تقارير
تخبط تركى حيال استفتاء كردستان العراق
2017/10/02
بقلم بشير عبد الفتاح
0
940
68
العدد :

 

 

برغم علاقاتها المتشعبة التى بدأت مع إقليم كردستان العراق منذ عام 1991،ثم ما لبثت أن توثقت وتطورت بشكل لافت على خلفية تناغم الكيمياء السياسية بين أنقرة وأربيل، منذ هيمنة الحزب الديمقراطى بزعامة مسعود البرزانى على حكم الإقليم فى تسعينيات القرن الماضى، وانفراد حزب العدالة والتنمية بالسلطة فى تركيا عام 2002- برغم كل ذلك، كانت تركيا من أوليات الدول التى أعلنت رفضها القاطع لإجراء الاستفتاء على استقلال الإقليم، مهددة بالويل والثبور وعظائم الأمور حال، إجراء ذلك الاستفتاء. 

وعلاوة على تفضيل أنقرة علاقات استراتيجية مع إقليم كردستان العراق المستقر،  وإن كان شبه مستقل،على عداء وصراع  مع دولة كردستان العراق المنبوذة وغير المستقرة، وإن كانت مستقلة، فقد انبلجت بواعث الرفض التركى لاستفتاء كردستان من هواجس عدوى الاستقلال الكردى، حيث تخشى تركيا من انتقال عدوى الاستفتاء والاستقلال من كردستان العراق إلى أراضيها التى تضم قرابة عشرين مليون كردي، يشكلون نسبة 25%من إجمالي عدد سكان تركيا البالغ ثمانين مليون نسمة، وقرابة 60% من إجمالى عدد الأكراد حول العالم، والبالغ 35 مليون نسمة.وتخشى تركيا من أن يفضى استقلال إقليم كردستان العراق إلى تحفيز أكراد تركيا والمنطقة على أن يحذو حذوهم، مما يهدد وحدة الدولة التركية،ذات التنوع الإثنى القلق.

وقد بدأت إرهاصات ذلك الأمر جلية. ففى سوريا، تزامن استفتاء كردستان العراق مع شروع حزب الاتحاد الديموقراطي الكردي السورى فى فرض نظامه الفيدرالي الانفصالي، الذى أعلنه في مارس 2016 بمناطق سيطرته في شمال سوريا، من خلال إجراء انتخابات في تلك المناطق،في المرحلة الأولى من عملية تتم على ثلاث مراحل بدأت باختيار لجان محلية في 22 سبتمبر، وتبلغ ذروتها  في كانون الثاني /يناير 2018 بانتخاب مجلس تشريعي لـغرب كردستان "روج أفا"، توطئة لإعلان استقلال الكانتونات التي فرض سلطته عليها بالقوة العسكرية، ودعم أمريكي خلال السنوات القليلة المنقضية.وهو الإجراء الذى رد عليه نظام دمشق بإبداء استعداده للحوار مع أكرد سوريا للوصول إلى الحكم الذاتى، لكن ضمن إطار الدولة السورية ،وبعد القضاء على "داعش".وفى تحد لافت للرافض الدولى لاستفتاء كردستان العراق، أبدى أكراد الشمال السوري ،الذين يتخطى تعدادهم مليونى نسمة،بنسبة 15%، تعاطفا مع هذا الاستفتاء، وأكد "المجلس التأسيسي للنظام الفيدرالي في شمال سوريا" أن معبر سيمالك الحدودي مع إقليم كردستان وغيره من المعابر سيبقى مفتوحاً.

وفى إيران، نظم الآلاف من الأكراد الإيرانيين ،الذين يتجاوز تعدادهم ستة ملايين نسمة ويمثلون نسبة 10%، مسيرات في الشوارع بعدد من المدن الكردية الرئيسية في شمال غرب إيران، مثل بانه، وسنداج، وماهاباد، كما قاموا بترديد نشيد "جمهورية ماهاباد" وهي الدولة الكردية التي أقيمت على الأراضي الإيرانية عام 1946، إلا أن الكثير من الأكراد الإيرانيين يتحدثون عن رغبتهم في إقامة دولة يطلق عليها "روجهلات" أو "كردستان الشرقية"، وخلال تظاهراتهم تلك، أبدى أكراد إيران تأييدهم لاستفتاء الاستقلال الذي أجرته السلطات الكردية في شمال العراق، وإطلاق هتافات الإشادة بالحركات القومية الكردية، متحديين بذلك استعراضا للقوة من جانب السلطات الإيرانية التي حلقت طائراتها الحربية في سماء المناطق الكردية وحشدت منصات للصواريخ على الحدود، بعدما ندد المسئولون ووسائل الإعلام في إيران بالاستفتاء، واعتبروه تهديدا للاستقرار الإقليمي.

كذلك،غذى القلق بشأن مصير كركوك مخاوف تركيا من الاستفتاء الحالى،الذى تميز عن سابقيه بأنه يشمل المناطق المتنازع عليها وفقا للمادة 140 من الدستور العراقى لعام 2005،وخصوصا كركوك الغنية بالنفط.وإدراكا منها للأهمية الجيواستراتيجية والثقافية للمدينة،أعلنت أنقرة رفضها للاستفتاء ،الذى قد يفضى إلى ضمها لإقليم كردستان مستقبلا، مستندة إلى قرار المحكمة الإدارية العراقية في 17 أغسطس / آب الماضي، بشأن عدم أهلية مجلس محافظة كركوك أو الإقليم الكردي ككل للمساس بوضع المناطق المتنازع عليها،الأمر الذى يقدح فى قانونية ودستورية تصويت مجلس محافظة كركوك بالموافقة على المشاركة فى الاستفتاء بواقع 23 صوتا من أصل 41،على الطلب الذي تقدمت به قائمة كركوك المتآخية للمشاركة في الاستفتاء،والتى تتشكل من الحزبين الكرديين الرئيسيين الاتحاد الكردستاني، والديمقراطي الكردستاني، وتهيمن  على مجلس كركوك، إذ تملك 26 مقعدا من أصل 41، بينما قاطعت القوائم العربيةوالتركمانية ذلك التصويت تأكيدا لرفضها الاستفتاء.

فمن جهة، تشكل أهمية كركوك الجيواستراتيجية ركنا ركينا فى أمن الطاقة التركى لغناها بالنفط الذى يتم تصديره، بموجب اتفاق أبرمته تركيا في عام 2014 مع حكومة إقليم كردستان العراق، عبر خط أنابيب كركوك - جيهان، حيث يضخ الإقليم حاليا ما يربو على نصف مليون برميل من النفط يوميا، عبر أنبوب أُنجز حديثا ويمر عبر مناطق تخضع للحزب الديمقراطى الكردستانى بزعامة مسعود البارزاني ،إلى ميناء جيهان التركي، الذى يقوم بنقله إلى الأسواق العالمية دون الرجوع إلى بغداد.

ومن جهة أخرى،تضم كركوك تجمعا تركمانيا معتبرا،له تطلعات سياسية لا تتوان تركيا عن دعمها ،حيث ترى أنقرة أن تركمان العراق الذى يبلغ تعدادهم ثلاثة ملايين نسمة بما يشكل نسبة 13٪ من مجمل سكانه، ويعتبرون كركوك عاصمة لهم،يستحقون إقليما خاصا بهم وكيانا سياديا يضمهم. وتنبعث مساعى أنقرة لحماية حقوق التركمان فى كردستان العراق من رغبة تركية جامحة فى إيجاد مخلب قط تركى داخل الإقليم، عبر إنشاء إقليم للتركمان السنة  في العراق، ووقف عمليات التكريد القسرى ضدهم، وتقويض مساعى حكومة أربيل لعزلهم عن أنقرة وتذويبهم فى إقليم كردستان، عبر سحب البساط من تحت أقدام "الجبهة التركمانية العراقية" ،المدعومة من تركيا، والتى تعد الممثل الوحيد لتركمان العراق وتعارض الفيدرالية العراقية وضم كركوك إلى حكومة إقليم كردستان، حيث أعلنت كافة الفعاليات التركمانية بكركوك ممثلة فى الهيئة التنسيقية العليا لتركمان العراق، والأحزاب التركمانية، والجبهة التركمانية العراقية ،رفض الاستفتاء مؤكدين حرصهم على وحدة العراق، وأن تقرير مصير كركوك لا يتم إلا بالتوافق بين مكوناتها، وليس على أساس فرض إرادة مكوّن واحد على المكوّنات الأخرى،إذ يعد ذلك مخالفا للدستور في مادتيه الأولى والمادة 143، فضلا عن المادة 23 من قانون 36لسنة 2008.

وفى 30 يناير 2006، صرح الرئيس العراقي حينئذ جلال طالباني، بأن إقليم كردستان العراق يعمل على وضع خطة لمنح الحكم الذاتي لتركمان العراق في المناطق التي يشكلون فيها الأغلبية ". وفى 17 يوليو/تموز الماضى، أعلنت اللجنة الأمنية بمحافظة كركوك رفضها قيام إدارة ومجلس ناحية يايجي غرب محافظة كركوك بتشكيل قوة عسكرية تركمانية مدعومة من تركيا، مشددة على التزام قوات البيشمركة والشرطة والأسايش حماية جميع مكونات سكان المحافظة.

ومع إصرار البرزانى على تجاهل الانتقادات والتحذيرات التركية والدولية، عبر المضى قدما فى إجراء الاستفتاء، لوحت تركيا بحزمة إجراءات تصعيدية عقابية حيال كردستان العراق حال إتمام الاستفتاء،كان أبرزها:التهديد بإغلاق المنافذ والمعابر الحدودية التركية مع الإقليم، ووقف التعاون الاقتصادى معه ،فضلا عن سحب القنصل التركى لدى الإقليم، وإغلاق ممثلية الإقليم لدى أنقرة . وفى مجال الطاقة،هدد وزير الطاقة التركي برات البيرق حكومة إقليم شمال العراق بـدفع ثمن إذا أصرت على إجراء الاستفتاء، الأمر الذى من شأنه أن يخنق إقليم كردستان، كون تركيا هى الرئة التى يتنفس من خلالها الإقليم الحبيس معدوم الموارد ،فمن خلالها يتم تصدير النفط الذى يعد مصدر الدخل الوحيد للإقليم ،ومعها اقترب حجم التبادل التجاري من عشرة مليارات دولار،ومن خلال نهرى دجلة والفرات النابعين من تركيا يتحصل كردستان العراق على مياه الشرب.

ولم تتورع تركيا عن التلويح بقواعدها العسكرية وقواتها المنتشرة حول الإقليم، كما بالمناورات العسكرية التى أعلن الجيش التركى إجراءها بالمنطقة الحدودية مع العراق بالتوازى مع عملياته المتواصلة ضد الجماعات المتشددة في تلك المنطقة.ولم تستنكف أنقرة عن التلميح بأن إجراء الاستفتاء كفيل بتقريب المواقف بينها وبين كل من طهران وبغداد لاتخاذ التدابير الكفيلة بالتعاطى مع ذلك التحدى.فبينما أكد رئيس الوزراء التركى، بن على  يلدريم، لنظيره العراقي، حيدر العبادي، دعم تركيا لإجراءات الحكومة المركزية العراقية للحفاظ على وحدة العراق،تباحث رئيس هيئة أركان الجيش الإيرانى بأنقرة مطلع الشهر الجارى مشاورات مع نظيره التركي، بخصوص الاستفتاء. وكما هو معروف،هناك اتفاق راسخ بين الدول الأربع التي توجد بها تجمعات كردية كبرى،كتركيا وإيران والعراق وسوريا ،على التعاون معاً، لمنع إقامة أية دولة كردية بالمنطقة.

ويبدو أن دوافع البرزانى القهرية لإجراء الاستفتاء تفوق أى تهديدات تركية ربما تفتقد لكثير من الجدية. فبرغم هلع غالبية سكان كردستان العراق، وارتفاع أسعار بعض السلع بأسواق الإقليم بمجرد إطلاق التهديدات التركية، أبى الرجل إلا المقامرة بإجراء الاستفتاء،وكأنه يعى أن ردود الأفعال التركية التصعيدية المحتملة على خطوته المثيرة ،التى حاول تهدئة المخاوف بشأنها، مؤكدا أنها ليست تمهيدا لإعلان الاستقلال أو رسم حدود الإقليم بقدر ما ترمى إلى إعادة تأطير الحوارمع بغداد، إنما تصطدم باعتبارات مهمة وحسابات معقدة.حيث تبقى أنقرة بحاجة ملحة إلى علاقات اقتصادية متنامية مع أربيل لتقليص معدلات تراجع الاقتصاد التركى المرتبك، كما لا يزال التنسيق الأمنى مع البرزانى ملحاً لتعزيز الجهود التركية الرامية إلى تقييد النفوذ الإيرانى،مناهضة حزب العمال الكردستانى ،والحيلولة دون  تأجيج ثورة أكراد تركيا.

وبينما لا يزال التخبط والتناقض يلقيان بظلالهما على تصريحات المسئولين الأتراك والكردستانيين بشأن حقيقة إغلاق حدود بلادهم بالفعل مع إقليم كردستان العراق،  ووقف أنبوب نفط كركوك - جيهان صبيحة يوم إجراء الاستفتاء،لم تكن المناورات العسكرية التركية التى تجرى على الحدود بين تركيا وإقليم كردستان وليدة هذه الأيام أو نتاج أزمة الاستفتاء،بقدر ما تم التحضير لها منذ أشهر ،فيما بدأت فعالياتها قبل ثمانية أيام من إجراء الاستفتاء،وما يتم الآن ما هو إلا مرحلتها الثالثة.وما قرار البرلمان التركى تمديد تفويضة للقوات المسلحة التركية للقيام بعمليات عسكرية فى سوريا والعراق لعام قادم، إلا  قرار تنفيذي تقليدي، فى ظل استمرار الحرب على "داعش"، ووجود تحركات عسكرية تركية فى سوريا والعراق لأغراض ربما لا تمت إلى الاستفتاء بصلة مباشرة.

وبينما آثر الفاعلون الإقليميون والدوليون عدم الإفصاح عن ردود أفعالهم العقابية المتوقعة ضد إقليم كردستان صبيحة اليوم التالى للاستفتاء، وما كاد اجتماع مجلس الأمن القومي التركى ينقضى مساء الثانى والعشرين من الشهر الجارى، والذى كثيرا ما عكف المسئولون الأتراك على تهديد البارزاني بأنه سيريه مدى حساسية وخطورة موقف أنقرة إزاء الاستفتاء، حتى بدأت تلوح فى الأفق مؤشرات التراجع والتخاذل فى الموقف التركى، حيث لم يتمخض البيان الذى أصدره المجلس قبل يومين من إجراء الاستفتاء عن إجراءات تصعيدية ملموسة، بقدر ما اكتفى بالتأكيد فقط على احتفاظ تركيا بجميع حقوقها المنبثقة من الاتفاقات الثنائية والدولية، حال إجراء الاستفتاء، الذي وصفه البيان بأنه غير مشروع وغير مقبول،كما حذر من عواقب وخيمة تنتظر شمال العراق والمنطقة بأسرها، حال إجراء الاستفتاء ،الذى توافقت على رفضه كافة الأطراف الإقليمية والدولية.

 

عن الكاتب : رئيس تحرير مجلة الديمقراطية السابق
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق