ملف العدد
صعود الجنوب والتنمية: هل هناك ما يدفع للتفاؤل؟
2017/09/26
بقلم مجدي صبحى
0
516
68
العدد :

 

عند التعرض لقضايا التنمية فى واقعها الراهن يمكن أن نثير سؤالين نراهما رئيسيين، أولهما هو ما إذا كان من الممكن تكرار تجارب ناجحة للتنمية شهدتها بعض البلدان النامية (خاصة فى شرق وجنوب شرق آسيا)، بحيث يمكن أن تشكل مسارا جديدا ونموذجا يمكن اقتفاؤه؟ كما يثار، أيضا، التساؤل حول ما إذا كان هناك أفق لإجراء تعديل فى النظام الاقتصادى الدولى القائم، بحيث يمكن تيسير وتسريع عملية التنمية فى البلدان النامية؟وهو تساؤل مطروح منذ وقت طويل نسبيا يعود إلى منتصف السبعينيات.

شرق وجنوب شرق آسيا: هل هو نموذج قابل للتكرار؟

الواقع أن بعض الإجابات الأولية التى قدمت للسؤال الأول تم استخلاصها عند التصدى  بالدراسة لقضية تفسير نجاح البلدان الآسيوية، حيث مضت للقول إن هناك بالفعل نموذج بإمكانه تذليل العديد من مصاعب التنمية. وتختلف تلك الإجابات إلى حد كبير عن الإجابة النيو ليبرالية السطحية التى نسبت أكثر النجاح إلى مجرد احترام هذه البلدان لآليات السوق، والاستناد إلى الانفتاح الاقتصادى على الخارج استثماريا وتجاريا، بالإشارة إلى أن مختلف تجارب هذه البلدان استندت إلى سياسة التصنيع للتصدير لتحقيق نجاحاتها التنموية.

وبذلت العديد من الدراسات جهدها فى محاولة تفسير قضية النمو وحفز الصادرات فى هذه المنطقة. والمشكلة أن معظم الأدب النظرى كان يميل للربط بين تدخل الدولة وسياسة الإحلال محل الواردات، بينما تم ربط تحرير التجارة والاعتماد على قوى السوق بالنظم ذات التوجه الخارجى. وقد تركز الجدال بين تحرير التجارة فى مواجهة الحمائية، والنظم التى تعمل وفقا لآليات السوق فى مواجهة نظم التدخل المقيد فى النشاط الاقتصادى. بينما لم يأخذ هذا الجدال فى الحسبان  احتمال أن يمضى التدخل الحكومى والتوجه للتصدير، جنبا إلى جنب. فقصص النجاح فى هذه المنطقة بينها عدد من العوامل المشتركة، وواحد من هذه العوامل هو أن هذه البلدان كانت خالقة لمزاياها التنافسية، ولم تتعامل معها بحسبانها معطى من السوق الدولى.

وفى مجال العمل لا النظر، أشار عدد من الاقتصاديين إلى أن التجربة الآسيوية  لم تنشغل كثيرا بثنائية التصنيع، وفقا لسياسة الإحلال محل الواردات أم التصنيع للتصدير، حيث تثبت التجربة بما لا يدع مجالا للشك أنه كان هناك دور ملموس على الأقل فى بداية عملية التصنيع لسياسة التصنيع، وفقا للإحلال محل الواردات، قبل الانتقال إلى سياسة التصنيع للتصدير فى بعض بلدان آسيا الناهضة مثل كوريا الجنوبية وتايوان، على سبيل المثال. وذلك على الرغم من أن «التصدير فى عالم اليوم الذى تحكمه اتفاقات الجات الأخيرة، ومنظمة التجارة العالمية حاليا أضحى أصعب بدون شك مما سبق، خاصة مع تحول الكثير من البلدان فى نفس الوقت إلى محاولة التصنيع للتصدير. حيث يمكن الوقوع هنا فيما يسمى بـ«خطأ التجميع» ليتم التعميم من الحالة الفردية إلى الحالة العامة. فمن المؤكد، كما أشار عالم التنمية الكبير، هانز سنجر أن النمور الأربعة الأوائل فى آسيا كانت لهم ظروف تاريخية مواتية للغاية، حيث كان لا ينافسهم أحد من بقية بلدان العالم الثالث، على العكس من الحالة السائدة الآن، وهو ما دفع نحو القول بمقولة «التشاؤم التصديرى»1.

وربما كانت أقرب النظريات فى محاولة وضع التجربة فى إطار نموذج واضح ومحدد هى نظرية «الأوز الطائر». وتذهب هذه النظرية إلى أن التنمية فى هذه المنطقة لم تتم بشكل فردى، بل تمت بشكل شبه جماعى. حيث إن بلدان المنطقة تطير فى شكل سرب الأوز،  وإن كان على ارتفاعات وبسرعات مختلفة. إذ تميل البلدان الأكثر تقدما إلى نقل الصناعات الأقل تقدما إلى البلدان التى تليها فى سلم التطور الاقتصادى. فقد تستفيد البلدان المتقدمة من الرخص النسبى للأيدى العاملة فى البلدان الأقل تقدما بنقل صناعاتها الكثيفة العمالة إليها، وتستفيد البلدان الأقل تقدما بسيرها فى طريق التصنيع والتصدير للخارج. وتقدم النظرية للدلالة على ذلك حالة اليابان التى استفادت من التقدم الأمريكى بعد الحرب العالمية الثانية فى التقدم على طريق التصنيع والتصدير للسوق الأمريكى ذاته وغيره من الأسواق العالمية، ثم قامت اليابان فى مرحلة تالية بلعب دور  قاطرة النمو فى كوريا الجنوبية وسنغافورة وماليزيا وتايلاند، وهو ما قامت به هونج كونج، ومكاو (قبل العودة للصين)، وتايوان فى الصين، حيث أن أغلب الاستثمارات الخارجية المباشرة، خاصة فى بداية الانطلاق الاقتصادى الصينى فى أوائل الثمانينيات كانت تعود لهذه البلدان وغيرها من بلدان المنطقة. ولا تقتصر العلاقة ــ حسب نظرية الأوز الطائر ــ على مجال الاستثمارات فحسب،  إنما تمتد أيضا إلى مجال التجارة حيث يتعزز التبادل التجارى بين هذه البلدان فى عقب تدفق الاستثمارات أو يأتى مترافقا معها.

ويضيف البعض لما سبق القول، إنه من الملامح الأساسية لصنع السياسة الاقتصادية فى هذه المنطقة هو تميزها بدرجة عالية من البراجماتية، وتعنى هذه الأخيرة  أمرين: الأول عدم تقيد صنع السياسة الاقتصادية بالتزامات أيديولوجية محددة، والثانى الرجوع بسرعة عن بعض السياسات التى يثبت  فشلها فى تحقيق الهدف المأمول منها. ويبقى ذلك واضحا من أن الأداء الاقتصادى فى شرق وجنوب شرق آسيا كان على مدى ما يقرب من نصف قرن أفضل بشكل عام من نظيره فى بقية البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل، وهو الأمر الذى قاد منذ البداية إلى البحث فى تجربة شرق وجنوب شرق آسيا بحسبانها نموذجا فى التنمية والتطور الاقتصادى، خاصة فيما يتعلق بفعالية السياسات الحكومية فى تحقيق هذا الأداء، وقياس مدى فعالية التدخل الحكومى بالمقارنة ببقية دول العالم النامى.

وبينما مال الكثيرون إلى وصف التجربة الآسيوية بـ «المعجزة» أشار أحد الكتاب -عن حق- إلى أن هذه المعجزة هى مجرد أسطورة، ليس لأن دول شرق آسيا لم تقم بإنجازات جوهرية مثيرة للإعجاب، ولكن لأن المبالغة فى الادعاء بالقدرة على تحقيق الإنجازات أشاعت روحا من الغرور، وإحساسا كاذبا بعدم إمكان قهر هذه القوة. وكانت هذه الأسطورة تحتوى بالطبع، كما فى غيرها من الأساطير، على بعض الحقيقة. أما ما كان أسطوريا فى النموذج فى رأيه، فقد كان الاعتقاد بأن ذلك يفتح الطريق أمام نوع جديد من سياسات التنمية الاقتصادية، وطريقا متميزا إلى الازدهار، وكانت أزمة  عام 1997 قد قضت ــ  فى رأيه (وهو ما اتضح فى الواقع أنه رأى متسرع) على تلك الوصفة السرية بأن السياسة الصناعية والقيم الآسيوية هما مفتاحا النمو المرتفع2.

والواقع أن نظرية الأوز الطائر ورغم بعض جوانب صحتها الظاهرية إلا أنها تواجه بتحدى جوهرى. إذ يعتمد تحرك السرب على التقدم المستمر للأوزة القائد، إذا جاز التعبير. إذ إن التحرك على سلم التطور التكنولوجى والصناعى يتيح المجال أمام نقل الصناعات كثيفة العمل والأقل من حيث التطور التكنولوجى إلى البلدان الأقل تطورا، وهو ما يمكن من تنمية عدد من البلدان التى تشكل سرب الأوز. ولكن ربما تجد هذه النظرية تحديا مما يجرى حاليا فى عدد من البلدان المتقدمة، حيث لا يتم إحلال العمالة الكثيفة من بلد فقير أقل تطورا، مقابل العمالة فى البلد المتقدم، بل يتم إحلال الآلة، خاصة الروبوت محل العمالة البشرية، ويفتح ذلك المجال  أمام إنتاج وفير للمنتجات كثيفة العمالة بتكلفة أقل فى البلدان المتقدمة ذاتها3. بل إن الأمر يمضى إلى أن التكنولوجيا تتيح الإمكانية، ليس فحسب  أمام إحلال الروبوت محل ذوى «الياقات الزرقاء»، بل إن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبحت تهدد فرص عمل الكثير من ذوى «الياقات البيضاء» أيضا4.  وتطرح مثل هذه الأفكار إذا ما مدت على استقامتها  ــ معضلة كبرى أمام عملية النمو فى كل من العالم النامى والمتقدم على السواء، بل وتهدد مستقبل النظام الرأسمالى العالمى ككل. فإذا كان سيتم الاستغناء عن العمالة البشرية بكثافة، سواء  كانت عمالة يدوية أو ذهنية، فإن هذا يعنى فى الوقت ذاته انخفاض الدخول وبالآتى  القدرة الشرائية فى السوق، فكيف إذاً سيتم تصريف الإنتاج الكثيف الأقل تكلفة الذى تتيحه التكنولوجيا الأكثر تطورا؟! أو أين ستكون أسواق صادرات البلدان النامية؟!

وفيما يتعلق بقضية التصنيع للتصدير،بات ما يهدد هذا النمط من النمو، ليس فحسب  مقولة «التشاؤم التصديرى»، بل أيضا ردود الأفعال التى أصبحت تترى من الدول المتقدمة مؤخرا فى شكل اتجاه حمائى يتبناه تيار أقصى اليمين فى الولايات المتحدة وأوروبا. حيث يعمل هذا التيار على استنهاض أيديولوجية فاشية مستندة إلى رهان «الوطنية الاقتصادية»، على أساس أن البلدان التى حققت نجاحات اقتصادية، خاصة فى العالم النامى، وعلى رأسه الصين، هى بلدان دأبت على ممارسة الغش والخداع فى تعاملاتها الاقتصادية. وباتت الاتجاهات الحمائية بوطنيتها الاقتصادية فى بعض الدول المتقدمة تهدد بالفعل أسس عمل النظام التجارى الرأسمالى العالمى المتعارف عليها5.

ومع وضوح عدم القدرة على فرض نظام السوق الحر بالوضع الذى هو عليه فى عدد محدود من البلدان الأنجلوساكسونية على بقية أرجاء المعمورة، تظل كل تجربة محملة بالواقع المحلى اجتماعيا وثقافيا. والنتيجة هى أن هناك فى واقع الأمر رأسماليات متعددة لا رأسمالية واحدة، حيث إن الرأسمالية فى القارة الأوروبية أواليابان تختلف اختلافا بينا عن هذه الرأسمالية الأنجلوساكسونية. وينطبق نفس الأمر بكل وضوح فى بلدان تمر بمرحلة تحول، مثل روسيا ما بعد الشيوعية أو الصين. إذ إن وهم تحقق سيادة السوق الحر على النمط الأنجلوساكسونى فى نسق حضارى عالمى  كما أعلنت عنه كتابات مثل «نهاية التاريخ وخاتم البشر» للمفكر الأمريكى فوكوياما،يمكن اعتباره مجرد يوتوبيا جديدة تكاد لا تختلف عن يوتوبيات سابقة مثل الشيوعية، بل إن فرضها قد يحمل انهيارا ومآسٍ أكبر مما حملته محاولات تطبيق هذه اليوتوبيات الأخيرة6.

ماذا عن الجهود الجماعية لتعديل النظام العالمى؟

إذا كان ما سبق قد اقتصر على طرح الجدال الذى ساد حول مدى نجاح تجارب تنموية فى العالم النامى وإمكانية نقلها إلى بلدان أخرى، فإن الشق الثانى المهم هو مناقشة تلك الجهود الجماعية وشبه الجماعية التى ما انفكت تظهر فى العالم النامى فى محاولة تعديل أسس النظام الرأسمالى القائم بشكل يسمح لها بتحقيق التنمية بطرق أكثر يسرا. وربما تكون التجربة الأخيرة، التى تستحق الانتباه لرؤية ما إذا كانت تعد بديلاً أم لا، تتركز فى تجمع البريكس.

فقد صاحب تأسيس مجموعة البريكس آمال عريضة فى تعديل قواعد وآليات صنع القرار الاقتصادى الدولى، وحلحلة هيمنة الدول الغربية على المؤسسات الاقتصادية  الدولية الرئيسية. وقد لاقى تأسيس المجموعة ترحيباً كبيراً من قبل بلدان العالم النامى بحسبان   أن المجموعة ربما تفتح  المجال وتزيد من الفرص أمام تحقيق أهداف الدول النامية فى النمو والتنمية.

البريكس.. لماذا ؟

 كان مصطلح البريك (البرازيل وروسيا والهند والصين) مجرد تسمية صاغها أحد الاقتصاديين فى مؤسسة جولدمان ساكس فى عام 2001 ليصف مجموعة من الاقتصادات الصاعدة فى حلبة الاقتصاد الدولى، وكان هذا العام هو العام الذى شهد انضمام الصين لمنظمة التجارة العالمية مع انعقاد الاجتماع الوزارى لدول المنظمة لبدء المفاوضات لجولة جديدة من جولات تحرير التجارة. وكانت الهند والبرازيل، تحديدا فى هذا الوقت، قد نجحتا نجاحا منقطع النظير فى تشكيل قيادة طليعية للدول النامية فى مفاوضات جولة تحرير التجارة التى كانت الدول المتقدمة صناعيا تضغط من أجل تحقيق مصالحها من خلالها، خاصة فى مجالات الصناعة والخدمات، دون أن تقدم بالمقابل تنازلات ملموسة لمصلحة الدول النامية فى مجالات حيوية تهمها، مثل الزراعة والصناعة التحويلية. وقد تجسد نجاح الهند والبرازيل فى هذا الشأن فى شكل تبوؤ مواطن تايلاندى (أول شخص غير غربى)  لموقع مدير عام منظمة التجارة العالمية بين عامى 2002 و2005، ثم تولى روبرتو أزيفيدو البرازيلى لمقعد مدير عام المنظمة فى عام 2013، وإعادة انتخابه مرة أخرى فى العام الجارى. من هنا شكلت كل من الهند والبرازيل قيادة معترف بها للعالم النامى، وبهذه الوضعية سعت إليها الصين التى كانت تنمو بسرعة صاروخية، والتى كانت تحدوها الرغبة فى تأمين وضعها على المستوى الدولى لاستمرار نموها وتحسين مستويات المعيشة فيها، إلى جانب روسيا الراغبة بشدة للعودة للعب دور عالمى يتناسب مع وزنها السياسى والعسكرى، وفى ظل انتعاش كبير فى أسعار النفط والغاز الطبيعى هما سلعتا التصدير الأساسيتين لديها. وتحول مصطلح البريك ليأخذ شكلا عمليا فى عام 2006، حيث بدأت المشاورات غير الرسمية أولا بين بلدان البريك الأربعة (البريكس بدون جنوب أفريقيا) على هامش  اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة فى وقت كانت فيه كل هذه البلدان تحقق معدلات نمو مرتفعة، ويزداد وزنها الاقتصادى الدولى، ثم أتى اللقاء الرسمى الأول لوزراء خارجية الدول الأربع فى عام 2008 مع  تفجر الأزمة المالية والاقتصادية العالمية، ليفتح الطريق أمام انعقاد أول قمة لدول البريك فى عام 2009. وكانت قمة البريك هى نتيجة لتزايد أهمية هذه البلدان. ففى أثناء انعقاد قمة مجموعة العشرين فى أبريل 2009، والتى عقدت من أجل البحث عن طرق للخروج من الأزمة العالمية، اتجهت الدول الغربية (مركز الأزمة) لدول البريك من أجل زيادة إسهاماتها فى تقديم التمويل، خاصة لصندوق النقد الدولى، حيث تم الاتفاق على رفع موارد الصندوق المتاحة للإٌقراض لثلاثة أمثالها، من 250 مليار دولار إلى 750 مليار لمساعدة الدول الغربية على الخروج من الأزمة. كما ناشدت أيضا الدول الغربية فرادى وجماعات (كالاتحاد الأوروبى)  بعض دول البريك، وعلى رأسها الصين صاحبة الاحتياطيات المالية الضخمة تقديم يد المعونة فى الخروج من الأزمة التى خلفت آثارا كارثية فى بعض البلدان كاليونان وإسبانيا وأيرلندا والبرتغال، وإلى حد أقل نسبيا فى إيطاليا، وهددت على نحو جدى التجربة الأوروبية فى التكامل الاقتصادى. الخلاصة إذاً أن وزن هذه البلدان فى هذه الآونة كان فى تصاعد، وكان هناك تشجيع غربى متزايد لها من أجل لعب دور كبير فى حل الأزمة العالمية، وكان أن فكرت دول البريك فى إنشاء جبهة تمكنها من التفاوض مع الغرب من موقع قوة، خاصة أنها كلها فى الحقيقة كانت تشكو من أن تمثيلها فى مؤسسات صنع القرار الاقتصادى الدولى أقل مما يتيحه لها وزنها الاقتصادى وأهميتها المتنامية،على نحو ما سنفصل لاحقا.

آثار النشأة والأهداف:

تمثلت الشواغل الأساسية لبلدان البريك فى شاغلين رئيسيين: الأول هو كيفية منع تأثرها بأى أزمات مالية مستقبلية، والحيلولة دون وقوعها تحت رحمة مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولى، خاصة بعد أن شهدت آثار الأزمة المالية للدول الآسيوية فى عام 1997، والأزمة المالية الروسية فى عام 1998، والبرازيلية فى عام 1999، ثم مجدداً فى عام 2001، وأخيرا الأزمة المالية العالمية التى بدأت بوادرها فى 2007. من هنا كان التفكير فى التعاون المالى بين دول البريكس (أضيف حرف السين للبريك إشارة إلى دولة جنوب أفريقيا عقب انضمامها للمجموعة فى عام 2010)، ولذا أنشأت آلية تناظر صندوق النقد الدولى سميت بترتيب الإقراض الطارىء بتمويل يبلغ 100 مليار دولار. ونظر لهذا الترتيب كدرع لحمايتها من ضغوط نقص السيولة القصيرة الأجل، وتحقيق الاستقرار المالى دون اللجوء لصندوق النقد الدولى، وقالت المجموعة نصا أن هذه الآلية هى وسيلة إضافية تستهدف حماية الاستقرار المالى العالمى. إضافة إلى هذا، أنشأت المجموعة أيضا بنكا للتنمية برأس مال بلغ رأسماله 100 مليار دولار لتمويل مشروعات البنية الأساسية ومشروعات التنمية المستدامة فى دول المجموعة والدول النامية الأخرى، وهو ما يناظر عمل البنك الدولى، وإن على نطاق أضيق. وقد تطلعت البلدان النامية بأمل إلى مثل هذا التوجه على أساس أنه قد يمثل بديلا عن التمويل الذى تقدمة المؤسسات المالية الدولية القائمة، والتى تشترط مقابله العديد من الشروط التى قد لا تتناسب مع ظروف أغلب بلدان العالم النامى.

تمثل الشاغل الثانى الأكثر أهمية وتحديا لدى بلدان مجموعة البريك (ثم البريكس) فى حل إشكالية عدم التناسب الواضح بين وزنها الاقتصادى الكبير والآخذ فى النمو، آنذاك، وضآلة وزنها فى صنع القرار الاقتصادى الدولى. ويتجلى ذلك بوضوح فى تمثيل هذه البلدان فى المؤسسات الكبرى كصندوق النقد والبنك الدوليين. وقد تم الاستقرار، أثناء الاجتماع السنوى المشترك للمؤسستين فى أكتوبر 2009 على تعديل الحصص النسبية والقوة التصويتية بشكل يتيح إعطاء وزن أكبر للدول الصاعدة اقتصاديا، وعلى رأسها دول البريك الأربع (البرازيل-روسيا-الهند-الصين) بدءا من عام 2011. وكان القرار متوقعا لأن موعد النظر فى التعديل الدورى للحصص يحل فى العام المذكور. إذ وفقا لنظام عمل الصندوق، يتم إعادة النظر دوريا فى الحصص النسبية وبالآتى  القوة التصويتية للدول الأعضاء مرة  كل خمسة أعوام، وتم الاستقرار على تعديل الحصص، فى أكتوبر 2010، فى أثناء اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين فى كوريا الجنوبية7.وقد دخل آخر تعديل للقوة التصويتية حيز النفاذ فى 26 يناير 2016، وهو ما سنوضحه لاحقا.

القرار بإعطاء هذه الدول حصصا أكبر إذاً لم يأت بسبب وقوع الأزمة المالية والاقتصية العالمية فحسب ، إنما جاء أيضا بسبب التطورات التى شهدها الاقتصاد العالمى خلال العقود الأخيرة، مما أدى إلى أن يصبح هيكل القوة وصنع القرار فى مؤسسات التمويل الدولية لا ينسجم مع توزيع مراكز الثقل والتأثير والنمو الاقتصادى فى عالمنا. وكان الإقرار بهذه الحقيقة من عدم الانسجام قد سبق التعبير عنه بشكل واضح ومباشر إبان انعقاد قمة الدول العشرين فى لندن خلال شهر إبريل 2009، حيث تعهد قادة مجموعة العشرين بإصلاح صندوق النقد الدولى عبر زيادة موارده المتاحة للإقراض ــ كما ذكرنا آنفا ــ إلى جانب منح القوى الصاعدة، وفى مقدمتها الصين، دورا أكثر فعالية يتناسب مع مكانتها ووزنها وقدرتها على التأثير فى الاقتصاد الدولى.

والواقع أن الهيكل القائم للقوة النسبية فى صنع القرار فى هذه المؤسسات يتيح سيطرة البلدان الصناعية المتقدمة، إذ يتم تحديد القوة التصويتية لكل دولة وفقا لحصتها النسبية من رأس مال كل من المؤسستين، وتعود السيطرة الغربية عمليا  إلى اللحظة التى تم فيها تأسيس هذه المؤسسات عند نهاية الحرب العالمية الثانية. وبرغم العديد من التعديلات التى تمت على مدار العقود السبعة الماضية، فإن هذا لم يزعزع على أى نحو احتكار الدول الصناعية المتقدمة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لعملية صنع القرار داخل هذه المؤسسات.

فحتى بعد تعديل الحصص فى يناير 2016 نجد أن آلية صنع القرار داخل صندوق النقد الدولى لم تمس بشكل جوهرى. فقد ظلت الولايات المتحدة لديها قوة تصويتية تبلغ 16٫52 % من الإجمالى. ورغم زيادة قوة الصين التصويتية، فإنها لم تبلغ سوى 6٫09 % هذا رغم أن الاقتصاد الصينى يحتل مرتبة ثانى أكبر اقتصاد وأكبر قوة تجارية فى العالم، فى الوقت الذى بلغت فيه القوة التصويتية لليابان ثالث أكبر اقتصاد فى العالم، والتى يبلغ ناتجها الإجمالى نحو ثلث الناتج الصينى نسبة 6٫15 % .

والأكثر أهمية أن القرارات فى القضايا المحورية فى الصندوق يتم اتخاذها بأغلبية 85 % من الأصوات، وعلى ذلك تمتلك الولايات المتحدة فعليا حق «الفيتو» فى القرارات المهمة لأن حصتها ما زالت تزيد على 15 %، كما أن خمسة دول من دول الاتحاد الأوروبى هى ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا وهولندا لديها 15٫96 % من القوة التصويتية. بينما فى الجهة المقابلة لا تزال دول البريكس مجتمعة لديها نحو 13٫54 % فحسب  من القوة التصويتية، أى أنه ليس لديها حق «الفيتو» حتى فى حال اجتمعت جميعها على قرار واحد. 

تجمع دفاعى فضفاض:

دول البريكس الخمس إذاً كانت تسعى لزيادة نفوذها فى عملية صنع القرار على المستوى الاقتصادى الدولى. ونشير هنا إلى أن هذه الدول لم تجنح واقعيا لتحدى أىمن آليات العمل القائمة لأنها تعمل فى صالح بعض بلدان البريكس حاليا وعلى رأسها الصين التى يتم توصيفها حاليا بـ «بطلة العولمة»، خاصة بعد دخول ترامب للبيت الأبيض بدعاواه المضادة للعولمة. أى أن هذه الدول (خاصة الأكبر بينها، أى الصين والهند) تعترض فى حقيقة الأمر على تحجيم نفوذها فى حلبة النظام الاقتصاد الدولى، بينما هى لا تعترض بشكل جوهرى على قواعد عمل هذا النظام، طالما أن هذه القواعد تعمل فى صالحها.

فى نفس الوقت، ينبغى التأكيد على أن البريكس ليس تجمعا اقتصاديا، أى لا تطمح  الدول الأعضاء فيه إلى تشكيل اتحاد اقتصادى كالاتحاد الأوروبى مثلا، بل ولا منطقة تجارة حرة،  أو حتى منح مزايا متبادلة فى المجالات التجارية والاستثمارية. وليس أدل على ذلك من أنه من بين أكثر من 197 مليار دولار استثمارات خارجية لبلدان البريكس فى 2016، لم تمثل الاستثمارات البينية سوى  5٫6 % منها،أى نحو 11 مليار دولار. كما أن الأوزان متفاوتة بشدة، إذ تلعب الصين الدور الأكبر، حيث إن أغلب التجارة السلعية تتم معها، بينما العلاقات التجارية بين باقى الدول الأربع وبعضها بعضا محدودة نسبيا. وتتفاوت الأوزان الاقتصادية من حيث الحجم تفاوتا شديدا أيضا، فبينما بلغ الناتج المحلى الإجمالى للصين نحو 11.20 تريليون دولار فى نهاية عام 2016، لم يبلغ فى الدولة التالية لها وهى الهند سوى 2.26  تريليون، و1.80 تريليون فى البرازيل، و1.28 تريليون فى روسيا، وأخيرا 0.30 تريليون فى جنوب أفريقيا، أى أن الناتج الصينى يبلغ ضعف مجموع الناتج فى البلدان الأربع الأخرى.

علاوة على ذلك،تعمقت حدة التفاوتات بين هذه البلدان خلال السنوات الأربع الأخيرة مع تدهور أسعار السلع الأولية التى تعتمد عليها كل من روسيا والبرازيل وجنوب أفريقيا فى صادراتها، وما ترتب على ذلك من تدهور اقتصادى فى البلدان الثلاثة. ففى عام 2015، على سبيل المثال، سجلت البرازيل معدل نمو اقتصادى سالب 3٫8 %، وكان المعدل سالبا أيضا فى روسيا 3٫7 %، بينما كان معدل النمو منخفضا بشدة فى جنوب أفريقيا، حيث بلغ 1٫3 %، فى الوقت الذى سجل فيه المعدل 8٫7 % فى الهند و6٫9 % فى الصين.

إلى جانب كل ما سبق، ينبغى ألا يتم تجاهل أن العلاقات على المستوى السياسى لا يمكن توصيفها بالجيدة، خاصة بين العملاقين الصين والهند، حيث وصل الخلاف الحدودى بينهما أخيرا إلى حد النزاع المسلح، وذلك قبيل انعقاد قمة البريكس الأخيرة يومى 4 و5 سبتمبر 2017 بالصين.

أضف إلى ذلك كله، أن هذه البلدان لديها مشاكلها الداخلية الخطيرة. فلا يمكن تجاهل الوضع حتى فى أنجحها كالصين والهند. ففى الصين هناك تناقض واضح ما بين طبيعة السلطة السياسية القائمة واقتصاد يزداد فيه وزن الاستثمارات والملكية الخاصة، وهو الأمر الذى لايزال يعكسه جدل داخلى حتى فى أروقة الحزب الشيوعى الحاكم بين اتجاهين أحدهما يمينى يتبنى «الطريق الرأسمالى»، بل وتسريع الاندماج فى العولمة الرأسمالية المعاصرة، وهو ما يمكن أن يفضى إلى نظام رأسمالى مكتمل الأركان، بينما لايزال آخرون يعرفون الطريق الذى اختاروه ويسمى بـ «النمط الصينى للاشتراكية» دون أن يتعاملوا مع هذا التعريف بشكل أكثر دقة وتفصيلاً.8 ناهيك عن أنه لا يزال هناك تناقض واضح فى مستويات الدخول والمعيشة بين الريف والمدينة. وعلى الرغم من النقلة الجبارة التى حدثت فى حياة مئات الملايين من المواطنين الصينيين على مدى العقود الأربعة الأخيرة، فإن هناك مئات الملايين لايزالوا يعيشون فى ظروف سيئة نسبيا، ويتطلعون إلى أن تحدث فى حياتهم نفس النقلة، وهو ما قد يكون متعذرا، على الأقل خلال نفس الأفق الزمنى.

أما فى حالة الاقتصاد الهندى ورغم طفرة النمو، لم يكن القطاع الصناعى هو القطاع الرائد فى هذا النمو. وبالرغم من محاولات الحكومة الهندية لرفع نصيب قطاع الصناعة فى الناتج المحلى الإجمالى، فإن هناك الكثير من المعوقات التى تواجه تحقيق هذا الهدف. ولعل من أهم تلك المعوقات، حاجة البنية التحتية للتطوير والتوسع. كذلك ضرورة الاهتمام بشكل أكبر بسياسات التعليم والتدريب، من أجل خلق قوى عاملة مدربة ومؤهلة للالتحاق بالصناعات عالية الاستثمارات التى تحتاج، عمالة من نوع خاص، وبالطبع فى قطاع الخدمات التى تحتاج، فى معظمها، إلى عمالة أكثر تأهيلًا.

كما يجب أن تجد الهند حلًا لمشكلة عدم القدرة على استيعاب الداخلين الجدد فى سوق العمل، مع تدنى قدرة الاستثمارات الجديدة على خلق فرض عمل كافية لنحو 12 مليون باحث عن وظيفة من الداخلين الجدد لسوق العمل سنويًّا. هذا بالطبع علاوة على مستوى الفقر بالنسبة للغالبية الساحقة حيث يعيش نحو 69 % من السكان بدخل يقل عن 2 دولار يوميا.9

البريكس.. مجرد ظاهرة احتجاجية:

لم تحقق دول البريكس إذاً أيا من التطلعات التى رافقت تأسيسها مع انعقاد أول قمة لها، ووقعت المجموعة ضحية لأزمات دولها الأعضاء منذ عام 2013. وقد حققت البريكس نجاحا ملموسا فيما يتعلق بهدفها الأول المتمثل فى توفير آليات تسمح لها بتوقى الأزمات الدولية، وتجنب الوقوع فريسة لسياسات وبرامج المؤسسات المالية الدولية التى لا زالت تتحكم فيها الدول الغربية، وذلك بتأسيسها لآلية الإقراض الطارئ، وبنك التنمية. أما فيما يتعلق بهدفها الثانى المتمثل فى زيادة دورها فى توجيه القرار الاقتصادى الدولى وزيادة نفوذها فى عملية صنع القرار، فقد واجهت فشلا ذريعاً، إذ لا جدال أن موقفها الآن أسوأ بكثير مما كان عليه عند التأسيس فى عام 2009.

وفى كل الأحوال يمكن القول إن المجموعة لم تسع بأى شكل محسوس لتبنى أية تعديلات يعتد بها فى قواعد إدارة النظام الاقتصادى الدولى، بل إن بعضها يدعو إلى التمسك بالقواعد والآليات الموجودة، لأن فيها مصلحته، خاصة مع تحول بعض الدول الغربية للوقوف ضد بعض هذه القواعد والآليات التى وضعتها بنفسها لكى تعمل فى مصلحتها.

والخلاصة أن البريكس قد تحولت إلى تجمع دفاعى فضفاض يتجنب بقدر الإمكان الوقوع فى أسر أزمات مالية تكثفت منذ منتصف التسعينيات وحتى بلوغها الذروة فى الأزمة المالية لعام 2008. وهى لا تسعى سوى لزيادة دور وتأثير دولها فى كيفية إدارة الاقتصاد الدولى، بل هى لا تتفق بالضرورة حول خطة بديلة لإدارة هذا الاقتصاد.باختصار، تحولت المجموعة لكى تكون مجرد ظاهرة احتجاجية لا تقدم أى منظور بديل لعملية تنمية البلدان النامية.

المؤكد أن العالم يمر بأزمة ليست فحسب  اقتصادية، بل أزمة توفر نموذجاً بديلاً يتيح المجال أمام تيسير وتسريع عملية التنمية فى البلدان النامية. ورغم كل الآمال التى علقت إما على محاكاة التجربة الآسيوية، أو فى إجراء تعديلات على النظام الدولى تساعد فى تحقيق هذا الهدف، فإن الوضع ليس به الكثير من العوامل التى تدفع للتفاؤل بإمكانية تحقيق أى من الأمرين فى المدى المنظور.

المراجع:

1 ـ
محمود عبد الفضيل، العرب والتجربة الآسيوية: الدروس المستفادة، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، نوفمبر 2000.

2 ـ
روبرت جران، ترويض النمور «نهاية المعجزة الآسيوية»،ترجمة سمير كريم، مركز الأهرام للترجمة والنشر، الطبعة الأولى 1999.

3 ـ هناك الكثير من الكتابات الغربية، خاصة خلال العامين الأخيرين، التى تناولت هذه القضية.

4.
See Randall Collins٫«The End of Middle-Class Work; No More Escapes»٫in Immanuel Wallerstein٫Randall Collins٫Michael Mann٫George Derluguian and Craig Calhoun٫«Does Capitalism Have a Future?»٫Oxford University Press٫New York٫2013

5 ــ
أنظر فى ذلك: مجدى صبحى، الحمائية وتصاعد الوطنية الاقتصادية، مجلة السياسة الدولية، العدد 208، إبريل 2017.

6 ــ
جون جراى، الفجر الكاذب: أوهام الرأسمالية العالمية، ترجمة أحمد فؤاد بلبع، مكتبة الشروق والمجلس الأعلى للثقافة المشروع القومى للترجمة، الطبعة الأولى 2000.

7 ــ مجدى صبحى، تعديل الحصص فى صندوق النقد الدولى:  تغييرات ماقبل التاريخية بقليل، جريدة الأهرام، 13/12/2010.

8 ــ انظر، د. سمير أمين، الصعود الناجح للصين، فى «تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية 2015»، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2016.

9 ــ أنظر فى مراجعة للتجربة الهندية: ضياء حسنى، الاقتصاد الهندى .. نمو متزايد ومعوقات تلقى بظلالها على المستقبل، فى «تقرير الاتجاهات الاقتصادية الاستراتيجية 2016»، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، القاهرة، 2017.

 

عن الكاتب : خبير بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق