رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

 

فى يناير 1990 نشرت، فى مجلة المنار بالقاهرة، دراسة بعنوان «الصين: من أممية الثورة إلى أممية الإصلاح» لتتبع أسباب التحول والبعد عن الخط «الشيوعى» فى عام 1978، قبل سياسات ميخائيل جورباتشوف فى الاتحاد السوفيتى. هذا التحول كان فى الواقع عودة لتطبيق «السياسة الاقتصادية الجديدة» التى طبقها فلاديمير لينين فى عام 1921 وحتى أواخر حياته، والتى سمحت بوجود هامش للأنشطة الرأسمالية فى المجتمع الاشتراكى فى بداية مرحلة التحول.

والسؤال الذى ظلت الاجابات عنه غير كافية من قِبل من كتبوا حول هذا السقوط المروع والسريع للاتحاد السوفيتى، الذى كان يعد إحدى القوتين العظميين، ومعسكره هو: لماذا لم تدافع البروليتاريا عن نظام يقال إنها هى التى تتبوأ السلطة العليا فيه؟

أحد أهم الكتب المتسقة فى التحليل، والثرية بالمراجع هو:التجربة الدنيوية. التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية وبالعكسL’esperimento Profano. Dal capitalismo al  socialismo e vice-versa، والكتاب للمتخصصة فى شئون الاتحاد السوفيتى، وأستاذة العلاقات الدولية فى جامعة سابينزاSapienzaفى روما : «ريتا دى ليو Rita di Leo»وصدر فى 2012 وأعتمد هنا على النسخة الفرنسية، ترجمة باترسيا فاراتزى، فى عام 2013 عن دار نشر L’éclat، باريس.

الكتاب يستحيل تلخيصه لكثافة ما به من معطيات، ويلزم قراءة صفحاته جميعها لفهم ما حدث منذ بدايات ثورة 1917. إذ من حينها تواجدت جرثومة الانهيار اللاحق دون أدنى مقاومة للحفاظ على أول تجربة ممتدة لخلق مجتمع جديد. وعمق التحليل يستمد أهميته من دراسة العوامل الداخلية بالتفصيل، وتطورها مع عدم إهمال التحليل الزمنى، لما كان يحدث من تحولات للعوامل الداخلية فى الغرب الرأسمالى اقتصاديا، وسياسيا، واجتماعيا وثقافيا، وهى، على نحو ما، من العوامل التى لعبت دورا، ولكن غير مباشر، ولا أساسى فى انهيار التجربة «الاشتراكية».

سأمر على القضايا التى يطرحها  الكتاب بتركيز ودقة تاركا القول للكاتبة لتتبلور وجهة نظر متكاملة واضحة. يبدأ الكتاب بمقدمة مستفيضة لعملها حول الاتحاد السوفيتى وكتاباتها منذ عام 1970، وزياراتها المتعددة وعلاقاتها بعشرات من الباحثين السوفييت والمتخصصين الغربيين فى دراسته، سواء بنظرة حيادية أو معادية. ومن بين كتبها : «العمال والنظام السوفيتى»، و«الكوادر القديمة والسياسيون الجدد»، و«من يقود فعليا فى الاتحاد السوفيتى سابقا؟»، و«عودة النخبة».

1 - البداية مع الفلاسفة-الملوك :

تمكنت مجموعة صغيرة من المثقفين والسياسيين بضم أعداد كبيرة من الشعب الروسى، الثائر حينها، لندائها الذى وعدت فيه بمجتمع جديد يلتقى مع شعار يردده الشعب:«السلام والأرض»، وتبلور البرنامج فى التخلص من النظام القيصرى، وبناء الاشتراكية - الشيوعية كحصيلة فكر القرنين الثامن والتاسع عشر الأوروبيين.

كان حزب البلاشفة مكوناً من ثوريين محترفين، ومثقفين، يعدون أنفسهم فلاسفة ينحدرون من التوجه الاشتراكى الديمقراطى الأوروبى، خاصة التيار الألمانى ومن الماركسية. كان هذا العصر تتداول فيه كلمات، مثل بورجوازية، ورأسمالية، ومجتمع، وطبقات، وعمال، وأصحاب عمل، وفلاحين، وملاك، نقابات وأحزاب، أيديولوجيا...

بعد الوصول للسلطة، فرض الحزب البلشفى حالة الطوارئ الدائمة، والتى ظلت سارية طوال أعوام   1917 إلى 1956 وتبنى الحزب شعار: «صديق-عدو» كمعيار للعلاقات بين الأفراد طوال الحرب الأهلية المروعة لوضع نهاية لبقايا القيصرية، وظل فاعلا فيما بعدها للتخلص ممن يناهضون الثورة أو يعترضون.. ودامت ممارسة السلطة فى ظل تطبيق المبدئين، ومست الممارسات مختلف نواحى الحياة الاقتصادية، والثقافية، والعلمية، والإدارية، والحزبية.

وفى بدايات الثورة التى قالت بديكتاتورية البروليتارى، كان المعارضون لها غالبية الفلاحين، الذين لم ينزعوا ملكية الأرض من ملاكها، والتجار، ورجال الكنيسة والبورجوازية، وموظفى الإدارات القيصرية. أما المثقفون فكان وضعهم أكثر تعقيدا،  إذ رحبوا بالثورة وحلموا بالإسهام فى إثرائها، غير أن العلاقة معهم دوما كانت إما بانضمامهم الإرادى، أو محاولة إقناعهم، أو لفظهم كأعداء والتخلص منهم جسديا فى مرحلة لاحقة.

فمشروع المجتمع الجديد كانت قواعده من العمال الجدد الذين يقع على عاتقهم إنجاز تصنيع سريع لمجتمع زراعى تجارى. فالعمال الجدد، والعمال الذين يمارسون مهنا يدوية، وفقراء الفلاحين من ساكنى الحضر، والجنود السابقون هم المرجعية للتجربة الاشتراكية. ومن بين هؤلاء سيتم، كقاعدة لن تتغير، تصعيدهم سلم السلطات فى مواقع عملهم، طبقا لكفاءتهم المهنية، وولائهم، وكذا تصعيدهم كقيادات فى المواقع الحيوية، وفى الحزب، وتبوئهم للأدوار القيادية العليا.

فما بين أعوام 1929 و 1956،  كانت هناك قلة لديها الإحساس بأن التجربة موفقة، غير أن الاقتناع بنقيض ذلك كان هو السائد، وذلك لما يشاهد من تحولات فى الدول الرأسمالية باتباع سياسات رفاهية لكى تُجهض أى محاولات تسعى لتقليد الاتحاد السوفيتى. وهو ما كان يعنى أن النظم الرأسمالية تقوم بإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بداخلها للحيلولة دون تفجر صراعات طبقية ثورية بها.

كان هَم الحزب الأول هو تسيير شئون الحياة الداخلية والخارجية، وليس مولد حياة اجتماعية جديدة فورا، إذ تلزم فترة طويلة لتحقيق التحول. فالحزب هو كيان بيروقراطى بداخله صراعات محورها ضمان استمرارية سلطته المطلقة على المجتمع والقلب التام للنظام القديم.

وفى الوقت الذى ضربت فيه أزمة عام 1929 البلاد الرأسمالية، بدأ الاتحاد السوفيتى الذى لم يتأثر بها أول خطة خماسية للتصنيع السريع، وتمكن من بناء قوة عسكرية هائلة أنقذت، فى الحرب العالمية الثانية، الدول الرأسمالية من النازية والفاشية. وحينها وسع نفوذه «الجيوستراتيجى» بضم العديد من الدول المجاورة التى حررها جيشه. وظن الغرب حينها أن النظام السوفيتى وجد ليبقى، غير أن الصراع داخل الحزب بعد موت ستالين فى عام 1953، وتفجر الثورة فى المجر عام 1956، والتدخل العسكرى السوفيتى لإجهاضها أعاد الأمل لدى الغرب الرأسمالى فى تفتت المعسكر السوفيتى لما بدا من تناقضات فى معسكره، وكذا لخلافاته مع الصين بعد مراجعات نيكيتا خروتشوف، فى العام نفسه، فى المؤتمر العشرين للحزب الشيوعى، والكشف عن الجرائم التى ارتكبت فى الفترة السابقة، خاصة فى ظل ستالين.

كانت الانتقادات للنظام البلشفى دائمة منذ قيامها إذ نجدها لدى روزا لوكسمبورج فى مقالاتها عامى 1917 - 1918، ثم لدى العديد غيرها، ولعل أهمها لدى تروتسكى بعد ذلك فى كتاباته المتعددة وتشخيصه للوضع فى ظل ستالين على أن الثورة تم الغدر بها. فالنظام كان يشيع فى تقاريره خلاف ما  يحدث فى الواقع.

واقع الأمر منذ بدايات الثورة البلشفية كانت الأدوار موزعة بصرامة. كان على الثوريين المحترفين وضع الخط النظرى الأمثل للتجربة فى مراحلها ودور كل مسئول فى مجاله بكل ما يعنيه ذلك على أصعدة الدولة والإدارات والاقتصاد، والحقوق، وفى المصنع، والمدرسة، والأدب، والشعر. ظل هذا الدور الفعلى للثوريين المحترفين حتى الثلاثينيات من القرن العشرين ليتحول بعد ذلك إلى روتين تحت إشراف موظفين مسئولين فى كل مجال عن التنفيذ. واختفى بالتدريج فى الأربعينيات وجود الثوريين المحترفين فى السلطة بالقضاء على عدد كبير من المخالفين، وتهميش من ظل كباحثين فى مراكز الدراسات الماركسية-اللينينية.

استمر النظام يدور على ذات الأسس، حيث القرار يُتخذ من أعلى والتنفيذ من أسفل، وتحول الوضع إلى ما يشبه الفخ وسارع كثٌر من النخبة فى الهرب للغرب وبلغ أوج ظاهرة الفكاك فى الستينيات والسبعينيات وتسببت فى أزمة على صعيد حكم البلد إذ لم يبق أى متخصص لتقديم حلول للمشكلات المتزايدة فى التجربة بصرامتها المفروضة من أعلى. هذا الوضع دام منذ بدايات البلشفية على يد منظريها من الاشتراكيين الديمقراطيين الذين أسهموا فى تأسيس الحزب وتخلص منهم ستالين فى محاكمات صورية، غير أن القاعدة ظلت سارية بفرض السلطوية، والبيروقراطية والخلط بين ما هو سياسى وما هو اقتصادى، وتبعية الحكومة لقرارات الحزب السياسية العليا التى تتعارض مع واقع يتغير بمشكلات جديدة، دون تقديم حلول لها. وذلك عكس ما كان يحدث فى الغرب الرأسمالى بالفصل بين السلطات، وتحولات فى قواعد الأحزاب، والمشاركة الشعبية، وليس الحكم باسم طبقة واحدة، كما كان الحال فى ظل شعار دكتاتورية البروليتاريا.

منذ وضع الخطة الخمسية الأولى عام 1929، بعد إقرارها من السياسيين، أصبحت الكلمة العليا فى يد واضعى الخطة من الاقتصاديين فهم الذين يحددون المراحل وتطبيقها بالتوافق مع الموظفين الذين يقع عليهم عبء التنفيذ فى الزراعة، والعلوم، والصناعة، والتعليم، والثقافة.

وعند التنفيذ، أدرك المخططون أن تحقيق الهدف يمكن الوصول إليه بقاعدة: «المنح أو الحرمان» أو بقبول الممارسات غير الرسمية. فشراء قوة العمل قامت على قاعدة «أَعْط.. تأخذ». ذلك كان معناه قبول إسهام غير المتفقين مع المشروع، غير أن خبراتهم ضرورية وقبولهم للمشاركة هو نتيجة لحاجتهم المادية. هذه الازدواجية كان الجميع على علم بها، ومتفق عليها، ولا تظهر فى التقارير الرسمية.

كان الهدف النظرى المحدد للمجتمع المقبل، والذى تم التنظير له منذ البداية، هو أن تصل الطبقة العاملة إلى قيادة الدولة بعد أن تنضج وتثبت الولاء فى محل عملها للفكرة الجوهرية فى التحول لمجتمع اشتراكى ــ شيوعى، ذلك نتج عنه عمليا اختفاء المثقفين الثوريين الذين حكموا طوال الثلاثين سنة الأولى فى مختلف المجالات، وتقلص دورهم إلى مجرد خبراء يساعدون العمال فى معرفة ما يلزمهم للترقى للقيادة وتولِّيها، وهنا يلزم التشديد على أن المثقفين الثوريين كان حليفهم، فى البداية، هم العمال من ذوى المهن اليدوية، ويعارضهم الطبقات الأخرى بمن فى ذلك الفلاحين.

فورثة المثقفين فى السلطة هم النخبة من ذوى الأصول العمالية الشعبية الذين تربوا على أيديهم، وتمت عملية انتقاء من بينهم لتولى القيادات العليا فى كل الجهات، بما فى ذلك الحزب. وفى النهاية تم التخلص كلية من البورجوازيين السابقين الذين ساعدوا بخبراتهم فى نمو التجربة، وتم القضاء عليهم فى محاكمات تم تلفيقها، والحكم بموتهم، أو إرسالهم لمعسكرات العمل الإجبارى. ومع نهاية الثلاثينيات حل الفنيون، من أصول شعبية عمالية، محل كل المتخصصين الذين كانوا همزة الوصل فى مرحلة تثبيت أقدام البلاشفة فى السلطة.

كان ستالين هو من وضع تلك السياسة فى عام 1924، مخالفا بذلك فكر لينين الذى كان يرى ضرورة دوام قيادة الحزب البلشفى بمفكريه للطبقة العاملة، وليس تسليم السلطة لهم. وأدت السياسة العمالية كقيادة إلى نهاية دور القيادات الفكرية البلشفية فى السلطة برغم أن تصوراتهم ظلت تطبق، ولكن دون تجديد يواكب المتغيرات. وتحول منذ ذلك الوقت دور المثقف إلى مجرد مردد لدعاية الحزب، وليس فاعلا فى قيادة سياساته، ولكن إلى حين كما حدث.

قفز ستالين بسياسته العمالية مستبقا التطور التاريخى للادعاء بأن «البروليتاريا فى السلطة»، ووضع بذلك بذرة التناقض والصراع بين العمال والفلاحين من جهة، والمثقفين من جهة أخرى، والذى سيؤدى للانهيار اللاحق.

لم تكن المشكلة فى أن القادة الجدد من أصول عمالية أو فلاحية، ولكن فى أنه تم انتقاؤهم من غير خبرة نظرية فى أمور السياسة والاقتصاد والقيادة فهى لم تكن حقا قيادة طبقة العمال كطبقة. كان هدف ستالين يرمى لدعم سياساته فى التصنيع السريع، وغير ذلك، ولتصوره أنهم سوف يتمكنون من إثبات جدارتهم فى دورهم الجديد.

 ونظريا، فى المجتمع الجديد، تعود فائدة العمل على العمال فما ينتجونه يفعلون به ما يحلو لهم، غير أن الواقع منذ بداية الثورة أظهر سلوكا مغايرا وصعوبات جمة، لأن بعض العمال توقفوا عن العمل وأخذوا وسائل الإنتاج والمخزون لديهم، مما اضطر لينين لمهاجمة ذلك السلوك بعنف ودفعهم للعودة للعمل. وبرغم أن العمال نظريا كانوا، فى النظام الجديد، هم أصحاب العمل غير أن مواردهم المادية للحياة كانت ضئيلة. ولكن طوال ما يربو على ثلاثين سنة، هى فترة حكم ستالين، سوف يتم اتباع أسلوب عمل يعتمد على إنتاجية العامل والعمل بالقطعة كمعيار وكأسلوب للدفع لإنجاز تصنيع سريع للمجتمع. وتم استبعاد العمال المسيسين باتهامهم بالتروتسكية، أو غير ذلك، وتصعيد العمال، الذين تمت ملاحظة ولائهم فى المصانع، أو فى النقابات، أو فى لجان الأحزاب، ليشكلوا نخبة قيادية.

بينما شكَّل تحقيق تصنيع سريع فى مجتمع غالبية سكانه ريفية معضلة حلها ستالين بابتداع معسكرات العمل الإجبارى الإجرامية للريفيين، والبروليتاريا الرثة، وأصحاب السوابق، بل وللمثقفين والسياسيين المعارضين الذين أجبروا على العمل فيها، وكان ثمن تلك السياسة فادحا على الصعيد الإنسانى، نظرا للعدد الهائل الذى فقد حياته وتمت معاملته بوحشية.

 هذا الوضع استمر حتى وضع نيكيتا خروتشوف نهايته بعد موت ستالين، وأسس لنظام مختلف للعمل يقوم على إصلاح نظام الأجور، وعلى إعطاء «المنح» لمن يقبل العمل فى ظروف صعبة. وفى الوقت ذاته أسس لمبدأ استقلالية العمال فى تنظيم العمل، وبهذا منح السياسة العمالية مشروعيتها كاملة.

2 - إدارة النخبة العمالية للاتحاد السوفيتى:

تم بالفعل التخلص من كامل النخبة المثقفة الثورية التى كانت فى مراكز القيادة وحل محلها قيادات عمالية، وذلك بين عقدى الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضى. وبرغم هذا التبديل فى الشخصيات واختلاف منابتها الثقافية، ظلت طبيعة الحزب ودور قياداته الجديدة ثابتة. هذا التحول الرمزى الذى أراده ستالين فى تولى البروليتارى القيادة تحقق إذاً لأول مرة بوصول خروتشوف، ابن الفلاح والعامل اليدوى، قبل تحوله لشيوعى، أثناء الحرب الأهلية، لقيادة الحزب. ويسجل التاريخ لخروتشوف فضيلة واحدة تجسدت فى إغلاق معسكرات العمل الإجبارى، ورد الحرية لمئات الآلاف من الأبرياء، وتحميل ستالين وزر تلك الجريمة. تفاءل خروتشوف، فى عام 1961، وقال إن الصراع الطبقى انتهى، وأن الدولة أصبحت بالتالى دولة كل الشعب، إذ انتهت أيضا الفوارق على أساس الطبقة، أو العرق، أو الدين، فالكل انصهر فى الكيان السوفيتى، وأن المجتمع سيكون اشتراكيا بالفعل عام 1980. وبرغم ذلك تعتبر توجهاته النظرية أول خطوة فى التخلى عن الفكر الماركسى-اللينينى، وإن كان قد تبنى جزئيا فكرة منح الفلاح حرية التصرف فى محصوله فى السوق، وهى تقترب من برنامج «السياسة الاقتصادية الجديدة» التى سبق وطرحها لينين بعد الحرب الأهلية لمواجهة المجاعات التى ضربت الريف وقتها.

وبرغم هذه الوعود، والتغير الكيفى فى قادة الحزب بعد أن أصبحوا جميعهم من أصول عمالية، ورفع شعار «حكم الشعب بالشعب وللشعب» لم تحدث تغيرات فى علاقة الحزب كسلطة عليا تخضع له الحكومة، ومن أجل تحقيق الهدف ذاته الذى أعلنته الثورة منذ قيامها، إذ ظل الحزب يملى سياسته النظرية بقرارات علوية، مستندا إلى حالة الاستثناء السارية. فلم تؤخذ فى الاعتبار مطالب الشعب الأساسية فى حياة أكثر إنسانية وأكثر حرية برغم نهاية معسكرات العمل الإجبارى، وكذا لم تتغير إلى الأفضل طريقة العمل، من أجل الهدف المنشود، فالتضحية ظلت واجبة على الغالبية حتى تتحقق الاشتراكية.

وتفجرت قبل موت ستالين واحدة من القضايا المحورية، والتى تخص «نهاية الدولة» فى مجتمع اشتراكى، غير أنه لم تتحقق تلك النهاية التى وضعها ستالين اعتماداً على مقاومة الفلاحين فى التحول إلى بروليتاريا. فظلت إذاً الدولة ودامت فى ظل خروتشوف خاضعة للسلطة السياسية العليا للحزب، وتم ابتداع تهمة جديدة لمن يعارض هذا الوضع ويطالب بنهاية الدولة، بأنه «معاد للحزب». وهى تهمة توجيهها يعنى إقصاء مماثل لما كان يحدث فى الزمن القريب. وأدى عدم تمتع الحكومة باستقلالية قراراتها، عما يفرضه الحزب، إلى تدهور الأوضاع فى جميع المجالات نظرا لما يملى على الحكومة من سياسات وتعقيدات الواقع الذى يتطلب سياسات أكثر مرونة. فنشأت ممارسات غير رسمية فى كل المجالات ومن قِبل الجميع كبيرا وصغيرا، وفى قلب كل الأنشطة، أى سادت حالة اقتصادية موازية غير خاضعة لأى سلطة، وكانت النتيجة هى فشل النظام فى احتواء تلك الحالة بشقيها، فى ظل أول قيادة لنخبة عمالية.

وتولى قيادة الحزب، بعد خروتشوف، قيادى آخر من أصل عمالى هو ليونيد بريجنيف، 1964 - 1982، فأدخل تغيرات جوهرية تمثلت فى منح الحكومة استقلالها الذاتى فى قراراتها، فضلا عن تسيير الأوضاع، دون أى تدخل من الحزب، مع احتفاظه بوضعه كسلطة تعلو كل السلطات. ويضاف تغير آخر، دام طوال توليه رئاسة الحزب، تجسد فى الإبطاء من عملية تصعيد النخبة من العمال إلى مواقع قيادية، والاكتفاء بتركهم حيث هم فى المواقع التى يحتلونها. واتسمت سياسة بريجنيف بمحاولة تحسين الأوضاع الموجودة، وليس إدخال إصلاح عميق فيها، نظرا لما لاقته محاولات الإصلاح السابقة من فشل.

فالسياسة الجديدة قبلت ببقاء سلوكيات العمال والفلاحين كما هى دون تدخلات فى طموحاتهم الشخصية أو طريقة عملهم. فمن بين الممارسات التقليدية كان هناك رفض لإحلال الآلات محل العمال، كما كان يحدث فى الغرب الرأسمالى، إذ كانت القيمة الإنسانية للعمل تقدر،من وجهة نظر العمال، بعلاقة الإنسان مع الآلة،  وليس إحلالها فى الإنتاج محله، وكانت القطاعات المستثناة هى المتخصصة فى المجالات العسكرية والاستراتيجية منذ فترة التصنيع السريع فى عهد ستالين. فالعمال كانوا يفضلون ترك المصانع التى تم إدخال الماكينات بها لزيادة الإنتاجية والذهاب للعمل فى تلك التى لاتزال تعتمد على العمل اليدوى. كذلك، فإن الخطط الخمسية المتتالية درجت نحو بناء مصانع جديدة وليس القيام بتحديث المصانع الموجودة لدرجة أن المصانع التى تم تشييدها فى السبعينيات والثمانينيّات كانت تماثل مصانع الثلاثينيات.

ومن بين المشكلات الخطيرة التى ظلت قائمة هى تلك الخاصة بتصورات واضعى الخطط الخمسية والواقع الفعلى الذى تفشل فيه دوما من أجل بلوغ طموحات الخطط القائمة، ذلك أن الخطط قد وضعت على قاعدة تكنولوجية متقدمة، فى حين أنها متخلفة فى الواقع. وفى ظل تعقيدات قبول التجديد، سلَّم واضعو الخطط بترك أمر إنجاز العمل على عاتق الرؤساء المباشرين وعلاقتهم الشخصية بالعمال للتحفيز على الإنجاز بتوافقات فيما بينهم لا علاقة لها بالخطط الرسمية، وكانت تلك هى السياسة اللامركزية المتبعة فى مختلف المجالات، مع ما يترتب عليها من سلبيات لم يكن هناك من سبيل لتجاوزها، فى ظل عقلية وممارسات ترفض التغيير.

ومن بين التغيرات الجوهرية التى بدأت منذ الخمسينيات كان تخفيف مراقبة الحزب على الجمهوريات السوفيتية، وتحول المسئولية الإدارية والسياسية مباشرة إلى النخب المحلية، ودون الرجوع للمسئولين المعينين من قبل اللجنة المركزية، واتباع سياسة لتشجيع العمال على قبول التقدم الفنى بمغريات مادية لمن يقبل العمل فى الصناعات الحديثة. ولكن فى الوقت ذاته كان من حق الشخص رفض تولى رئاسة عمل لما يتمتع به من كفاءة، وذلك لعدم تحمل المسئولية، وللنظرة السلبية للرؤساء من قبل الغير، فاحتل الكثير من قليلى الكفاءة رئاسة العمل، بالإضافة إلى قيام العمال بخفض الإنتاجية إراديا لمقاومة ما كان يفرض عليهم من معيار إنتاجية محدد ومرتفع.

ما بدأ يحدث فى الواقع هو أن العامل المشترَك الذى يجمع الكل السوفيتى هو الدفاع عن الحدود من أعداء الخارج، فى حين تزايدت كراهية الشعب لدور ووظيفة أصحاب العمل غير اليدوى وللسياسيين، والتقنيين. فكان ينظر للمثقف،مثلا، على أنه لا يمكن تحوله لبروليتارى، ولا يسهم بالتالى فى إنتاج قيمة مادية، وعليه إما أن يردد ما يقوله الحزب أو يصمت. وقد حرم ذلك التجربة من البعد النقدى، وتقديم الأفكار التى قد تساعد على حل المشكلات.

وزاد من العقبات انقسام الحزب الشيوعى إلى قسمين أحدهما سياسى والآخر اقتصادى. دور الأول أيديولوجى، والآخر مكلف بتطوير وتصنيع المجتمع، وبين الاثنين فجوة بين ما يقال أيديولوجيا وما يمكن إنجازه اقتصاديا فى الواقع. فمن يقع عليهم عبء الجانب الاقتصادى كان لديهم الوعى بأن البلد خارج نطاق تطبيق خطة، فى ظل شعار الإدارة الشعبية المستقلة عن مركزية الإدارة.

ويعود الجانب الكبير فى الخلل الاقتصادى إلى تطبيق نظرية التطور غير المتكافئ، منذ البدايات، بين قطاع التصنيع الاستراتيجى العسكرى وقطاع الإنتاج الاستهلاكى. فبرغم السعى لتوفير الأساسيات من السلع للمواطنين، كوعد ظل الخلل قائما، إذ لم يكن مأخوذا فى الحسبان من قبل واضعى الخطط الخمسية التى تمحورت حول سباق التسلّح لمواجهة الغرب فى حال حدوث عدوان. ذلك الوضع ترك الغالبية العظمى من الشعب غير محققة لإشباع حاجاتها من السلع الاستهلاكية التى تمتعت بها قلة من مديرى القطاعات التجارية، والمصانع، والخدمات، وقادة الحزب. وكانت النتيجة هى نمو الأنشطة الموازية فى السوق السوداء ليجد الشعب فيها ما أهملته الخطط الرسمية، بل أبعد من ذلك قام الكثير من كبار المسئولين عن المصانع وكبار التجار، وغيرهما بإدارة الخطط، والاحتفاظ بجانب من الانتاج لمصلحتهم الشخصية، ولشبكة الأفراد المحيطين بهم.

ومنذ عام 1977، ازداد ضعف سيطرة الحزب على واقع اقتصادى يعمل فى الخفاء بشبكات للإنتاج والتسويق، بينما كان كل تركيز الحزب على الصناعات الاستراتيجية العسكرية. ورغم هذا يلزم التذكير بأن النظام السوفيتى كان قائما على مبدأ «أَعْط.. تأخذ»، وهو ما يعنى أنه مقابل العمل توفر الدولة للعاملين السكن، والتعليم، والرعاية الصحية، لكن بعض العاملين فى الصناعات الثقيلة والاستراتيجية كانت تمنح لهم خدمات أوسع مثل تذاكر المسرح.

ومع مطلع الثمانينيّات من القرن العشرين، أصبحت ظاهرة النقود وخاصة العملات الأجنبية، سواء جاءت من دخل رسمى، أو غير رسمى هو ما يشغل الكثيرين لإنفاقه على سلع كمالية والاستمتاع الآن وليس التضحية من أجل المستقبل الجمعى. ولم تفلح سياسات الدولة بتوسيع سياسة رفاهية على الجميع فى كبح تلك الرغبة فى الحصول على النقود. وكان رد فعل النخبة الاقتصادية هو الغضب على تلك الحقبة التى تمت تحت شعار السلطة للنخبة العمالية وابتدعت سياسة الاستقلال الذاتى فى الإدارة عن السلطة المركزية. وفى الواقع لم ينتج عن صعود العمال للقيادة إلا إلى تحقيق هدفين الأول تقوية القدرة الدفاعية العسكرية، والثانى هو الاستمتاع بامتيازاتهم كسلطة وليس تعميم الفائدة على كل الشعب إذ قيل بانتهاء وجود طبقات فى الأيديولوجية المعلنة.

3 - الانهيار بالسوق:

فى عام 1989، تجسدت هيمنة النخبة الاقتصادية فى الحزب نهائيا على النخبة السياسية، وذلك حينما استبعد جورباتشوف من المصانع اللجان الحزبية الموكل إليها الإشراف على الإنتاجية، وتنفيذ الخطة الرسمية. وكان معنى ذلك وضع نهاية للحقبة العمالية، بما فى ذلك الإدارة العمالية التى دامت منذ عهد خروتشوف، وبعد ذلك اختفىالاتحاد السوفيتى من خريطة العالم بقرار من بوريس يلتسن الذى تولى السلطة بعد جورباتشوف.  فما الذى حدث وما الذى تغير وكيف؟

تولى بوريس يلتسن السلطة فى عام 1991، ومعه كل الكوادر العليا والوزراء، وكل مديرى المصانع الكبرى الذين استولوا فعليا عليها بتطبيق سياسة الخصخصة ووزعوا على العمال أسهما فيها، وكأنهم يؤسسون لنظام «رأسمالى شعبى»، غير أن العمال باعوا أسهمهم فورا وتحول النظام إلى رأسمالية متوحشة، وعم فساد هائل بتحقيق حفنة من قادة روسيا إلى مافيا مالية وضعت يدها على كل الصناعات الاستراتيجية، والبترول، والغاز، والغابات، وتحولت كل المصانع الكبرى والخدمات والعقارات الحضرية إلى ملكيات لشركات مالية، وتحت هيمنة المافيا فى السلطة، وتم تعميم نظام يقوم على المضاربات المالية، وتفكيك الصناعات، ووضع نهاية لسياسة تخطيط ترمى إلى تطوير القاعدة الصناعية، بدلا من هدمها.

وطوال العقد اللاحق، تم إغلاق المصانع، وطرد العمال، وانتهت رعاية الدولة الروسية للمواطنين فى الرعاية الاجتماعية والسكن الذى كانت تمنحه المصانع للعاملين بها، وفقد من خرجوا على المعاش كل مورد رزق وطردوا من مساكنهم وتحولوا لمتسولين. انقلبت إذن الصورة، ولم تعد كما فى بدايات الثورة، بطرد العمال لأصحاب المصانع ولكن لطرد الملاك الجدد للعمال.

تتضح عقدة المسألة نسبيا فى أن الشعارات الأيديولوجية كانت مخالفة للواقع. فالكلام منذ خروتشوف عن أن الاشتراكية تحققت لم يشعر بثمارها العمال الذين كانوا يعتبرون أبطال الاشتراكية، وتوزع عليهم القلادات، ويتمتعون باستقلالية الإدارة، وتحولها لإدارة شعبية، بينما فى الواقع لا يشعرون بتغيرات حقيقية فى أوضاعهم المعيشية ولذا لم ينتفضوا للدفاع عن اندثاره. ففى الواقع لم تصل الطبقة العاملة للسلطة، ولكن من وصل إليها هم نخبة منها، أو من ينحدرون من أصول عمالية، وتصرفوا مثل أى نخبة تمسك سلطة، أى نخبة تصرفت لمصالحها الشخصية، ولمن هم حلفاء معها.

ومن ناحية أخرى، قامت النخبة المثقفة الاقتصادية، ومعها العلماء ورجال المال، ومن يدعون بالإنسانيين الروس، بسهولة متناهية بإيقاف الفلسفة العمالية واستعادة إدارة السلطة، كما كان هو الحال فى بدايات الثورة، لكن بتطبيق نقيض الهدف المحدد منذ البداية ببناء الاشتراكية الشيوعية. والأمر يبدو بهذا الانقلاب من قبل هؤلاء النبلاء الجدد كما لو كان انتقاما من أبناء وأحفاد العمال الذين قاموا فى بدايات الثورة بطرد الأرستقراطية والبورجوازية من أعمالها ومساكنها.

لقد عاش الشعب سنوات طويلة فى مجاعات، وملاحقات بوليسية، وفى معسكرات عمل إجبارى قاسية، وفى حروب أهلية، وأخرى خارجية لم تُفرض عليه، لكنه دخلها تحت دعاوى الدفاع عن الاشتراكية هنا أو هناك؛ فى المجر وفى تشيكوسلوفاكيا، وفى أفغانستان. ويضاف إلى ذلك شعور قديم ومستمر بالمرارة منذ سنوات الثورة الأولى، وخاصة فى ظل ستالين، بكل ما حاق بالمجتمع من عقاب وجرائم لا إنسانية كان دور الفرد فيها إما مشارك فى الجرم أو ضحية.كل ذلك أسس لمرارة تضحيات، وتمزق داخلى، ومرارة أخرى لم ير فيها ما يستدعى التضحية من أجلها.

ويمكن القول إن الصراع القديم الذى قام به كل المثقفين الثوريين متحالفين مع العمال ضد الأرستقراطية والبورجوازية قد تحول إلى صراع مكتوم بين جيل المثقفين الجدد الذين تم تهميش دورهم والعمال فى الفترة التى بدأت مع ستالين ولم تنته إلا مع وصول جورباتشوف، ثم يلتسن وبصحبتهما الرأسمالية. فمع هذا المناخ الجديد، وجد المثقفون دورهم، ولكن ضد التجربة السابقة كلها، وقاموا بالمشاركة فى هدمها نظرا لما حدث فيها من انحراف وعدم إنجاز ما وعدت به، ولما سببت لهم من معاناة واغتراب. فلقد تخلصت فترة ستالين وما تليها منهم كخبراء برغم نصيحة لينين بالاهتمام بهم كضرورة لنجاح نظام فى حالة ضعف. ومن المهم التذكير بأن المثقفين الثوريين هم من وضعوا أسس النظام المقبل فى دستورى 1918 و1924، لكى يحتل العمال اليدويون قمة الهرم السياسى. أى أنهم هم من وضعوا أساس البؤس الذى حل عليهم بتطبيق حرفى لنص لم يكن يستبعد دورهم كضرورة،  وهم أيضا الذين حددوا أن دور العمال جوهرى للتخلص من البورجوازية وأثرياء الفلاحين، والمثقفين، والسياسيين المعارضين، والرافضين، ووضعهم فى معسكرات العمل الإجبارى. وهم من وضعوا فلسفة التضحية بالحاضر من أجل المستقبل الجماعى، والسكن الجماعى. ويسجل التاريخ أن رئيس البوليس السرى فى حملة ستالين الأولى ضد المثقفين البورجوازيين والبلاشفة كان عاملا، وكذا كانت محاكمة المثقفين بين 1928 و1931 على يد قضاة كلهم عمال.

الدرس الذى يمكن تلخيصه ينطبق على الاتحاد السوفيتى، كما ينطبق على معسكر الدول الرأسمالية من أتباع الاشتراكية الديمقراطية، حيث يظهر عدم صلاحية تسيير الحياة الاجتماعية بقرارات سياسية على حساب القرارات الاقتصادية، وإن كانت النتيجة مختلفة إلا أن سقوط التجربة «الاشتراكية» لا يعنى إفلات الرأسمالية من أزماتها المتكررة. وإن كانت دراسات الاتحاد السوفيتى قد قل عددها، فإن الذى بدأ فى الانتشار من كتب ودراسات ورسائل جامعية يتعلق بمرحلة «التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية» !

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 71 يوليو 2018

افتتاحية العدد

الثقة.. الدعامة الخفية للمجتمع والحكم د. هناء عبيد

أما ملف العدد، فيقدم تحليلا شاملا لمفهوم الثقة، أبعادها، ونطاقها، ودلالاتها، وعوامل ومؤشرات صعودها وهبوطها فى السياقات والمجتمعات المختلفة، مع التطبيق على بعض القضايا الخاصة بمصر.

الأعداد السابقة