صحف و دوريات
القوميون البيض وإرهابيو «داعش».. وجهان لعملة واحدة/ جيم سكيوتو
2017/08/21
0
598
67
العدد :

جيم سكيوتو

المصرى اليوم

21/8/2016

 القوميون البيض وإرهابيو «داعش».. وجهان لعملة واحدة

حين سار القوميون البيض وأعضاء جماعة «كو كلوكس كلان»، فى شوارع مدينة شارلوتسفيل، بولاية فيرجينيا الأمريكية، أظهرت مسيراتهم الكثير من القواسم المشتركة التى تجمعهم وتضعهم فى خانة واحدة مع جماعات انفصالية ومتطرفة أخرى، لم تسر جنباً إلى جنب معهم، ولم تشاركهم أسلحتهم، ولم تحمل حتى مشاعلهم.

لقد خرج محتجو شارلوتسفيل مدفوعين برغبة فى البحث عن الهوية، وإخلاص يصل إلى حد المرض لقضية، ومشاعر غضب محمومة إزاء ما يعتبرونه مصدر إيذاء لهم، ليكشف خروجهم هذا عن تشابه كبير مع جماعات أخرى تنتهج التطرف وتتخذ من العنف سياسة لها، ألا وهى جماعات الجهاديين الإسلاميين.

لقد قضيت عامين فى جمع البيانات والمعلومات من 7 دول شرق أوسطية وغربية تنقلت بينها من أجل تأليف كتابى الصادر فى عام 2008 بعنوان: «فى مواجهة الولايات المتحدة: الوجه الجديد لأعداء أمريكا فى العالم الإسلامى»، وكان أكثر ما أصابنى حينها بالحيرة، هو أن معظم الجهاديين بدوا مدفوعين برؤى منحرفة ومغلوطة عن طبيعة السياسات فى عالمهم، أكثر من كونهم مدفوعين بالدين، وما أفزعنى هو مدى التشابه بين الرؤى التى يتبناها الجهاديون، وما حدث فى شارلوتسفيل.

وأثناء تأليف الكتاب قلت إن «هذا الشعور بالتعرض الدائم للهجوم هو الذى ساعد على بلورة هوية مسلمة جديدة، وقضية جديدة من نوعها، وبات العداء لأمريكا شكلا من أشكال القومية التى تتخطى الحدود، وباتوا ينظرون حتى إلى الدين باعتباره نوعاً من أنواع المقاومة ضد الإمبريالية الأمريكية».

إن الرواية التى يتقاسمها اليمين المتطرف فى الولايات المتحدة وجهاديو الشرق الأوسط وتتناقلها ألسنتهم واحدة، ومن بين ما يرددونه فى إطار تلك الرواية عبارات «هم يدمرون عالمنا وثقافتنا، هم غرباء إنهم لا ينتمون لنا، وهم أدنى منا، إنهم يسلبون رفاهنا ويغيرون أسلوب حياتنا، ويوجهون لنا الإهانة فى أثناء ذلك كله، وما يزيد الأمور سوءاً هو أنهم محميون من النخبة الذين يمثلوننا ويحتقروننا أيضاً، ونحن المدافعون الوحيدون عن أمريكا الحقيقة أو الإسلام الحقيقى».

إن تلك هى الأفكار المشتركة التى تعكسها حتى أحاديث الفريقين، ففى حين ردد أفراد «كو كلوكس كلان» عبارات احتجاج ومن بينها «لن تحلوا محلنا»، و«الدم والأرض»، يردد عناصر تنظيم «داعش» والتنظيمات الإرهابية الأخرى عبارات أيضاً عن سرقة الأرض، والدم والتطهير، والانتقام من الإهانة والذل، ومن بين ما يرددونه «سنقاتلهم ونعيد حقنا المغتصب».

وعلى نطاق أوسع، نجد أن هناك أوجه تماثل اقتصادية تجعل الفريقين أكثر عرضة للوقوع فى فخ التطرف، ألا وهى: تناقص الفرص الاقتصادية أو غيابها تماماً، البطالة، فضلاً عن سيادة حالة من عدم الرضا أو السخط ضد قاداتهم ومؤسسات بلادهم العامة، وفيما كانت تلك الاتجاهات فى البداية مقصورة على دول العالم الثالث، لكنها امتدت لدول العالم المتقدم، ومن بينها الولايات المتحدة.

وبالنسبة للجهاديين، فإن الدين أو على الأحرى النموذج المغلوط منه الذى يتذرعون به، يوفر لهم قشرة مناسبة لتلك الرؤية العالمية، أما فى حالة جماعة «كو كلوكس كلان» وغيرها من المتطرفين البيض، فإن «القومية» والتى هى فى حقيقتها «عنصرية مغلفة»، تقوم بالدور نفسه الذى يلعبه الدين لدى جهادى «داعش»، وكلا الأساسين اللذين ينطلق منهما «داعش» و«كو كلوكس كلان» خطيران، إذ تورط المتطرفون البيض فى 49 جريمة قتل، و29 هجوماً منذ عام 2000 وحتى عام 2016، وفقا لتقارير تابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالى «إف. بى. آى» ووزارة الداخلية الأمريكية، التى نشرتها مجلة «فورين بوليسى» الأمريكية.

إن عقلية المتطرفين تخدم فى الغالب مصالحهم الشخصية، إذ ينسبون لأنفسهم البطولة ويجعلون من أنفسهم ضحايا أيضاً فى قصصهم المختلقة، ويطوعون الحقائق ويفسرون التاريخ وفق أهوائهم، وبما يخدم مصالحهم، ولكنهم فى الوقت نفسه هم المسؤولون عن كل المشكلات والإحباطات التى يواجهونها فى العالم الحديث، فحين التقيت جهاديين وتحادثت معهم وجهاً لوجه، أثارت جرأتهم دهشتى، ولكننى أدركت أن شراستهم تنبع من شعور دفين بعدم الأمان.

وفى نهاية الأسبوع الماضى، وجدت أن مشاعر مماثلة تكمن بداخل المحتجين فى شارلوتسفيل، فالقضية التى خرجوا من أجلها، وتكتيكات العنف التى لجأوا إليها كلها تعبر عن ضعف، حتى وإن كانوا لا يعترفون بذلك.

الحقيقة أن المتطرفين يتم استغلالهم من جانب زعمائهم لتحقيق أغراض سياسية بهؤلاء الزعماء، وخير دليل على هذا أن أبناء زعماء الإرهاب الجهاديين، نادراً ما ينهون حياتهم بتنفيذ أعمال انتحارية، وأشك كذلك فى أن أبناء قادة جماعة «كو كلوكس كلان» كانوا فى مقدمة صفوف منفذى أعمال العنف العديدة للجماعة.

غير أن ثمة درسا ينبغى تعلمه من أوجه التشابه بين جهاديى الشرق الأوسط ومتطرفى الغرب البيض، وهو أن محاربة الأيديولوجيات وهزيمتها يتطلب التهوين من شأنها، أو على الأقل التعامل معها فى حدود أساسها الأجوف، فالقوميون البيض لا يمثلون «أمريكا الحقيقية»، كما أن الجهاديين لا يمثلون الإسلام الحقيقى، وكلاهما يمثل الحيود المحبط عن المسار الحقيقى لمجتمعاتهم.

نقلاً عن شبكة «سى. إن. إن» الأمريكية

ترجمة- أمانى عبدالغنى

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق