رئيس مجلس الإدارة : عبد المحسن سلامة

رئيس التحرير : د. هناء عبيد

مقالات العدد

حازت الثورة الروسية الكبرى فى مئويتها اهتمامًا مفاجئًا فى الدوائر الأكاديمية والصحفية، وحتى وسائل التواصل الاجتماعى، تجاوز المتوقع بكثير. فمنذ انهيار الاتحاد السوفيتى وأنظمة الكتلة الشرقية التى دارت فى فلكه طويلًا مع بداية تسعينيات القرن الماضى، والتحول الصينى تجاه تبنى آليات السوق الحر قبل ذلك، وذكرى هذا الحدث تمر بهدوء، وإن قفزت إلى الجدل العام، فكانت دائمًا ما تحظى بتغطية سلبية يتبارى فيها المحللون للتذكير بما تركه العالم خلفه من إرث شمولى قاد إلى حروب طاحنة، واستنزاف لمقدرات الشعوب فى البحث عن أوهام أيديولوجية. كانت هذه هى أيام الثقة المفرطة فى آليات السوق الرأسمالى، والديمقراطية الليبرالية، وقدرتها على تأمين تقدم مادى، وحريات سياسية وشخصية للجميع، كان هذا عصر «نهاية التاريخ».

ولكن فى ظل عالم تخيم عليه أزمة اقتصادية ممتدة، لا يبدو أن مفاعيلها ستنتهى قريبًا، بل إنها فى الواقع تتمدد وتتضاعف لتغدو أزمة سياسية شاملة، يمثل صعود اليمين القومى المتطرف، وانهيار سلطويات الجنوب العالمى وديمقراطياته الهشة على حد سواء، وتفكك مجتمعات بأكملها، وانزلاقها لهوة الحروب الأهلية الممتدة بعض وجوهها، يبدو هنا أن «التاريخ» يعود مرة أخرى بقوة وتعود معه أشباحه التى تصور البعض دفنها نهائيًا، ومنها الأشباح الأكثر قبحًا، كالنازية الصريحة والأطياف القومية الفاشية المختلفة، والأشباح  الأكثر غموضًا كالشيوعية، التى ألهمت وأسرت خيال الملايين بقدر ما أن الطريق إلى جنتها الموعودة كان محفوفًا بالدماء والآلام. فى هذا السياق، يجرى تذكر الثورة الروسية العظمى التى فتحت الطريق للمحاولة الأكثر اكتمالًا وتماسكًا فى التاريخ لوضع هذه الفكرة الشيوعية محل التطبيق فى هيئة نظم اقتصادية، واجتماعية، وسياسية مكتملة. الذكرى هنا تستدعى محاولة الفهم والتعلم والنقد، وليس طمأنة الذات أو اللعن، والأسئلة كلها تدور حول ما يمكن أن نستخلصه من دروس للواقع من قلب هذه الخبرة الملحمية، والتى لم تعد ملكًا للماركسيين أو الاشتراكيين وفقط ولكنها غدت إرثًا عالميًا عبَّر عن طموحات مئات الملايين، ومن ثم يمكن أن نستخلص منه اتجاهات للمستقبل، سواء فى مواجهة معضلة اللامساواة العالمية، أو أزمة الديمقراطية، أو الإفلاس الأخلاقى، والمعنوى للأيديولوجيات اليمينية المهيمنة.

من بين الموضوعات التى هيمنت على النقاش بشأن ثورة أكتوبر كانت بالطبع تصوراتها عن تحويل علاقات الإنتاج الاجتماعية باتجاه آخر بعيدًا عن هيمنة علاقة العمل  المأجور وما إذا كان من الممكن تنظيم عمليات إنتاج القيمة بشكل مشاعى يختلف عن تنظيمها كعلاقات ملكية فردية، وتسليع معمم لكل القيم بما فيها قوة العمل نفسها. كذلك امتدت المناقشة لتصورات قادة الحلقة الثانية للثورة، والتى انتهت بسيطرة البلاشفة على السلطة، لمسألة العلاقات بين البشر مختلفى الأديان، والأعراق، واللغات، والثقافات فى عالم يعانى صراعات الهوية. استعاد البعض أطروحات جريئة للينين وجدالاته مع روزا لوكسمبورج حول مسألة الأقليات وحق تقرير المصير مثلًا.

ولكن قليلة هى النقاشات التى تناولت رؤية هؤلاء الفاعلين لمسألة الديمقراطية. هذه الرؤى تم تجاوزها سريعًا، على أساس أن ما يمكن أن نتعلمه هنا قليلاً بحكم التعريف، إذ أنتجت هذه الثورة وملابساتها – بما فى ذلك  الانقلاب الكامل على قيمها على يد ستالين- واحدًة من أبشع الشموليات فى التاريخ الإنسانى. هنا لا تزال النبرة السلبية سائدة.

إلا أننا فى هذا المقال المختصر نجادل بأن هناك ما يمكن أن نتعلمه ونبنى عليه بخصوص رؤية الكثيرين من قادة الثورة الروسية لمسألة الديمقراطية، والأيديولوجية الحقوقية الدستورية التى غدت أيديولوجيا عالمية، وأن ما قدمه هؤلاء المنظرون من نقد، وما أقدموا عليه من ممارسات لايزال بعضه صالحًا لعالم اليوم، خصوصًا فى السياقات التى شهدت ثورات كبرى قادت إلى محاولات إعادة صياغة علاقة الدولة بمجتمعها، أو إعادة بناء الدولة على أسس مختلفة بالأحرى، كما فى عالمنا العربى.

وسيتم التركيز هنا على جانب محدود من هذه المساهمة المتشعبة، وهو سؤال محدد واجهه البلاشفة الروس منذ اليوم التالى لسيطرتهم على الحكم فى أكتوبر 1917، وهو كيف يمكن صياغة بنيان دستورى وقانونى هدفه الأول هو تجاوز العلاقات الدستورية والقانونية نفسها، وصولًا لمرحلة أفول الدولة وعودة الالتزامات بين الأفراد لمحيط الأخلاق بعيدًا عن توسطها عبر جهاز الدولة وقواه الضامنة والرادعة؟ بعبارة أخرى، كيف يمكن صياغة بنيان قانونى هدفه الأسمى هو نفى نفسه؟

هذه المعضلة الشاقة تصدى لها عدد من الفقهاء القانونيين البلاشفة منذ اليوم الأول لتسلُّمهم السلطة، وكانوا فى محاولتهم تلك يطرقون حقلًا غريبًا تمامًا وغير مسبوق على النظريات الدستورية والقانونية. وفى محاولتهم تلك قدموا إسهامًا نظريًا يتجاوز فى عمقه إسهامات قادتهم أنفسهم كلينين وتروتسكى، وقبلهم المنظرين الأساسيين مثل ماركس وإنجلز. بل قدم هذا  الإسهام تحديًا مهمًا للنظريات المهيمنة على الحقلين الدستورى والقانونى فى زمانهم ويمكن أن يقدم إلهامًا نظريًا للمشتغلين بأزمة الديمقراطية المعاصرة الآن.

القانون البرجوازى: من أين يأتى وما هى وظيفته وتناقضاته؟

فى أكتوبر 1917 حسم البلاشفة مسألة الصراع على السلطة الممتد منذ الإطاحة بالقيصر فى مارس من نفس العام. الإطاحة بالقيصر أعقبها عدد من الترتيبات المتعارف عليها كتسلُّم البرلمان القائم وقتها السلطة، وتشكيل حكومة مؤقتة منبثقة عنه، والدعوة لانتخاب جمعية تأسيسية تتولى وضع دستور جديد للبلاد. إلا أن ملابسات استيلاء الجماهير على السلطة، بما ترافق معه من انشقاق واسع النطاق فى القوات المسلحة، أدى لتشكل شكل آخر وهو اللجنة العليا لسوفيتات العمال والجنود. «السوفيت» فى اللغة الروسية هو «المجلس» وظهر هذا الشكل  التنظيمى فى الثورة الأولى المهزومة عام 1905، وكان غرضه تشكيل سلطة جديدة على الأرض تملأ الفراغ الذى خلفه انهيار الذراع القمعية والسياسية للسلطة القائمة وقتها. وبالتالى، فبينما كانت السلطة اسميًا فى يد البرلمان والحكومة المؤقتة، المهيمن عليهم بشكل شبه كامل من الطبقات البرجوازية المالكة بجناحيها الصناعى والزراعى، كانت السلطة الفعلية فى يد السوفييتات، المشكلة بالكامل من العمال وصغار الجنود المتمردين، التى تسيطر على جميع مفاصل العمل فى الدولة أو المجتمع، بل وفى القوات المسلحة نفسها. فنحن بالتالى أمام حالة ازدواج سلطة مختلة بشكل فادح لصالح السوفيتات.

 ومنذ اليوم الأول أيضا كان الجدل قائمًا حول ما إذا كان من الواجب أن تحل  السوفيتات نفسها بمجرد انتخاب الجمعية التأسيسية الجديدة أم أن العكس هو المطلوب، أى أن تعزل السوفيتات الحكومة المؤقتة وتحل البرلمان لتؤسس جمهورية عمالية مسلحة، انحاز الاشتراكيون الثوريون ــ وهم حزب فلاحى بالأساس انتخب أحد زعمائه وهو المحامى كيرنيسكى لرئاسة الحكومة المؤقتة ــ والمناشفة، أحد أجنحة الحزب الاشتراكى الديمقراطى الروسى، للرؤية الأولى، فى حين انحاز البلاشفة (الجناح اليسارى من الحزب نفسه) بزعامة لينين وتروتسكى للرؤية الثانية. فكرة المناشفة كانت أن أوضاع روسيا المتخلفة اقتصاديًا تحتم لتسلُّم حكومة برجوازية للسلطة حتى تستكمل مهام تأسيس دولة وطنية ديمقراطية تسمح للعمال بتنظيم أنفسهم لتسلُّم السلطة فى المستقبل. فى المقابل، رأى البلاشفة أن البرجوازية التى تسلمت السلطة فى مارس لن تقدم أبدًا على خطوة تأسيس جمهورية ديمقراطية بحكم تخلفها ذاته، وأن هدفها الأساسى هو قمع حركة العمال المنظمة عبر الجمهورية الجديدة.

ظل البلاشفة أقلية داخل السوفيتات على مدى الشهور التالية، فى حين تفاقمت أزمة ازدواج السلطة مع استمرار معارك الحرب العالمية الأولى وإحجام الحكومة المؤقتة عن الانسحاب الفورى من الحرب وكذلك مع تفاقم  الأزمة الاقتصادية الحادة التى لم تتخذ الحكومة المؤقتة أى إجراءات جادة للتعامل معها، خصوصًا فى الريف. تسارع الأحداث وضع الجمعية التأسيسية فى نفس مأزق البرلمان والحكومة المؤقتة: أى حكومة شرعية لا تملك من أمرها شيئًا فى الواقع. فى حين أن السلطة الجديدة على الأرض لا تحظى بأى شرعية دستورية وقانونية، وبالتالى لم نكن أمام سلطتين يتنازعان الشرعية بقدر ما كنا أمام انقسام اجتماعى حاد يحتكر أحد أطرافه الشرعية، فى حين تتركز القوة بشكل صافٍ فى الطرف الآخر «السوفيتات».

تفاقم الأزمة بهذا الشكل هو ما حسم الأمر باتجاه انتصار رؤية البلاشفة، واستيلاء السوفيتات المسلحة على السلطة فى أكتوبر. وكان أول إجراءاتها بالطبع هو حلّ الجمعية التأسيسية، وإعلان جمهورية سوفيتية مع نهاية العام يتولى فيها مجلس السوفيتات الأعلى السلطة التشريعية والتنفيذية فى البلاد، ويعلن أن بناء الاشتراكية هو هدفه الأول والذى ينتهى بتحلل الدولة البرجوازية. ترافق ذلك بالطبع مع إجراءات تأميم واسعة النطاق لكافة المنشآت الصناعية والخدمية  وإعادة توزيع الأراضى لمصلحة الفلاحين المعدمين، وكذلك تحويل معيار العمل لمعيار عضوية السوفيتات الوحيد بما كان يعنى تجريد طبقات بأسرها من حقوقها السياسية بالكامل.

كيف يمكن التعبير عن جمهورية جديدة معيارها ليس المساواة المطلقة بين المواطنين أمام القانون، ولكن معيارها هو المساهمة بقوة العمل فى حياة المجتمع دستوريًا وقانونيًا؟ كان الوضع الجديد معاكسًا بشكل صافِ لكل الأدبيات المتاحة فى الفكر القانونى الليبرالى، أو حتى الاجتماعى والمحافظ. فعلى الرغم من الانقسامات النظرية بين تلك المدارس إلا أن أحدًا منها لم يجرؤ على تفكيك القاعدة القانونية المركزية فى كل البناء القانونى الحديث، وهو شخص الإنسان نفسه المجرد بدون أى صفات، واعتباره محور الالتزام القانونى. غياب هذا الشخص المجرد وإحلاله بالشخص العامل يقتضى بالضرورة بناءً مختلفًا من القواعد الدستورية والقانونية، ويقتضى، وهو الأهم، تسويغ ذلك بلغة دستورية وقانونية تتشابه، من حيث الشكل، مع لغة الفقهاء القانونيين البرجوازيين.

أولى المحاولات تمت على يد القانونى البلشفى «بيوتر ستوشكا» Piotr Stuchka. وكان هذا المحامى عملة نادرة داخل حزب قوام عضويته  الأساسى من العمال والفلاحين، وصغار الجنود، ويتزعمه عدد من المثقفين يناصبون  الفكر القانونى برمته العداء من الأصل.  عضوية ستوشكا فى الحزب أهلته بشكل طبيعى لهذه المهمة، والتى بدأت بكتابة دستور الجمهورية السوفيتية الأول فى عام 1918.  نقطة البدء فى عمل ستوشكا كانت فى إعادة شرح المفاهيم الأساسية لرؤية ماركس، وإنجلز، ثم لينين للدولة البرجوازية، ومحاولة تحديد كيفية تجاوزها.

يرى «ستوشكا» أن القانون هو بالضرورة انعكاس مباشر لعلاقة قوى طبقية، فبينما تتشكل علاقة العمل المأجور كعلاقة استغلال بالأساس يستحوذ بها الرأسمالى على فائض القيمة المنتج من العامل، تنقلب هذه العلاقة فى البناء القانونى إلى علاقة تعاقدية بين  أفراد أحرار متساويين فى المجال الخاص (مجال المعاملات المدنية من عقود عمل، وملكية، وخلافه)، كما تأخذ فى حقل القانون العام أشكالًا مختلفة من التضييق على عدد من الحقوق العامة كحرية التعبير، والحق فى التنظيم والتجمع باسم حماية النظام العام والسلم الاجتماعى. بالنسبة لستوشكا – وهو هنا يسير على خطى لينين بشكل مباشر- لا يمكن عكس علاقة القوى تلك فى مجال المجتمع المدنى، أى مجال علاقات الإنتاج، بدون عكسها فى المجال القانونى:   أى تنتقل المساواة الشكلية من المجال القانونى إلى مجال العلاقات الاجتماعية لتتحول لمساواة فعلية يتحصل بمقتضاها  العامل على فائض قيمة عمله، فى حين تنتقل المساواة الفعلية للمجال القانونى، بوصفها علاقة «قهر» يمارسها العمال على الملاك، عبر تجريدهم من حقوق الملكية، ومختلف الحقوق السياسية، بوصفهم ينتمون لطبقة لا تسهم بشئ فى حياة المجتمع الجديد بقدر ما تحيا بشكل طفيلى على فائض عمل المنتجين.

بالنسبة لستوشكا، فالمسألة بسيطة: الحقوق السياسية تتولد عبر العمل، فإن كان الإنسان لا يعمل، فهو قد تنازل بنفسه عن حقوقه السياسية، فى حين أن القانون البرجوازى يعرض الأمر بشكل معكوس، وهو أن الحقوق سابقة فى وجودها على العمل نفسه، يتمتع بها صاحبها حتى ولو قرر ألا يعمل أو أن يحيا على عمل الآخرين. لا يوجد لدى ستوشكا فرد مجرد سابق فى وجوده على المجتمع بقدر ما أن وجوده فى المجتمع هو مصدر كل الحقوق ومحور كل الالتزامات. النظام الجديد إذاً، ليس ديمقراطيًا بالمعنى الليبرالى للكلمة، ولا يدعى ذلك، ولا يريده. ولكنه ديمقراطى من نوع آخر، فهو نظام تتركز فيه السيادة ليس فى جسد  الأمة المجرد المكون من ذوات فردية مجردة، بقدر ما تتركز فى جسد متعين مكون من أفراد لهم صفة محددة، وهى صفة العمل. السيادة هنا للأمة ولكنها أمة العاملين حصريًا التى تمارس ديمقراطيتها بشكل مباشر عبر السوفيتات وتمارس على الطبقات المستغلة ديكتاتورية صريحة لا تموه على نفسها باللغة القانونية المجردة… ديكتاتورية البروليتاريا.

من هذا المنطلق، تم تسويغ حلّ الجمعية التأسيسية التى لم تعكس فى تشكيلها هذا المبدأ الجديد الناظم لتشكل الأمة، وكذلك تمت صياغة مواد الدستور السوفيتى الأول لتصبح  السلطة فى السوفيتات، لا تمارسها عبر الاقتراع الحر المباشر، ولكن عبر الاقتراع غير المباشر، حيث ينتخب السوفيت المحلى ممثلة لمجلس السوفيتات الأعلى، وينتخب المجلس لجنته  التنفيذية العليا التى تتولى سلطة التنفيذ، وتحاسب أمام المجلس بشكل دورى. أما السوفيتات المحلية، فقد تمتعت بصلاحيات واسعة تشريعية وتنفيذية كما تمتعت هيئتها الناخبة بسلطة سحب الثقة من الأعضاء وإعادة انتخابهم.

من شأن هذه الترتيبات، وفقًا لستوشكا، أن تؤدى على المدى البعيد إلى تحلل الدولة بمعنى أن تنتقل السلطة تدريجيًا من مجلس السوفيت الأعلى إلى السوفييتات المحلية التى تنتظم مع بعضها  بعضاً مرة أخرى بشكل طوعى تمامًا كاتحاد  لعموم المنتجين، دون  الحاجة لتوسط من أى نوع.

على أرض الواقع، لم تكن الأمور بهذه السلاسة التى تخيلها ستوشكا وقبله لينين. فأدبيات لينين المؤسسة – خصوصًا كتَّيبه الأهم «الدولة والثورة»- كتبت فى فترة حمى الصراع الطبقى الروسى، والتعبئة الثورية العامة لكل العاملين فى المجتمع، وفى ظروف انهيار اقتصادى شبه كامل. أسئلة حسم الصراع على السلطة هنا طغت على أسئلة بناء جديد للسلطة، بل وهندسة شكل جديد تمامًا لعلاقات الإنتاج  الاجتماعية. منذ اللحظة الأولى واجهت السلطة الجديدة معضلة المعرفة الإدارية والعلمية المركزة بشكل أساسى فى فئات غير منتجة كالمديرين، والمشرفين والمهندسين، وغيرهم. هذه الفئات تلعب دورًا محوريًا فى عملية الإنتاج والتوزيع لا يمكن التغاضى عنه ببساطة لمصلحة الإدارة المباشرة لعملية الإنتاج من قبل جموع العمال. وهذا الدور يتعاظم مع ضرورة فرض قدر مركزى من التوازن على هذه العملية يضمن عدم التفاوت بين الأقاليم، أو بين الفلاحين، على وجه الخصوص، والعمال. كيف يمكن مثلًا تأمين احتياجات الطبقة العاملة فى المدن من غذاء ومواد خام بدون الافتئات على معاش سكان الريف من الفلاحين وصغار التجار؟ وكيف يمكن لتسعير عادل يسمح برفاهية العمال ألا يفتئت على معاش الفلاحين؟ وكذلك كيف يمكن تأمين احتياجات سكان الريف الصناعية بشكل عادل إذا ما تركت إدارة الإنتاج بشكل كامل إلى السوفيتات بدون تخطيط مركزى؟

هذه المعضلات كانت تعنى فى الواقع أن دور  المديرين، وقادة الحزب واللجنة التنفيذية العليا يتعاظم على حساب دور السوفيتات، وليس العكس، خصوصًا فى ظروف الحرب الأهلية التى أعقبت استيلاء البلاشفة على السلطة، ومن ثم أن دور القواعد القانونية الآمرة المجردة يتعاظم فى الواقع، ولا يتراجع لمصلحة الالتزامات  الأخلاقية بين الأفراد. واتضح ذلك أكثر فأكثر بعد انتهاء الحرب الأهلية بانتصار كامل للبلاشفة، ولكن بثمن باهظ، وهو مجاعة ريفية كانت تقتضى تدخلًا فعالًا للسيطرة عليها، وإلا انهارت الدولة الوليدة.

من هنا، كانت عودة لينين لتبنى ضرورة إتاحة مساحة ﻵليات السوق فى تحديد الأسعار والابتعاد، ولو لفترة مؤقتة عن التسعير الجبرى، وذلك لإنقاذ سكان الريف باﻷساس، مع مزيد من المركزية لعمليات الإنتاج والتوزيع الصناعى لسد احتياجات عموم السكان على حساب الإدارة اللامركزية. شكل الملمحان معًا قوام ما عرف «بالسياسة الاقتصادية الجديدة»، بدءًا من عام 1922، وهى السياسة التى قادت فى الواقع لمزيد من الاعتماد على التشريع الدستورى والقانونى، وليس تراجعه.

فى هذا السياق، بدأ القانونيون البلاشفة من تلامذة «ستوشكا» فى التفكير فى معضلة «تحلل الدولة والقانون»، فى ضوء واقع جديد مستقر نسبيًا وبعيد عن ظروف التعبئة الثورية التى وَسَمَت أدبيات لينين وتروتسكى، وستوشكا بطابعها. تعد أعمال يفجينى باشوكانيس Pashukanisهى الأهم بلا منازع فى هذا السياق، خصوصًا فى كتابه «النظرية العامة للقانون والماركسية» الصادر فى 1924. نقطة انطلاق باشوكانيس الأساسية هى أن بنية القانون البرجوازى فى مصدرها هى على درجة من  التعقيد أعلى بكثير مما كان يظن ستوشكا، ومن ثم فتحللها لا يمكن أن يحدث ببساطة بمجرد عكس علاقات الهيمنة فى المجال السياسى. القانون البرجوازى لدى باشوكانيس، ليس مجرد تعبير عن علاقة قهر أو قوة، بقدر ما أنه إطار مادى للعلاقات الاجتماعية ينشأ بالارتباط المباشر مع علاقة التسليع Commodification، بمعنى أن الالتزامات التعاقدية بين الأفراد التى تفترض الشكل المجرد للذات، التى انتقدها لينين وستوشكا، والمساواة المجردة بين هذه الذوات، لم تنشأ نتيجة هيمنة البرجوازية وسعيها لانتزاع فائض القيمة من العمل، العكس هو الصحيح فى الواقع. أى أن هذا الشكل من العلاقات هو ما سمح من الأصل بنشأة البرجوازية كطبقة، ومن ثم فقد يستمر هذا الشكل مع تدمير البرجوازية، وبغض النظر عن وجودها من عدمه.

يعود باشوكانيس لتبرير وجهة نظره إلى أعمال ماركس نفسه، وليس لينين أو ستوشكا. يشرح ماركس فى المجلد الأول من «رأس المال»، والمخصص بالكامل لتحليل الشكل السلعى، أن السلعة بعد أن تنتج لا يمكن أن تذهب لتبيع نفسها فى السوق، ولكنها تقتضى وتفترض فردًا قادرًا على ذلك. التداول السلعى فى المجتمع الرأسمالى قائم على المساواة بين كافة القيم  التبادلية، من حيث الشكل وتمثيلها عبر النقود التى تحولت هى نفسها لسلعة. التوسع فى الاعتماد على النقد منذ بداية تحلل الإقطاع، قاد إلى طفرة فى التبادل السلعى حتى وصلت لمعدَّلات فلكية. هذه السرعة فى دوران السلع فى الأسواق كانت تقتضى تجريدًا موازيًا للأشخاص الداخلين فى عملية التبادل وتحولهم لمحور الالتزام القانونى. خلال العصور السابقة على الرأسمالية كانت الالتزامات القانونية تتفاوت من فرد لآخر، تبعًا لحسابات الدين والمكانة الاجتماعية، أو الوجود الجغرافى. ولكن نمو القوى الإنتاجية الهائل وما اقترن به من سرعة التداول السلعى كان يقتضى تراجع هذا التفاوت وتجريد الشخصية القانونية التى يتعامل معها القانون. لم يعد القانون يعترف فى ساحته بتفاوتات بين مسيحيين كاثوليك، أو بروتستانت، أو بين فلاحين ونبلاء، ولكن يعترف فقط بمراكز قانونية متساوية (مالك، أجير، بائع، مشترِ….إلخ)هذا هو ما سمح بتبلور البرجوازية كطبقة تحتل هذا الموقع الشاغر للفرد المالك وليس العكس. لم تخلق البرجوازية القانون البرجوازى بقدر ما أسهم القانون البرجوازى فى تشكلها كطبقة. أما الثورات الديمقراطية الكبرى كالثورة الأمريكية، والثورة الفرنسية فلم يكن هدفها هو اختراع القواعد القانونية البرجوازية بقدر ما كان هدفها تطبيقها على الملوك والنبلاء بدون تمييز.

معضلة القانون البرجوازى لدى باشوكانيس لا تنشأ فحسب من التناقض بين المساواة الشكلية على المستويين الدستورى والقانونى وواقع الاستغلال الفعلى لقوة العمل، بقدر ما تنشأ كذلك، وبالأساس، من تسليع قوة العمل نفسها، أى تحويلها لسلعة. هذا التسليع الذى تعبر عنه علاقة العمل المأجور هو المنشئ للتفاوت، حتى ولو انتهت البرجوازية نفسها كطبقة. ومن ثم، فلا أمل فى تحلل القانون والدولة مادام الشكل السلعى قائمًا ،حتى ولو كانت الطبقة المسيطرة هى البروليتاريا، وليس الملاك البرجوازيين. ونرى هنا تناصًا لافتًا مع نقد تروتسكى لهيمنة البيروقراطية الحزبية فى الدولة السوفيتية، والتى حلّت لديه محل البرجوازيين وكبار الملاك، عبر إدارتها لشكل الإنتاج والتداول السلعيين منذ مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة.

على هذا الأساس، كانت رؤية باشوكانيس للقانون السوفيتى أنه قانون برجوازى فى التحليل الأخير، ولكنه قانون برجوازى فى مرحلة انتقالية يسعى لفتح الطريق أمام تحلل الدولة، ونفى نفسه بالتبعية. من هنا، فالمخرج من هذه المعضلة كان فى الاعتراف بالطابع البرجوازى للقانون فى المجتمع السوفيتى مع تطعيمه بملامح من قانون اشتراكى يصدر بالأساس عما عرف بالمجلس الأعلى للإنتاج. أما القوانين المدنية والجنائية، التى يستند إليها عمل المحاكم مثلًا، فهى فى نظره تظل قوانين برجوازية بالأساس. الأولوية لدى باشوكانيس إذاً، كانت فى تصفية العلاقات السلعية، والتى طالما استمر بقاؤها فلا أمل فى تحلل للقانون.

تم تبنى رؤى باشوكانيس فى الدولة الوليدة على نطاق واسع، وذلك عبر رئاسته لقسم القانون والدولة بمعهد البناء السوفيتى التابع للأكاديمية الشيوعية، والذى أشرف على مدّ الدولة الوليدة بمشرعيها وقضاتها، وإن كانت تلك الرؤى قد انتقدت على نطاق واسع أيضاً داخل الاتحاد السوفيتى نفسه. من أهم محاورى باشوكانيس ومنتقديه يأتى القانونى بيونتكوفسكى Piontkovsky، صاحب المرجع الشهير «الماركسية والقانون الجنائى»، والذى انتقد رؤية باشوكانيس، نتيجة تركيزها المفرط على الطابع المادى للعلاقات القانونية وإهمالها لجانبها الأيديولوجى. سعى باشوكانيس لتجاوز الرؤية المغرقة فى التسييس لستوشكا أدى، من وجهة نظر بيونتكوفسكى، إلى التهوين من شأن التحولات السياسية ما دامت بنية  التداول السلعى لم تمس. بل تجاوز بيونتكوفسكى إلى اتهام وجهة نظر باشوكانيس «بالعدمية القانونية» التى تضع مثالًا أعلى يجب أن يتجه إليه الواقع، وإن خالف ذلك تتساوى لديها النتائج دون قدرة على تحليل أسباب هذا الاختلاف، أو كيفية تعديل المسار إن لزم الأمر. بالنسبة لبيونتكوفيسكى، فمجرد انهيار السلطة السياسية للبرجوازية يعنى انهيار الوظيفة الأيديولوجية، للقانون، حتى ولو استمرت العلاقات السلعية مهيمنة. انهيار الطابع الأيديولوجى يعنى أن القانون القائم يصبح فى نظر الجميع قانونًا انتقاليًا، ومن ثم يفتح الباب للمرة الأولى لممارسة الصراعات داخل أروقته، وعبر ساحاته، دونما توهم أو ادعاء بأى تعالى نظرى أو ميتافيزيقى.

 حظى باشوكانيس بمكانة متميزة لدى ستالين شخصيًا قبل أن ينقلب عليه، نتيجة رؤاه التى تنفى الطابع الاشتراكى عن القانون والدولة السوفيتية بالمجمل، وهى رؤى كانت تعد انحيازًا مبطنًا لرؤى تروتسكى الذى انتهى به الحال لاجئًا ،هربًا من استبداد ستالين. كان مجرد الشك بقبول رؤى تروتسكى فى الاتحاد السوفيتى فى هذا الوقت مبررًا كافيًا للانتهاء بأى مسئول، أو مفكر، أو حزبى، حتى ولو كان بوزن باشوكانيس، إلى معسكرات الاعتقال أو الاختفاء، وهو ما حدث مع باشوكانيس للأسف عام 1936 خلال حملات تطهير ستالين الشهيرة والتى اكتملت أيضا بمنع تدريس كتاباته فى قسم الدولة والقانون بمعهد البناء السوفيتى، لينهى الديكتاتور السوفيتى بذلك حلقة مهمة من حلقات الفكر السياسى الصادر عن الثورة الروسية. لم يعد اسم  باشوكانيس للظهور مرة أخرى إلا مع صعود خروتشوف للسلطة، والذى رد  الاعتبار جزئيًا لسيرة الرجل، ولكن بعد فوات الأوان.

القانونيون البلاشفة فى زمانهم وما بعده:

إسهام القانونيين البلاشفة لا يمكن تقديره إلا بوضعه فى سياقه التاريخى، وتبيان أوجه امتداده بعد ذلك فى مجال الفلسفة السياسية وغيرها. تصوُّر القانونيين البلاشفة عن القانون ومنشأه ووظيفته شكًّل قطعًا وانفصالاً مهمًا مع التصورات السائدة فى حقل الفكرين الدستورى والقانونى فى هذا الوقت. من زاوية أولى، شكلت وجهات النظر المطروحة قطعًا مهمًا مع تصورات هانز كيلسن Hans Kelsenالكانطية الجديدة التى ترى فى القانون سلسلة متماسكة من القواعد المشتقة من معايير عليا، وإن كانت لا تعلق تلك القواعد بحد ذاتها على هذه المعايير أو تبدى وجهة نظر بشأنها. وجهة نظر كيلسن الوضعية، وإن كانت تقدم دفاعًا عن المبادئ القانونية الليبرالية، إلا أنها تحاشت التطرق لمسألة القانون الطبيعى كمصدر لهذه القواعد، وظلت محتفظة بصرامتها فى التعامل مع القانون كمنظومة معيارية مستقلة بذاتها.

 من زاوية أخرى، كانت أفكار كارل شميت Carl Schmittفى صعود، والتى ركزت على الطابع العرضى Contingentوالسياسى للقاعدة القانونية، وليس طابعها المعيارى بوصفها، أى هذه القاعدة، فى جوهرها، تقريرًا بشأن مسائل الاستثناء: أى القدرة على الخروج عن القانون أو تعليقه هى من تحدد موقع السيادة فى أى مجتمع، ومن ثم  تحدد طبيعة القاعدة القانونية السائدة. هذا التقرير، ولأنه يجرى فى ظرف سابق على القواعد المعيارية ذاتها ،فهو يجرى تحت وطأة ظرف أقرب ما يكون للظرف الدينى أو الإيمانى، وتحكمه ثنائية «الصديق والعدو»، أو «نحن والآخر». ومن ثم،  قدمت أفكار شميت أساسًا نظريًا قويًا للخروج الواسع على القواعد الليبرالية الديمقراطية فى ألمانيا النازية، والتجارب الفاشية الأخرى.

 فى المقابل، كانت تستمرــ على استحياء ــ نظريات القانون الطبيعى التى تشتق القواعد القانونية من تصور مجرد عن الطبيعة الإنسانية، وما يتصل بها من حقوق غير قابلة للتجزئة، تشكل بدورها أساسًا للمعايير التى تحدث عنها كيلسن. وعادت نظرية القانون الطبيعى للانتعاش عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وما رافقها  من فظائع، وقدمت تأسيسًا للقانون الدولى لحقوق الإنسان.

بينما تصر معالجة كيلسن على الاستقلال الذاتى للمنظومة القانونية وتصر نظريات القانون الطبيعى على سموّ وتجرد مفترضين لهذه القواعد، عاد شميت لربط القانون بالصراعات الإنسانية وإن كان قدم مفهومًا أنطولوجى الطابع لهذا الصراع  يركز على ثنائيات الصديق والعدو والعادى والاستثنائى، مع تنحية كاملة للطابع المعيارى أو الأخلاقى للجدل القانونى.

فى مقابل هذه التوجهات الثلاثة، قدم المشِّرعون والقانونيون السوفيت الأوائل إسهامًا متميزًا ينطلق من نقطة مختلفة جذريًا عن تلك الإسهامات  المهيمنة. فبينما ربط هؤلاء المنظرون السوفيت القانون بمحيط الصراعات الاجتماعية كما هو حال شميت، إلا أنهم لم يقعوا فى فخ التأمل الأنطولوجى العابر للتاريخ بقدر ما قدموا ربطًا مستندًا إلى تحليل تاريخى متعين مادى الطابع لمنشأ القانون ووظيفته. فلم تصبح وظيفة القاعدة القانونية مشتقة من شكل أنطولوجى مجرد سابق على تشكلها بقدر ما أن وظيفتها مشتقة من محيط لعلاقات اجتماعية متعينة يمكن تحليلها بأساليب التحليل المادى، وهو محيط العلاقات السلعية لدى باشوكانيس أو توازنات القوى الطبقية لدى ستوشكا ولينين من قبله.

 وبينما يتمايز المنظرون السوفييت عن الرؤية الكانطية لكيلسن، أو منظرى القانون الطبيعى من حيث تركيزهم على الأساس المادى للقانون، إلا أنهم لم يغفلوا الاعتبارات المعيارية والأخلاقية بقدر ما أنهم وضعوا هذه الوظيفة المعيارية والأخلاقية للقاعدة القانونية فى محيط العلاقات الاجتماعية كذلك. فتعاملوا معها كمكونات فى بناء أيديولوجى وظيفته الأساسية هى حجب التفاوتات فى المجتمع المدنى  لصالح المساواة الشكلية فى البناء القانونى. وبالتالى واجهوا هذه المعيارية الأخلاقية الزائفة بمعيارية أخلاقية بديلة ترث العلاقات القانونية بالمجمل وترتكز على التزامات أخلاقية متبادلة بين البشر عمادها الإيمان بالمساواة الكاملة ورفض استغلال العمل الذى يؤدى لإعادة إنتاج التفاوت.

بعبارة أخرى يمكن قراءة إسهامات المنظرين السوفيت كدفاع عن ديمقراطية من نوع مختلف فى مواجهة رؤية خلاصية لدى شميت، وفى مواجهة التأسيس المعيارى المراوغ لدى كيلسن، ولدى أنصار القانون الطبيعى. نجا المنظرون  السوفيت إذاً من فخ النزعة الأنطولوجية العاجزة معياريًا، ومن فخ النزعة المعيارية التى تتعامى عن الواقع المادى. ومن موقعهم هذا، فتحوا الباب واسعًا أمام نقد متواصل راسخ الأساس للقانون فى المجتمعات الليبرالية الديمقراطية يسعى لتجاوزه باتجاه أكثر ديمقراطيةً لا فى اتجاه التصلب الهوياتى والقومى، أو فى اتجاه يوتوبيا معيارية وأخلاقية.

هذا النقد هو ما تفاعل مع تجارب التحرر الوطنى، مثلًا، فى  عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد اتجه طيف واسع من النخب التى قادت دول ما بعد الاستقلال إلى تبنى الرؤى السوفيتية حول ضرورة أن تعكس البنى السياسية واقع التوازن الطبقى الجديد. نرى هنا تجارب تحديد «كوتا» للعمال والفلاحين، مثلًا، فى المجالس المنتخبة، أو التركيز على الإدارة الذاتية، أو التسيير الذاتى للإنتاج من قبل  مجالس المنتجين، واعتبار العمل معيارًا لممارسة الحقوق السياسية والعامة. ورأينا أطيافًا من ذلك فى عالمنا العربى فى مصر والجزائرو وسوريا، والعراق. وكما انتهى الحال بالتجربة السوفيتية إلى البيروقراطية الشمولية، انتهى الحال بهذه التجارب أيضا إلى البيروقراطية السلطوية، وذلك تحديدًا لأنها أحجمت – كما أحجم السوفيت- عن استهداف أساس البنية القانونية البرجوازية فى عالم الإنتاج السلعى نفسه. فاستمر القانون البرجوازى على حاله، وأعاد إنتاج السيطرة البرجوازية بشكل أكثر توحشًا من عصر الاستعمار.

كذلك ألهمت أدبيات باشوكانيس الطفرة التى حدثت فى الأدبيات الماركسية عن الدولة منذ النصف الثانى من الستينيات مع لويس ألتوسير وتلامذته نيكوس بولانتزاس، وبوب جيسوب، بل وامتد أثرها إلى أعمال الفلاسفة ما بعد البنيويين فى تحليلهم لعلاقات وممارسات السلطة، وعلى رأسهم ميشيل فوكو بالطبع. رؤية باشوكانيس عن الوضع المجرد للذات القانونية بوصفه سابقًا على تشكل البرجوازية كطبقة مسيطرة أثّرت بشكل حاسم فى رؤية «ألتوسير» عن البنية، بوصفها سابقة على الطبقة: أو أن الموقع الاجتماعى الشاغر يسبق بنيويًا الفاعل الذى يشغله. وطور ألتوسير تعريفه هذا ليعلن لاحقًا أن الطبقات ما هى إلا روافع للبنية الاجتماعية، ومن ثم يجب أن ينصب التحليل الماركسى العلمى على ملامح هذه البنية أكثر من انصبابه على استراتيجيات الهيمنة والحكم المتبعة فى هذا الوقت أو ذاك. كذلك طوّر فوكو النظر فى الدور المنتج للقانون للذوات بشكل غير مسبوق عبر تحليله التاريخى المادى لدور القانون فى تشكيل العلاقات الاجتماعية الأوروبية فى القرنين السابع عشر والثامن عشر، وربطه هذه الممارسات القانونية بممارسات معرفية أخرى أوسع من التداول السلعى المعمم.

…والآن: 

بالعودة لعالمنا المأزوم، والذى بدأنا مقالنا بالحديث عنه، يبدو المشهد الفكرى شبيهًا بالمشهد الذى أنتج فيه القانونيون البلاشفة إسهامهم النظرى. يبدو أن الفكرين الدستورى والقانونى موزعان على الاتجاهات الثلاثة السابق نفسها الحديث عنها: الاتجاه الكانطى المحدث، والاتجاه الأنطولوجى المتأثر بشميت، واتجاه القانون الطبيعى فى حقل القانون الدولى لحقوق الإنسان. وكل اتجاه من الاتجاهات الثلاثة يبدو إما عاجزًا عن مواجهة واقع افتقاد الجمهور العام للثقة فى الهياكل الديمقراطية الليبرالية – كما فى حالة الاتجاهات الكانطية والطبيعية- أو منتجًا بحد ذاته لعدم الثقة هذا، عبر تركيزه على القانون، بوصفه مجسدًا لثنائية الصديق والعدو، كما فى حالة الاتجاهات المتأثرة بشميت؛ أى أنه فى مواجهة التحدى اليمينى القومى والدينى للديمقراطية الليبرالية التى هيمنت على العالم منذ انهيار الاتحاد السوفيتى تعجز الرؤى المعيارية عن تقديم تأسيس معيارى وأخلاقى ملهم لكل من الديمقراطية وفكرة حكم القانون.

واللافت أن واقع الجدل الذى تمخضت عنه الثورات العربية لم يشذ عن هذه الاتجاهات الثلاثة. فبمجرد إسقاط السلطويات الموروثة من حقب التحرر الوطنى فى هذه المجتمعات، طفت على السطح الرؤى المعيارية المجردة، والتى فشلت فى تقديم تأسيس لديمقراطية تستجيب للتحديات الاقتصادية الحادة التى تواجهها الجماهير المتعطشة لتحسن سريع فى أحوالها، بينما تبنت القوى الإسلامية، ثم النخب القومية المحافظة التى أعقبتها، كما فى مصر وتونس، رؤى أداتية للقانون ترى فيه تعبيراً عن صاحب السيادة وقوة التقرير بشأن الاستثناء ومجسدًا لثنائية الصديق والعدو. الحسم المؤقت عبر القانون للصراع بين الطرفين لا يقدم أى تأسيس للمستقبل قابل للاستقرار، ويمكن البناء عليه بقدر ما ينتج أوضاعًا بالغة الهشاشة لا تنذر إلا بمزيد من التأزم فى أوضاع الديمقراطية.

هنا يخبرنا القانونيون البلاشفة أن لا حياة للديمقراطية إلا بالخروج على نفسها، ليس باتجاه  الماضى، ولكن باتجاه تجاوز علاقات الإنتاج الرأسمالية أصل الأزمة ومبتدئها. محاولة الخروج تلك هى التى ألهمت هؤلاء المنظرين، والفشل فى نقل المعركة لساحة الإنتاج السلعى هو ما أنتج الشمولية السوفيتية البيروقراطية. ومن ثم، فاستعادة إسهام هؤلاء المنظرين لن يؤت ثماره إلا عبر التفكير فى أسباب فشل محاولتهم من أجل إعادة اختراعها مرة أخرى على أسس جديدة.

 

مقالات

دراسات العدد

قضايا ديمقراطية

العدد الحالى 72 أكتوبر 2018

افتتاحية العدد

كثير من المعلومات.. قليل من الحقيقة د. هناء عبيد

ثار كثيرا فى الآونة الأخيرة الحديث عن ظاهرة انتشار الشائعات والأخبار المجتزأة، أو الزائفة، وتغييب الحقيقة فى عالم يسوده الخطاب العاطفى، والتمسك بظلال من الحقائق، أو الحقائق البديلة، فيما سمى ظاهرة ما بعد الحقيقة.

الأعداد السابقة