تقارير
فنزويلا: تراجع الديمقراطية وصعود السلطوية
2017/09/10
بقلم كرم سعيد
0
399
67
العدد :

تعيش فنزويلا واقعا صعبا منذ أبريل الماضي بفعل تصاعد الأزمة السياسية بين النظام والمعارضة، إضافة إلى تردى الأوضاع الاقتصادية، والنقص المزمن في المواد الأساسية والغذائية، على خلفية الهبوط الحاد في أسعار النفط الذي يعد محرك النشاط الاقتصادي في البلا، حيث يوفر نحو 96% من العملات الصعبة.

تعاني فنزويلا مأزقا كبيرا بعد تراجع عائداتها من صادراتها النفطية حيث انخفضت إلى ما دون 43 مليار دولار في عام 2015، مقابل 74 مليار دولار عام 2014، إضافة إلى ديون مستحقة،  ومعدل تضخم هو الأعلى في العالم، إذ وصل إلى نحو 1600%.

وتسلط الأزمة في فنزويلا الضوء على أوضاع الديمقراطية الهشة في البلاد. فالرئيس الراحل شافيز كان قد أسس شعبيته على الكاريزما الاستثنائية التي يتمتع بها، والكثير من الأموال التي يوزعها، وعلى رسالة سياسية ترتكز على تهميش الديمقراطية، واعتماد عقيدة الاقتصاد المخطط مركزياً. اليوم ترمز الاحتجاجات واسعة النطاق في البلاد، وفشل حكومة مادورو في القفز عليها، واستخدام العصا الغليظة في مواجهة المحتجين، فضلاً عن تأميم مؤسسات الدولة، إلى أفول الأفكار الاشتراكية التي كثيراً ما نجح من خلالها شافيز، ومن خلفه مادورو في الإمساك بمفاصل الدولة دون شريك.

فبالإضافة إلى محاولة المحكمة العليا الاستيلاء على سلطات البرلمان للقضاء على آخر أشكال المعارضة المؤسساتية المنظمة المناهضة لحكم مادورو، تم منع زعيم المعارضة الأبرز والمرشح الرئاسي الأسبق، هنريكي كابريليس، من الترشح في الانتخابات الرئاسية لمدة 15 سنة.

كما تكشف معطيات الأزمة الراهنة، خاصة ارتفاع قتلى ومصابى الاحتجاجات الشعبية، فضلاً عن كثرة الاعتقالات في صفوف المدنيين، عن نية مادورو واعتزامه التمسك بالسلطة بأي ثمن، وكان بارزاً، هنا، تمرير الحكومة تشكيل مجلس تأسيسي وطني لصياغة دستور جديد، عوضاً عن دستور 1999 الذي صاغه سلفه  هوجو شافيز، مؤسس التيار الشافيزي اليساري.

إن هشاشة الديمقراطية فى فنزويلا  كشف عنها تخلى حكومة كاركاس عن عضويتها  في منظمة الدول الأمريكية، وهي تجمع كبير لدول أمريكا الجنوبية والشمالية، وذلك رداً على انتقاد المنظمة لسلوك حكومة مادورو تجاه المحتجين ورفض الاستجابة لمطالبهم، كما تم تعليق عضوية فنزويلا في تجمع "ميركسور"، وهو تجمع إقليمي لبعض دول القارة انضمت إليه فنزويلا في عام 2013، واعتبرت دول التجمع أن غياب الديمقراطية في فنزويلا يقتضى، وفقاً لقيم ودستور "ميركسور" تعليق عضويتها.

ديمقراطية هشة:

وصل المشهد السياسي في فنزويلا إلى ذروة التوتر مع تدهور الوضع الأمني، وتمديد حالة الطوارئ، حيث يواجه النظام أي انتفاضة بقمع قاس غير مسبوق. ويسعى الرئيس مادورو إلى اقتلاع النظام كافة من جذوره، وتأسيس الأمة الفنزويلية من جديد، عبر بناء جمعية تأسيسية غير قانونية، منوط بها إعداد دستور جديد، وتخضع لها جميع مؤسسات الدولة. ومثلت الجمعية التي اقتصر اعضاؤها على مكونات النظام ونخبه انتهاك صارخ لقواعد الدستور في فنزويلا الذي ينص على أن الاستفتاء هو شرط اختيار جمعية تأسيسية.

ولم يكن الانقلاب الدستوري وحده هو  الكاشف عن التراجع  في استخدام الأدوات والوسائل الديمقراطية، إذ يسيطر الحزب الاشتراكي بزعامة مادورو على جميع هياكل الدولة، ومنها المحكمة العليا، والهيئة الانتخابية، ووسائل الإعلام التي تديرها الدولة، وكذلك الحرس الوطني والشرطة، كما يمتلك ميليشيات مسلحة موالية للحكومة تُعرف باسم "المجموعات" أو كولكتيفوس colectivos، والتي يقدر عددها بنحو خمسين ألف عنصر.

وهكذا أسهم سلوك الحكومة العنيف تجاه الاحتجاجات في طي كل مراجع الشرعية، وإطلاق يد السلطة، وصار المجلس الوطني يحدد فئات الناخبين.

في المقابل، كان متغير الخارج حاضراً في صدارة الأزمة في فنزويلا، وتحديداً واشنطن التي دخلت على خط الأزمة مباشرة، إذ وصف الرئيس دونالد ترامب الوضع الفنزويلي بالكارثي، وألمح إلى إمكانية استخدام القوة لتسوية الأزمة، خاصة بعد تمرير الجمعية التأسيسية التي تخضع لها جميع السلطات.

في سياق متصل،  ناقش مجلس الأمن الدولي الأزمة الفنزويلية للمرة الأولي في 17 مايو الماضي بعدما دعت الولايات المتحدة إلى اجتماع مغلق للحصول على إفادة بشأن الاحتجاجات المندلعة منذ أسابيع ضد الحكومة، كما اتخذت مجموعة الميركسور موقفاً أكثر تشدداً في مواجهة أفعال الرئيس مادورو، فعلقت عضوية فنزويلا في "ميركسور"، كما عارضت ميركسور ودول أخرى، في القارة الجنوبية، الاعتراف بالمجلس التأسيسي الذي أنشأته الحكومة من 545 عضواً.

والأرجح أن التوجه الاستبدادي في فنزويلا لم يكن الأول من نوعه أو هو جديد، ففي العام 2007، تعرض الاستفتاء الشعبي الذي  دعا إليه الحزب الاشتراكي الحاكم، بغرض تعديل الدستور  للهزيمة بفارق ضئيل، وكانت تلك الانتكاسة التي واجهها الرئيس السابق هوجو شافيز في مسعاه للحصول على المزيد من الصلاحيات الرئاسية والقضاء،  إضافة إلى أن فتح مدد الرئاسة كانت ذات أثر محدود.

في المقابل فإن التظاهرات التي تشهدها البلاد الآن، والتي راح ضحيتها أكثر من 125 شخصاً، قد سبقتها احتجاجات متقطعة أواخر حكم شافيز، ثم زادت حدتها مع تولى مادورو السلطة في لعام 2013، وأخذت طابعها الاستمراري مع صعود المعارضة إلى سدة المشهد التشريعي في ديسمبر 2013 وفوزها بثلثى مقاعد الجمعية الوطنية للتشريع، البالغة 167 مقعداً، مقابل نحو 46 مقعداً للحزب الحاكم.

غير أن ما يجرى في فنزويلا الآن يبدو مختلفاً عما حدث من قبل، بسبب تفشى الأزمة الاقتصادية على خلفية تراجع أسعار النفط مما دفع الحكومة إلى تجميد عدد من برامج الرعاية الاجتماعية للفقراء ومحدودي الدخل، وخفض الإنفاق على تحسين مرافق البنية الأساسية.

تأسيساً على ما سبق، فإن إقرار الجمعية التأسيسية مطلع أغسطس الجاري، وهيمنتها المطلقة على كل مؤسسات الدولة، واستنفاد المعارضة الوسائل الدستورية المتاحة، وتخوفها من التدخل الخارجي،  قد تدخل البلاد دائرة الفوضي بامتياز. فإلى جانب العزلة الدولية على فنزويلا، رفضت في منتصف أغسطس الجاري عدد من شركات الطيران البقاء والعمل في فنزويلا.

فرص التسوية:

تبدو فرص تسوية الأزمة فى فنزويلا بعيدة المنال.  فثمة مؤشرات إلى تفاقم الأزمة، أولها تعهد المعارضة الفنزويلية بتصعيد تظاهرات شبه يومية، فيما لا يظهر الرئيس مادورو أي نية للاستجابة لمطالبها، بل أصدر في مايو الماضي مرسوماً بتشكيل جمعية تأسيسية جديدة تعيد صوغ الدستور، تمثل جميع أطياف المجتمع باستثناء المعارضة، وتم تمريرها في يوليو الماضي.

وثانيهما دخول الكنيسة الكاثوليكية للمرة الأولي على خط الأزمة حيث وصفت حكومة مادورو، بأنها "ديكتاتورية". وتصريحات الكنيسة الكاثولكية هى الأولى من نوعها بعد فشل وساطة الفاتيكان. فيما يعتبر مادورو كل المواقف المعادية لها بأنها مؤامرة تستهدف الثورة البوليفارية.

علاوة على ما سبق تتصاعد الضغوط الإقليمية والدولية، إذ دعت منظمة الدول الأمريكية في اجتماعات طارئة على لسان أمينها العام لويس الماجرو فنزويلا إلى تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، وهو ما دفع فنزويلا إلى إعلان بدء إجراءات انسحابها رسمياً من المنظمة، واعتبرت اجتماعات المنظمة تدخلاً سافراً فى شئونها، وتعزيزاً للهيمنة الأمريكية.

وكان مثيراً للدهشة مشاركة الدول التي يطلق عليها "بيترو كاريبى"، وهي الدول التى كانت تتلقى النفط من فنزويلا بأسعار مخفضة أو كمساعدات، مقابل تطويع سياستها (هندرواس، والدومينكان، وجامايكا، والباهاما، جويانا)، في اجتماعات منظمة الدول الأمريكية، ورفضها خيارات حكومة فنزويلا التي تعتمد العصا الغليظة في مواجهة المحتجين دون الاستجابة لمطالبهم.

الأهم، أن الأطراف الدولية التي لعبت دور الوساطة فى بعض الأوقات بهدف حل الأزمة، وفى الصدارة منها الفاتيكان، تتوافق اليوم مع المعارضة على رحيل مادورو، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.

على صعيد متصل، اعتبرت قوى إقليمية ودولية، منها إسبانيا والمكسيك والولايات المتحدة، دعوة مادورو لكتابة دستور جديد محاولة لتعقيد جهود الحل، وأكدت أن عملية من هذا النوع تتطلب اقتراعاً عاماً من قبل الشعب، ولا يمكن أن تتم بهذا الشكل.

يلمح المؤشر الرابع إلى تصاعد الصدامات بين الحكومة والمحتجين بفعل التصريحات الرسمية الخشنة التي يطلقها الجانبان طوال الوقت، ومنها توصيف مادورو للاحتجاجات بأنها مؤامرة تستهدف الأمة، بينما ترى المعارضة التي حطمت للمرة الأولى تمثالاً للرئيس السابق تشافيز فى ولاية زوليا المنتجة للنفط، الرئيس مادورو فاقداً للشرعية، ويسعى، دون سند قانوني، إلى الهيمنة المطلقة على كل مفاصل الدولة.

ويرتبط المؤشر الخامس بفشل الإجراءات الحكومية للقفز على الأزمة. فمثلاً رفعت الحكومة الحد الأدنى للأجور بنسبة 60% في مايو الماضي، وهي المرة الثالثة في العام الجارى 2017، والزيادة  الخامسة عشرة منذ تولية السلطة في عام 2013، إلا أنها لم تفلح في تسكين أوجاع الأزمة. ومَّثل سوء توزيع الدخل عنصراً مهماً في تغذية الاحتقانات الاجتماعية، والتي تصاعدت لدرجة لم تعد تفلح معها فكرة الاحتشاد الداخلي أو نظرية المؤامرة التي روج لها مادورو في إيقاف الأزمة التي تفاقمت مع تهاوى سعر العملة المحلية ( البوليفار)، وتصاعد معدل البطالة ونقص السلع الأساسية.

سيناريوهات محتملة

تبدو الأزمة في فنزويلا مفتوحة على مختلف السيناريوهات، فبداية قد  يظل مادورو في السلطة، فهو يتمتع بدعم مطلق من مؤسسات الدولة، عدا البرلمان، خاصة الجيش، يدلل على ذلك تأكيد قائد الجيش ووزير الدفاع، بادرينو لوبيز، دعمه غير المحدود لمادورو.

ويعد الجيش النواة الصلبة لنظام حكم مادورو، ويعتمد عليه فى السيطرة على الوضع الأمنى فى البلاد في ظل تصاعد التظاهرات المناوئة له. ويضم الجيش الفنزويلى 165 ألف جندى، ونحو 25 ألف جندى احتياطي. ومن أصل 32 وزارة يتولى عسكريون 11 حقيبة وزارية. ويشرف الجيش على تصنيع وتوزيع المواد الغذائية.  ولذلك فأن القوات المسلحة الفنزويلية تعد من العناصر الأساسية لأي تغيير محتمل في إدارة البلاد.

والواقع أن تأييد الجيش أسعف مادورو، جراء المخاوف التي بدأت تظهر على السطح فى معسكر السلطة وصفوف مؤيديه، وكان بارزاً،هنا، رفض النائبة العامة فى فنزويلا قرار المحكمة العليا الشهر الماضي بسلب صلاحيات البرلمان.

أما السيناريو الثاني، فهو أن تحل إحدى الشخصيات المنتمية إلى مدرسة شافيز محل الرئيس مادورو، وربما نائبه طارق العسيمي، خاصة أن الدستور يمنح نائب الرئيس صلاحيات، لأن وظيفته، نظريا، هي تولى مهام الرئيس في حالة غيابه. ويعد العسيمي الرجل الثاني في فنزويلا، بالنظر إلى دوره في السيطرة على الميلسشيات المؤيدة للحكومة التي تمارس العنف ضد المعارضة. ويحظى العسيمي بشهرة كبيرة بين الفنزويليين، وقد تقدم بخطى سريعة في مسيرته السياسية، وترقى في صفوف أنصار حركة شافيز.

خلف ما سبق قد تتلاشى الديمقراطية نهائياً في البلاد، مقابل تصاعد حالة الفوضي، وذلك بفعل تكريس أدوات العنف في قمع التظاهرات والمحاكمات العسكرية للمدنيين، والاتجاه نحو مزيد من تسليح الميلشيات البوليفارية التي أسسها تشافيز فى العام 2010.

كما تتعزز حالة الفوضي مع إصرار مادورو على إثارة مشكلات مع الخارج، وإتهام الآخر الإمبريالي بزعزعة استقرار البلاد، في محاولة لصرف الانتباه عن أزمة الداخل، وكان بارزاً، هنا، اتهام مادورو حكومات كولومبيا وإسبانيا والولايات المتحدة بإدارة مؤامرة للانقلاب على السلطة الشرعية عبر دعم المعارضة.

يتمثل السيناريو الرابع والأخير في نجاح الضغوطات الدولية وتظاهرات المعارضة في إجبار الحزب الاشتراكي الحاكم أو شخصيات نافذة بداخله بإقناع مادورو بتقديم استقالته، والذهاب لانتخابات مبكرة، في إطار محاولات لتحسين الصورة الذهنية للحزب الذي تآكلت قواعده الانتخابية، خاصة فى أوساط الفقراء والمهمشين الذين كثيراً ما ظلوا القاعدة التصويتية الصلبة للحزب.

خلاصة القول إنه في ظل دعم الجيش لمؤسسة الرئاسة، ورفض التجاوب مع مطالب المحتجين، فإن فرص وأد الديمقراطية وتنامى الفوضي تبقى هي الأكثر حضوراً وتحققاً.

 

 

عن الكاتب : باحث بمجلة الديمقراطية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق