صحف و دوريات
الهوية وعلاقتها بالاستعصاء الديموقراطي/ معتز حيسو
2017/11/12
0
146
68
العدد :

معتز حيسو

الحياة

11/11/2017

الهوية وعلاقتها بالاستعصاء الديموقراطي

يشكّل تزامن انتشار مظاهر العنف وتحوّله إلى قيمة معيارية، مع تراجع تأثير القوى السياسية المحمولة على قوى اجتماعية مدنية، واستمرار احتمال تحلل مركزية الدولة السورية، إضافة إلى تصدّع السلطة، مجالاً خصباً لظهور أشكال متعددة ومختلفة من التطرف والتعصب المتمحور حول الذات، والاستقطابات المحمولة على تجليات دون وطنية. ما يهدد بانهيار «الاستقرار الاجتماعي» المفروض بأشكال سلطوية، وتشظي الهوية «الوطنية الجامعة» التي لم ترتق يوماً إلى هوية جامعة للسوريين كافة. وتدلل على ذلك تصدّعات متنوعة تظهر تجلياتها على سطح العلاقات الاجتماعية، وبين المكونات السورية. ولذلك علاقة بتباين المواقف السياسية المتعلقة بتركيبة السلطة وطبيعة الدولة، وأخرى تتعلق بهويات مجتمعية تحوّلت في سياق المقتلة السورية إلى عقائد ومذاهب عصبوية مغلقة على ذاتها.

إنَّ الارتكاس إلى هويات قبل وطنية يترك آثاره الواضحة على طبيعة التحولات والتغيرات السياسية والجيو سياسية وأيضاً الاجتماعية. ولذلك علاقة بطبيعة وآليات اشتغال النظام السياسية والميول الدولية، وأيضاً بأوضاع وبنية وآليات التفكير السائدة والمتوارثة. ونشير في السياق ذاته إلى أن جذور تلك الظواهر وأسباب استمرارها لم يتم القطع معها قبل الأزمة السورية الراهنة. فالسلطة السياسة لم تُنجز بناء هوية سورية جامعة، ولم تكلف نفسها عناء وضع المقدمات اللازمة لإقامة القطع الإبيستمولوجي والسياسي مع أسس التفكير الهوياتية وتموضعاته المجتمعية. أكثر من ذلك فإن آليات اشتغالها السياسية أسست لتأبيد تلك الهويات واستمرار التباين والتناقض في ما بينها. فتغييب قضايا المواطنة والحقوق الأساسية الفردية منها والمتعلقة بالفئات الاجتماعية المتنوعة والمختلفة، إضافة إلى القمع السياسي واحتكار المجال العام، ما زالت تشكل مدخلاً إلى حشر الفرد ضمن أطر هوياتية ضيقة ومغلقة. ما يعني نشوء آليات تفكير تتماهى مع ذات الهوية وتُعبّر عنها. ويفاقم من أخطار إعادة إنتاج وتجديد أشكال الوعي الهوياتي، ارتباط النزعات الهوياتية وفي شكل خاص المتطرفة منها والعنفية بالميول الدولية والإقليمية الاستقطابية التي تدفع حتى اللحظة إلى توظيف الهويات الصغرى سياسياً، وذلك بهدف تحطيم الدولة المركزية واستبدالها بكانتونات إثنية، عرقية، مذهبية...

وإذا كانت أطراف من المعارضة المسلحة المعتدلة منها وغير المعتدلة تنظر إلى مواقف بعض المكونات الاجتماعية والسياسية على أنها معادية لـ «الثورة» ولقضايا السوريين الوطنية، فإن السلطة وانطلاقاً من مواقفها الإقصائيه تتعامل مع المكونات غير العربية والتجمعات السياسية والطائفية والدينية والمذهبية والجهوية غير المندمجة بمشروعها السياسي، على أنها خارج المتحد الوطني، ولا تعدو كونها أدوات وظيفية تخدم مشاريع قوى خارجية. وجميعها عوامل أسست لارتفاع منسوب الاستقطاب الاجتماعي والتناقضي السياسي الجبهي، واستبدال الشرعية السياسية السورية بأخرى خارجية استغلت الأوضاع والتناقضات الداخلية لتفكيك وحدة المجتمع والدولة، وتمكين النزعات الفيدرالية، والانفصالية، وهدر موارد الدولة وثرواتها الاقتصادية والبشرية.

نشير أخيراً إلى أنَّ إعادة إنتاج النزعات الهوياتية، وتحميل التحولات السياسية على قوى إثنية وطائفية وجهوية، تفاقم حال الاستعصاء الديموقراطي، وتدفع بميول التحولات الديموقراطية المحمولة على قوى سياسية ومدنية إلى حال من انسداد الأفق السياسي. ما يشكل خطورة واضحة على مستقبل الأوضاع الاجتماعية والسياسية. كذلك فإن آليات اشتغال السلطة الإقصائية والقهرية والميول الدولية المتداخلة والمتناقضة في آن تشكل أحد أخطر عوامل الاستعصاء الديموقراطي. وتتداخل العوامل المذكورة مع أزمات وتناقضات بنيوية تعاني منها المعارضات المتلبرلة، وأخرى تتعلق بميول انفصالية، وجميعها عوامل تدفع لإعادة إنتاج الهويات الصغرى على أسس سياسية وظيفية، تؤسس لإقامة أطر كانتونية متصارعة ومنقسمة على ذاتها. ما يعني دفع السوريين إلى حقل لجّة الصراعات الهوياتية.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق