ملف العدد
الاستبداد الكفء: أسئلة الديمقراطية والتنمية
2017/09/26
بقلم د.عمرو عادلى
0
3328
68
العدد :

 

هل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية يستلزم وجود نظام سياسى ديمقراطى؟ أم أن الديمقراطية نفسها غير ممكنة إلا بعد الوصول لمستوى معين من التنمية؟ وماذا عن الحالات الآسيوية العديدة فى شرق وجنوب شرق القارة، مثل الصين، وفيتنام، وماليزيا، وسنغافورة (ومن قبل تايوان وكوريا الجنوبية فى ستينيات وسبعينيات القرن الماضى)  التى حققت بعضاً من أعلى معدلات التنمية الاجتماعية والاقتصادية فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية ،فى ظل نظم عسكرية أو شيوعية ممعنة فى السلطوية والاستبداد؟ ولكن فى المقابل، فإن التاريخ المعاصر حافل بنظم مستبدة قد فشلت فى تحقيق التنمية، مثل الديكتاتوريات العسكرية فى أمريكا اللاتينية فى الستينيات والسبعينيات، والتى انتهت إلى أزمات مديونية عالمية خانقة وركود وهروب لرءوس الأموال حتى انهار بعضها، بينما تفاوض بعضها الآخر على تسليم السلطة لنظم أكثر ديمقراطية؟ أين يقع النظام السياسى إذاً من إحداث التنمية؟

ليس من السهل الإجابة على السؤال الرئيسى لهذا المقال، ولا على أى من هذه الأسئلة الفرعية، إذ إن التجارب التاريخية قريبة العهد بنا تظهر أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية (معرفة على الأقل بالتحسن المادى فى ظروف المعيشة، كالدخل، والقدرة على الاستهلاك، وزيادة متوسطات الأعمار، وسنوات التعليم لمجتمع ما) قد حدثت بالفعل فى ظل نظم سياسية شديدة التنوع على الطيف الواسع الممتد بين الديمقراطية والاستبداد. قد حدا هذا ببعض الباحثين إلى تنحية النظام السياسى ــ ونوعه ومؤسساته وآلياته ــ جانبا بشكل كامل وربط التنمية الاقتصادية والاجتماعية بعوامل أخرى تتجاوز الممارسة السياسية برمتها بالحديث عن السياسات الاقتصادية فى مجالات التجارة والتصنيع والاستثمار التى قد يتبناها أى نظام سياسى بغض النظر عن ماهيته، أو العلاقات الدولية التى تتيح فرص التبادل التجارى وتلقِّى رءوس الأموال ونقل التكنولوجيا على الصعيد العالمى، وبما يتجاوز كذلك النظام السياسى داخل دولة أو أخرى إلى عوامل أكثر بنيوية كالموقع الجغرافى والموارد الطبيعية، من حيث وفرتها ونوعها كالاعتماد على إنتاج النفط أو تصدير الذهب والألماس، والتى قد تحدد نصيب مجتمع ما فى التنمية والنمو، بغض النظر عن نظامه السياسى.

على الرغم من أن نظما سياسية مختلفة فى درجة ديمقراطيتها وسلطويتها قد شهدت نجاحا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإن هذه الملحوظة السليمة لا تعنى أن النظام السياسى كعامل غير ذى أهمية أو غير متصل بالقدرة على تحقيق التنمية، وذلك لأن التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، هى نتاج عملية سياسية فى جميع الأحوال تتصل بشكل مباشر بدور الدولة فى تنظيم الاقتصاد بما فى ذلك أشد أشكال السوق حرية، إذ إن التبادل فى السوق يعتمد على وجود مؤسسات تحفظ حقوق الملكية وترفع من شأن تطبيق القانون، وإنفاذ التعاقدات وهلم جرا، وهو ما لا يمكن أن يكون موجودا إلا فى ظل ترتيبات سياسية معينة، ناهيك عن أن التجارب المختلفة للتنمية فى الستين سنة الماضية فى مختلف بقاع الأرض قد أظهرت أن التنمية عادة ما تستوجب دورا أكثر تدخلا للدولة بجانب السوق، من خلال الاستثمار العام فى البنية الأساسية، وكذا فى التعليم والرعاية الصحية، والخوض فى مجالات تصنيعية جديدة تستلزم مخاطر مرتفعة أو تكاليف على المدى البعيد تردع القطاع الخاص عن القيام بها. عودة لحالات التنمية السلطوية التاريخية الأشد نجاحا فى شرق آسيا، فإن تايوان قد تمكنت من بناء قاعدة صناعية تصديرية فى الستينات والسبعينيات بحضور قطاع عام بالغ القوة عمل بالتعاون مع قطاع خاص أصغر، فى ظل حكم الحزب الواحد الكومينتانج (Wade1990)، وكذا الحال فى كوريا الجنوبية، فقد كان حكم الجنرال بارك تشونج هى هو السياق الذى تمت فيه الترقية الصناعية لكوريا الجنوبية فى شراكة ممتدة بين الدولة ورأس المال الخاص الكبير ممثلا فى بضع شركات عائلية بالغة الضخامة (مثل سامسونج وهيونداى)  (Evans2012; Amsden1992)، وحتى حالة كسنغافورة، وهى التى كانت الأقرب لنظام السوق الحرة، فقد جرى إنشاء نظامها الاقتصادى الحر بدور فعال للدولة فى مجالات التعليم والاستثمار فى البنية الأساسية، فى ظل حكم أبى سنغافورة ومؤسسها، لى كوان، الذى حكم ما يقرب من أربعين سنة (1954 - 1992 ) شهدت الانطلاقة الاقتصادية.

إذن، فإن دور الدولة رئيسى لتحقيق التنمية، وبالآتى  فإن الفشل فى تحقيقها كليا أو جزئيا متصل بدور الدولة، ولا سبيل للحديث عن دور الدولة إلا بالخوض فى المؤسسات التى تربط الدولة بالمجتمع، أى بالنظام السياسى، لا مناص من هذا وإن كان علينا الاعتراف منذ البدء أن العلاقة بين النظام السياسى والتنمية أمر بالغ التعقيد والتركيب، وليس بسيطا كما يدعى البعض. فلا الديمقراطية هى الطريق الأمثل والأقصر للتنمية، ولا الاستبداد بالضرورة هو السبيل للتنمية، هناك الكثير والعديد من المتغيرات والعوامل الوسيطة التى ينبغى أن نأخذها فى الحسبان  كى نجيب على سؤال الديمقراطية والتنمية.

ما النظام السياسى، وما التنمية؟

ليس هناك تعريف واحد موحد متفق عليه على أى من المفاهيم المركزية فى العلوم الاجتماعية، وذلك لأن الاختلافات بين الدارسين ليست فحسب وليد الملاحظات الموضوعية، أو المنهجيات العلمية (أيا كانت درجة علميتها)، بل لوجود خلافات أيديولوجية عميقة بينهم، حتى وإن لم تعد تستحضر فى النقاشات «العلمية»، ولكنها تظل حاضرة بقوة عند تبنى تعريف ما لماهية التنمية أو ما هية الديمقراطية، وفى مقابلها ما هية الاستبداد. إن هذا لا يعنى أن تلك التعريفات تنطق عن الهوى بقدر ما تشير إلى أن إدراك الواقع الاجتماعى، و«الحقيقة» وراء ذلك الواقع هى عملية تنطوى على الكثير من المواقف المسبقة، وذات الطابع الوجودى. فمثلا فى مسألة التنمية، قد يتفق الجميع على التعريف الأشد تجريدا وعمومية للتنمية، بحسبانها عملية مستمرة من التحسن، ولكن أى مجالات تحديدا للتحسن يظل محل خلاف بين من ينظرون لمؤشرات اقتصادية محددة كمعدلات النمو الاقتصادى السنوية التى تؤشر لارتفاع فى متوسطات الدخل، ولكن سيسرع الكثيرون وينبهون إلى مسألة التوزيع، وما إذا كانت تلك الزيادة تؤدى بالفعل لتحسن لدى الكل أم لدى قلة، وإن كانت تفضى إلى تحسن فهل بشكل متساو بين الجميع أم لا، ثم سيأتى من ينظرون إلى ما وراء الدخل؟ فيدخلون مؤشرات تعبر عن الصحة والتعليم وربما حتى السعادة والرضا عن الذات والشعور بالكرامة وغيرها من الأمور التى تعنى الكثير للإنسان، وإن استعصت على الترقيم والقياس، ومن هذا الباب سيأتى من يقولون إن الديمقراطية جزء من معايير التنمية، سواء فى صورتها الليبرالية (حقوق مدنية وسياسية أساسية لا يجوز للكل الافتئات عليها) أو الاجتماعية (الحقوق الاقتصادية والاجتماعية مضافة لتلك المدنية والسياسية)، وإنها ليست فحسب آلية مؤسسية، أو مجموعة من القوانين، أو الإجراءات كالانتخابات الحرة والنزيهة، وأن أهميتها أداتية بالنظر للمؤشرات المادية كالدخل والصحة والتعليم، بل إنها فى حد ذاتها معلم من معالم التنمية، بمعنى تحسن شروط الوجود البشرى، فهل يمكن القول إن الحرية مجرد وسيلة نحو حياة أفضل؟ أم أنها هى فى حد ذاتها غاية من غايات الوجود البشرى. ومن هنا فقد قطع بعض دارسى التحول الديمقراطى المبكرين، مثل فيليب شميتر، وجويرمو أودونيل فى كتابيهما المؤسس (Odonnel٫ SchmitterandWhitehead1986  ــ قطعا بأن الديمقراطية بما تعنيه من حريات وحقوق أساسية مضمونة للأفراد هى غاية فى حد ذاتها، وأن الانحياز إليها معيارى وأخلاقى، وهذه نقطة فى منتهى الأهمية، ولا يجوز القفز عليها باسم الموضوعية أو الحياد فى شأن اجتماعى كهذا، وإلا سقطنا فى هوة التبرير والترويج للاستبداد تحت زعم أنه أكثر كفاءة من الحرية والكرامة فى تحقيق التنمية وتحسين شروط وجود الإنسان، وهذا عبث بالطبع لا يختلف كثيرا عن القول إن الموت راحة من هموم الدنيا أو أن يقيم أحدهم برنامجا سياسيا يقضى بإبادة جزء من السكان فى سبيل تحقيق الرفاهية لجزء آخر.

إن النقاش القيمى أعلاه لا سبيل لحسمه، والانحيازات فيه (للديمقراطية بالطبع) مبررة، ولكن تظل العلاقة بين النظم السياسية القائمة وأدائها الاقتصادى والاجتماعى مهمة للبحث والتقصى وبناء الروابط المركَّبة. عادة ما يعرف النظام السياسى بأنه مجموعة من علاقات القوة الرسمية وغير الرسمية التى تنظم التفاعل بين الأفراد والمجموعات داخل جهاز الدولة وكذا بين الدولة والمجتمع (والحدود الفاصلة بين الدولة والمجتمع افتراضية بالطبع وليست مادية)، فإن كان التفاعل داخل الدولة وخارجها قائما على قواعد قانونية رسمية تحظى بالاحترام ويتم الالتزام بها، وتراعى تلك القواعد حقوقا وحريات أساسية للأفراد لا يمكن التعدى عليها، كان النظام ديمقراطيا، ويؤكد هذا تبنيه آلية الانتخابات الحرة والنزيهة وسط ضمانات أساسية للتنظيم والتعبير الحر عن الرأى. أما خلاف هذا، فالنظام يكون سلطويا، وكثيرا ما تجمع النظم بين ملامح ديمقراطية كأن تقيم انتخابات حرة ونزيهة، ولكن فى غياب ضمانات للحقوق والحريات الأساسية للأفراد فتصبح سلطوية منتخبة. ومما يزيد المسألة تعقيدا ما إذا كانت الديمقراطية ليبرالية فحسب، أى بدون حقوق دنيا اقتصادية واجتماعية، كالولايات المتحدة، وإلى حد ما بريطانيا، أو كانت كغالب حال بلدان أوروبا القارية تحمل فى طيات حقوق المواطنة التزامات من الدولة تجاه الرفاه الاقتصادى والاجتماعى لمواطنيها، ولذا تسمى بدول الرفاه.

إن التفاعل بين الدولة والمجتمع يدور حول تعريف سياسى للخير العام، والذى تتم فى إطاره ممارسة السلطة من قبل الدولة تجاه أنشطة المجتمع المختلفة، ولا يمكن فصل سلطة الدولة وممارستها لها إزاء المجتمع، وما ينتج عن هذا من أفعال عن ديناميات ومؤسسات النظام السياسى، والتى تعكس التفاعل المعقد بين الفاعلين المجتمعيين المختلفين، والفاعلين داخل جهاز الدولة، والذين قلما يكونون منبتى الصلة عن الفاعلين فى المجتمع مهما يكن ادعاؤهم صادقا أو قابلا للتصديق حول استقلاليتهم وتحريهم للخير العام منزها عن الغرض الخاص.

ولكن ينقلنا هذا إلى متغير وسيط لعله هو الأهم فى تحديد العلاقة المركَّبة بين النظام السياسى والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهو أثر النظام السياسى بمؤسساته وقواعده العاملة رسمية كانت أو غير رسمية على تمكين أكبر قدر ممكن من الأفراد والمجموعات اقتصاديا واجتماعيا.

التمكين الاقتصادى والاجتماعى:   مربط الفرس؟

لنترك البلدان الرأسمالية والاشتراكية السابقة (الاتحاد السوفيتى ودول حلف وارسو السابقين) التى حققت قفزتها فى مستويات المعيشة لغالب مواطنيها، وفى هيكلها الاقتصادى قبل الحرب العالمية الثانية وبالآتى  لم تكن قضية التنمية حين إطلاقها عقب الحرب العالمية الثانية ذات صلة أساسية بها، ولنلفت الانتباه على بلدان العالم النامى أو ما أصبح يطلق عليه الجنوب العالمى فيما بعد. قد سبق أن تمت الإشارة إلى تعقد العلاقة بين النظام السياسى والأداء التنموى. فمع غلبة الحكم السلطوى بأشكاله المتعددة على بلدان الجنوب فى أغلب الفترة التى أعقبت الحرب العالمية الثانية، فإن قلة من تلك النظم المستبدة قد حققت طفرات تنموية حقيقية، وتكاد الاستثناءات تنحصر فى بعض دول شرق آسيا، وعلى رأسها كوريا الجنوبية وتايوان، ثم الصين الشعبية، بدءا من الثمانينيات خصيصا، وبعض بلاد جنوب شرق آسيا، مثل سنغافورة، وإلى حد أقل ماليزيا، وإندونيسيا، وتايلاند، وربما يضاف إلى هؤلاء ملكيات الخليج العربى النفطية التى مثلت حالات درامية من تحسين مستويات المعيشة، وإن كانت حظوظها فى ذلك قد استندت لحسن إدارة موارد نفطية بالغة الضخامة فى عصر البترول، فى ظل وجود عدد سكان محدود للغاية بدون أفق حقيقى لدى أغلبها لتنويع هياكل اقتصادها وبناء تنافسيتها على منتجات غير البترول، اللهم إلا نموذج دبى، وهى إمارة واحدة من سبع فى الإمارات العربية المتحدة.أما غير ذلك، فإن الغالب الباقى من نظم الاستبداد، على تنوعها فى الشرق الأوسط وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، فقد حققت نجاحات بسيطة هنا وهناك، ولكنها لم تحقق أى انطلاقة كبيرة لا فى مستويات معيشة مواطنيها، ولا فى تطوير هياكل اقتصاداتها صوب قطاعات صناعية أو خدمية ذات قيمة مضافة أعلى، ولم تدخل الكثير من التحسين على أنصبة دخولها القومية من الدخل العالمى. ينطبق هذا على دول أمريكا اللاتينية التى عانت من انقلابات عسكرية فى الخمسينات وبشكل أعم فى السبعينيات، وعلى إفريقيا جنوب الصحراء التى مثلت الحالة الوحيدة فى العالم لدول شهدت تراجعا مطلقا فى مستويات المعيشة بعد الاستقلال، وبلدان الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا العربية إلى جانب إيران، والتى تمثل أكثر أشكال الاستمرارية للسلطوية السياسية.

وعلى الصعيد الآخر، فإن أداء الديمقراطيات فى العالم النامى التنموى كان على غير شاكلة واحدة كذلك. فأقدم وأكبر ديمقراطيات الجنوب الفقير، وهى الهند التى لم تعان أى انقطاع مؤسسى يذكر فى نظامها التعددى القائم على الديمقراطية البرلمانية والنظام الفيدرالى (اللهم إلا بضع سنوات محدودة فى نهاية حكم إنديرا غاندى) كان أداؤها التنموى طيلة سنوات ما بعد الاستقلال منذ 1947 وحتى التحرير الاقتصادى فى 1990/1991 ضعيفا بمتوسطات نمو لا تتجاوز 3 ٪ سنويا، كانت دون المطلوب لتحسين مستويات المعيشة لتعداد سكان تضاعف فى تلك السنوات، مع أعلى نسبة تركز للفقراء بشكل مطلق ونسبى على مستوى العالم.

ويتواضع أداء الهند التنموى فى مجالات الصحة والتعليم، خاصة محو الأمية إذا ما قورن بالصين الشعبية، وذلك على الرغم من حجم الإنجازات المحققة فى الهند بشكل مطلق. ولم تتغير حظوظ الهند فى توليد معدلات نمو مرتفعة سوى فى العقدين الأخيرين تقريبا حيث حقق الاقتصاد الهندى نموا مرتفعا فى بعض قطاعات الخدمات المرتبطة بالتكنولوجيا عالية القيمة. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك شكوكا عدة حول انعكاس ذلك النمو على تحسين مستويات الغالبية الكبيرة من الهنود، فى ظل تركز توليد القيمة وتوزيعها فى قطاعات محدودة من الاقتصاد، بينما تظل الغالبية فى قطاعات هامشية أو تمارس حتى زراعة الكفاف دون القدرة على الانخراط فى أنشطة التبادل الاقتصادى اللازمة لرفع مستويات الاستهلاك والإنتاج معا.

يرى أمارتيا سن، الاقتصادى الهندى الأشهر، أن النظام التعليمى فى الهند يعيد إنتاج الانحيازات الطبقية لأعلى بتوفيره تعليما مجانيا مرتفع العائد والجودة على مستوى المعاهد والجامعات فى قطاعات، كالهندسة والرعاية الصحية بما يمكن هؤلاء الخريجين فيما بعد من السفر للخارج، والالتحاق بأسواق العمل فى الولايات المتحدة وبريطانيا، مما ينعكس مباشرة على ما يحصلون عليه من عائد خاص، ولكنه لا يفيد عامة الهنود، خاصة أن قطاع التكنولوجيا لا يوظف أكثر من مليون شخص، وهو رقم ــ على ضخامته ــ يتضاءل بشدة فى مواجهة بلد يتجاوز تعداده الألف مليون. ويرى سن أنه كان بالأحرى أن يتم توجيه الاستثمارات الحكومية فى مجال التعليم نحو محو الأمية والتعليم الأساسى، وهو الأمر الذى حال دونه تعمق أنماط التهميش الاجتماعى على خطوط طائفية وطبقية وجهوية لم تفلح عقود الديمقراطية الطويلة فى تغييرها.

وعلى نفس النهج نفسه، فإن التحول الديمقراطى الدرامى فى بلدان أمريكا اللاتينية منذ منتصف الثمانينيات، ومع انهيار النظم العسكرية الباطشة هناك، لم يؤد إلى طفرات لا فى توليد النمو الاقتصادى، ولا حتما فى إدخال بعض التحسينات على توزيع الدخل والثروة، بل إن ثمة أدلة تشير إلى أن التحول الديمقراطى فى تلك البلاد قد تماشى على نحو مربك، مع تعميق عدم المساواة، وتكريس أنماط توزيعية غير عادلة لمصلحة الشرائح الحائزة لأغلب رأس المال، وخاصة الأرض الزراعية، حيث لم تمكن الديمقراطية من تنفيذ أى مشروع للإصلاح الزراعى فى أى من هذه البلدان، خاصة البرازيل التى تظهر مستويات غياب للمساواة، هى الثانية عالميا بعد جنوب أفريقيا، والتى تعانى من مستويات لا مساواة مذهلة، نتيجة لتراث الفصل العنصرى على مدى نصف قرن (1948 - 1994)(انظر Hart2002).

وقد ذهبت قراءات فى الاقتصاد السياسى إلى أن تثبيت دعائم الديمقراطية السياسية فى أمريكا اللاتينية بعد عقود طويلة من الانقلابات العسكرية قد حدث منذ الثمانينيات عن طريق التنحية المتعمدة لمسألة العدالة الاجتماعية جانبا، بحيث لا تثير مخاوف الشرائح المهيمنة اقتصاديا على نحو قد يدفعها لتشجيع انقلابات مستقبلية، وكما يقول بويكس(Boix2003) كان الثمن الاجتماعى لترسيخ دعائم الديمقراطية هو تقديم ضمانات من قبل القوى اليسارية والعمالية بأن قواعد الديمقراطية لن تستخدم من أجل إعادة تعريف علاقات الملكية الخاصة عن طريق برامج إعادة التوزيع فى صورة ضرائب أو إصلاح زراعى.

أين يكمن السر إذاً؟ تبدو الإجابة الحقيقية لسؤال النظام السياسى والتنمية الاقتصادية والاجتماعية هى ما إذا كان النظام السياسى يسهِّل عملية التمكين الاقتصادى والاجتماعى أم لا. ويقصد بالتمكين هنا هى تزويد الغالبية الكبيرة من الأفراد والمجموعات بالقدرات المادية (التمويل، والرعاية الصحية، وأشكال رأس المال الأخرى، كالأرض والعقار) والمعنوية (كالتعليم والمهارات والتدريب) للانخراط فى إنتاج القيمة الاقتصادية والحصول على نصيب منها عند توزيع العائد فى صورة أجور أو أرباح أو أى صورة أخرى، حيث إن الفاعلية التى تحققت فى بلدان الجنوب طيلة الخمسين سنة الماضية كلها ارتهنت بدون استثناء بالقدرة على تمكين المزيد من الشرائح، وقد حدث هذا فى ظل نظم سياسية مختلفة، بعضها ديمقراطى، وبعضها الآخر سلطوى. ففى كوريا الجنوبية وتايوان فى الخمسينيات والستينيات جرى إصلاح زراعى أعاد توزيع الأراضى لمصلحة الغالبية الكبيرة من الفلاحين ما سمح بتوفير فائض لهؤلاء لزيادة إنتاجيتهم(Kohli2004)، ومكّن هذا من انتقال العديدين منهم للمدينة والحصول، بدعم من الدولة، على مستويات متقدمة من التعليم، والتدريب المهنى، والرعاية الصحية حتى يصبحوا قواما لقوة عاملة قادرة على المنافسة بفضل إنتاجيتها المرتفعة وانضباطها، وبالتالى  الإنتاج من أجل التصدير لأسواق خارجية. وقد عاد هذا بتحسين مستويات المعيشة على غالب العاملين، بتحقيق طفرات فى مستويات المعيشة على أكثر من مستوى. وقد جرى هذا كله فى ظل نظم عسكرية بالغة القمعية، حالة كوريا الجنوبية، وفى ظل نظام حزب واحد ــ حالة تايوان. وفى المقابل، كانت الصين الشعبية تشهد إصلاحا زراعيا فى ظل حكم ماو تسى تونج، مع تحسينات كبرى فى التعليم، خاصة محو الأمية والرعاية الصحية لتخفيض وفيات الأمهات والأطفال بما أنتج قوة عاملة قادرة على الإنتاج لحظة إطلاق خلفاء ماو للتحرير الاقتصادى الجزئى، وتبنى استراتيجية التصنيع عبر التصدير منذ عام 1978.

وفى المقابل، كانت هناك نظم ديمقراطية محافظة اجتماعيا كالهند بعد الاستقلال كما سبقت الإشارة، لم يقْدم مؤسسوها على تحدى أنماط التهميش الاجتماعى القائمة على نظام الطبقات الصارم (Sen2001)، مما أفضى إلى عدم تمكين مئات الملايين من السكان، وإن كان من الصعب التعميم إذ إن بعض ولايات الهند، مثل كيرالا فى شرق البلاد، على سبيل المثال، كانت الديمقراطية الإجرائية فيها مدخلا للتمكين الاقتصادى لملايين من الفلاحين بإيصال الحزب الشيوعى الهندى للسلطة فى الخمسينيات من القرن الماضى، وتبنيه لإصلاح زراعى جذرى سمح بتمكين شرائح واسعة وتحسين مستويات معيشتها، والتى تظل الأعلى فى الهند قاطبة إلى يومنا هذا.

وينطبق الأمر نفسه على بوليفيا فى العقدين الأخيرين، إذ ارتبط التحول الديمقراطى وصعود إيفو موراليس بتمكين السكان الأصليين الذين يشكلون نحو 80 ٪ من السكان، والذين كانوا مهمشين تاريخيا سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا لمصلحة نظام التفرقة العنصرية غير المعلن، وارتهن التمكين السياسى هناك بالتمكين الاقتصادى والاجتماعى.

وماذا بعد؟

الخلاصة هى أن التمكين الاجتماعى والاقتصادى للغالبية مسألة معقدة لأنها لا تتصل فحسب بإعادة توزيع الحقوق السياسية، بل تشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية كذلك، وأن التمكين قد يحدث فى ظروف سياسية متفاوتة بعضها ديمقراطى وبعضها الآخر كان سلطويا ثوريا. فأما التمكين فى ظل السلطويات، فهو تاريخى أكثر منه حاضر، إذ ارتبط بسياق الحرب الباردة، والتحرر الوطنى، ومقاومة الإمبريالية فى بلدان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية منذ الأربعينيات وحتى السبعينيات، والذى ظهرت فيه نظم يسارية قومية أو شيوعية عملت على الحد من مصالح الشرائح المهيمنة اقتصاديا، والتى كانت هى الحاكمة سياسيا، ولكن مع زوال تلك العوامل، وتراجع الأيديولوجية اليسارية لمصلحة الهيمنة الليبرالية بشقيها السياسى والاقتصادى منذ الثمانينيات، وخاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتى فى التسعينيات، لم تعد هناك مساحة حقيقية لسلطوية تضطلع بالتمكين الاقتصادى، ففى ظل هيمنة الليبرالية الاقتصادية، أصبحت السلطويات ترتبط أكثر ما ترتبط بنظم تستخدم سلطة الدولة العامة للحصول على مكاسب مادية ضخمة للنخب الحاكمة وللمقربين منها فى أشكال شبه إقطاعية يكون فيها الحكام هم المالكون لرأس المال والثروات والحصص السوقية الأكبر، على حساب الرفاه العام للسكان، وبالطبع على حساب حرية السوق والمنافسة، وعلى نحو يرسخ من الاستبعاد والتهميش السياسى والاقتصادى والاجتماعى معا، ولعل نظما تعيسة سلطوية بدأت ببرامج ثورية اجتماعية (إلى حد ما) قد تحولت لعصابات حاكمة (Heydemann2004)، كحال نظام الأسد فى سوريا (Haddad2011) .أو زين العابدين بن على فى تونس(Rijkersetal. 2014). وثمة دلائل على أنه حتى فى بلد مثل الصين كان النجاح حتى الآن فى تحسين مستويات المعيشة لقطاعات واسعة من البلاد مرهونا بالإنجازات الكبيرة ــ فى مجالات التعليم والصحة ووضع النساء ــ والموروثة عن الثورة الاجتماعية فى عهد ماو تسى تونج (Sen2001)، وأن تلك القفزات هى التى مهدت لانخراط ملايين من الصينيين كعمالة ماهرة أو شبه ماهرة أو كأصحاب أعمال فى عمليات الإنتاج. ولكن على الرغم من ذلك، فإن استمرار الحكم السلطوى، ممثلا فى الحزب الشيوعى الصينى، قد خلق المساحة لظهور نخبة حاكمة ومالكة فى الوقت نفسه من عائلات وشبكات شخصية تضم متنفذين فى السلطة يستخدمون غياب الشفافية والمساءلة لتحقيق مكتسبات اقتصادية مباشرة لهم من خلال الاستيلاء على أراض للمضاربة عليها داخل المدن الكبرى وغيرها من أشكال الفساد واستخدام النفوذ (PeckandZhang2013).

أما عن الديمقراطية التى تفتح المجال أمام التمكين الاجتماعى والاقتصادى فذلك كثيرا ما كان لصيق الصلة بديمقراطية لها أبعاد اجتماعية، بمعنى تمكين المشاركة السياسية ــ وما يصاحبها من حريات التنظيم والتعبيرــ من مهاجمة مواطن التمييز وغياب المساواة، وهذه مسألة بدورها مرتبطة بعوامل اجتماعية تاريخية، مثل الوعى الطبقى، والقدرة على التوصل لتسويات مؤسسية كبرى تحول دون انهيار الديمقراطية، لأن الصراع على الموارد قد يؤدى لفرض سلطوية من اليسار (تحقق مهام إعادة التوزيع كمثل الإصلاح الزراعى بعد ثورة/انقلاب يوليو 1952 فى مصر)، أو من اليمين (تقمع من يطالبون بإعادة التوزيع على غرار انقلاب أوجوستو بينوشيه العسكرى فى تشيلى فى 1973)، ولكن فى الوقت نفسه، تتجاوز الحفاظ على ديمقراطية سياسية محافظة تعيد إنتاج مصالح النخب الاقتصادية والاجتماعية (مثل ديمقراطية الطوائف فى لبنان تاريخيا).

إن عملية التمكين الاجتماعى والاقتصادى للغالبية مسألة سياسية قبل كل شىء ، واليوم فى ظل تراجع الأيديولوجيات الثورية والحركات المرتبطة بها، أصبحت فرص التمكين مرهونة أكثر من أى وقت مضى بإطار ديمقراطى يسمح بالتأسيس للنضال الاجتماعى. كان هذا هو الحال فى العقدين الماضيين لبعض التجارب الأكثر أهمية لتوزيع عوائد التنمية بعدالة وبشكل أكثر تضمينا وشمولا كحال البرازيل، فى ظل حكم حزب العمال (2003 - 2014) ومع صعود الجناح اليسارى للبيرونية فى الأرجنتين عقب الأزمة الاقتصادية الطاحنة فى مطلع القرن الحالى، كما هو الحال فى جنوب أفريقيا، حيث يستخدم النضال الاجتماعى من قبل الأغلبية السوداء، ضحية التهميش والاستبعاد على مدى عقود من الفصل العنصرى، الإطار الديمقراطى. بل إنه حتى تجربة كتركيا، فى ظل حكم حزب العدالة والتنمية منذ 2002، وما شهدته من صعود لشريحة وسطى من الرأسمالية فى المدن الداخلية فى وسط الأناضول، والذى يمكن أن يعد أثرا تنمويا يوسع من قاعدة التشكيل فى الإنتاج والتوزيع، قد تم فى ظل مكاسب ديمقراطية (أثبتت الأيام أنها قصيرة العمر فى جميع الأحوال مع تزايد الميول السلطوية لأردوغان فى السنوات القليلة الماضية). وينطبق الأمر نفسه على فنزويلا، فى ظل مشروع هوجو تشافيز والذى شهد تشكيل تحالف اجتماعى توزيعى واسع يستفيد من تزايد عوائد النفط، فقد تم فى إطار ديمقراطى على الرغم من النزعات السلطوية لتشافيز نفسه، ثم لخليفته مادورو.

خلاصة هذه العمليات المركبة هى أن الديمقراطية السياسية فى صيغتها الليبرالية ليست كافية للتمكين الاقتصادى والاجتماعى، ولكنها أمست ضرورية اليوم للتمهيد لأرضية الصراع الاجتماعى الذى قد يجلب التمكين. أما غير ذلك، فإن الظرف الراهن لبلاد الجنوب يضم نظما سلطوية محافظة تخدم فى الأغلب المصالح المباشرة للطغم الحاكمة فيها، عادة تحت زعم مكافحة الامبريالية أو حفظ الأمن القومى، أو يضم نظما ديمقراطية هى الأخرى محافظة اجتماعيا تخدم المصالح المباشرة للمجموعات الحاكمة، وهذه لا تخدم غرض التمكين الاقتصادى، ولكن غالبا ما يكون تحقيق اختراق نحو هذا التمكين من خلال آلياتها، أقوى بحكم استنادها إلى حريات سياسية ومدنية أساسية قد تسخَّر للنضال الاجتماعى.

 

المراجع:

 

Amsden٫ A.H.٫ 1992. Asiasnextgiant: SouthKoreaandlateindustrialization. OxfordUniversityPressonDemand.

Boix٫ C.٫ 2003. Democracyandredistribution. CambridgeUniversityPress.

Chekir٫ H. andDiwan٫ I.٫ 2014. CronycapitalisminEgyptJournalofGlobalizationandDevelopment٫ 5(2)٫ pp.177 -211.

Evans٫ P.B.٫ 2012. Embeddedautonomy: Statesandindustrialtransformation. PrincetonUniversityPress.

Haddad٫ B.٫ 2011. ThepoliticaleconomyofSyria: realitiesandchallengesMiddleEastPolicy٫ 18(2)٫ pp.46 -61.

Hart٫ G.P.٫ 2002. Disablingglobalization: Placesofpowerinpost-apartheidSouthAfrica (Vol. 10). UnivofCaliforniaPress.

Heydemann٫ S.٫ 2004. NetworksofprivilegeintheMiddleEast: thepoliticsofeconomicreformrevisited. Springer.

Kohli٫ A.٫ 2004. State-directeddevelopment: politicalpowerandindustrializationintheglobalperiphery. CambridgeUniversityPress.

ODonnell٫ GSchmitter٫ P.C. andWhitehead٫ L. eds.٫ 1986. Transitionsfromauthoritarianrule: SouthernEurope (Vol. 1). JHUPress.

Peck٫ J. andZhang٫ J.٫ 2013. AvarietyofcapitalismwithChinesecharacteristics?. JournalofEconomicGeography٫ 13(3)٫ pp.357 -396.

Rijkers٫ BFreund٫ C. andNucifora٫ A.٫ 2014. Allinthefamily: statecaptureinTunisia.

Sen٫ A.٫ 2001. Developmentasfreedom. OxfordPaperbacks.

Wade٫ R.٫ 1990. Governingthemarket: EconomictheoryandtheroleofgovernmentinEastAsianindustrialization. PrincetonUniversityPress.

عن الكاتب : باحث باحث فى الاقتصاد السياسى
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق