انتخابات
استفتاء كتالونيا: رفض دولي ودولة مقيدة!
2017/10/28
بقلم كرم سعيد
0
274
68
العدد :

منذ عشرينيات القرن الماضي، يبحث إقليم كتالونيا عن فرصة مواتية لتحقيق الانفصال عن الدولة الإسبانية، وحصلت المنظمات والأحزاب السياسية في الإقليم على تعاطف واسع بفعل الإجراءات الاستثنائية ضد الإقليم وثقافته في فترة حكم فرنشسكو فرانكو، الذي حكم البلاد في نهاية الحرب الأهلية الإسبانية، فألغى الحكم الذاتي للإقليم، ومنع استخدام اللغة الكتالونية، واندلعت الحرب الأهلية الإسبانية بين الجمهوريين والقوميين برئاسة الجنرال فرانكو،  للوصول إلى السلطة، وبدأت في 17 يوليو  1936 واستمرت ثلاث سنوات حتى بداية أبريل عام 1939.

وتعتبر كاتالونيا، التى تصل  مساحتها إلى نحو 30 الف كلم مربع، بالنظر إلى مواردها وتنامى معدلات الاستثمار الخارجى فيها أحد محركات الاقتصاد الإسبانى.

محاولات متكررة:

 بذل الكتالونيون جهوداً ضخمة لتحقيق حلم الاستقلال للإقليم الذي يعد مركزا اقتصاديا وسياسيا مهما، فضلا عن أنه نقطة جذب سياحية تحظى بشعبية كبيرة. كما سعى الإقليم إلى تقليص حجم الضرائب التى يدفعها للحكومة المركزية.

ولم يكن استفتاء كتالونيا الذي أجرى في 1 أكتوبر 2017 ، وجاءت 90% من الأصوات مؤيدة للاستقلال هو الأول من نوعه. ففي مارس 2006، أقر البرلمان الإسباني ميثاق حكم ذاتياً لكاتالونيا يعزز سلطات الإقليم المالية والقضائية ويصفه بـ"الأمة".غير أن  "الحزب الشعبي" المحافظ الذي يتزعمه رئيس الوزراء، ماريانو راخوي، ويحظي بتأييد محدود في كاتالونيا، قدم فى يوليو من نفس العام  طعنا بميثاق الحكم الذاتي أمام المحكمة العليا، مشيرا إلى أنه يمنح الإقليم معاملة "تفضيلية"، وهو ما دفع المحكمة الدستورية في يونيو 2010 لإلغاء  أجزاء من ميثاق 2006، معتبرة أن استخدام مصطلح "أمة" لوصف الإقليم لا ينطوى على أى "قيمة قانونية"، ورافضة الاستخدام "التفضيلي" للغة الكاتالونية في الأجهزة الإدارية والمؤسسات الإعلامية في الإقليم.

واستمر الحراك الكتالوني، فأجرى الإقليم فى 9 نوفمبر 2014 استفتاءً رمزياً، لكن مدريد اعتبرته غير دستوري. وفي 27 سبتمبر 2015، ومع صعود الأحزاب المؤيدة للاستقلال وفوزها بأغلبية المقاعد في برلمان الإقليم، تبنت في 9 نوفمبر 2015 قرارا يطلق عملية تقود إلى "دولة كاتالونية مستقلة على شكل جمهورية" بحلول عام 2017. وتضمن  القرار  “خارطة طريق" باتجاه الانفصال، تقضي بأن برلمان الإقليم لم يعد يعتبر نفسه “ملزمَا بقرارات مؤسسات الدولة الإسبانية، وخصوصا المحكمة الدستورية، كما نص القرار على بدء تحرك نيابي لإقامة إدارة مستقلة للضرائب، وأخرى للضمان الاجتماعي.

والأرجح أن زخم الانفصال زاد مع وصول كارليس بوتشيمون في 10 يناير 2016 لرئاسة إقليم كتالونيا، فأطلق في 10 أكتوبر 2017 إعلان إقليم كتالونيا التوقيع الرمزى للاستقلال، على خلفية الاستفتاء الذي شهده الإقليم في 1 أكتوبر 2017. غير أن رئيس الإقليم، كارلوس بوتشيمون، قرر تأجيل قرار الاستقلال النهائي لإتاحة الفرصة لإجراء محادثات مع مدريد بهدف التوصل إلى حل توافقى، خاصة أن حكومة مدريد تعهدت بتبنى جميع الوسائل لإبقاء إسبانيا موحدة، فسمحت الحكومة باستخدام القوة ضد المشاركين فى التصويت، كما أبطلت المحكمة الدستورية الاستفتاء، وما ترتب عليه من إجراءات.

وفى تصاعد لمنحنى الأزمة، لجأت الحكومة الإسبانية في 21 أكتوبر 2017 إلى تطبيق المادة 155 من الدستور. وطالب رئيس الوزراء الإسباني مجلس الشيوخ بتعليق مهمات حكومة كتالونيا، وحل برلمان الإقليم، والدعوة إلى انتخابات محلية خلال ستة أشهر.

وتجيز المادة 155 من الدستور الإسباني الذي أُقر في عام 1977 حق سلطات مدريد في تسلم إدارة المؤسسات فى أى إقليم أو منطقة تمر بأزمة. كما تتيح هذه المادة  التى لم يتم تفعيلها من قبل "اتخاذ الإجراءات اللازمة لحمل )المنطقة المعنية) على احترام الالتزامات" التي يفرضها الدستور، وتفرضها القوانين "مع موافقة بالغالبية المطلقة لمجلس الشيوخ"..

دوافع الاستفتاء:

يعد إقليم كتالونيا من أبرز الأقاليم المطالبة بتحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي عن الدولة الإسبانية الأم لعدة اعتبارات يرتبط أولها بالموقع الجغرافي المميز للإقليم، والموارد البشرية والاقتصادية للإقليم الذي يقطنه نحو 7 ملايين نسمة يعيش غالبيتهم في العاصمة برشلونة، التي تمثل مركزا اقتصاديا وسياسيا مهما، فضلا عن أنها نقطة جذب سياحية تحظى بشعبية كبيرة. كما يصنف الإقليم كأحد أكثر الأقاليم الإسبانية ثراء، حيث يستأثر بنحو 20% من الإنتاج الصناعي في إسبانيا، كما يشتهر الإقليم أيضا بالصناعات التقليدية، وصناعة الكيماويات والأغذية المصنعة والمعادن، فضلا عن ازدهار قطاع الخدمات.

ويرتبط الدافع الثاني بالمساهمات المالية الكبيرة لإقليم كتالونيا في ميزانية الدولة المركزية بدون أى مردود أو مقابل من الحكومة، حيث  يضخ دافعو الضرائب في كتالونيا نحو  10 مليارات يورو في خزينة الدولة، أى ما يعادل 5% من الناتج المحلي الإجمالي للإقليم الذي لا يتلقى في المقابل نصيباً بالقدر ذاته من الميزانية الاتحادية، فيما يحصل إقليم الأندلس الأقل ثراءً ومساهمة في اقتصاد البلاد على نحو 8 مليارات يورو من مدريد.

وأسهمت الحكومة المركزية في تعميق الخلاف أكثر، عندما قررت تخفيض الميزانية المخصصة لإقليم كتالونيا من الميزانية العامة للدولة في 2015 إلى 9,5%، مقارنة بـ16% كانت، هى حصة الإقليم من الموازنة العامة للحكومة المركزية في 2003.ويعتبر سكان كتالونيا أن ما يحصلون عليه من ميزانية الحكومة المركزية،  توزيعاً غير عادل للنفقات الحكومية، ولا يتماشى مع مساهمات الإقليم المالية في الميزانية المركزية.

على صعيد ذي شأن، يقف تنامى الشعورالجارف بين مواطني الإقليم بالنزعة الاستقلالية أحد دوافع الاستقلال، فبالإضافة إلى اعتزازهم بهويتهم ولغتهم الخاصة التي يدعمها الامتداد التاريخي، يرى سكان كتالونيا من مؤيدي الانفصال أنهم في الأساس أصحاب دولة مستقلة استولت عليها إسبانيا بالقوة في القرن العاشر الميلادى.

كما تزامن استفتاء كتالونيا في 1 أكتوبر 2017، مع  تراجع  حالة الاقتصاد الإسباني، وتدنى مؤشرات النمو، حيث تعانى البلاد، منذ عام 2008 أزمة اقتصادية ومالية خانقة وضعته في مصاف الدول المتعثرة اقتصاديا في الاتحاد الأوروبي بعد كل من اليونان والبرتغال من حيث تزايد حجم الديون وتراجع معدلات النمو الاقتصادي لأقل من 2%، بعد أن كان يتراوح بين 4 و5% خلال الفترة بين أعوام 2000 و2007.

فوق ما سبق، أدى صعود الأحزاب الشعبوية حديثة العهد في إقليم كتالونيا إلى تسريع وتيرة مطالب الانفصال، ومنهاحزب بوديموس (نحن قادرون)، وسيودادانوس (المواطنون الليبراليون(.

 لكن في المقابل، ثمة أحزاب يمينية في إسبانيا تعارض التوجه الانفصالي لكتالونيا والباسك وغيرها، وفى الصدارة منها حزب فوكس الذى تأسس فى عام 2014 برئاسة سانتيجاجو اباسكال. ويدعو الحزب إلى إجراء إصلاحات دستورية تزيل سلطات الحكم الذاتي التي تتمتع بهما كتالونيا والباسك، وهناك جماعة بيت مدريد، وهى تضم فى عضويتها نحو 150 عضواً، وإن كان البعض يعتبرها غير مؤثرة بالنظر إلى ضعف عضويتها، فضلاً عن أنها غير مسجلة ككيان سياسى رسمى.

معوقات الانفصال:

على الرغم من أن نتائج الاستفتاء في كتالونيا كرست خيار الاستقلال عن مدريد، فإن هذا لا يعنى الإعلان رسمياً عن ولادة دولة كتالونيا، ولا يمكن ترجمة نتائج الاستفتاء على الأرض من الناحية القانونية والسياسية والإدارية.

والأرجح أن ثمة معوقات تقف حجر عثرة أمام تحقيق استقلال كتالونيا، أولها معارضة الحكومة المركزية التى ترى عملية الاستفتاء غير شرعية، وانتهاكاً لدستور البلاد، وتهديداً للأمن القومي للبلاد. وفى هذا السياق أصدرت المحكمة الدستورية العليا قراراً يبطل عملية الاستفتاء، كما قامت الشرطة الإسبانية باعتقال نواب البرلمان المحلى الكتالوني المنتخبين ديمقراطياً.وفى خطوة سابقة، فرضت الحكومة الفيدرالية ضوابط ورقابة صرامة على نفقات الإقليم فى سبتمبر 2017.  

فى المقابل، تشير كل ردود فعل القوى السياسية  فى الداخل الإسبانى- على اختلاف توجهاتها- إلى رفض الاستفتاء والانفصال باستثناء إقليم الباسك الذي دعا رئيسه "إينيو أوركولو" الحكومة الإسبانية إلى الاعتراف بسكان كتالونيا والباسك، والسماح لهما بإجراء استفتاء تقرير المصير، وفق نموذجي أسكتلندا وكيبك.

وترتبط المعضلة الثانية لتحقيق الاستقلال بعدد من الضوابط الدستورية التي تمنع التجزئة. فعملية الانفصال تتعارض مع  الدستور الإسباني في فصله الثاني الذي يؤكد الوحدة المتماسكة للأمة.. ولا يقبل التجزئة، بينما يعترف للقوميات والمناطق التي تشكله بحق الحكم الذاتي.. فيما تشير المادة 153 من الدستور على أن المحكمة الدستورية تضطلع بمهمة مراقبة أجهزة مناطق الحكم الذاتي ومدى دستورية القوانين الصادرة عنه برلماناتها المحلية، أما المادة 155  فتقضى بأنه حال عدم التزام منطقة الحكم الذاتي بالواجبات التي يفرضها الدستور، يمكن للحكومة، بعد إشعار رئيس المنطقة، وتصديق الأغلبية المطلقة لمجلس الشيوخ، اتخاذ التدابير الضرورية لإلزام المنطقة بالقيام الإجباري بالواجبات المفروضة عليها قانوناً.

أما التحدي الثالث فيرتبط برفض المحيطين الدولي والإقليمى لعملية استقلال كتالونيا. فعلى سبيل المثال أكدت المفوضية الأوروبية أنها تنتظر "احتراماً كاملاً للنظام الدستوري في إسبانيا"، وأضافت في بيان لها أنها "تدعم الجهود التي تبذل في سبيل تخطى الانقسامات والانشقاقات، من أجل ضمان وحدة  واحترام دستور إسبانيا".

وتشير ردود الفعل الدولية إلى رفض  استقلال الإقليم عن حكومة مدريد، خاصة أنه قد يفتح الباب واسعاً أمام تصاعد الحركات الانفصالية في القارة العجوز، ناهيك عن أن مسألة اندماج كتالونيا في القارة الأوروبية - حال انفصالها- تعد مسألة صعبة، كما هو الشأن بالنسبة لإسكتلندا. فالاتحاد الأوروبي يؤكد أن انفصال أي منطقة عن دولة من دول الاتحاد تعني بالضرورة إقصاء هذه المنطقة من العائلة الأوروبية التي تضم 28 دولة.

لذلك، ليس متوقعاً أن يسفر استفتاء كتالونيا الذي حصد "نعم" عن تحقيق اختراق لقضية الاستقلال أو تجاوز الخلافات مع الحكومة المركزية، كما أنه لن يكون من السهل على إقليم كتالونيا، بكل ما يملكه من أدوات وأوراق، تفكيك الدولة الإسبانية وهياكلها المؤسساتية، أو إقناع محيطه الدولي بدولة قد تُولد مقيدة ومشوهة.

تداعيات الانفصال

تكشف جهود إقليم كتالونيا للانفصال عن السلطة المركزية فى مدريد عن أن المحرك الاقتصادى هو الأهم في توجهه نحو الاستقلال، وإذا كان عامل الهوية حاضراً فى المشهد، فإن الأوضاع الاقتصادية تظل هى المحرك والدافع الأهم.

والأرجح أن ثمة تداعيات سلبية قد تلقى بظلاها على إسبانيا، حال تحقيق الاستقلال للإقليم. فإضافة إلى خسارة الدولة المركزية جزءاً مهماً من مساحتها الجغرافية، فيتوقع أن تفقد إسبانيا نحو 6% من مساحتها الجغرافية-، وهى مساحة الإقليم- وأكثر من 14% من مجموع سكانها، ناهيك عن خسارة البلاد من الناحية الاقتصادية نحو 26% من صادرات إسبانيا التى تُصنع في إقليم كتالونيا، وتصدر إلى الخارج عن طريق الإقليم نفسه، كما أن كتالونيا تضم عدد واسع من كبرى الشركات الإسبانية والشركات متعددة الجنسية.

القصد إن توجهات الاستقلال فى الإقليم، التى تستند بالأساس على محرك الاقتصاد، قد لا تنجح فى بناء دولة مستقلة، في ظل رفض الداخل وحذر الخارج، وإذا ما حانت الفرصة لتحقيق حلم كتالونيا بالانفصال، فقد تكون دولتهم الوليدة مقيدة ومشوهة.

عن الكاتب : باحث بمجلة الديمقراطية
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق