصوصية المدينة ومدى ثقلها وأهميته في دعم النظام الجديد، وتوطينها مجدداً في قلب الخدمة الوطنية.

كان التمرد السُني عنيفاً، بدءاً من 21 نيسان/إبريل 2003 حين تركت قوات الفيلق الخامس في الجيش العراقي السابق مواقعها في مدينة الموصل دون قتال مع اقتراب القوات الاميركية (لحظة تشبه ما حصل ليلة سقوط الموصل أيام حكم المالكي)، وصولاً الى لحظة ولادة تنظيم "داعش" وإعلان "دولة الخلافة". كان ذلك الانسحاب المُخزي في حقيقته انسحاباً تكتيكياً لإدارة التمرد في السنوات اللاحقة. عاشت الموصل تدويراً لإمكانات القوة، من الدفاع عن نظام منهار الى مواجهة نظام قائم، لكن هذا التدوير لا يعني أن تلك القوة ستحافظ على انتماءها بالقالب ذاته الذي بات مرفوضاً ومفككاً، لذا دُوّرت الخبرة الموصلية العسكرية في إدارة التمرّد (على أقل تقدير في الموصل لا خارجها) وباتت تُستقطب من الجماعات المسلحة التي بغالبها كانت إسلامية متطرّفة، او بنزعات أقل تطرفاً بلبوس عروبية وقومية.

حرمان تلك الخبرات بداعي العلاقة مع النظام السابق واجتثاثها بوصفها "صاحبة ولاء مطلق" له كان خطأً جسيماً من النظام الجديد، وكانت تكلفته في نهاية المطاف خوض معركة شرسة مع تنظيم إرهابي طيلة ثمانية أشهر، خلّفت دماراً هائلاً وجروحاً إنسانية مفتوحة وتهجيراً تاريخياً للمكونات الأصيلة ومسحاً حضارياً، وسياسة احتواء فاشلة طيلة سنوات سابقة يتحمّل مسؤوليتها رئيس الحكومات السابقة نوري المالكي، بسبب سلوكياته الطائفية وتحويل الموصل إلى ثكنة يتحكّم بها عسكر فاسدون، ومناكفات مع القوى السياسية دون النظر عميقاً في قوة ثقل الموصل سياسياً على مستقبل النظام ككل، وخطورة انفجار تمرّدها واستغلاله اقليمياً عبر تنظيم كـ"داعش".


اقتلاع التنوع


عُرفت الموصل كمدينة مأهولة تُعبد فيها آلهة في 1800 ق.م، ويُعتقد انها أخذت تسميتها "نينوى" من بانيها الأول القائد الاشوري "نينوس"، وفقاً لبرديات المؤرخ الإغريقي قطيسياس الذي كان طبيباً للملك الأخميني أحشيروش الثاني. لكن تسميّة الموصل كانت مرتبطة بحدث الخراب المؤلم. ففي 612 ق.م سقطت الامبراطورية الاشورية في نينوى، وأطلق على المدينة المهدمة المُخرّبة "ماشپل"، لتتحول المفردة لفظاً عند اليونانيين، الذين احتلوها أيضاً، إلى "موسپل". وبتعاقب الغزوات واللهجات تحوّلت إلى "موسلين"، ومن ثم "موسل" فـ"الموصل". لكن الدلالة الرمزية للاسم ظلّت كأي تفسير ميثولوجي مرتبطٌة بـ"الخراب". وبعد انتهاء حرب الأشهر الثمانية لم يتبق من الموصل القديمة سوى أطلال لمدينة مندرسة ضاعت ملامحها الثقافية والتاريخية والحضارية، بفعل التخريب المتعمد الذي أحدثه التنظيم الارهابي، وضخامة القوة النارية وشراسة القتال بين القوات المُحرِّرة وتلك المُغتصِبة.
ونتيجة مباشرة للحروب والعواصف العاتية التي مرّت على نينوى، كانت جذور التنوع تُقتلع بهمجية من أرضها، وتهزم التنوع الحضاري فيها. وتذكر التواريخ المعتمدة ان الساسانيين لجأوا إلى مذابح شنيعة لمعاقبة سكان الموصل من المسيحيين. فبعد سلسلة الهزائم المتكررة أمام البيزنطيين قام شابور بتصفية عنيفة استهدفت مسيحيي نينوى ما بيّن عامي 341 – 346 ميلادية، فقتل أسقفها سمعان بار صباعي مع آلاف من أتباع الكنيسة. ربما كان ذلك أول سلوك عنفيّ تعسفيّ ضد المكونات الموصلية.
تكرّر المشهد ذاته مع مسيحيي المدينة، لكن دون ارتكاب مجزرة انسانية، عوّضها التنظيم الإرهابي بتهجير قسريّ للمواطنين المسيحيين، ومصادرة كل ممتلكاتهم وعقاراتهم وحاجياتهم الشخصية، فيما اعتبر منازلهم وقفاً لـ"الدولة الاسلامية" مؤشرة بحرف "ن" بوصفهم "نصارى". ولأول مرّة منذ 18 قرناً سكتت أجراس كنائس الموصل في 20 آب/ اغسطس 2014. أما مصير الكنائس فكان بين تفجير أو تغيير للهوية بتحويلها إلى جوامع، أو نهب وإغلاق.
كما كان تعامل "داعش" وحشياً مع المواطنين الايزيديين، الذين تعرضوا لتطهير دموي قاس، بتصفية أعداد كبيرة منهم، واختطاف الفتيات واعتبارهن "سبايا" واستغلالهن جنسياً ومعاملتهن كـ"رقيق" واغتصابهن جسدياً وثقافياً بتحويل بعضهن الى الاسلام وفقاً للفهم التكفيري. كانت مأساة فظيعة ارتكبت بحق الايزيديين الذين تحصنوا بسلسلة جبل سنجار (35 كلم)، ولقوا حتفهم هناك مرضاً وجوعاً وعطشاً وانتحاراً. هذه المأساة كانت السابعة والتسعون في تاريخ مآسي الايزيديين العراقيين التي خلّدوها في وجدانهم عبر التاريخ بالمواويل والأقاصيص والملاحم الحزينة المُغناة.
بينما ظلت أفعال التنظيم ضد الشيعة التركمان نسياً منسياً لم تكشف بعد، لكنها بالتأكيد لن تكون أقل وحشية بوصفهم "روافض" واعداء مباشرين للتنظيم.
أفرغ "داعش" وفقاً لنظرية خلافته المزعومة الموصل من تنوعها. حوّل المدينة الحضارية إلى مجتمع أحادي مغلق، يحكمه بالشريعة القسرية على المواطنين السُنة، وخلق أحقاداً عميقة ستظلّ تطارد عواقبها المدينة، نتيجة انخراط مواطنين موصليين في سلوكيات التنظيم ضد مواطنيهم من المكونات الأخرى الذين تعايشوا معهم لعقود وربما لقرون، لكن ميزاباً عنفياً وتكفيريا فُتح على تاريخ السلم الأهلي والاستقرار المجتمعي، وألغى الروح الموصلية التي صمدت عبر التاريخ لكنّها تهشّمت أخيراً على صخرة عنيدة من صخور جبل سنجار.
لم يتخيّل المسيحيون أو الايزيديون أو الشيعة التركمان والشبك ومجموعة صغيرة من الصابئة المندائيين، أنهم سيكونون بمواجهة هكذا اختبار قاس مع مواطنيهم المنخرطين في التنظيم الإرهابي، وأن حصيلة تلك المواجهة أفرزت صدمة اجتماعية عميقة وانهيار ما تبقى من ثقة مهزوزة كانت تمثل ستاراً مانعاً طيلة 14 عاماً مضت، لتتحوّل إلى كابوس مفزع حين يُقتلع الموصللي من جذوره ولكنته المتميزة عن اللهجات العراقية الأخرى والسمات الثقافية والتاريخية، ويُلقى خارج مدينته بلا تاريخ أو هوية أو ماضٍ يؤسس لمستقبل، طالما بات الحاضر ممرّ جحيم إلى مخيّمات وتهجير ونفي ومجازر.

استحالة التوطين

تعوّل الحكومة العراقية على إعادة النازحين الموصليين من المخيمات ومدن النزوح في كردستان وبقية المناطق العراقية الى الموصل. لكنها تبدو مهمة عسيرة مع حجم الدمار الذي لحق بالمدينة، وصعوبة توطين العائدين في أحيائهم المدمرّة مع انتفاء الخدمات وصعوبة إعادتها بالقريب العاجل. والإشكالية الأصعب والأخطر على مستقبل المدينة تتمثل بإقناع المواطنين المسيحيين والايزيديين والشيعة التركمان بالعودة مجدداً إلى المدينة. يبدو أن ذلك يداني  المستحيل، لأن هولاء المواطنين انقطعت صلتهم بالموصل مع خروجهم أذلاء مُهانين ومجروحين بفقدان عائلاتهم وممتلكاتهم، فضلاً عن تدمير مراكزهم الحضارية والتاريخية والعبادية. هذا الرفض في حقيقته معناه أن الموصل باتت بلا جذور، وبلا مستقبل ينطلق من خصوصيتها الثقافية وتنوعها. فبالإمكان إعادة ترميم الجوامع والكنائس والأديرة وحتى المواقع الاثرية، لكن هل يُمكن ترميم الروح المنتمية لهذه الأمكنة؟ هل يمكن إعادة الثقة بالتعايش المجتمعي؟

حتى الروح السُنية الموصلية التي أنتجت تراثاً فكرياً معتدلاً، ووضعت الموسيقى العربية على السلم النغميّ المعاصر، وابتدعت الموشّحات الرائعة، اختُطفت ومُسخت. فالعصف التكفيري الذي أذاب المنطقة كلّها في مرجل الإلغاء، قضى على الإرث المديني للتدين الموصلي أو تراكمات النهضة التي خلقها الصعود الوطني واليساري والقومي العربي. باتت الموصل الآن في مهب اختبارات القيم الجديدة المتطرفة لمرحلة ما بعد التطبيق العملي للتكفير والضغائن التي زرعها الإرهاب في المجتمع ومكوناته.

هزّة ارتدادية

ثمة جيل جديد سيكبر مقطوع الصلة بالماضي المزدهر مدينياً وحضارياً. صلته الوحيدة هي بالمآسي الحاضرة في وجدانه، والخراب الماثل أمامه والتجربة الأليمة نفسياً. وحين تحاول العائلات استذكار الموصل التي عاشوها في عقود سابقة، سيبقى ذلك أشبه بحديث متخيّل عن أرض فردوسية ليس لها حضور مادي ملموس في حياة جيل تفتت قواه النفسية بفعل الحروب ومشاهد الذبح والقوة المفرطة والبلطجة الدينية.

ثمة مخاوف من هزّة مجتمعية ارتدادية كعارض طبيعي لما بعد الصدمة. والتساؤلات كبيرة عن مدى قدرة الدولة العراقية على ضبط التوازن في المدينة المحررة، وإعادة تأهيل مواطنيها الذين عاشوا ثلاثة أعوام عصيبة في ظلّ حاكمية تكفيرية متطرفة، دفعت بكل ثقلها التخريبي نحو تهشيم أواصر المجتمع الحضارية والثقافية. فاذا ما عجزت الحكومة عن إعادة إعمار المدينة ومحو آثار الحرب و"داعش" بفترة قياسية، فإن الخراب الذي خلفتّه المعارك وانعدام الخدمات والتناحر السياسي والتجاذبات الطائفية ستظلّ حاضرة بقوة في أذهان شعب المخيمات، أو الذين ظلّوا في الداخل، وتراكماته النفسية ستؤجج موقفاً جديداً قد يُفضي الى استغلاله إقليمياً في ظلّ وجود الحواضن المستعدة لصناعة نسخة أكثر تطرفاً من "داعش".. وتظلّ الموصل هي الخاصرة الرخوة التي ستكسر بها الحدود مجدداً، وتدخل المدينة في تجربة مريرة تؤثر ارتداداتها على مستقبل العراق المتشظي بين الطموحات غير الوطنية.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق