رؤى ديمقراطية
عموميات الأندية: فعل محافظ أم مقاوم؟
2017/08/29
بقلم د هــناء عـبـيـد
0
1498
67
العدد :

أثارت موجة الحشد فى تصويت الأندية ضد تطبيق اللائحة الاسترشادية لوزارة الرياضة، خاصة فى الأندية الموسومة بالراقية، حالة من الاستغراب حول أهمية الموقف أو «المثير» الذي أدى لمثل هذه الهبَّة فى رفض اللائحة المقدمة من الحكومة، ممثلة فى الوزارة المختصة. التفسيرات المتداولة لهذا التوحد فى رد الفعل يتنازعها رأيان، الأول يميل إلى أن هذا التحرك، شديد المحافظة، يحاول من خلاله أعضاء النوادى الاجتماعية الراقية الحفاظ على سمتها ونقائها الطبقي في مواجهة محاولات الإغراق الخارجي، بينما يغلب على التأويل الثاني وصف الحراك بالاحتجاجي بدافع حماية الحصون الأخيرة لاستقلال الحيز الاجتماعي للطبقة الوسطى من الاختراق الحكومي.

 يعزز من توصيف الحراك بالطبقية، خاصة فى كل من نادي هليوبوليس والجزيرة، أن لغة الحشد تستخدم مفردات تدور حول فكرة المكانة والتفرد من قبيل «عراقة» النادي، بما يشير إلى أن العزل الطبقي قد يكون محوريا فى رفض اللائحة الاسترشادية. كما ركزت المنشورات المتداولة على الفرق بين اللوائح الداخلية واللائحة الاسترشادية فى نقاط بعينها أبرزها مسألة إتاحة العضويات الموسمية والشرفية، مما يهدد الطابع المانع exclusive  الذي تمتاز به هذه الأندية. وبدت شدة الرفض والحشد ضد اللائحة الاسترشادية متناسبة طرديا مع مدى «تميز» النادي الرياضي أو سمعته ومكانته كمعقل للطبقات الراقية، وهو ما تبرزه نتائج التصويت فى نادى هليوبوليس، والتي أرسلت «لا» حاسمة وواضحة للائحة الحكومية أو للتهديد المتصور، الذي أُدرك باعتباره سعيا لفتح هذا الحيز المغلق، أو «المحمي» و تذويبه أو تهديد طابعه المتواتر.

غير إن اتهام جمهور الأندية الاجتماعية والرياضية بالطبقية هو غير ذي معنى ولا يضيف جديدا، حيث إن الرابطة التأسيسية للنادي، كحيز اجتماعي حاضن، مرتبطة عضويا بفكرة الانتماء الطبقي والحفاظ على نمط معين من المعيشة، خاصة فى الأندية ذات النطاق الأضيق، والتى يغلب فيها الاجتماعي على الرياضي، وتتقلص فيها التفاوتات الاجتماعية. هذه الأندية هي تجسيد لفكرة الهابيتوس Habitusالتى يقدمها بيير بورديو وتشير بشكل عام إلى السمت أو النمط الذي يؤثر فى تشكيل التوجهات والقيم. ومن ثم، فإن تهديد هذا النمط بالتغيير أو الاختراق ينظر إليه، باعتباره تهديداً جوهرياً بالنسبة لروادها، لأنها بمنزلة الملاذ الآمن، والذى ارتبط وجوده وانتماء الأعضاء له بهذه «الهوية» أو النمط المعيشي والاجتماعي. فتفاعلات النادي مع الطبقة ليس مبعثها فقط العامل المادى ممثلا فى مبالغ الاشتراك، أو فى اشتراطات العضوية الخاصة بمستوى التعليم والمكانة والبرستيج «آلية المقابلة الشخصية المعتمدة فى العديد منها»، بل إن الأندية تقع فى قلب عملية الفرز وإعادة إنتاج التميز الطبقي.

فوفقا لبورديو، فإن الرياضة ذات صلة وثيقة بالطبقة، فإذا كانت الطبقات العاملة ترتبط بالرياضات ذات الطابع الالتحامي، أو العنيف، أو المعتمد على القوة الجسمانية، فإن الطبقات الوسطى تنجذب بدرجة أكبر إلى رياضات ذات بعد فردي أو جمالي، أو مهارى. فالطبقات، وفقا لبيير بورديو تتمايز من حيث عناصر ثلاثة هى رأس المال الاقتصادي، ورأس المال الرمزى، أو ما يشار له بالمكانة و»البرستيج»، والذي تحوزه بدرجة أكبر الفئات العليا من الطبقة الوسطى، ورأس المال الثقافي، والتي يحوزه أبناء الشرائح الطبقية من خلال ممارسة الرياضة والفنون أو تشكيل الذائقة، وفقا لما يؤهلهم موقعهم الاجتماعي. فالنادي فى هذه المنظومة هو الحيز الذي يعكس نمط الحياة lifestyleلمجموعة من الناس تندرج بشكل أو بآخر ضمن منظومة متجانسة من التوجهات المرتبطة بالعناصر الثلاث.

وحتى الأندية التي يغلب فيها الرياضي على الاجتماعي ليست بمنأى عن هذه الديناميات الطبقية. فالفصل بين الاجتماعي والرياضي يغفل الدور الكبير الذي يلعبه الانتماء الطبقي فى ممارسة الرياضة ونشأة وتطور مؤسساتها، حيث يوجد شبه إجماع أن الرياضة تاريخيا نشأت كظاهرة برجوازية، ولعبت فيها عوامل التعليم والتحضر والتصنيع والتحديث أدوارا أساسية، ومن ثم فقد ارتبطت الأندية، كحيز اجتماعي حاضن، بالوظيفة الاجتماعية للرياضة.

أما وسم الحراك بأنه حراك احتجاجي وموجه ضد تدخل الدولة، فيجد صداه على أكثر من صعيد، وتعبر عنه تدوينة وزير الرياضة «المعاتبة»، والتي تشير إلى أن قانون الرياضة الجديد قد «ضحَّى» باختصاصات أصيلة للوزارة، ومن ثم لا يعكس منحى تدخلياً فى شئون الأندية. كما تتداول الفكرة فى كثير من الأوساط التي رأت الحشد مناسبة لتعبير فئات اجتماعية تتسم بالمحافظة رفض واضح للاقتراب من الحيز المتاح لها بالتدخل، وتدلل على ذلك بحجم الحشد بالرغم من عقد العموميات فى فترة المصيف، وحالة التحدى الواضحة والشحن النفسي والشعور بحس المهمة الذى غلب على عمليات التصويت فى العديد من الأندية. يعزز ذلك أيضا التصويت على لوائح الأندية فى نوادي رياضية أكثر منها اجتماعية مثل الأهلي والزمالك، بل وتواتر كرة الثلج لأندية أخرى، والذي وصل إلى إعادة النظر فى بعض الأندية التى تم فيها إقرار اللائحة الاسترشادية لعدم اكتمال نصاب جمعيتها العمومية، مثلما هو الحال فى نادي الصيد، والذي شهد دعوة لعقد جمعية عمومية خاصة لإعادة النظر فى بعض بنود اللائحة المقرة.

إن دلالة التحرك واضحة على أكثر من صعيد رغم صعوبة سكبه فى قالب ضيق والحكم على دوافعه واختلاطها. فمن ناحية، فإن عدد الأندية التى تمكنت من عقد جمعياتها العمومية، وصوتت بأغلبيات قاطعة، إقرارا للائحتها الخاصة، أو بمعنى أدق رفضا للائحة الاسترشادية، يعد دالاً من الناحية العددية البحت. كما أن الحراك الاستدراكي فى بعض الأندية ينبئ هو الآخر بأهمية الموقف ودلالته من وجهة نظر الضالعين فيه بغض النظر عن أهميته الموضوعية. تأتي دلالة الحراك كذلك من حيث مخالفته للتوقعات، فلم يكن يتبادر إلى الأذهان الحشد وراء فكرة معينة بهذه الأعداد عبر أكثر من نادي رياضي/اجتماعي، وهو ما لم يجد نظيرا تنظيميا مثلا فى مسألة اعتراض سكان الزمالك على امتداد مترو الأنفاق إلى حيهم.

اللافت أيضا أن حراك الأندية أسهمت فى فعاليته وانتشاره،  فيما يشبه أثر الدومينو، عدة عوامل منها التوحد فى قراءة الموقف، باعتباره محاولات لتذويب هوية هذا الحيز الاجتماعي أو العبث باستقلاله، وعدم إثارة التناقض فيما بين التصورين، باعتبار أحدهما متمايز عن الآخر ومن ثم ساعد على سرعة الحشد وفعاليته غياب قراءة بديلة للموقف أو تناقض مصلحي، بمعنى غياب الانقسام حول تعريف الموقف ودلالته فيما بين أعضاء الأندية، فضلا عن غياب أى تناقضات جوهرية حول خطوط انتماء أو انقسام أخرى. وبالإضافة إلى وضوح الاختيار الجماعي والتوافق حوله، فإن سهولة وعدم تعقد خطة أو آليات مواجهته، أو ما يسمى فى علم النفس الاجتماعي بقناة المدخلات inputchannel، عزز أيضا من فعاليته وفرص نجاحه. فقد كان كل المطلوب هو الوجود فى موعد الجمعية العمومية والإدلاء بالصوت، كما تم التغلب على بعض المشكلات العملية الخاصة بسفر العديد من الأعضاء فى المصايف، من خلال آليات للتنسيق والتعاضد، مثل إتاحة أتوبيسات لنقل الأعضاء من الساحل الشمالي. هذا الوضوح وتلك السهولة النسبية من المؤكد قد ساعدا فى فعالية الحشد مقارنة بمواقف أخرى قد تتداخل فيها المصالح، أو لا تكون استراتيجية المواجهة بذات الوضوح أو محل توافق. فقد يكون تعريف الموقف مشابها، والدافع إلى التحرك واضحا، لكن لا توجد خطة محددة، أو عملية، أو قليلة التكلفة لمواجهته، مما يعرقل من فعالية الحراك، أو يقلل من الحافزية لدى الجميع للمشاركة فيه، مثلما هو الحال فى مسألة مترو أنفاق الزمالك التي سبقت الإشارة إليها، أو حتى فى حالة الحراك الاستدراكي فى نادي الصيد، والذي يعقده أن خطة الفعل أو «القناة» أقل وضوحا، وتستلزم درجة أعلى من التنسيق.

مفاجأة عموميات الأندية، إذاً، والتى يختلط فيها المحافظ بالاحتجاجي، تؤكد من جديد أن التوقع فى السلوك الاجتماعي هو أمر بعيد المنال، وأن حسابات الحشد والحراك ترتبط بعناصر الموقف وظروفه، وقد تفاجئنا فى المجالات الأقل توقعًا!

عن الكاتب : رئيس التحرير- مجلة الديمقراطية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق