صحف و دوريات
اليمن: الإمعان في الحرب وإدارة العنف بأبخس الأثمان/ فارع المسلمي
2017/12/06
0
140
68
العدد :

فارع المسلمي

السفير العربي

5/12/2017

اليمن: الإمعان في الحرب وإدارة العنف بأبخس الأثمان

مقابلة لإذاعة الوضع أجرتها نهلة الشهالمع الباحث فارع المسلمي، الكاتب في السفير العربي وأحد مؤسسي "مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية". أجريت بتاريخ 7 تشرين الأول 2016، ونشرت في السفير العربي على ثلاثة أجزاء. هنا استعادة للمقابلة كاملة..

 استطالت الحرب وأدت لكوارث دون وجود أفق لتوقّفها، ما يحمل معه مخاطر بدمار البلد: جرى نقل البنك المركزي من صنعاء إلى عدن، وتعثّرت كل محاولات التفاوض حول حلّ ما للوضع العنيف في البلد.. ما هو موضوع نقل البنك المركزي من صنعاء؟

 نُقِل البنك المركزي بعد ما يُقارب 20 شهراً من التدخل السعودي في اليمن وما يقارب العامين من انقلاب الحوثيين على السلطة قبل ذلك.. وجدت الكثير من الأطراف المحلية والإقليمية أن البنك المركزي هو السلاح الأكثر فتكاً حالياً لتقطيع أوصال الحوثيين، وهذه وجهة النظر تتشارك فيها الحكومة اليمنية في المنفى بقيادة الرئيس هادي وبعض القوى الإقليمية التي تدفع به وتقاتل معه. الخطوة وسيلة تؤدي بالمعنى الواسع إلى حرق اليمن، والأثر المباشر الذي تحدثه على حياة اليمنيين هو أكبر بكثير من أي أذى يتعرّض له الحوثيون وصالح جراءها. فالخطوة تقطع أوصال اليمن واليمنيين وليس أوصال الحوثيين. أولاً، صحيح أن هناك مبلغ بسيط جداً يستطيع أن يحصل عليه الحوثيون من الاعتمادات المالية، لكن هناك بالمعنى الواسع موارد مالية هائلة لهم خارج إطار البنك المركزي، وهذه يمكن قصقصتها من دون أذيّة اليمنيين بشكل مباشر. ثانياً، حتى السوق السوداء التي يكسب منها الحوثيّون عشرات ملايين الدولارات يمكن مواجهتها بدلاً من مواجهة البنك المركزي. بمعنى آخر، خلال عامين من الحرب في اليمن، كان البنك المركزي هو آخر مؤسسة تجمع الجمهورية اليمنية وآخر مؤسسة تتعامل مع عدن وصنعاء (لكن كان هناك مشكلة مع مأرب أنها لم تحول الواردات للبنك المركزي ولم تحصل على مستحقّاتها بناء على ذلك).

بالنسبة لبقية المحافظات، بقيت هذه المؤسسة شريان الدولة في اليمن وآخر مخطوطة لها. تفكيكها هو بداية لانهيار الدولة وتفتيتها بالشكل العام. ثالثاً، الظروف والقدرات الحكومية كانت غير قادرة على إدارتها ولا تزال كذلك، بعد عام من تحرير عدن، والرئيس في الخارج، وإذا كانت عدن جاهزة لنقل البنك إليها فلينتقل لها الرئيس والحكومة أوّلاً بشكل كامل ودائم. إضافة إلى هذا كله فما يقارب 21 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة.. لقد جرى تفكيك الثقة الدولية بالمؤسسة المالية الوحيدة في اليمن. تحارب اللبنانيون 15 سنة، لكن لم تمسّ المؤسسة المالية. على أي حال في نهاية المطاف خطوة نقل البنك المركزي تؤدّي إلى إطالة الحرب وهي خطوة غير مدروسة، وخاصة إذا ما قورن بين القيادة الجديدة والقيادة السابقة للبنك التي كانت تتمتع بثقة محلية ودولية مهمة وبنزاهة، وهي من العملات النادرة في بلد كاليمن. إضافة إلى كل هذا تؤسس الخطوة إلى زيادة الدور الإقليمي والخارجي والدور الدولي في اليمن، لأنّها في النهاية تسحب الأزمة من أيدي اليمنيين. وفي معناها العام، فالخطوة تعبر عن عدم مسؤولية في أحسن الأحوال من قبل قيادة هادي..

 هل دُرست أو وُزنت أم أنها تأتي من ضمن الأشياء التي هي أوّلاً رمزية ومن جهة ثانية كيدية؟

 هي كيدية. لكنك قد تكايد أحياناً بإطلاق الرصاص على قدمك ولا تكايد بإطلاق الرصاص على قلبك. وبخصوص مسألة إن كانت مدروسة ، فنقل البنك المركزي هو كخيار الحرب ليس مدروساً، ولم يُتخذ لأسباب يمنية أو لتحسين وضع اليمنيين. وهي تمسّ الحلقة الأضعف في هذه المعادلة العسكرية والحربية كلها (أي مسألة حياة المواطن اليمني)، وتمّ التعامل معها بخفة. شخص مثل علي عبد الله صالح مثلاً، تقول الأمم المتحدة أنّ لديه ثروات ما بين 30 و60 مليار دولار، فماذا سيكسب أو يخسر من حجز البنك المركزي؟ 10 أو 20 أو 30 أو مئة مليون دولار؟ يمكن قصقصة أجنحة هذا الرجل إذا كنت جاداً في مواجهته، من دون قصقصة أجنحة اليمن. هذه مشكلة الحرب: هناك الكثير من المسببات والأدوات التي أدّت لهذه النتيجة، ولكن تمّ تجاهل هذه الأسباب سواء داخلياً أو محلياً أو إقليمياً، والقفز كما العادة إلى إجراءات لا تؤذي إلا الناس.

قصة أخرى للدلالة على الوضع: قبل شهرين، كان هناك اجتماع لمجلس حقوق للإنسان في جنيف، والعام الماضي حصل الاجتماع نفسه. تقدمت هولندا ومجموعة من الدول الأوروبية بمشروع تشكيل لجنة تحقيق دولي لانتهاكات الحرب في اليمن، حيث تنافس الحوثيون والسعودية على ارتكاب جرائم حرب مختلفة وعلى انتهاك حقوق الإنسان، وكلّهم تفنّن في هذه الانتهاكات.. على أي حال كان هناك مقترح لتشكيل لجنة حقيقية، هي الرّهان الوحيد لانتصار ضحايا الحرب ولتحقيق العدالة لليمنيين بالشكل الأدنى - حتى لا نكون ساذجين ونقول أنها تمأسس لمرحلة العدالة. عملت الحكومة اليمنية في جنيف ببعثات على منع تشكيل لجنة التحقيق الدولية وإفشال المقترح، بل قامت بتسفيه مطلب تشكيل اللجنة بتشكيل لجنة وطنية، هي تعرف جيداً أنها عديمة المعنى وتعرف أنها من دون سلطة وليس لها قوة أخلاقية وتمّ تشكيلها للاحتيال على تشكيل لجنة تحقيق دولية.

إذا كانت الحكومة تتحدث عن الحصار الدامي الذي تتعرض له تعز مثلاً، وهذا حقيقي فالحوثيون وصالح خنقوا تعز العام الماضي وارتكبوا جرائم حرب وارتكبوا كثيراً من الأمور البشعة في تعز وسواها، لكن لا يمكن الانتصار لتعز في هذه الحالة ووضع حد لهذه الانتهاكات إلا بتشكيل لجنة تحقيق دولية تشكل رادعاً على الأقل. الحكومة منعت تشكيل اللجنة، وهي تريد أولاً أن تحمي الغطاء الأكبر لها أي السعودية، متجاهلة  أن هذا يفقدها القيمة الشرعية الأخلاقية البسيطة المتمثلة في أنّها تمثل كل اليمنيين وليس بعض اليمنيين. وهذه نقطة جوهرية في موضوعة الشرعية. لكن أهمّ من هذا كله أنّها دافعت عن انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، مما يمكننا من القول إنّها حَمَت وحصّنت الحوثيين. هذه المقاربة مهمة، لأنّها تثبت أن هذه الحرب ليست من أجل اليمنيين ولا يمكن أن تكون من أجل اليمنيين.

 هناك مسألة سبق أن تناولناها في السفير العربي هي اتّهامكم، أنت وعدد من الشبان والشابات، بنعت يُقصد منه التشنيع وهو أنكم "محايدون"، والمحايدة في هذه الحالة تبدو وكأنها خيانة، وكأنها تخلٍ عن البلد، فيما أنت تشير إلى أن هذه الحرب بكل مفرداتها وأطرافها هي حرب مدمّرة وعبثية ولن يكون لها مخرج أو حلّ من داخلها..

 إن كان خيانة لهذه الحرب فهو شرف لكثير من الناس، أن تكون محايداً عن سوءَين لا يختلفان إلا بدرجة معيّنة. هذا أمرٌ لا يجب الدفاع عنه أو تفسيره. نحن في وضع ، بالمنطقة بشكل عام وليس في اليمن فقط، لا يوجد فيه أبيض وأسود، ولا يوجد خيار بين خطأ وصح، بل بين خطأ وخطأ آخر بالمعنى المباشر. لكن بالمعنى السياسي، نحن نعتقد أنّ هناك وضعاً في اليمن، هذا البلد الذي عاش ثورة شعبية عارمة في 2011 و2012 لعلها أكثر الثورات سلمية في المنطقة. ما تمّ حينها من سياقات، بقيادة كلّ هذه الأطراف، سواء الرئيس هادي أو حلفاء من الثورة من الإخوان المسلمين، أو برعاية مجلس التعاون الخليجي والأمم المتحدة، كان عملاً ممنهجاً لفكفكة اليمن، وكان سياقاً مختلاً ليحاول منع الانتقال باليمن إلى وضع مختلف.. بمعنى آخر، هذه الحرب التي تجري في اليمن هي نتيجة طبيعية لمجموعة من السياقات السياسية التي حلّت خلال السنوات الثلاث، وهي لم تقع من السماء.. هناك جزئيات: مثلاً إسقاط صنعاء من قبل الحوثيين، وهذه جزئية مهمّة. تمّ ذلك برعاية إقليمية، وتمّ ذلك برعاية من الرئيس في صنعاء، وبتواطؤ من الكثير من الأطراف الغربية والإقليمية التي كانت لها حساباتها المعينة لإسقاط صنعاء. يمكن للمرء أن يُجادل حول حتمية دخول السعودية الحرب في اليمن والقول بأنّ الحوثيين دفعوا بالأمور إلى الحافة... لكن لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يُدافع عن القوة الفتاكة التي استخدمَتها في اليمن. هناك سوء وسوء آخر.. والعمل حالياً هو على إنهاء هذا السوء وليس الانخراط فيه. وتسود الآن مرحلة إعادة تعريف اليمني بزيود وشوافع، مطلع ومنزل، هذا يخزّن قاتاً على اليمين وهذا يخزّن على اليسار، وهويّات بدائية، ونحن نعتقد أن الانخراط فيها خيانة لليمن. الانخراط في هذه الحرب ليس حلاً، هذا أولاً، ولن يؤدّي إلى حسمها حتى بالمعنى البراغماتي، ولن يقود اليمن إلا إلى مزيد من الدمار. هذه الأطراف المحلية والإقليمية والدولية التي تقود الحرب الآن تناوبت على تدمير هذا البلد، والتناوب على الاصطفاف معها هو تناوب على تدمير هذا البلد.

كيف يخلق سياق جديد. هذا السياق يعني الناس كلّها.. هذه نقطة مهمّة، وهي كيف يمكن أن تراهن على حكومة أو أطراف سياسية تعمل بشكل ممنهج على منع تحقيق العدالة لليمنيين، كما في جنيف على سبيل المثال؟ لا يمكن لأيّ شخص يحترم نفسه وبلده أن يكون من هذا السياق بالمعنى الأخلاقي وليس بالمعنى السياسي فقط. ثمّ مرة ثانية نحن بلد لدينا فائض قومي هائل من الحروب، وآخر ما نحتاجه هو حرب، وآخر ما يجب أن نسمح به هو استخدام بلدنا لمجموعة مغامرين محليين كالحوثيين أو مجموعة مغامرين إقليمين ودوليين يحاولون استخدام اليمن لمعارك أُخرى.. شيء آخر مهم: لماذا هذه الأطراف تسوء كلها؟ الحوثيون مثلاً قبل بداية الحرب الأخيرة وقبل دخول السعودية الحرب قاموا بإجراء مناورة عسكرية على الحدود على جنوب السعودية وهذه خطة مجنونة ولا حاجة لها بالمعنى السياسي، وإذا كان لديك أدنى اهتمام باليمن أو أي مسؤولية نحو اليمنيين، فهناك 3 مليون يمني يعيشون في السعودية. تريد أن تفتح جبهة، وتستخدم اليمنيين كوقود لأغراض أخرى؟ كيف يمكن لهذا أن يكون سياقاً وطنياً؟ هذه اصطفافات نرفضها بالمجمل ونرفض أنْ نكون جزءاً منها، وهذا هو أفضل ما يمكن أن يعمله المرء لليمن والمنطقة حالياً.

 

رفض تأييد هذا السوء أو ذاك، ورفض التخندق في حروب أهلية هي نقطة ابتداء. نجدها في سوريا المدماة، وجدناها وما زلنا نجدها اليوم في العراق بعد كل الكوارث. الخطوة الأولى أن ترفض الخضوع لسياق الواقع كما يقدم نفسه. لكن وحتى يتأسس شيء فعال فالامر يتطلب الارتقاء ــ طبعاً ضمن عمل جماعي وطويل وقد يحتاج إلى سنوات ــ نحو تصوّر عن كيفية الخروج من المأزق الكبير وكيفية التوافق على عقد اجتماعي جديد في اليمن وتحقيقه.. هل لديكم - أنت شخصياً أو في مركز صنعاء - بداية تصوّر عن السيرورة التي تؤدي إلى تكامل هذا التصوّر؟

