صحف و دوريات
يقولون... حرب أهلية في أميركا/ جميل مطر
2017/08/28
0
850
67
العدد :

جميل مطر

الحياة

28/8/2017

يقولون... حرب أهلية في أميركا

أيام عصيبة تلك التي تمر بها أميركا. أيام تنذر بالكثير وفي الوقت نفسه تقدم دروساً لكل من يريد الاستفادة. أيام، على قلة عددها، كانت كافية لتطرح على الإنسان العادي، وليس فقط على المتخصص والسياسي، مشاهد، وإن خيالية، عن مستقبل الدولة الأعظم في العصور الحديثة. طرحت مشاهد أكثرها مزعج حتى بالنسبة إلى الذين لم يتبادلوا مع أميركا الحب والثقة أو حتى الفهم. أيام تدفع البعض منا، في العالم الثالث والعوالم الرابع والخامس... إلى آخره، نحو فهم أفضل لأحوالنا وإعادة النظر في خياراتنا.

عناوين الأخبار في أميركا وخارجها تحدثت عن أجواء وبوادر حرب أهلية في الولايات المتحدة. أنا شخصياً وكثيرون أعرفهم تعاملوا مع هذه العناوين بحرص شديد. اعتبرناها كما اعتبرنا كثيراً من اجتهادات الإعلام في الآونة الأخيرة دليلاً جديداً على عمق أزمة "الميديا" في مرحلتها الانتقالية الراهنة. كذلك رآها البعض منا تعبيراً كاشفاً عن حالة مزاجية تميل إلى تضخيم أحداث عادية. قليلون، ولكن لهم تأثيرهم، سارعوا إلى اعتبارها نتيجة طبيعية لجهود مركزة من جانب مؤامرات متعددة. اكتشفنا بعد قليل أن قناعاتنا التقليدية والعادية ليست كافية لتبرير الحالة الأميركية الراهنة.

في محاولة فهم ما يجري في أميركا لا يكفي الاعتماد على القناعات القديمة وإن كثر ترددها. المسألة العنصرية لم تختف. بقيت على امتداد المدة منذ توقفت الحرب الأهلية الأميركية، تصعد وتهبط نتيجة حدث أو قرار. خلفت في مسيراتها أحقاداً عميقة وكثيرة ولكنها تركت أيضاً علامات مضيئة وإن قليلة من خلال أهم تجربة صهر قومي في التاريخ الحديث. أثرت وتأثرت. أثرت في شكل وتطور النظام الطبقي الأميركي وتأثرت بهما. أسهمت بوجودها وانفعالاتها في تطوير سياسة أميركا الخارجية ويشهد بهذا الدور علماء علاقات دولية أرخوا لعلاقات أميركا بالدول الأفريقية. سجلوا لها دورها في عزل نظام الأبارتايد في دولة اتحاد جنوب أفريقيا ثم في إسقاطه.

يصعب في الوقت نفسه تجاهل فضلها الكبير على بقاء العنف خاصية يتميز بها غالباً السلوك السياسي والاجتماعي الأميركي. ومع ذلك يحمد للأميركيين من أصول أفريقية تفضيلهم استخدام حقوق التظاهر السلمي والمشاركة السياسية على استخدام العنف الجماعي احتجاجاً على ظلم هنا أو إهمال هناك. إلا أنه يصعب إنكار الحقيقة وهي أن علاقات الفرد الأسمر مع السلطات، بخاصة على المستوى المحلي، استمرت تتسم بالعنف، الذي هو كما أسلفت خاصية أميركية أكثر منه خاصية عنصرية في صلب العلاقة بين البيض والسود. بهذا المعنى يمكن القول إن جديداً لم يحدث يبرر هذا الاهتمام الهائل بأحداث شارلوتسفيل. ما حدث، كما كتب البعض، يبرر أعمال العنف ويقلل من أهمية قتل المتطرفين البيض لناشطة بيضاء كانت تدافع عن حقوق السود وسلامتهم، لا يخرج عن كونه تكراراً مألوفاً لحادث من حوادث الاشتباكات الاجتماعية اعتادها المجتمع الأميركي، لم يغير وقوعها من طبيعته ولم تغير نتائجها من طبيعة أطراف الاشتباك، وسوف تبقى الحال على هذا النحو قرناً آخر يضاف إلى قرون شهدت الآلاف من هذه الاحتكاكات.

أسجل هنا اختلافي مع هذا الرأي. واقع الحال فـي الولايات المتحـدة يشهد بأن جديداً وقع يستحق أن يأخذ مكانه في التحليل والاجتهاد. الجديد كثير ومتنوع. يبدأ هذا الجديد عند حقيقة أميركية ثابتة، هي الاستقطاب في المجتمع الأميركي. رأيناه هذه المرة وقد تعددت رؤوسه وانتشرت أذرعه في شكل غير مسبوق. يتردد في كتابات المتخصصين أن أميركا لم تشهد من قبل سلسلة استقطابات كالتي تعانيها حالياً. الأميركيون منقسمون على قضايا أكثر من المعتاد وبإصرار أقوى مما يمكن أن يتحمل النظام السياسي.

جديد أيضاً هذا التشدد في الالتزام القومي. جاء متسرباً تحت شعار أميركا أولاً رداً لفعل تيار العولمة. نعلم أن العولمة في مسيرتها الأخيرة التي انطلقت في حوالى السبعينات قيدت مفاهيم وممارسات كثيرة في مقدمها مفهوم السيادة الوطنية، أثرت بالتبعية في احترام الدساتير، ولبعضها قدسية تحصنت بها عبر القرون والعقود. نعرف كم تأثرت الدساتير الأوروبية بخاصة بعمليات التكامل الإقليمي كما في تجربة الاتحاد الأوروبي واتفاقات التجارة الحرة، ومنها الاتفاقيات التي يحاول الرئيس ترامب التنكر لبعضها أو التحلل من التزامات بعض آخر. المثير في الأمر أنه كما حدث في دول كثيرة كان التشدد القومي وشعاراته أحد أهم أسباب الزيادة الهائلة في وعي الجماعات المسماة الأقليات، والسبب في انفراط الاندماج الوطني في عديد المجتمعات.

جديدة أيضاً هذه العدوانية الطارئة على أساليب الكتابة والتحريض في الميديا عامة وبخاصة في الوسائط الاجتماعية مثل فايسبوك وتويتر. صار الأميركيون يتعرضون لمبالغات في وسائل الإقناع وفرض الآراء والإهانات وتشويه في السمعة والتاريخ الشخصي. أضف إلى الميل المتزايد في استخدام عبارات هجومية الانكشاف الواضح لحجم الأنباء والمعلومات المزيفة التي تبثها أجهزة الإعلام الأميركية، وإصرار الرئيس الأميركي على إتباع الأسلوب ذاته في رسائله التغريدية وتصريحاته السياسية. سحابة داكنة من الزيف والكذب تهيمن الآن على الحياة السياسية في أميركا مع كل ما يمكن أن تتسبب فيه هذه الهيمنة من انتقاص في الثقة بين الشعب وحكومته وبين أجهزة الدولة وبعضها بعضاً. إن حال واشنطن هذه الأيام تجسد بوضوح مدى التدهور الذي أدت إليه هيمنة أساليب تنكر أصحابها لأهم المبادئ الدستورية والقانونية والعرفية التي يقوم عليها المجتمع السياسي الأميركي في ظل إدارة، أو لا إدارة، الرئيس دونالد ترامب ومجموعة من المغامرين اليمينيين.

جديد أيضاً ما يبدو لنا وقد صار شروخاً في النظام السياسي الأميركي. أنا هنا أتحدث عن مؤسسات ليس أقلها شأناً مؤسسة الرئاسة وعلى رأسها بيت رئاسي عاش لمدة سبعة أشهر في وضع يليق بجمهورية موز وليس بدولة عظمى. قرأنا عبر عهود حكم عدة في الولايات المتحدة روايات عن خلافات ومراكز قوة داخل البيت الأبيض لا تلبث أن تسوى قبل أن تستفحل، لم أسمع عن عهد آخر، غير عهد الرئيس الحالي، قام بتغيير معظم أعمدته ولم يقض بعد في البيت الأبيض سبعة أشهر من سنواته الأربع.

من ناحية أخرى اشتبك رئيس الدولة في نزاع مع الكونغرس بحزبيه، وبخاصة عندما فشل الجمهوريون، وهم الغالبية، في استبدال برنامج الرئيس أوباما للصحة ببرنامج آخر. وكان قد اشتبك في نزاع آخر مع السلطة القضائية فور توليه مقاليد الحكم ودخل في مواجهات حرجة مع أجهزة الاستخبارات ووكالة التحقيقات الفيديرالية. تجاهل، مثله في هذا مثل معظم حكام العالم النامي، وزارة الخارجية وغيرها من أجهزة الديبلوماسية اقتناعاً منه بأن قدراته الفذة في فن عقد الصفقات أجدى كثيراً من نظريات وأساليب وخبراء إدارة المفاوضات والعلاقات الدولية. لذلك لم يكن مفاجئاً للكثيرين خارج أميركا وداخلها التدهور السريع الذي منيت به الديبلوماسية الأميركية سواء في مؤتمر قمة الأطلسي أو قمة العشرين أو غيرهما من القمم المتعددة الأطراف والثنائية.

فكرة خطيرة وتربة خصبة وجاهزة. خلاصة الفكرة أن تنشب في الولايات المتحدة حرب أهلية. أما التربة فهي كل الأجواء التي تحيط بعملية صنع السياسة في أميركا وبالحياة السياسية بوجه عام. أسهمت في تخصيب هذه التربة فرص أو مصادفات نادراً ما تجتمع. عهدان من الحكم متناقضان في الشكل والجوهر يتعاقبان. عهد منهما برئيس مثقف ومنضبط وليبرالي التوجه، وعهد بعده مباشرة برئيس قليل أو نادر الاطلاع وغير منضبط ورجعي العقيدة، عهد منهما برئيس أسود وعهد بعده مباشرة برئيس أبيض لا يخفي عداءه للأميركيين من أصول أفريقية ومكسيكية. يحدث هذا التعاقب في دولة لم تفلح في تسوية مسألتها العنصرية التي استمرت تهدد بالانفجار في أي لحظة. يحدث أيضاً في تربة قوامها استقطاب شديد في المجتمع تقابله عند القمة فوضى واستهتار ومستوى بالغ التدني من الكفاءة الإدارية والسياسية، وخطاب سياسي داخلي شديد الفقر وخطاب سياسي خارجي بالغ التخبط، وأحياناً بالغ الجهل بدواعي الأمن والمصالح الاقتصادية.

أميركا على حافة هاوية. هكذا يتخيلها محللون كبار وأظن أن هكذا يتخيلها قادة المؤسسة العسكرية الأميركية. لا أعتقد أن الصدفة وحدها هي التي جاءت بعدد معتبر من كبار العسكريين ليتولوا بأنفسهم إدارة البيت الأبيض ومن خلاله تسيير الولايات المتحدة وضبط العلاقات بين مؤسسات الدولة وحماية دستور البلاد. بكلمات أخرى أقل، هم هناك في البيت الأبيض ليتحملوا مسؤولية إنقاذ أميركا قبل فوات الأوان.

 

 

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق