رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مكتبة الديمقراطية

سيكولوجية الصراع السياسي .. نقد آليات التشويه والاستقطاب (دراسة فى علم النفس السياسى)

د. حاتم الجوهرى

دار العين للنشر – القاهرة – 2017

 

تأتى أهمية هذه الدراسة من ظاهرة "الاستقطاب والتصارع السياسى"، تلك الأزمة المحورية وما يصحبها من آليات تستخدم طرق التشويه والاستقطاب النفسى والحيل للتأثير فى العقول والرأى العام. فهى تجمع بين "علم السياسة" و"علم النفس"، وتقوم على رصد العلاقة والتدافع البشرى الأزلى وآلياته فى المجتمع بين الانتهازيين دعاة تغليب المصلحة الشخصية والفردية، والموضوعيين أو دعاة المصلحة الجماعية وتغليب المعايير العادلة التى تعطى لكل ذى حق حقه.

تلقى الدراسة الضوء على مواكبة الظرفية التاريخية، وتطرح الحلول لقضية غياب المعايير وحضور آليات التشويه والاستقطاب واللعب على العقول كأداة للفرز والصراع السياسى، خاصة أن البلاد فى مرحلة انتقالية وصراع بين منظومة قيم جديدة تتشكل، ومنظومة قيم قديمة تتشبث بسياقها التاريخى. من جانب ما، تُجسد الدراسة الصراع بين "بنية سياسية عميقة" و"بنية سياسية وليدة" تكتسب الخبرة واليقين، حيث تنشأ لدى الشعوب التى تتعرض للقهر والاستبداد لفترات ممتدة من الزمن منظومة قيم سلوكية وسيكولوجية تقوم على "التكيف" والانتهازية، والتنميط الإنسانى، والاتباع والتقليد لـ"النمط السائد"، أيا كان هذا النمط وشكله، كما تحضر الفردية و"المصلحة الشخصية" والانتهازية، وتغيب الجماعة، والاهتمام بـ"المصلحة العامة" والمعايير الموضوعية، حيث يتحول الإنسان فى هذا المجتمع لفكرة الدوافع الفردية والذاتية، ويرتد لمرحلة الغرائزية البحتة على معظم المستويات، ويكتسب الفرد لامبالاة شديدة تجاه المصلحة العامة وفكرة الأخلاق والمثل العليا والمعايير الموضوعية والعلمية، ويختبئ وراء نمط سلوكى ونفسى دفاعى شائع يختصر الاهتمام بالجماعة فى شعارات وأفكار أحادية وسطحية، يروجها "العقل الجمعى" الموروث والمتكيف كقيم مستقر عليها فى هذا المجتمع، مقابل تشويه المغاير وتهميشه ومحاولة تنميطه وتدجينه.

فبعد إزاحة عدة أنظمة سياسية بطرق لم يعتدها المشهد المصرى، اعتمدت هذه الأنظمة، غالبا، على خلق "استقطاب حدى" يقسم المجتمع إلى كتلتين، إما مع أو ضد! ولا يترك مساحة لرأى ثالث حتى ولو كان أقرب للتغيير ولفكرة الثورة. وعادة ما يكون الاستقطاب المعلن منذ اندلاع الثورة المصرية عام 2011 حول أحد مستويات الهوية الإنسانية الكبرى، مثل الدين، والوطنية، والانتماءات السياسية .. الخ. لكن الأزمة فى لجوء المتصارعين لآليات التشويه وغياب المعايير والموضوعية، فظهرت داخل المجتمع حالة من الكآبة واللامبالاة والرفض للمشاركة المجتمعية لتتزايد فى كل مرة، لتستمر دوامة انتقال البلاد وإشغالها من "استقطاب" إلى "استقطاب" جديد، دون مواجهة لمشاكل البلاد الحقيقية. فيما قد يقول البعض إن الغرض الأساسى من هذه الاستقطابات المتتالية هو الهروب من مطالب التغيير، عبر توظيف "البنية السياسية" الرسمية لكتل سياسية متصارعة لا ترى سوى أسفل قدميها، ولا تملك مقدرة على الخروج عن سياقها التاريخى الضيق وأزماتها الذاتية.

جدل الثورة والإصلاح

النظام السياسى لأى مجتمع معاصر يقوم على وجود وجهين، سلطة ومعارضة، السلطة تمثل النظام، والمعارضة تسعى لإصلاح النظام من داخله. لذا عند مستوى من المستويات السياسية قد تُحسب المعارضة إحدى أهم أبنية النظام، والتى تدافع عن فرصتها فى إصلاحه والوصول للسلطة من خلال نفس القواعد الحاكمة للنظام.

لكن هناك بعض الإصلاحيين من المؤمنين بالثورة داخل أحزاب وفصائل المعارضة، ممن يقولون إن الإصلاحيين يقومون بتكتيك للوصول للثورة، ويعارض من داخل النظام حتى يصل لمرحلة معينة تمكنه من إسقاطه وبناء نظام جديد. ولكن المشكلة عند هؤلاء الإصلاحيين أن رهانه على طريقته فى العمل السياسى قد يقف بالمرصاد لطرق تغيير النظام من خلال آليات أكثر ثورية. فإذا لم يتصف هؤلاء الإصلاحيون بالنقاء الثورى، والقدرة المستمرة والمتجددة على الاندماج، واكتساب وتبنى طرق مغايرة فى أوقات بعينها، فإن وجود هؤلاء فى المشهد السياسى يعد ثقلا على عاتق الثوار، وقد يحسب بالطبع إضافة لجانب النظام القديم والمدافعين عنه.

مفهوم الانتهازية والعمل السياسى

يشير د. حاتم الجوهرى فى تعريفه المباشر لمفردة السياسى فى أبسط صورها التطبيقية بأنه الشخص الذى يسعى للوصول للحكم لتنفيذ برنامج أو أسلوب معين لإدارة شئون البلاد. أما تعريفه للسياسى الانتهازى، فإنه لابد أن يتوافر به ثلاثة شروط، ولكن ليس كل من يتوافر به الشروط الثلاثة يكون بالضرورة يقع داخل نطاق مصطلح "السياسى الانتهازى المسيطر تنظيميا"، وإلا كان كل رجال السياسة المصريين المخلصين والأنقياء، والذين قد يصابون ببعض الخلط أو الجمود غير القصدى، قد وقعوا داخل نطاق المصطلح. فلابد للسياسى الانتهازى من أن يتوافر به الشروط الثلاثة، ولكن ليس كل من توافروا به يُعد سياسيا انتهازيا، وتكون أساليب الممارسة والحركة والأداء فى هذه الشروط الثلاثة وفسادها هى التى تحدد انتهازية السياسى من عدمه، وتفصل بين صاحب المبدأ وصاحب المنفعة. والشروط الثلاثة التى يجب أن تتوافر فى الشخص السياسى المنظم، والتى تميل به فى تطبيقها نحو الانتهازية هى:

-       أن يكون لديه برنامج مرفوع وخطة وقالب معد مسبقا – يراهن عليه دون غيره – وشكل جاهز وثابت ومسمى معلن للحكم، وتتحول لديه الوسيلة أو طريقة التغيير إلى "مقدس" أو "دوجما" يدافع عنها و"تابو" يرفض أن يناقشه فيه أحد. وشيئا فشيئا ينسى هدفه الأساسى المفترض أن يقوم على إصلاح ونهضة بلاده وأمته ورفع رايتها باستخدام أى وسيلة أو آلية تخضع للتجربة وتحقق الهدف.

-       أن يسعى للوصول للسلطة والجلوس على مقعد الحكم كغاية فى حد ذاتها، وتتداخل مصالح الأفراد مع مصالح التنظيم، وتتداخل المصالح الشخصية مع المبادئ السياسية المعلنة، وتتحول مجموعة التنظيم إلى "مجموعة مصالح" تدافع عن مصالح أفرادها ومشاكلها.

-       أن يكون عضوا عاملا ونشطا فى أحد الأحزاب المرخصة من قبل الحكومة أو التنظيمات غير المرخصة (ضرورة وجود التنظيم الذى تتشكل حوله المصالح).

الثورة بين التشويه والاستقطاب .. معامل الرفض القيمى وأسباب الحرية

تعرضت الثورة المصرية لجميع محاولات الاحتواء والسيطرة، بداية من آليات الاستقطاب ومحاولات الدمج والتسكين فى النظام الاجتماعى المصرى بمختلف مستوياته، وصولا إلى محاولات التشويه، وكذلك التحييد والتمييع. وتقوم الفكرة الرئيسية تاريخيا عند الأنظمة الحاكمة وبنيتها الموروثة على ربط الثورة عليها بفكرة الخسارة، وسوء الحال، وضياع الرزق، وتهديد النفوس، ويحاول الاستبداد الذى يحتكر السلطة أن يجعل نمط حياة الثوار ومنظومة القيم الجديدة صعبا على الإتباع، لتكون السيادة لمنظومة قيم التكيف والخضوع التى يفرضها، ومن ثم "يؤثر التكيف مع ظروف الحياة فى أولويات القيم بصورة أساسية عبر آليتين – التأقلم والتعويض – أى أنهما يشكلان أولويات قيمهما، بحيث تتلاءم القيم مع احتمالات التعزيز التى تقدمها ظروف حياتهم. إنهم يرفعون من أهمية القيم التى يمكن الوصول إليها بيسر، ويخفضون من أهمية القيم التى يرون أن الطريق إليها مسدود"، حيث تقوم الفكرة الأساسية لخلق التكيف وتنميط الناس على مميزات "الدمج والتسكين" الاجتماعى لمن خضع وتكيف مع الاستبداد من جهة، مقابل "الحرمان والاستبعاد" لمن ثار وطالب بالعدل والحرية والحق والكرامة ومطالب "منظومة القيم الإنسانية العليا" كافة من جهة أخرى.

  ربط الثورة بالخسارة والخراب  

الفكرة الأساسية عبر التاريخ لدى الأنظمة المستبدة المحتكرة للسلطة وتوزيع المصالح بالمجتمع هى الربط بين الثورة ومنظومة القيم البديلة والخسارة والخراب وسوء الحال من جانب آخر، وذلك يكون على جميع المستويات الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية. فيقال إن الثورة هى السبب فى غياب الاستقرار والأمن ومختلف الخدمات المعتاد تقديمها للشعب، لكن الحقيقة أن مظاهر الخسارة والخراب وسوء الحال تكون رد فعل متعمداً من البنية السياسية الحاكمة، بهدف فض الناس من الالتفاف حول فكرة التمرد الوليدة. فلو كان ثمن التمرد والثورة سهلا وفى المستطاع، لما استتب الحال واستقر للسلطان السياسى فى مصر عبر آلاف السنين، وعادة ما يدرك العامة قيمة الثورة حينما تنجح وتظهر ثمار الشعارات الكبرى التى ترفعها، حيث تقتضى طبيعة الأمور أن "الزعماء هم الذين يرفعون الشعارات ، مثل الحرية، والمساواة، والاستقلال .. وما إلى ذلك، وربما لا يلتفت العامة إلى هذه الأهداف الكبرى إلا بعد نجاح الثورة، وتجاوز حالات الغضب والغليان".

مفارقة الثورة والجيش

لم يكن للثوار فى 25 يناير مآخذ على دور الجيش المصرى فى الحال السياسى الذى كانت البلاد قد وصلت إليه، وكان معظم الشعب المصرى يعرف حالة السخط بين المجندين، وبين المخلصين من العسكريين على ما وصلت له البلاد سياسيا وعسكريا. فللجيش المصرى مكانة محفوظة فى التاريخ المصرى الحديث على المستويين العربى والداخلى، فكانت انتفاضته العربية لأجل فلسطين عام 1948 إشارة مبكرة لتمرده فى 1952، وفى اليمن فى الستينيات، كانت إشارة للخطر وضرورة تحجيم طموح دولة عبد الناصر، ذلك الخطر الذى تمثل فى حرب 1967، ولكنه كان الجيش الوطنى الشعبى فى حرب السويس عام 1956، وكان جيش الكرامة والنصر فى حرب أكتوبر عام 1973 .. اختصارا فى يوم 25 يناير كان الجيش يقف وراء تاريخ من التداخل واللُّحمة مع الشعب المصرى والعربى.

28 يناير سقوط النظام والأزمة

وفى 28 يناير، سقط النظام المصرى كاملا، وتم إحراق الرمز السياسى للحزب الحاكم "الحزب الوطنى" فى كل ربوع البلاد وأنحائها، وانتفض الناس فى وجه القوات الشرطية التى جاءت لها الأوامر بالتصدى للمواطنين وقمعهم بكل الأسلحة، لتكون الحصيلة مهاجمة وحصار بعض تلك المقرات خاصة التى كانت تتورط مباشرة – وفق الأوامر – فى مهاجمة الناس، لتصبح الحصيلة فى نهاية يوم 25 يناير هى اختفاء تام للنظام المصرى سياسيا وأمنيا، ونزول قوات الجيش للشارع التى استقبلها الثوار بهتاف ذكى ومعبر للغاية: الجيش والشعب إيد واحدة. فى ذلك اليوم، ومع نزول قوات الجيش، انتهى النظام المصرى لحسنى مبارك فعليا، وأصبحت الكرة فى ملعب القيادة العسكرية للجيش التى وقعت بين نارين: امتصاص غضبة الشارع، ودورها وتشابكها الشديد مع النظام من حيث شبكة المصالح، والبنية السياسية، والاجتماعية، والتاريخية للمشهد.

كيف تنتصر الثورة فى معركة التشويه والاستقطاب؟

الثورة هى أحد تمثلات الوجود الإنسانى، قد يرغب الجميع فى التصدى لها وتحمُّل مسئوليتها، وقد ينسحب عليها ما ينسحب على معظم مساحات الوجود الإنسانى من غيرة وحقد وتدافع ورغبة فى الظهور، وإعلاء الفردى والذاتى على حساب الجماعة ومعايير وسمات تحمل المسئولية، وقد يتم استقطاب البعض وإغرائه ببعض المكاسب الفردية ليتم توظيفه سياسياً من جانب البنية السياسية للنظام القديم، أو قد يتم تشويه البعض من خلال جره لمعركة جانبية، واستثارة حفيظته، وعدم ثباته النفسى ليشتبك، ويخسره الرافد العام للثورة.

لكن ما بين الاستقطاب والتشويه السياسى من جهة، والصراع مع الذاتى والنفعى والجماعى والموضوعى من جهة أخرى، تكمن مهارات انتصار دعاة "المثل الإنسانية العليا"، ورفض "منظومة قيم التكيف"، وهذه المهارات يجب أن يمتلكها الأفراد الذين يتحملون المسئولية السياسية للثورة ومنظومة القيم البديلة.

 

 

 

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 74 أبريل 2019

افتتاحية العدد

! أنتم لا تمثلوننا د. هناء عبيد

لم يعد حديث الأزمة خافتا أو مترددا، كما لم يعد مقتصرا على صعود شخص للحكم هنا أو هناك. أصبحت أزمة الديمقراطية التمثيلية واضحة فى معاقلها قبل منافسيها من النماذج.

الأعداد السابقة