 الرفض هو المبتدأ لكنه ليس الخبر: صحيح. لكن هناك شيء الآن أساسي نعتقد أنّ العمل عليه سيحقّق التقدم خطوة، هو إعادة الاعتبار للسياسة في اليمن. سلطتنا أو قدرتنا في العمل على إحداث أيّ فارق (سواء ككاتب أو كفرد) هو بوجود السياسة. والسياسة الآن معطّلة لصالح السلاح، ويتمّ سحب المجتمع إلى هذا المعسكر وهذا التسليح. أول شيء نعمله هو أن نعيد الاعتبار للسياسة.. هذا السياق كفيل بخلق معادلات، وفي الأخير اليمن أكبر من الحياد وأكبر من كونها مجرد طرف بل هي بلد واسع بالمعنى الهائل، وبلد واسع بالمعنى العام للكلمة ثقافياً وجغرافياً وهويات سياسية.. لكن إعادة الاعتبار للسياسة يحتاج خطوتين مهمتين واضحتين.. أولاً القرار 2116 قرار مجلس الأمن الدولي والذي يجبر الحوثيين وصالح على إنهاء الانقلاب وإعادة المسار السياسي - ولو المختل، للمبتدأ الأول وتنفيذ القرارات الدولية، وثانياً إعادة الاعتبار لمسببات هذه الحرب والذي نعتقد أنّ جزء منها هو سوء الإدارة من قبل الحكومة والتحاصص وغنائم السياسة الفاسدة التي تمت بين 2011 و2014 وهي ما أدّى الى الحرب.

فأولاً القرارات الدولية واضحة في تصوراتها، إذا وجدت الرغبة في تنفيذها.. بحيث يعود حوار وطني يمني وإعادة الجدل والحديث السياسي حول كافة القضايا، وثانيا لا بد من التزام إقليمي بالتوقف عن استخدام اليمن كوقود منخفضة الثمن. منذ تأسس مجلس التعاون الخليجي واليمن يحاول أن ينضمّ إليه والخليج يرفض نهائياً، وفجأة قال الخليجيون لماذا اليمن سقطت في يد إيران؟ حسناً، انت زعلان؟ طيب افتح بلدك.. لا يمكن أن يكون التزامكم (كدول مجلس التعاون الخليجي) في اليمن حصرياً فقط بقصف اليمن. مثل ما يقالYou Break it, You Own it، أنت كسرت هذا البلد ولا بدّ من التزام معيّن أولاَ، ولا بدّ من الوفاء بالالتزامات التاريخية المسبقة، من اتفاقية الطائف عام 1934 إلى اليوم. ثالثاً، لا بدّ من التوقف عن النظر إلى اليمن كحديقة خلفية فيها ورود وفيها أشواك. هذان المساران، وهما إقليمي وفني سياسي، كفيلان بتحقيق إعادة معنى الحياة إلى البلد.

الحوثي وداعش والقاعدة كلّها تظهر على السطح، وهي قضايا تافهة مقارنة بالقضايا الحقيقية التي يواجهها اليمن. هذه أول عاصمة في العالم سينضب منها الماء، هذا بلد لديه مشاكل وجودية حقيقية، وهذه القضايا التي يتمّ الاقتتال حولها اليوم هي قضايا تافهة، وفعلاً هي لا تستحقّ كلّ هذا القتال. نحن نرجع إلى هذه الأساسيات، فالحلم الذي أعلن عنه اليمنيون في 2011 ورفضه العالم والإقليم بإعطاء حصانة غير مشروطة لرجل كعلي عبد الله صالح، تحوّل من زعيم دولة وزعيم مافيا إلى زعيم مافيا فقط، ويدمّر الدولة بكل الأشكال وبرعاية خليجية وإقليمية ودولية.. وهذا هو المسار السياسي الذي سمح له بذلك. شي أخير، لا يزال حتى الآن الإقليم والمجتمع الدولي عندهم  نفوذهم ولهم تواصلهم مع الحوثي وصالح، واذا أرادوا الضغط لإنهاء هذه الحرب فهم قادرون، فلماذا ما زالوا يستخدمون اليمن؟ إذا كنتم قادرين على إنهاء هذه الحرب، وهذه ليست سوريا وليست العراق بتعقيداتهما وليست حتى ليبيا.. بل حتى في سوريا، لا تزال العلاقات الأمريكية - الروسية في التنسيق الصاروخي في شرقي أوروبا وفي كثير من الدول في أعلى مستوياتها، بل تكثفت في السنوات الماضية ولم تنخفض، لا بسبب أزمة اليمن ولا بسب أزمة سوريا.. هذا معناه أننا كمنطقة وليس كبلد نُستخدم كوقود، وأن هذا العالم يحافظ على إدارة العنف في منطقتنا ولا يري حلّه. ونحن نرفض أن نكون جزءاً من إدارة العنف، هذا مستقبل أوطاننا.. وصفقات الأسلحة التي يقومون بها في الغرب اليوم من الحروب في اليمن وحدها هي أرقام فلكية ولا يمكن أن تحدث حتى في الأحلام.

 "إدارة الحروب" نقطة مهمة جداً: احتوائها في أماكنها وإدارتها. وهذه واحدة من ركائز "العالم الجديد". فمن الذي يستفيد من إدارة الحرب في اليمن ولماذا وبأي أغراض.. منذ إطلاقها وحتى اليوم؟

 إدارة الحروب هي نقيض حلّ الحروب. ممكن إدارة العنف فتصبح استمراريّته ليست مشكلة.
هناك أولاً مجموعة معادلات تنطبق عليها مصالح مختلفة. ضمن هذا، وعلى المستوى المحلّي وهو الحلقة الأضعف، هناك تقاسم الفتات التي تأسس لاقتصاد حرب وولاءات محلّية مبنية على اقتصاد حرب. على المستوى الإقليمي، هناك الكثير من الدول التي تواجه استحقاقات سياسية وتحديات وجودية صعبة، وترى أنّ فوضى الحروب تعفيها من مواجهة الأسئلة محلياً وإقليمياً ودولياً. وعلى مستوى الغرب، هناك مقاربتان: أولاً، مقاربة جديدة تتطور الآن بعد انتهاء مقاربة 11 سبتمبر 2001 ، وهذه المقاربة (بعد مرور مئة عام على اتفاقيات سايكس بيكو) تقول بأنّ الشرق أو هذا الجزء من العالم هو سني وشيعي، أو ضمن هذه التقسيمات الطائفية، والمقاربة الطائفية للعنف وللمنطقة تقدم بالأصل تفسيرات سهلة وبسيطة للرجل الأبيض وللغرب وللإنتاج..
ثانياً، هذا ينتج فرصة لتسويق أسلحة هائلة أو فرصة لشركات ووظائف. هذه حادثة حصلت معي في 2013. كنتُ في واشنطن أدلي بمداخلة ضد الطائرات من دون طيار في الكونغرس الأمريكي. طبعا كان أيامها "الأشرار" على الأرض في اليمن هم جماعة واحدة، والبلدان التي تقصف اليمن فقط بلد واحد، وكان بلداً لديه برلمان تستطيع أن تتناقش معه عبره. التقيت حينها بواحد من كبار المسؤولين الأمريكيين، وفي معرض دفاعه عن استخدام الطائرات من دون طيار، قال أن المعيار الأهمّ هو أن "القاعدة" منذ استخدام ال"درونز" لم تشنّ هجمة واحدة على الولايات المتحدة الأمريكية، (تنظيم "القاعدة في جزيرة العرب")، مضيفاً أنه ما دام الأمر كذلك فالـ"درونز" سياسة ناجحة. قلت له: هذا هو الفارق الجوهري بيني وبينك، فأنت تريد أن تدير قضية القاعدة، بينما أنا أريد أن أحلّها من جوهرها.. أنت أصبحت جزءاً من شريان هذا التنظيم بشكل ما، لأن هدفك الأقصى والأبعد هو فقط إدارته والتأكد أنه لن يصل إلى أميركا، وليس إنهائه من جذوره. وسألته سؤالاً أربكه أو فاجأه: إذا انتهى غداً تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، فهل تمتلك أنت شخصياً وظيفة؟ هذا السؤال مطروح على مستوى عالمي وليس فقط على مستوى فردي. فحالياً هناك 40 ترليون دولار ميزانية مكافحة الإرهاب لبعض الدول.. 2011 كانت تؤسس لخروج المنطقة من هذا العنف. كلّ فشل لذلك، وكل محاولة لإعادة المنطقة إلى ما قبل ذلك، يؤدي إلى مأسسة هذا العنف، ويؤدي إلى استمرار هذه الحلقة الاقتصادية، من بائع السلاح في سوق الطلح في اليمن إلى "لوكهيد مارتن" في الولايات المتحدة الأمريكية.

 الموضوع مهم جداً ومركزي وعالمي ويخصّ البشرية بأكملها، ويخصّ خيار الوجهة التي تذهب إليها البشرية، حتى لو أنّ العنف اليوم محصورٌ ضمن مفردات جغرافية هي في الشرق الأوسط ومفردات سياسية تتعلق بالشرق الأوسط، ومنها مسألة الإسلام وما يُقال عنه التجذّر في الغرب يتحوّل إلى شبح يؤدّي أغراض معينة ليس لها علاقة بالناس. لنعدْ إلى اليمن بالذات: ما هي مصالح الأطراف الإقليمية والدولية في استخدام اليمن كساحة للصراع؟

 المصالح هي أنها لا تمتلك مصالح حقيقية في هذا البلد، اليمن بيئة منخفضة الثمن لخوض مباريات صفرية بالمعنى المباشر. إيران مثلاً ترمي دولارين وهي تعرف أن السعودية سترمي مليون دولار، ما هو الأفضل من هذه الطريقة للاستهلاك؟ ثانياً ما تصرفه الدولة "س" أو "ص" على كلّ وكلائها في اليمن على سبيل المثال هو أقل مما تصرفه على سياسي واحد في لبنان! بلد منخفض الثمن يرى حالته السياسية خلال الـ50 سنة الماضية كبلد للبيع حسب قول البردوني العظيم "ترقّى العار من بيع / إلى بيع بلا ثمن / ومن مستعمر غاز/ إلى مستعمر وطني". وهو بلد غير محمي بدولة وغير محمي بهويّة أو بنخبة محترمة، فهو لذلك مكشوف، من الطائرات من دون طيار، إلى الأيديولوجيات العابرة، إلى المقاولين... والمشكلة هي التزامهم بخراب اليمن، وهو التزام أقوى من التزام تحقيق السلام في اليمن.

 ما هي أكبر دولة مانحة لليمن؟ هي ألمانيا. ألمانيا الآن تمتلك مخطوطات ووثائق يمنية قديمة وُجدت في سبعينات القرن الفائت في سقف "الجامع الكبير" بصنعاء القديمة، وهو جامع بني في عصر النبي محمد. وجدوا فيه أقدم نسخة من القرآن مكتوبة بخط الإمام علي، وهي موجودة الآن في متحف في ألمانيا ويُصرَف عليها ملايين الدولارات لدراستها في ألمانيا.
ما معنى أقدم نسخة من القرآن، كيف يمكن أن تعيد صياغة الفقه الإسلامي وتاريخ الحضارة الإسلامية؟ والأهمية التاريخية لهكذا وثيقة؟ القيمة المعنوية والتاريخية لهذه الوثيقة تساوي كل الالتزامات المادية التي قدّمتها ألمانيا كأقدم مانح للجمهورية اليمنية، ولليمن على مرّ تاريخه. يعني أخذ لحم هذا البلد وإعطائه عظامه كمساعدات، وكنوع من الالتزام المباشر. وهذا تعريف جديد للإنسانية، وتتمّ إعادة صياغة التاريخ بشكل مختلّ، وهذا ما تحدثه النزاعات.

 لماذا هناك تحالف بين الحوثي وصالح؟

 بين الحوثي وصالح اجتماع مناطقي وطائفي، ككيانات بدائية في نهاية المطاف تزدهر مع غياب الهوية الوطنية، وهذا أكثر ما يوحدّهم. التفكير بصالح والحوثي يجب أن يكون كما التفكير بداعش والقاعدة. هما متنافسان، حليفان ومتنافسان على أرضية مشتركة، ومتنافسان على نفس الموارد، هوية الصالحي والمؤتمري تتقاطع مع هوية الحوثي أصلاً، وفي مناطق جغرافية معينة. حالياً تجمعهم طموحات غير دستورية وأحلام بدائية، لكن في الوقت نفسه هم جماعات غير متجانسة أصلاً تماماً كما هم القاعدة وداعش.

 

ما هي مصلحة السعودية تحديداً في شن هذه الحرب المكلفة لهم، وهي بلا أفق؟

 لا أعرف الإجابة على هذا السؤال وهو هام. فعلياً وبعد أكثر من سنتين ما زلت اسأل لماذا استمرّت السعودية في هذه الحرب. ممكن أن يكون لأسباب معينة في لحظة إقليمية وتاريخية، وهناك هنا عوامل مهمّة. أولاً كان الغرب يمشي بعيداً مع إيران في الاتفاق النووي، وكان يريد أن يقدّم للسعودية أي بقشيش، فكان في تلك اللحظة المعينة هو اليمن: إعملي ما شئتِ في اليمن! ثانياً، كانت السعودية تعتقد أنها لن تُساءل غربياً بخصوص اليمن. فخلال أول سنة ونصف من الحرب، سُئلت السعودية واستجوبت غربياً عن جلد محكمة سعودية لرائف بدوي على سبيل المثال، أكثر مما استُجوبت أو سُئلت عن حرب اليمن. بل حتى أنّ إيران استثمرت في الدبلوماسية والإعلام العربي والعالمي في مقتل نمر النمر أكثر ما استثمرت في الدفاع عن الحوثيين أو صالح، حلفائها المفترضين في اليمن حالياً. اليمن بلد منخفض الثمن.. هذا أولاً. وثانياً هناك موضوع وجودي وهو أن الحوثيين جماعة تعرف شيئاً واحداً هو الحرب، هم ميليشيا. الحل المثالي هو الحرب، وهكذا لا يعود يواجه أسئلة الدولة، ولا شارعاً. يبقى شيء مهم هو أن تحاربه بمنطق قوته وليس بمنطق قوتك. دعكم من فكرة فشل الدبلوماسية العربية والتنظير لحرب لم تكن لتبدأ.. أمرٌ فاجع عندما تدرك ضحالة العقل العربي في التنظير لحرب دامية، مع كل ما يكشفه ذلك من عجز وفشل للعقل والسياسة والدبلوماسية وحتى للمال. هذه فكرة مكشوفة بشكل مخيف. الهجمة الغربية والابتزاز المكثف للسعودية عبر قانون "جاستا" الامريكي، وعبر الكثير من الأشياء، يجعلها تتعرض لمضايقات كثيرة وابتزازات بخصوص اليمن، ولذلك فواحد من الأشياء القليلة جداً التي يمكن أن تقوم بها السعودية لإنقاذ نفسها بالمعنى العام، والمعنى الخاص مع الغرب، وإنقاذ نفوذها القوي هو إنهاء حرب اليمن على وجه السرعة.

هناك مثل شهير ينقل عن العثمانيين يقول: من لم يربّه الزمن، تربّيه اليمن. بلدٌ صعب، وهذا لا ينطبق على من قدم إليه من الخارج فقط، بل حتى على أبنائه، أي واحد يحاول أن يتعالى على اليمن تكسره. حينما حاول صالح أن ينتهك فكرة الجمهورية اليمنية ويورث ابنه كسرته، حينما حاول الحوثيون أن يوقظوا مخاوف تاريخية معينة لليمن والاستيلاء عليها كأقلية كُسروا، وقد كُسروا محلّيا أكثر مما كُسروا دولياً.
في صنعاء هناك واحدة من أقدم و أهم المدارس الحكومية، هي "مدرسة الكويت"، والكويت بنتها منذ عشرات السنين وهي من أوائل المدارس في البلاد. منذ سنة ذهب محمد الحوثي رئيس اللجنة الحوثية الى المدرسة لتجنيد الطلاب وأخرجه الطلاب.. طُرد من الطابور الصباحي بترتيلهم النشيد الجمهوري. فكرة مهيبة فعلاً وسياق وطني مباشر وتلقائي.. طبعاً في ذلك اليوم أعاد الحوثيون تشكيل اللجنة العليا للمناهج، وهذا خطير. الشاهد هنا أن هذه المدرسة دافعت عن الجمهورية اليمنية وعن الخليج وعن فكرة العيش في 2016 خلال عشر دقائق فقط أكثر من كل ملايين الدولارات التي صرفتها  دول الخليج على الأسلحة التي اشتراها علي عبد الله صالح. الطريق واضح،  فيما لو كنت تريد أن تنقذ بلداً أو تدمره.

 بغضّ النظر عن السياقات التي أشرتَ لها، بعد خروج الحوثيين من منطقتهم تحالفوا مع علي عبد الله صالح واحتلوا صنعاء، هل كان هناك طريقة أخرى غير شن الحرب التي قامت بها السعودية، لمنع اليمن أن تسقط بأكملها بين أيديهم أو من أن تشتعل حرب بين مختلف مكوّنات المجتمع اليمني؟ هل كان أمام السعودية ذات النفوذ الكبير والتاريخ العريق من العلاقة باليمن أسلوب آخر وكيف يمكن أن تُحلّ مسألة صالح- الحوثيين؟

 الاستدراك بخصوص السعودية واليمن مهمّ. نفوذ السعودية في اليمن أكثر من نفوذ الدولة اليمنية. للأسف هذا واقع. ثانياً، قصة الحلّ والنجاة من الحرب تعتمد بشكل أساسي على شيء مهم وهو من المنتصر هنا ومن القويّ. يستطيع القوي فقط أن يقدّم هذه التنازلات أو يمتلك هذه المظلة الرعائية، والقوي كان في لحظة من اللحظات ما بين أيلول/ سبتمبر2014 وكانون الثاني/ يناير2015 هو الحوثيون، ويوجد مثل يمني يقول "الله لا يجمع بين شرّين: قلة عقل وكثرة بنادق". وهؤلاء جماعة بلا عقل ولديهم الكثير من السلاح، وتوفّرت لهم فرصة التغيير أكثر ما توفرت في 2011 لسبب مهمّ هو أن مراكز القوة في 2011 لم تفكك إنما قفزت إلى الأمام، لكن في 2014 انهارت فعلياً. المشكلة أن الحوثيين لم يهدفوا الى فكفكة هذه القوى في اليمن بل كانوا يريدون استبدالها بأنفسهم.

وثانياً، كان يمكن للسعودية إذا أرادت أن تخلق شراكة وطنية أهم من كل السياقات الماضية وبالرغم من كلّ شيء. لم يتمّ الاستثمار في السلام في اليمن بشكل حقيقي من قبل السعودية. ابن علي عبد الله صالح ما يزال حتى اليوم يعيش في الإمارات وتحت رعاية الدولة الرسمية، فكيف كنتم تخوضون حرباً مع اليمن؟ هذا واقع، ولم توجد نية حقيقية لإنهاء الحرب. يوجد مشكلة حقيقية في اليمن، هي الجمهورية الوحيدة في جنوب شبه الجزيرة العربية وهذا يمثّل إرباكاً مهماً، بغض النظر عن النوايا، ووجود اليمن الجغرافي يجعل الكل متوتراً منه، حين صوّت صالح في الـ90 على إقرار أرعن مؤيداً احتلال صدام حسين للكويت ومستهتراً بمصير الملايين من اليمنيين، ماذا فعل الخليج؟ السعودية والخليج طردوا ما يقارب مليون عامل يمني في اليوم الثاني من دول الخليج. كان هناك توجّه لمعاقبة اليمنيين وليس معاقبة صالح. اليوم يحصل نفس الشيء، ما تزال هناك وسائل ممكنة لمعاقبة صالح والحوثيين إذا كان هناك رغبة في إنهاء هذه الحرب أو في الوصول إلى ضوء ممكن في اليمن.

 في كلّ هذا المشهد، أين اليمنيين؟ هل يعبّرون عن أنفسهم؟ (عدا عنكم كمجموعة شباب)، هل ممكن أن يعبّر عن نفسه هذا المجتمع بأشكال أخرى قد لا تكون واضحة أو جليّة أو تحمل يافطة، لكن أن يعبّر عن رغبة بمنحى ما، حتى إن لم يكن هذا أمراً متبلوراً سياسياً؟ أنت تقول جرى تجاوز 2011، هل كان 2011 بصفته أحد محطات الربيع العربي في اليمن يحمل فعلاً بذور خيارات أخرى؟ كانت ولا شك لحظة تاريخية مهمة بالنسبة لمستقبل اليمن، ليس فقط كانتفاضة وتمرّد واعتراض وشيء جميل.. لكن ماذا غير ذلك؟

 السؤال الثاني يجيب على الأول، وهو "أين اليمنيون؟" 2011 كانت من اللحظات التاريخية المهمة التي خرج فيها اليمنيون إلى الساحات وحاولوا تشكيل عقد اجتماعي جديد فيما بينهم. لكن تمّ العمل بشكل ممنهج على إعادة تعريف اليمنيين، وكانت حالة من الديمقراطية المربِكة حتى للغرب نفسه. كانت الحالة الثورية في 2011 مما لا يمكن حتى مأسستها بالمعنى الخشبي للديمقراطية أو للحالة التعبيرية للمجتمعات. كانت هذه اللحظة الخيار الوحيد أمام اليمن وقتها. كان اليمن رجلاً سجيناً لمدّة 33 سنة على الأقلّ، وخرج في 2011 من السجن، لكن إلى أين يريد أن يذهب، فهذا سؤال ثان.. لكنها كانت حالة ولادة ممكنة ليمن جديد، وفّرت له القوة والحالة السياسية، والأهمّ من هذا كله العمل السياسي الذي كسر أكثر نظام قمعي / احتيالي في المنطقة. العمل السياسي فيما بعد قام على السعي الى التوافق المطلق وهذا أسس لحالة من تقاسم الحصص الغنائمية ما بين الأطراف السياسية على حساب المجتمع.. نفور اليمنيين من هذا "التداول السلمي للفساد" هو ما بنى عليه لاحقاً الحوثيين لإسقاط صنعاء أيضاً. كانت هناك حالة من الرفض، ليس لعودة علي عبد الله صالح، بل لعودة زمنه. كان علي عبد الله صالح يحاول أن يعود كشخص وكان الرئيس هادي وتحالفه الجديد مع الإخوان المسلمين وصعودهم على الثورة الذي أتى بفاتورة باهظة جداً، هي محاولات لإعادة زمن علي عبد الله صالح. وهذه هي الحالة السياسية الموجودة إلى اليوم في اليمن.

سئم اليمنيون من الحرب ويأخذ هذا أشكالاً كثيرة للتعبير عن نفسه. الاستقطابات السياسية تتمّ اليوم على قاعدة طائفية ومناطقية. رئيس البلد في مقابلة من فترة قريبة قال هؤلاء "أصحاب أزال"، هو يتكلم عن مواطنيه وكأنهم أعدائه. هذا الخطاب السياسي التي تفرضه الحكومة من المنفى والخطاب الطائفي السلالي الذي يفرضه الحوثيون من الداخل هو ما يمنع تشكيل حل. ماذا تبقى من اليمنيين؟ سؤال صعب وأنا اكذب إذا قلت أن لديّ إجابة.

 قلت سئم اليمنيون من الحرب.. هل هناك سأم أم هناك حماس للاصطفاف بالخنادق؟

 العمل الممنهج ضدّ فكرة أن هناك سأم عام من الحرب يجري من قبل الأطراف كلها، لأنّها تعرف أنها حالة تعبيرية حقيقية عند الناس، وأنها تمثل شيئاً.. ما هي السياسة؟ هي تعبير عن مصالح الناس. وأي أحد يعبر عن هذه المصالح سيمشي معه الناس بشكل أو بآخر، لأن الناس لا ترى أنّ هذا الصراع هو تعبير عن الحالة الحقيقية لليمنيين: "لا شفنا خيركم يا هادي ورجاله ولا سلمنا شرّكم يا حوثيين وصالح"، هذه هي الحالة بشكل عام على الرغم من الموارد التي تغري والأيديولوجيات التي تُمنح كغطاء لليمنيين. اليوم أغلب اليمنيون في حالة سأم أو أكثر من ذلك بحالة توق لانتهاء هذه الحرب. وبالنهاية أيضا الحديث عن الحرب سُوّق له أول شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر، لكن بعدها الناس اكتشفوا أن هذا منطق احتيالي خادع. حالة عموم اليمنيين تقول بإنهاء هذه الحرب، أو بإنهاء هذه الحروب، وهذا أمر ممكن. يجب فقط إعادة تسخير الموارد له إقليمياً ودولياً. وعلى الصعيد المحلي يجب السماح لـ2011 أن تأخذ اعتبارها السياسي. 2011 ليست فكرة رومانسية بل هي لحظة سياسية تجاوزها غير ممكن، مثل فكرة الخروج من الاستعمار. ولا يمكن الكلام على نصف استعمار.. الفرصة الوحيدة لأن يعود اليمن السعيد هي البدء من 2011 وما بعد وليس العودة لما قبله بأشكال مختلفة وملتوية وبشعارات متنوعة.

البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق