قضايا مصرية
موقع مصر على خريطة القوى الناعمة
2017/09/26
بقلم عاطف سعداوى
0
2275
68
العدد :

عاد النقاش بقوة فى السنوات القليلة الماضية حول قوة مصر الناعمة، وانصب هذا النقاش بالأساس حول ثلاثة أسئلة رئيسية، أولها: هل تراجعت القوة الناعمة لمصر؟ وباعتبار أن الإجابة على هذا السؤال كانت محسومة سلفا دون بحث أو عناء أو اجتهاد بالنظر إلى حالة التراجع التى لا تخطئها عين فى منتجنا الثقافى والأدبى والفنى كما وكيفا، لذا كان السؤال الثانى: لماذا؟ لماذا تراجعت قوة مصر الناعمة، ولماذا فقدت هذه القوة جاذبيتها؟ ولماذا توقفنا عن توليد وإنتاج قوى ناعمة جديدة؟ وبالطبع كان السؤال الثالث: كيف تستعيد مصر تأثيرها مرة أخرى خارج حدودها، من خلال قوتها الناعمة؟

هذه الأسئلة الثلاثة كانت محل سجالات فكرية ونقاشات أكاديمية كثيرة خلال العامين الماضيين، ونظمت من أجل الإجابة عليها الكثير من الفعاليات الثقافية، وكتبت الكثير من المقالات، معظمها بالغ فى التهوين والاستعلاء، وبعضها بالغ فى التهويل وجلد الذات، وقليل منها عالج الأمر بموضوعية، وإن كانت جميعها انطلقت من دافع الحرص على استعادة مصر بريقها ودورها فى محيطها العربى والأفريقى بتوظيف ما تملكه من موروث حضارى وثقافى كبير.

فى فهمنا الخاطىء لمفهوم القوة الناعمة:

فى محاولة للاشتباك مع هذا الجدل الفكرى، والإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة، يمكن القول ابتداءً إن إشكالية التعاطى مع مفهوم القوة الناعمة فى الساحة الفكرية المصرية تمثلت فى اجتزاء هذا المفهوم واختزال عناصره فى الجانب الثقافى المتمثل فى الفنون والآداب وصناعة السينما والإنتاج الدرامى، وبالتالى رهن من تصدى للأمر تقدم مصر أو تراجعها على مؤشر القوى الناعمة بمدى تقدم أو تراجع الإنتاج الفنى والسينمائى والأدبى والدرامى. على سبيل المثال، إن معاودة استخدام فنون مصرية، عمر بعضها تجاوز نصف قرن، تكفى دليلاً على تدهور «ترسانة القوى الناعمة المصرية»، ودافعاً مهماً للاعتراف بأن هذه القوة «فقدت جاذبيتها وأننا توقفنا عن توليد قوى ناعمة جديدة1».. هذه الآراء تتجاهل أمرين مرتبطين.. أولهما ما طرأ على العالم من تغيير، نتيجة ثورة التكنولوجيا ودخول وسائل اتصال جديدة، وما أحدثه ذلك من انفتاح الشعوب العربية على ثقافات الآخرين وفنونهم، وبعضها مختلف كليا عما كان سائدا فى الخمسينيات والستينيات، وهو ما أدى بدوره إلى تبدل مزاج شعوب المنطقة ومدى تقبلها وتأثرها بما كانت تصدره مصر من منتج فنى وثقافى، وكان مصدرا لتأثيرها ووجودها، وبالتالى تراجعت جاذبية النموذج المصرى أمام المواطن العربى، فى ظل ما أتاحته وسائل التواصل الحديثة من نشر نماذج منافسة أصبحت تملك هى الأخرى مقومات للقوة الناعمة، خاصة أن ذلك تواكب مع انشغال مصر بقضاياها الداخلية بعد ثورة 2011، وتراجع مستوى الاهتمام بالخارج. الأمر الثانى مرتبط بالتغيرات التى طرأت على مفهوم القوة الناعمة نفسه. فعلى الرغم من أن المصطلح حديث النشأة نسبيا، حيث كان الأكاديمى والعسكرى الأمريكى السابق، «جوزيف س. ناى،أول من استخدم مصطلح «القوة الناعمة» عندما صاغ لبنات هذا المصطلح فى كتابه «وثبة نحو القيادة» (Bound to Lead) الذى أصدره  فى عام 1992، ثم أعاد استخدامه فى كتابه «مفارقة القوة الأمريكية» (The Paradox of American Power)  الصادر عام 2002، حيث وضعه كعنوان فرعى صغير شمل عددا محدودا من الصفحات، ثم توسع ناى فيما بعد فى المفهوم؛ فوضع كتابًا كاملا عام 2004 بعنوان «القوة الناعمة: وسيلة النجاح فى السياسة الدولية»، بهدف تسليط الضوء على قدرة بعض الدول على استثمار عناصر الجذب الحضارية والثقافية، دون الاضطرار إلى اللجوء للإكراه، بهدف الإقناع ونشر الدعاية والفكر الوطنى، عبر الآداب والثقافة والفنون والقيم السياسية. ويعرّف ناى القوة الناعمة بأنها «القدرة على صياغة خيارات الآخرين، والحصول على ما تريد عبر الجاذبية أو السحر (Charm or  Attractiveness) بدلا من «القهر أو الإكراه»، إلا أن المصطلح ما لبث أن انفصل عن مؤلفه واحتل مساحات كبيرة من الجدل الأكاديمى والفكرى، وظهرت محاولات كثيرة لتحليله وقياسه، وظهرت تقارير ترتب الدول على مقياس للقوة الناعمة يضع معايير متعددة لقياس تلك القوة لكل دولة، هذه المعايير تتجاوز الفن والثقافة إلى عناصر أخرى أكثر شمولا وأهمية. وأدت هذه المحاولات إلى تغير كبير فى المفهوم عن صياغته الأولى التى ظهرت على يد «ناى»، ومن أهم المحاولات لقياس هذا المفهوم وضبطه، وفقا لمعايير محددة قابلة للقياس، هو مؤشر «القوة الناعمة 30»2، وهو مؤشر سنوى طورته فى عام 2015 مؤسسة بحثية أمريكية مهمة وهى مركز الدبلوماسية العامة (CPD) التابع لجامعة جنوب كاليفورنيا، بالتعاون مع شركة «بورتلاند» البريطانية للعلاقات العامة والاستثناءات، لقياس قدرة دول مختلفة على التأثير فى البلدان الأخرى عن طريق قيمها الاجتماعية، بدلا من الأموال أو الأسلحة، وصولا لقائمة بأعلى 30 دولة امتلاكا للقوة الناعمة. وتقوم الجهات المطورة للمشروع بوضع القائمة، انطلاقا من مؤشرات «موضوعية» Objective dataوتسهم بنسبة 70 % فى عملية تقييم القوة الناعمة للدولة، ومؤشرات «غير موضوعية» Non-Objective data، وتساهم بنسبة 30 % فى تحديد ترتيب الدولة على مؤشر القوة الناعمة، ومن المؤشرات الموضوعية، يعتمد التقييم على صيغة إدارة الدول، والمناخ الاقتصادى لمشاريع الأعمال، والتعليم، ومدى مشاركة الدولة فى حل القضايا العالمية.

أما المؤشر غير الموضوعى، فيتم تحديده، انطلاقا من نتائج استطلاعات آراء فى 25 دولة. ومن الأسئلة التى طرحت على المشمولين بالاستطلاع: تقييم المطبخ القومى لدولة ما، والسلع التى تنتجها الدولة، بما فى ذلك السلع التكنولوجية والكماليات، ونظافة شوارع المدن، والترحيب الذى يتلقاه الزوار من قبل السكان، ومدى الإسهام فى الثقافة العالمية، ومدى جاذبية الدولة كمكان للعمل أو الزيارة أو الدراسة.

وبالعودة إلى المؤشرات الموضوعية، يحددها التقرير حصرا فى عناصر ستة لقياس القوة الناعمة فى أى دولة، وذلك على النحو الآتى:

أولاً: الحكومة، وتقييم مدى جودة المؤسسات السياسية فى كل دولة:

يشمل هذا المؤشر سجل حقوق الإنسان فى كل دولة، وفقا للتقارير الدولية، وترتيب الدولة فى تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية، وأوضاع حرية الصحافة، وعدد المراكز البحثية، ومدى المساواة بين الجنسين، ومدى تطبيق الدولة لمؤشرات البنك الدولى للحكم الرشيد، وحكم القانون والمحاسبة.

ثانياً: الثقافة؛ أى مدى الانتشار الثقافى للدولة عالميًّا:

يشمل هذا المؤشر معايير من قبيل عدد السائحين فى كل دولة ونسبة إنفاقهم، وعدد الأفلام السينمائية التى تنتجها الدولة وتشارك فى المهرجانات الكبرى، وعدد المراسلين الصحفيين الأجانب فى كل دولة، وعدد مواقع التراث العالمى فى كل دولة، ومدى قوة لغة كل دولة، وعدد الميداليات الأوليمبية التى حصلت عليها الدولة فى آخر دورة أوليمبية، وموقع المنتخب الوطنى لكرة القدم فى تصنيف الفيفا، وحجم السوق الموسيقى فى الدولة، ومدى سمعة وكفاءة شركة الطيران الوطنية، وعدد المطاعم فى الدولة الحاصلة عل «نجمة ميتشلن».

ثالثاً: المشاركة العالمية، والسياسة الخارجية، وقوة العلاقات الدبلوماسية:

يقاس هذا المؤشر بمعايير من قبيل عدد البعثات الدبلوماسية للدولة فى الخارج، وعدد البعثات الدبلوماسية على أراضى الدولة، وعدد بعثات الدولة فى المنظمات الدولية، وحجم إسهام الدولة فى المساعدات الدولية، وعدد ما تستقبله الدولة من طلبات اللجوء، وعدد البعثات الثقافية للدولة فى الخارج، وعدد الدول التى يستطيع مواطنى الدولة زيارتها، دون حاجة للحصول على تأشيرة دخول.

رابعاً: التعليم، ومدى سمعة وشهرة نظام التعليم العالى الخاص بالدولة خارجيا:

يشمل هذا المؤشر معايير مثل نسبة الإنفاق الحكومى على التعليم، وعدد الجامعات المصنفة ضمن أفضل الجامعات فى العالم، وعدد المقالات الأكاديمية والعلمية المنشورة فى الدوريات، وعدد الطلاب الدوليين الموجودين داخل الدولة.

خامساً: الاقتصاد, ومدى جاذبية النظام الاقتصادى للدولة واجتذابه لمشاريع المستثمرين حول العالم:

يشمل هذا المؤشر مدى سهولة ممارسة الأعمال داخل الدولة، وصادرات الدولة من المنتجات ذات الاستخدام الكثيف للتكنولوجيا، وحجم البطالة داخل الدولة مقارنة بقوة العمل، وترتيب الدولة فى مؤشر التنافسية، وحجم الاستثمارات الخارجية فى الدولة، وترتيب الدولة على مؤشر الفساد

سادساً: التواصل الرقمى والتكنولوجى للدولة مع العالم:

يشمل هذا المؤشر عدد المتابعين خارج الدولة لحساب رئيس الدولة ووزارة الخارجية على موقع فيسبوك، وعدد مستخدمى الإنترنت داخل الدولة، وسرعة الإنترنت وعدد الخوادم، وعدد الخدمات الحكومية المقدمة إلكترونيا، وعدد مستخدمى الهواتف الجوالة.

وقد أعطى التقرير وزنا نسبيا لكل مؤشر من المؤشرات الموضوعية الست يعكس مدى أهميته فى تقييم القوة الناعمة للدولة، وكان مؤشر الحكومة هو الأكثر أهمية، حيث بلغ وزنه النسبى بين المؤشرات 14.6 %، وجاء فى الترتيب الثانى المشاركة العالمية، والسياسة الخارجية، وقوة العلاقات الدبلوماسية بنسبة 12.6 %، فيما جاء الاقتصاد فى المركز الثالث، والتعليم فى المركز الرابع بنسب 12.5 % و 11.6 % على التوالى، وجاء التواصل الرقمى للدولة فى المركز قبل الأخير بنسبة 9.8 %، فيما حلت الثقافة فى المركز الأخير بنسبة 8.9 %.

أين تقع مصر على مؤشر القوى الناعمة؟

بالنظر إلى هذا الوزن النسبى لكل عنصر من عناصر القوة الناعمة السابق الإشارة إليه، يمكن تفسير لماذا تحتل الصين – مثلا- مرتبة متأخرة دائما فى هذا التقرير، فتذيلت التقرير فى نسخته الأولى عام 2015 ، وفى نسخة 2016 احتلت المرتبة 28، وفى النسخة الأخيرة جاءت فى المركز 25 من بين 30 دولة،  وذلك على الرغم مما لديها من ثروة من أصول القوة الناعمة، عندما يتعلق الأمر بالثقافة والتاريخ، كما أن حجم سكانها الكبير يعطيها قوة وجماهيرية شعبية، ونفوذًا سياسيا ما كانت لتتمتع به لو كانت بلدا متوسط أو قليل السكان، كما أن قوة اقتصادها جعلتها قطبا اقتصاديا دوليا، ولكن مع كل تلك المقومات الناعمة تذيلت الصين الترتيب منذ انطلاقه، أو حلت فى مراكزه الأخيرة، لأن النظام السياسى فى الصين لم يواكب الدينامية الاقتصادية للبلاد، فى ظل السيطرة المركزية للحكومة، والقبضة القوية للحزب الشيوعى على السلطة، والرقابة على الإنترنت، وخنق المعارضة السياسية وإخماد روح المبادرة فى البلاد، وإعاقة التنمية الاجتماعية، كما أن انتهاكات حقوق الإنسان، وتقويض الصحافة تسببا فى خلق صورة ذهنية سلبية حول الصين خارجيا.

ووفقا لهذه المؤشرات أيضا، يمكن تفسير لماذا خرجت مصر أصلا من التصنيف الذى لم يضم أى دولة شرق أوسطية باستثناء تركيا التى جاءت فى المركز الأخير فى تقرير 2017. ربما وجود تركيا يمكن تفسيره بتركيزها على الترويج لفكرة أنها الجسر بين الشرق والغرب، وجذب السياحة، وتطوير مطار اسطنبول، فيما يصل عدد مشاهدى الدراما التركية حول العالم إلى 400 مليون مشاهد فى 140 دولة، وفقا لتقرير لهيئة الإذاعة البريطانية3، و بلغت عائدات تركيا عام  2015 من المبيعات الدولية للمسلسلات التليفزيونية 250 مليون دولار، مع توقعات بوصولها إلى مليار دولار فى 2023. ووفقا لنفس التقرير فإن المسلسلات التركية أصبحت الأكثر مشاهدة لدى شعوب دول أمريكا الجنوبية.. حتى بالمقارنة بالمسلسلات الأمريكية والمكسيكية.

أما مصر، فعلى الرغم مما تملكه من عمق تاريخى وموروث حضارى وثقافى ضخم، فإن هذا الموروث لم يكن شفيعا، لدخول قائمة أكثر 30 دولة امتلاكا لمقومات القوة الناعمة بالنظر إلى أوجه النقص الشديدة التى تعانيها مصر فى بقية المؤشرات، لا سيما المؤشر الأول المتعلق بجودة الحكم ومدى الالتزام بتطبيق معايير الحكم الرشيد، وحكم القانون، ومدى توفير ضمانات لحرية الرأى والتعبير والتنافس السياسى، فجميع التقارير الدولية التى اعتمد عليها المؤشر لتصنيف الدول احتلت فيها مصر مركزا متدنيا، مثل تقرير منظمة بيت الحرية حول حرية الصحافة، وتقرير نفس المنظمة حول الحريات العامة، حيث تصنف مصر فى كلا التقريرين بأنها «دولة غير حرة»4، فيما احتلت مصر المركز 111 فى تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائى للأمم المتحدة5، فيما تمتلك 35 مركزا بحثيا فقط6، كذلك المؤشر المتعلق بجودة النظام التعليمى، حيث تحتل مصر دائما مركزا متراجعا فى مؤشر جودة التعليم العالمى الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى، كذلك فيما يتعلق بعدد المقالات المنشورة فى الدوريات العلمية والتقنية7، حيث بلغ هذا الرقم، وفقا لآخر إحصاء للبنك الدولى 9199 مقالة فى 2013، مقابل 30402 مقالة لتركيا فى نفس العام، أما المؤشر المتعلق بالإنتاج الرقمى، فتحتل مصر، على سبيل المثال، المركز 107 من بين 193 دولة فى مسح الأمم المتحدة للحكومات الإلكترونية8، كما تأتى مصر دائما فى ذيل المؤشر العالمى لسرعة الإنترنت، حيث احتلت فى التقرير الأخير المركز 129 من بين 134 دولة شملها التقرير9. حتى فى المؤشر المتعلق بالإنتاج الثقافى، والذى كانت تستقى منه مصر مصادر قوتها الناعمة حدث به تراجع كبير لا يحتاج إلى جهد لتبينه أو إحصاءات لرصد مدى التدهور الذى أصابه، وإن كان ذلك لا يمنع من إشارة سريعة لبعض بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء لعام 2016 والتى أحصت تراجعا فى أعداد دور العرض السينمائى من 250 دور عرض فى عام 2008 إلى 75 دور عرض فقط فى 2015، كذلك فيما يتعلق بعدد حفلات الفرق المسرحية العامة التى تراجعت وفقا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء من  959 حفلة فى عام 2002/2003 إلى 482 حفلة فى عام 2011/2012. وبالتأكيد فإن اللجوء لمزيد من الإحصاءات فى بقية القطاعات الثقافية والفنية سيثبت حالة مماثلة من التراجع ربما سببها انسحاب الدولة من كثير من هذه القطاعات.

فى المقابل، تستطيع هذه المؤشرات تفسير لماذا تحتل دول، مثل فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية، صدارة «مؤشر القوى الناعمة 30» منذ إطلاقه فى 2015 وحتى الآن، متبادلة المركز الأول فيما بينها. فعلى سبيل المثال، برر المؤشر احتلال بريطانيا صدارته فى نسخة 2015 بالتأثير الذكى التى جلبته بريطانيا عن طريق فريق البيتلز، ومجموعة أفلام هارى بوتر، والأعمال الأدبية لوليام شكسبير، وشهرة اللاعب ديفيد بيكهام، وتأثير العائلة المالكة، وجماهيرية الدورى الإنجليزى الممتاز، وجودة جامعاتها، وجاذبية نظامها السياسى، وكفاءة حكومتها، ونزاهة انتخاباتها، ودور عدد من منظمات المجتمع المدنى الإنجليزية فى العالم، مثل أوكسفام ومنظمة العفو الدولية. ذلك بالإضافة إلى نجاحها فى استضافة دورة الألعاب الأولمبية لعام 2012 التى مكنتها من استعادة ثقتها وتأثيرها الدولى بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، تمكنت بريطانيا من جلب استثمارات أجنبية مباشرة كبيرة، متفوقة على ألمانيا وإسبانيا، أما عن العاصمة البريطانية لندن، فقد شبهها التقرير بكونها «جوهرة التاج البريطانى» والسبب الرئيسى فى تصدرها المؤشر باعتبارها أكثر مدينة تمت زيارتها فى العالم، بحسب المؤشر. ولفت المؤشر إلى أنه سيتم اختبار المدى الحقيقى للتأثير الدولى البريطانى خلال مفاوضات إصلاح الاتحاد الأوروبى، وهى المفاوضات التى انتهت بخروجها من الاتحاد، والتى كانت سببا رئيسا فى فقدانها صدارة التصنيف فى عام 2016، والذى ذهب إلى الولايات المتحدة بسبب وجود أكثر من مليونى طالب أجنبى فى جامعاتها، و90 ألف باحث أجنبى فى مؤسساتها، مع قدرتها على تصدير 66 % من الأفلام والبرامج التليفزيونية فى العالم، وامتلاكها نحو 23 % من القنوات الفضائية العالمية، بالإضافة الى عناصر كثيرة بالطبع للقوة الناعمة، فيما ذهبت صدارة التصنيف فى عام 2017 إلى فرنسا.

نحو إعادة رسم خريطة القوة الناعمة فى مصر:

هل يعنى ما تقدم أننا نعيش حقبة أفول قوة مصر الناعمة، وأن مصر فقدت فرصتها فى استعادة تأثيرها ودورها عبر مصادر قوتها الناعمة؟ بالتأكيد ستكون الإجابة بالنفى، فإذا كان تصدير الأفكار الملهمة أحد مصادر القوة الناعمة، فإن الدارس لتاريخ مصر يعلم جيدا أنها، حتى فى لحظات ضعفها، كانت منبعا للأفكار الكبرى الملهمة التى صاغت الوعى العربى خلال القرن العشرين وحتى وقتنا الحاضر، بدءا من فكرة التنوير التى عرفتها مصر وصدرتها إلى محيطها العربى فى النصف الأول من القرن العشرين،  مرورا بفكرة القومية العربية  التى ألهمت مصر بها محيطها العربى، وتبنتها كثير من الدول العربية، عبر حركات ثورية رفعت نفس الشعارات المصرية، مرورا بفكرة الصلح والسلام مع إسرائيل التى أصبحت مقبولة عربيا الآن بعد أن كانت مرفوضة وقتها،  ثم جاءت فكرة الإسلام السياسى كفكرة أخرى تم تصديرها من قبل جماعة الإخوان المسلمين فى مصر  للعالم العربى لتصبح تنظيماً أممياً له فروع فى معظم الدول العربية تدين بالولاء الفكرى وربما التنظيمى للمركز فى مصر. وحين انتكست فكرة الإسلام السياسى فى مصر انتكست بعدها مباشرة  فى العالم العربى،  ثم كانت الفكرة الملهمة الخامسة وهى فكرة الثورة الشعبية على النظم المستبدة، ففور اندلاعها فى مصر فى عام 2011، ما لبثت أن انتشرت الفكرة فى معظم البلدان العربية.10 وعلى الرغم من أن البداية كانت من تونس فإن حدوثها فى مصر هو ما أدى لانتشارها فى العالم العربى، لأن تأثيرها ووقعها كان أعمق، ولو بدأت بتونس ولم تمتد إلى مصر لكانت انتهت فى تونس أيضا.. لكن مرورها عبر مصر أدى لتبنيها عربيا،  وفى هذا دلالة على أن مصر لا تزال تملك ما يكفى من أسباب الإلهام والتأثير، ولا تزال تملك مخزوناً هائلاً وقدرات كامنة فى مجال القوة الناعمة،وما علينا إلا بعثه وإثبات القدرة على إدارته واستخدامه، ما علينا سوى إعادة الإضاءة إلى مراكز قوتنا ونفوذنا، ولأن المشكلة لم تكن فى امتلاك مقومات القوة الناعمة بقدر ما كانت  فى إدارتها واستخدامها بشجاعة وحصافة ورشد ، لذا فإن مصر فى أمس الحاجة  لبلورة رؤية واستراتيجية لتعظيم قدراتها على استخدام هذه القوة لخدمة مصالحها القومية، وهنا لا بد من الالتفات إلى أمرين مهمين:

أولا: لا بد لأى محاولة جادة لإعادة إطلاق قدرات ومقدرات مصر الناعمة الانطلاق من حقيقة أن قوة الدولة الناعمة ليست فقط انعكاساً لما تملكه الدولة من أدوات ثقافية وفنية وإعلامية كما هو التصور الشائع لدى قطاعات معتبرة فى مصر عند حديثها عن الموضوع، ولكنها انعكاس للقوة الشاملة للدولة بأبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وأن ترتيب الدولة فى مؤشرات عالمية مهمة، مثل الحكم الرشيد، وحكم القانون، وحرية الصحافة، والحريات العامة، والتنافسية الاقتصادية، وسهولة أداء الأعمال، ومؤشرات الابتكار والشفافية والحوكمة يسهم بشكل أساسى فى تحديد مكانتها كقوة ناعمة، والنظر إليها من دول وشعوب العالم الأخرى كنموذج له جاذبيته للآخرين، وبالتالى إذا أرادت مصر أن تحظى بموقعها فى خريطة الدول الأكثر امتلاكا لعناصر القوة الناعمة، عليها أن تدرك أن الأمر يتجاوز إعادة إحياء الثقافة والفنون، وأن تدرك جيدا أن الاقتصاد والحرية هما جناحا ازدهار القوة الناعمة. فمهما يكن عدد من نملكه من أدباء وشعراء  وفنانين، ومهما بلغ عدد مسارحنا، ومهما وصل إليه حجم إنتاجنا الدرامى والسينمائى،، حتى لو عاد بمستوى قوة حقبة الخمسينيات والستينيات التى نتباكى عليها، فإنه يظل بلا قيمة تذكر، إن لم يعمل فى سياق من الحرية السياسية، واحترام الحقوق والحريات، وفى ظل نظام حكم كفء فى تعامله مع العالم الخارجى، وفى ظل اقتصاد تنافسى قادر على توفير فرص للعيش الكريم ، وفى ظل نظام تعليمى ذى جودة عالمية تتوافر فيه مقومات التنافسية، والعدالة، والقيم الإيجابية، واكتساب القدرة على التعلم المستمر، وبناء الشخصية المتكاملة، ونظام تعليمى يحترم الحريات الأكاديمية، ويكون جاذبا للطلاب الوافدين من الخارج، وبالتالى فإن أى جهود لإطلاق قدرات مصر الناعمة يجب ألا تغيب عنها النظرة الشاملة لمفهوم القوة الناعمة بأبعاده السياسية والاقتصادية والتعليمية والتكنولوجية والثقافية.

ثانيا:لابد من توافر الإرادة السياسية لدى صانع القرار لاستغلال مصادر القوة الناعمة وتحويلها إلى نفوذ. فهناك فارق بين أن تمتلك عناصر للقوة الناعمة وأن توظف هذه العناصر لخدمة ما تسعى إليه من دور وتأثير فى محيطك وخارج حدودك. فقد تملك كل عناصر ومقومات القوة الناعمة لكنك قد تعجز عن توظيفها، والعكس صحيح... فقد تمتلك قدرا يسيرا منها، لكنك يمكن أن تضاعف تأثيرها لتعوض غياب بعضها، والأمر هنا رهن توافر إرادة سياسية راغبة فى تحويل كل مقوم من مقومات القوة الناعمة، إلى فرصة، وهنا لا بد من الحديث عن ضرورة توافر الوعى السياسى لدى النخبة الحاكمة بأهمية القوة الناعمة، وأهمية توفير الإطار السياسى والتشريعى الذى يمكنها من توظيف مقوماتها، فإذا كانت الإرادة السياسية قد مكنت مصر من دخول قائمة أعلى عشر دول على مؤشر القوة الصلبة فى فترة وجيزة، حيث يحتل الجيش المصرى المركز العاشر عالميا، والأول عربيا وأفريقيا، والثانى شرق أوسطى وفقا لتقرير لموقع «جلوبال فاير باور»11 ، فإن توافر إرادة سياسية مماثلة فى إطار رؤية سياسية لمصر ودورها قد يؤهل مصر لدخول قائمة أعلى 30 دولة على مؤشر القوى الناعمة، حتى لو على مد زمنى طويل، خاصة أن «مؤشر القوى الناعمة 30» يعتبر مصر من الدول التى تمتلك مؤهلات قد تمكنها من دخول المؤشر، لذا يختارها القائمون على المؤشر من بين ثلاث دول فقط فى الشرق الأوسط مع تركيا والإمارات  لإجراء الاستطلاع المتعلق بالمؤشرات غير الموضوعية.

وأخيرا يمكن القول إن بناء القوة الناعمة المصرية ليس حكرا على الدولة، فإذا توافرت الإرادة السياسية، كما سبق القول، فإن هناك دورا كبيرا يمكن أن يسهم به القطاع الخاص، وخاصة فى مجالات الإنتاج الفنى والأدبى والثقافى، وكذلك هناك ضرورة للتعاون بين الأجهزة الثقافية الرسمية، والجمعيات الأهلية، ومنظمات المجتمع المدنى، شريطة أن تتاح لها حرية العمل، وحرية طرح المبادرات وتنفيذ الفعاليات المستقلة.

 

المراجع:

1 -جميل مطر ــ قوانا الناعمة، جريدة الشروق بتاريخ 12 أغسطس 2015.

2 -A Global Ranking of Soft Power 2017 - The Soft Power 30

https://softpower30.com/wp-content/uploads/2017/07/The-Soft-Power-30-Report-2017-Web-1.pdf

3 - ديديم تالى، ما سر شعبية المسلسلات التركية فى أمريكا الجنوبية، تقرير منشور بتاريخ 16 سبتمبر 2016 على الموقع العربى لهيئة الإذاعة البريطانية  على الرابط التالى http://www.bbc.com/arabic/artandculture/2016/09/160919_vert_cul_south_americans_love_of_turkish_tv

4- https://freedomhouse.org/report/freedom-world/2017/egypt

5 -2016 Human Development Report٫http://hdr.undp.org/en/countries/profiles/EGY

6 -McGann٫J. (20172016 Global Go to Think Tank Index Report٫https://repository.upenn.edu/cgi/viewcontent.cgi?article=1011&context=think_tanks

7 -Scientific and technical journal articles - World Bank Dataو٫ https://data.worldbank.org/indicator/IP.JRN.ARTC.SC?end=2013&locations=EG-TR&start=2000&year_high_desc=false

8 --United Nations E-Government Survey 2016٫  https://publicadministration.un.org/egovkb/en-us/Data/Country-Information/id/53-Egypt

9 [Speedtest Global Index٫http://www.speedtest.net/global-index/egypt

10 - سليمان عبد المنعم، قوة مصر الناعمة..أفكار وتساؤلات، الأهرام، 16 سبتمبر2017 .

11- https://www.globalfirepower.com/

عن الكاتب : مدير تحرير- مجلة الديمقراطية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق