ملف العدد
فليبق كل فى مكانه! الرأسمالية العالمية والدول القومية الجديدة
2017/12/27
بقلم د.عمرو عادلى
0
3378
69
العدد :

لم يكن عام 2017 لينقضى قبل أن يشهد العالم مزيدا من محاولات إنشاء دول قومية جديدة، وكانت الحالتان الأكثر بروزًا هما كردستان العراق، وإقليم كتالونيا بإسبانيا، وإن تجدد النقاش فى بريطانيا حول مصير المملكة «المتحدة»، فى ضوء الانسحاب من عضوية الاتحاد الأوروبى، وما عبرت عنه بعض القوى الأسكتلندية (وفى أيرلندا الشمالية بدرجة أقل) من رغبة فى الاستقلال. ولكن أى من هذه المحاولات – خاصة كردستان وكتالونيا، حيث اتخذت إجراءات فعلية للانفصال – لم يقابل بترحاب من النظم الدولية والإقليمية المحيطة، مما أسهم بشكل جدى فى إجهاضهما فى المهد لمصلحة وحدتى العراق وإسبانيا، وبدا وكأن هناك إجماع دولى ما يقضى ببقاء كلٍ من مكانه. وليس الأمر بجديد حقا.

ما الذى اختلف مؤخرا؟

فى السنوات العشر الأخيرة لم يتم تلقى خبر إنشاء دولة قومية جديدة تضاف لعضوية الأمم المتحدة النامية بحفاوة وإجماع من قبل حكومات العالم إلا فى حالة جنوب السودان، والتى استقلت فى يوليو 2011، بعد حرب أهلية هى الأطول فى التاريخ الحديث، والتى مات فيها ما يناهز مليونين من البشر، مقابل تشرد ضعف ذلك الرقم. أما غير ذلك، فإنشاء دول قومية جديدة تخرج من رحم دول قائمة كان دائما محل إشكال، وربما مقاومة من غالب دول العالم، أو على الأقل غياب إجماع بينهم، وهو ما ظهر فى تدخلات روسيا الاتحادية فى جورجيا فى 2008، واعترافها –منفردة تقريبا - بجمهوريتى أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، بعد ستة أشهر من اعتراف الولايات المتحدة، ودول حلف شمال الأطلنطى، وغالب دول الاتحاد الأوروبى (بما فيه المفوضية) باستقلال كوسوفا عن يوغوسلافيا، ولكن فيما لم تحظ الجمهوريتان الجديدتان المقتطعتين من جورجـــيا بأى اعتراف دولى تقريبا، حظيت كوسوفا باعتراف نحو نصف أعضاء الأمم المتحــدة (57 ٪ تحديدا)، ولكن تكرر الوضع مع الجمهوريتين اللتين نتجتا عن التدخل الروسى فى أوكرانيا فى عام 2014: لوهانسك ودوناتسك، واللتين لم تلقيا اعترافا يذكر، واعتبرتا ترجمة سياسية للاحتلال العسكرى الروسى لشرق أوكرانيا (تماما كما هو الحال فى جورجيا).

فلماذا يضيق النظام الدولى اليوم بإنشاء المزيد من الدول القومية لتكون ترجمة لحق تقرير المصير للشعوب التى تستشعر فى نفسها التمايز الثقافى والروح القومية المشتركة؟ وتعبيرا عن الديمقراطية، أى إرادة مجموعة ما فى تحديد كيف يمارسون السيادة كى يحكموا أنفسهم والإقليم الذى يعيشون عليه؟ لماذا تغيرت الأمور فى العقد الأخير عن فترات سابقة شهدت ميلاد عشرات من الدول القومية الجديدة، سواء فى موجات انهيار الكولونيالية فى الخمسينيات والستينيات، والذى نجم عنه عشرات من الدول الأفريقية والآسيوية، أو فى التسعينيات فى عقب تفكك الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية؟ ما الذى تغير تحديدا؟

يرمى هذا المقال إلى الإجابة على السؤال السابق باستعراض العلاقة بين الرأسمالية على المستوى العالمى – أى النظام الاقتصادى المعولم – فى علاقته بالتنظيم الدولى القائم على الدول القومية المستقلة ذات السيادة. ويدور الطرح الرئيسى حول كون التطور الرأسمالى منذ الثمانينيات، وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة، قد تأسس على مؤسسات معولمة أو مجاوزة للدولة القومية فيما يتعلق بإدارة تدفقات رءوس الأموال والبضائع والأفكار والمعلومات، وأن ذلك قد وجد تعبيراته فى أشكال مختلفة ومتعددة من المؤسسات فنية الطابع فوق – القومية، بدءا من منظمة التجارة العالمية مرورا بالاندماج الاقتصادى المناطقى كحال الاتحاد الأوروبى ومناطق التجارة الحرة، مثل المنطقة الحرة فى أمريكا الشمالية (النافتا)، والسوق المشتركة لدول جنوب أمريكا اللاتينية (الميركوسور)، وأن دور الدولة كوحدة بناء فى التنظيم الدولى التالى على الحرب العالمية الثانية قد تآكل فيما يتعلق بإدارة الموارد الاقتصادية وعناصر الإنتاج، بل وأصبح محددا بحدود يعينها تطور الرأسمالية العالمى ليؤدى أدوارا كحماية حقوق الملكية الخاصة، والملكية الفكرية، وسرعة إنفاذ التعاقدات، وجمع وإدارة المعلومات العامة، خاصة تلك المتعلقة بالاقتصاد، وتدعيم البحث العلمى والابتكار، والسيطرة على انتقالات البشر والهجرة، واللجوء، وغيرها. ومن هنا أصبحت السوق العالمية قائمة على قواعد ومؤسسات مجاوزة للدول القومية (Hardt and Negri 2001)،ولكنها مستندة إليها لأداء أدوار رئيسية على المستويات الوطنية، خاصة فى ضوء أن الدولة القومية لا تزال هى الموضع الأوحد الذى تمارس فيه السياسة. إذ إن المؤسسات المجاوزة للقومية الأخرى لا هى ديمقراطية، ولا هى قائمة أساسا على فكرة تمثيل إرادة الشعب، إنما مسوغ سلطاتها الواسعة وظيفى وفنى فى المقام الأول.

ماذا يضير إذاً ظهور المزيد من الدول القومية؟ إن تفكك الوحدات السياسية القائمة اليوم، وظهور المزيد منها، والتى عادة ما تكون أصغر حجما وأكبر عددا، من شأنه أن يثير قضايا إعادة التفاوض حول وضع تلك الوحدات السياسية الجديدة فى ذلك النظام الرأسمالى متجاوز الدولة القومية، وهو ما يعنى اضطرابات مرحلية على أقل تقدير، وربما حمل ظهور المزيد من الدول القومية مشاعر شعبوية تناقض العولمة وتنادى بدور أكبر للدولة فى إدارة الموارد الاقتصادية، أو بمظهر ما من مظاهر العزلة من تيارات التجارة العالمية، أو تقييد أشد لانتقالات العمالة الماهرة، هذا حتما إضافة إلى ما يؤدى إليه إعادة رسم حدود الدول أو تعريف نطاق السيادات (جمع سيادة) إلى اضطرابات فى الوظائف الأساسية للأمن والضبط وإنفاذ القانون، مما يضاعف من مخاطر أمنية كالإرهاب، أو يخرج تدفقات للبضائع (التهريب لسلع شرعية، أو الإتجار بسلع غير شرعية كالسلاح والمخدرات)، وتدفقات للبشر (اللجوء والهجرة غير المنتظمة) خارج أى سيطرة. وقد أصبح اليوم الأداء الاقتصادى لمختلف الدول –عدا تلك الأشد هامشية فى تقسيم العمل الدولى- مرهونا بتدفق مستقر للسلع والبضائع، والمعلومات ورءوس الأموال. ويبدو جليا أن فك وإعادة تركيب الوحدات الأساسية للتنظيم الدولى، ألا وهى الدول القومية، مسألة تزيد من صعوبات عمل الرأسمالية على المستوى العالمى.

إن الجواب ببعض التفصيل على ذلك التناقض البادى بين عمل ورفاه الرأسمالية المعولمة من جانت، وظهور المزيد من الدول القومية من جانب آخر  يتطلب العودة للوراء قليلا – وربما كثيرا – إلى سنوات التأسيس الأولى لعالمنا الحديث، أى إلى التطورات التى أنتجت رأسمالية السوق كنسق مهيمن على التبادل لا يعرف حدودا، بل يعرف قوى للعرض والطلب، وأسعارا وعناصر للإنتاج، وبين وحدات سياسية أهم ما يميزها هو ممارستها لسيادتها المطلقة – باسم الشعب – على مساحة تحدها حدود مادية صلبة تفصل شعبا ما ومعه نظام حكومته عن تلك الشعوب الأخرى القابعة خلف الحدود.

الدولة شعب يعيش على أرض تحكمه حكومة ذات سيادة :

«إن الدولة هى شعب يعيش على مساحة من الأرض، يحكمه جهاز حكومى مركزى يتمتع بالسيادة»، هذا هو التعريف المدرسى للدولة كما نجده فى أدبيات العلاقات الدولية والقانون الدولى. لقد كان ثمة اقتران بين الدولة والعلوم السياسية كمجال معرفى تكوَّن مع ظهور معالم العالم الحديث. فبينما بدأت النظرية السياسية الحديثة منذ عصر نيكولو مكايافيللى فى القرنين الخامس والسادس عشر ومرورا بنظريات العقد الاجتماعى على اختلافها بالحديث حول مبدأ السيادة المعقود للأمير أو المٌلك المطلق على شعب يعيش على مساحة من الأرض، كان تركيز العلاقات الدولية على التفاعل بين تلك «السيادات» أكثر من دولة متجاورة، وكان هذا فى الأصل هو موضوع القانون الدولى، والذى يؤرخ لمقدماته الأولى بظهور نظام الدولة-الأمة فى أوروبا الغربية فى عقب انتهاء الحروب الدينية فى عام 1648، والتى أرست الدعائم الأولى لما تطور فيما بعد لمفهوم الدولة الحديثة كشكل من أشكال السلطة التى تتميز بأمور لم تكن موجودة فى السلطة السياسية فى أشكالها السابقة، والممتدة إلى الماضى السحيق فى مصر القديمة، وسومر، وبابل، ولعل ما جد ليميز الدولة الحديثة عما سبقها من أشكال للسلطة السياسية كان تركيز الحق فى ممارسة العنف «الشرعى أو القانونى» (أى المقبول عامة من السكان كأساس للسلطة، وبتكلفة منخفضة تمكن من استمراره على نحو دورى)  فى يد جهة واحدة، كانت فى البدء هى الملك ببلاطه وجيشه، والذى وسَّع فى بلدان، كإسبانيا وفرنسا وإنجلترا، من صلاحياته على حساب الإقطاعيين والنبلاء بحيث أصبح هو السلطة، ومعها الموارد الاقتصادية، بالطبع الضرورية، لإدارة أجهزة بيروقراطية تترجم حضور الملك من العاصمة إلى شتى أرجاء الإقليم الذى يدعى ممارسة السيادة عليه.

ويقودنا هذا إلى المكوِّن الثانى، وهو الإقليم. ففى العصور القديمة والوسطى، وفى ظل أبنية شاسعة للسلطة السياسية كالإمبراطوريات لم تكن «الحدود» الجغرافية بذات القدر من الأهمية، لا بالنسبة للحكام ولا المحكومين، بل كانت هناك تخوم تفصل بين وحدة سياسية وأخرى، وكانت تلك التخوم دائمة التحرك، خاصة فى ظل وجود أعداد أكبر من البشر يعيشون على الارتحال والبداوة، ولكن ما ميز تركيز «السيادة» لدى الحكام -فيما أصبح فيما بعد فجر العصور الحديثة- هو غيرتهم على حدود الأقاليم التى يحكمونها، والتى منها يجبون الضرائب، وفيها يرعون التجارة وينظمون الزراعة، ومن بين سكانها يجمعون المجندين اللازمين للحروب الدائمة لزوم توسيع تلك المساحات فى أوروبا وقتذاك. ومن هنا، كان طرح تشارلز تيلى الشهير، والذى رأى فيه بناء الدولة القومية الحديثة بمنزلة ظل لشن الملوك الدائم للحروب فيما بينهم State making as war making.

كان فى خضم تلك العمليات المركبة، والمحكومة بعوامل عصرها كالتنافس بين الملوك والحروب المستمرة فى أوروبا، والنزاع بين الملوك مطلقى السلطة والكنيسة الكاثوليكية، وما كان من الإصلاح الدينى، بالتزامن مع انطلاق قوى السوق، وظهور الرأسمالية الأولى ــ كان فى خضم تلك العمليات الممتدة عبر قرون أن ظهر «الشعب» كتجمع من الأفراد الواعين برابطهم السياسى فيما بينهم، ومع من يحكمهم، ومن هنا، كانت الديمقراطية بتجلياتها المختلفة كاستدعاء من التراث الأثينى العتيق، من أجل التأويل وإعادة التأويل فى سياق مغاير لانطلاق الرأسمالية، والتأكيد على مبادئ دولة القانون، وحماية حقوق الملكية الخاصة من بطش وجشع الملوك المطلقين، فكانت الديمقراطية فى صيغها الليبرالية البرلمانية التى تقوم على التمثيل، أو فى صيغها الأشد راديكالية والقائلة بالمشاركة المباشرة للمواطنين، كما نظّر لها جان جاك روسو، ووجدت لها ترجمة فى الثورة الفرنسية الكبرى فى خاتمة القرن الثامن عشر لتغير وجه أوروبا، ثم العالم، ولتفتتح، خاصة مع ما تلاها من الحروب الثورية فى أوروبا (1798-1875) من ظهور أول ملامح تنظيم أوروبي/دولى يقوم على الدولة القومية، باعتبارها الوحدة المؤسسة لتوازن القوة فى القارة الأوروبية، وباعتبارها أيضا مراكز لإمبراطوريات استعمارية تمتد خارج أوروبا فى آسيا وإفريقيا والأميريكتين.

ثم كان تحطم الإمبراطوريات الاستعمارية فى القرن العشرين، وتعميم نظام الدولة القومية على العالم بأسره، والذى أصبح مع ميلاد نظام الأمم المتحدة مكونا من دول ذات سيادة متكافئة (من الناحية الاسمية والرسمية بالطبع)، وهو النظام الذى نشأ فى عقب الحرب العالمية الثانية، وكان الدرس المستفاد من المنتصرين فيها أن الاستعمار القائم على التوسع العسكرى، والضم، والفتح، والاستيلاء على أراضى الغير، وعلى الإخضاع المباشر والمادى للشعوب بالقوة والقسر، كان هو السبب فى استعار المنافسة بين القوى الإمبريالية فى الحربين العالميتين الأولى والثانية على النحو الذى أفضى إلى تحطيم التنظيم الدولى، والتدمير المادى لأوروبا (واليابان). ومن هنا تكونت ملامح العالم الذى نعرفه اليوم من زاوية نظريات التنظيم الدولى، والقانون والعلاقات الدولية.

الرأسمالية وثروة الأمم .. السوق غير المحدود:

ولكن قصة ميلاد العالم الحديث لم تمر فحسب من خلال تكوين الدولة القومية، وتركيز وتوسيع سلطة البيروقراطية المركزية، سواء بدأ هذا مع وستفاليا أو بعدها، بل مرت كذلك بظهور «السوق» كمساحة للتفاعل الحر والمفتوح – افتراضا على الأقل كما تقول النظرية الاقتصادية منذ كتابات آدم سميث فى القرن الثامن عشر- بين فاعلين يبغون تعظيم الربح ويتبعون فى ذلك التعبيرات السعرية عن القيم محل التبادل. كان الاقتصاد السياسى منذ لحظة ميلاده مرتبطا بتطور الرأسمالية (كما ارتهنت العلوم السياسية بالدولة)، وكانت الرأسمالية، كعملية قائمة على إيجاد مساحات للتبادل الحر للقيم، تتقاطع مع التطور التاريخى للسلطة السياسية تارة، وتتناقض معه تارة أخرى.

فمن ناحية، كان تدعيم سلطة مركزية واحدة فى نهاية العصور الوسطى تحت حكم ملوك مطْلقى السلطات فى أقاليم حكمهم عنصرا حاسما فى خلق سوق موحدة على المستوى الوطنى تتمتع بنفس المعايير والمقاييس والعملات اللازمة للتبادل، علاوة على إزالة العوائق الداخلية للانتقال، أو الضرائب المحلية التى كانت شائعة فى عصور الإقطاع فى أوروبا، ولكن فى الوقت ذاته كانت العناصر المرتبطة بالسوق، خاصة من كبار التجار (ممن أصبحوا نواة للبرجوازية فيما بعد مع التراكم) على وعى بمخاطر الحكم المطلق على حقوق ملكياتهم الخاصة، ومن هنا كان النضال الذى أنتج حقوق الملكية الخاصة، والتى هى الأب التاريخى لحقوق الإنسان ولحكم القانون، وأنتج بوادر الديمقراطية التمثيلية فى بلدان كإنجلترا والولايات المتحدة فى  عقب الثورة الأمريكية.

ولم تكن حقوق الملكية هى المساحة الواحدة التى عدَّل فيها تطور الرأسمالية من تأسيس الدول القومية الحديثة، بل كان ميلاد الليبرالية الاقتصادية كأيديولوجية تربط السوق الحرة (والحرية معرَّفة هنا قطعا بالسلب من سلطة الدولة فى تنظيم أو تخصيص الموارد الاقتصادية على المستوى الوطنى، أو التبادل مع العالم الخارجى)، وكان النص المؤسس للاقتصاد السياسى الحديث، والذى تطور فى القرن العشرين إلى علم الاقتصاد، كتاب «ثروات الأمم» لآدم سميث مولودا بنطاق «عالمى» أو «دولى»، فسميث كان مشغولا بسؤال حول «الأمم»، ونظم إدارتها لمواردها الاقتصادية، وكانت الخلاصة التى ساقها: أن الأمم التى اتبعت طريق السوق، حيث تنسحب الدولة من تخصيص الموارد الاقتصادية وتتركها للفاعلين الخاصين عبر قوى العرض والطلب، هى التى نجحت فى النمو والنماء، وضرب مثالا لهذا بإنجلترا بينما الأمم التى ظلت الحكومات بها تسيطر على حركة التجارة خارجيا وداخليا، وتُخضع من ثم تخصيص الموارد للسلطة بشكل مباشر، مثل إسبانيا، إنما شهدت تراجعا وإفقارا متزايدين رغم ثرائها الطبيعى الواسع (بحكم وجود الإمبراطورية الإسبانية متعدية المحيط الأطلنطى فى تلك الحقبة). ومن ثم عمد سميث والليبراليون الاقتصاديون الكلاسيكيون إلى تحديد نطاق تدخل الدولة ليكون أقل ما يمكن، وليقتصر على ما يعجز السوق عن إنتاجه كالأمن والدفاع والعدالة، أى الوظائف الأساسية للسلطة السياسية.

لم يستطع الليبراليون الكلاسيكيون تخيل عالم بلا دول، فسؤال السلطة أو الحكم Governanceيفرض نفسه باستمرار، حسبما يفيد المؤرخ الإيطالى (جيوفانى أريجى 2001)، والحل تاريخيا قد وجد فى نشأة الدولة الحديثة بيروقراطية الطابع التى تحولت رويدا رويدا إلى الدولة القومية الحديثة، والتى اعتبر وجودها فى حده الأدنى (الأمن والدفاع والعدالة) ضرورة لا غنى عنها لنشأة السوق، وتمكين التبادل بين الفاعلين وهم فى مأمن على أنفسهم وما يملكون، وهو الخيط الذى سيلتقطه الليبراليون الجدد والاقتصاديون المؤسسيون، مثل دوجلاس نورث فى ثمانينيات القرن العشرين للحديث عن شروط مؤسسية رئيسية تمس حكم القانون، وإنفاذ العقود، وحماية حقوق الملكية الخاصة، وكلها وظائف رئيسية للدولة حتى يمكن للسوق الحرة أن تقوم.

ولكن لم يكن الأمر دائما ببساطة أن السوق يعنى تدخلا أقل من جانب الدولة، إذ إنه خارج نطاق الدولة القومية ذات السيادة، فى فضاء العلاقات الاقتصادية الخارجية، والتى فيها يجرى تدفق السلع والبشر ورءوس الأموال، طالما ثار سؤال الحكم أو الحوكمة فى ظل غياب وجود سلطة تعلو على الدول ذات السيادة. إذ إنه من مسلمات العلاقات الدولية أن العالم يعيش فى فوضى بالمعنى الحرفى للكلمة، أى انعدام وجود سلطة عليا تعلو على الدول ذات السيادة المتكافئة، وقد كان هذا هو الوضع فى أوروبا فى القرن التاسع عشر عقب الحروب النابليونية، أما خارج أوروبا (باستثناء أمريكا الشمالية والجنوبية حيث تفككت الإمبراطوريات الاستعمارية، وظهرت أول دول ذات سيادة خارج القارة الأوروبية) فإن قارات العالم القديم كانت نهبا للتوسع الاستعمارى الأوروبى بالأساس، والذى كان يمثل واقعيا امتدادات إمبراطورية للدول القومية فى أوروبا، وكان هذا هو الحل الوظيفى لتوسع الرأسمالية على مستوى العالم. فلم يكن فتح الأسواق فى الصين أو الهند، أو مصر، أو إفريقيا قائما على تصدير السلع والبضائع بقدر ما كان مرهونا بالتوسع العسكرى أو النفوذ الدبلوماسى غير المتكافئ، والذى فرض الاندماج فرضا على شعوب العالم غير الأوروبية، وأخضعها فى أحيان عدة لأكثر من مجرد فقدان استقلالها السياسى، والاستغلال الاقتصادى إلى الإبادة، أو التطهير العرقى، أو العبودية معلنة كانت أو مستترة.

كان توسع الإمبراطوريات الأوروبية –سيما البريطانية التى لم تكن تغرب عنها الشمس- بحثا عن الأسواق لسلعها، ورأس المال المتراكم لديها، وعن خامات أولية لصناعاتها بمثابة الإطار الحاكم للعلاقات الاقتصادية على المستوى الدولى فيما عرف بقرن السلام البريطانى الطويل، والذى نظرت له وبررت لوجوده الأيديولوجية الليبرالية الإمبريالية، والتى ربطت للغرابة بين التوسع الإمبراطورى البريطانى ونشر الحرية –الاقتصادية بالطبع – أى نشأة السوق، وذلك لأنه من الزاوية التاريخية فإن السوق، داخليا كان أو عالميا، لم يكن يوما تلك المساحة الفارغة التى تملأها قوى العرض والطلب (المتخيلة حتما بما أنها لا وجود مادى لها)، بقدر ما كان السوق يقوم على علاقات سياسية أو اجتماعية الأصل تتم من خلالها المبادلات، لا فحسب فى السلع والبضائع، بل فى المعلومات، ومعها القواعد الحاكمة، سواء كانت رسمية أو غير رسمية، أو بين الاثنين معا. وكانت الإمبريالية طيلة القرن التاسع عشر، خاصة فى ظل الهيمنة البريطانية، هى الوعاء الذى نمت فيه الرأسمالية على المستوى العالمى مبتدعة ما يمكن اعتباره الموجة الأولى للعولمة.

لكن الإمبريالية وجذورها المتصلة بتشكل الدول القومية فى القارة الأوروبية (ولاحقا اليابان)، حيث مراكز الإمبراطوريات المتنافسة، كانت تحمل جذور إفناء الرأسمالية على المستوى العالمى، إذ إن تكوُّن دول قومية جديدة فى النصف الثانى من القرن التاسع عشر، خاصة فى حالات، مثل ألمانيا وبدرجة أقل إيطاليا، ضخَّم من محورية الدولة وبيروقراطيتها فى إدارة الموارد الاقتصادية، وأطلق قوى الأيديولوجيا القومية الاقتصادية على حساب السوق، سواء داخل تلك الدول، أو فى علاقاتها الخارجية، وكان هذا بداية لاستعار التنافس بين تلك الدول فى العالم، كما فى أوروبا، على الأراضى والموارد الطبيعية والمستعمرات على النحو الذى تجلى فى سلسلة حروب طويلة ومدمرة بدأت مع حرب السبعين بين فرنسا وألمانيا، ومرت بحرب 1905 بين روسيا واليابان، وانتهت بالحربين العالميتين اللتين دمرتا حرفيا النظام الإمبريالى، وبدأ تفكك الليبرالية الإمبريالية كأيديولوجيا وكنظام اقتصادى وسياسى عالمى تهيمن عليه بريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى لينتهى تماما مع انتهاء الحرب الثانية فى 1945.

كان انتهاء الإمبريالية لحظة ذات تداعيات خطيرة على إعادة رسم النظامين الاقتصادى والسياسى العالميين. فمن ناحية، كان تفكك الإمبراطوريات الكولونيالية يحمل تعميم الدولة ذات السيادة كأساس للتنظيم الدولى الجديد فى إطار الأمم المتحدة، وحمل هذا ميلاد أكبر عدد من الدول حديثة النشأة منذ نهاية الأربعينيات وحتى مطلع الستينيات باستقلال إفريقيا وآسيا، ولكن انتشار الدول القومية، وانحسار الإمبريالية، ووجود الكتلة الشرقية فى مواجهة العالم الغربى كل هذا لم يسمح بعودة الرأسمالية على المستوى العالمى كما كانت فى زمن القرن البريطانى، إذ إن غالب تصورات التنمية طيلة عقود ما بعد الحرب وحتى ثمانينيات القرن العشرين طغت عليها تصورات كينزية(نسبة لجون مايناردكينز)، وترتيبات دولة الرفاه أفردت للبيروقراطيات الحكومية، ونقابات العمال الدور الأكبر فى تنظيم إدارة الموارد الاقتصادية وتوزيعها وإعادة توزيعها. وعلى مستوى العالم كانت تركة الحربين العالميتين والكساد العظيم هى تزايد الحمائية الاقتصادية، وتراجع حركة التجارة فى السلع والبضائع، وانحسار حركة رءوس الأموال. ولم تفلح ترتيبات إعادة تحرير التجارة، فى ظل اتفاقية التجارة والتعريفات الجمركية المعروفة بالجات، والتى وقعت فى عام 1947، فى إطار إعادة ترتيب النظام الاقتصادى العالمى، عبر تأسيس صندوق النقد والبنك الدوليين، بغية إيجاد مؤسسات تتابع الأوضاع المالية والنقدية العالمية للحيلولة دون تكرار تجربة، مثل الكساد العظيم، ولكن فيما يتعلق بالتجارة، فلم تلتق الإرادات على إنشاء منظمة للتجارة الدولية، وكان الاكتفاء بإطار واهن للتفاوض الممتد على تحرير التجارة بين الدول الغربية بالأساس على نحو تدريجى استغرق من الناحية الفعلية عقودا.

العولمة والانطلاق من عقال الدولة القومية:

كانت التحولات التى تلت إطلاق الإصلاحات النيوليبرالية فى بلدان المركز، مع صعود مارجريت تاتشر، ورونالد ريجان لسدة الحكم فى بريطانيا والولايات المتحدة فى عامى 1979 و1981 على الترتيب، والتى لحق بها تعميم لإجراءات إعادة إطلاق قوى السوق فى بلدان الشمال والجنوب على حد سواء على وقع أزمات المديونية الكبيرة والركود التضخمى، كانت تلك التحولات إيذانا بتدشين مرحلة جديدة للرأسمالية العالمية، ترجمت إلى تحرير التدفقات الرأسمالية والسعى الدءوب لتحرير حركة التجارة العالمية فى السلع والبضائع والخدمات، وتأكد هذا التوجه مع تفكك الكتلة الشرقية، وسقوط البديل الشيوعى، والدخول فى عالم القطب الأوحد الذى هيمنت فيه الولايات المتحدة على التنظيم الدولى الجديد من ناحية، ولكن هيمنت فيه الليبرالية الاقتصادية والسياسية على الجوانب الأيديولوجية من ناحية أخرى، وبدا وكأن هناك تحرك صوب قرن جديد من السلام الأمريكى على غرار ذلك البريطانى فى القرن التاسع عشر. بيد أن المسألة لم تكن تحول الولايات المتحدة لتكون مركزا للنظام الرأسمالى العالمى، إذ إن الإمبريالية بصورتها القديمة كانت قد انتهت، ولا سبيل لإعادتها، كما أن الرأسمالية فى طورها المعاصر تطلبت الانعتاق من عقال الدولة القومية، وهو ما تناوله المقال فى مقدمته بالحديث عن المؤسسات والقواعد المتجاوزة للقومية، والتى تصبح معها حكومات الدول فاعلين مهمين، ولكن فى ترتيب للحكم يشمل مؤسسات فوق الدولة إلى جانب مجموعات واسعة من الشركات متعدية الجنسية والمؤسسات الدولية، والتى تدير معا الرأسمالية على نطاق عالمى.

الخلاصة هى وجود ثمة تناقض رئيسى فى طور الرأسمالية الحالى عالمية الأبعاد ومتعدية القومية فيما يتعلق بقواعد وآليات عملها، وهو أن سؤال الحوكمة والحكم، أى من يضع ويطبق القواعد الناظمة لتدفق السلع والبضائع، والبشر، والمعلومات، ورءوس الأموال، لم يجب عليه بشكل مقنع، إذ إن العالم لا يخضع لحكومة مركزية واحدة، وآليات الحوكمة القائمة عالميا فنية الطابع والصلاحيات، رغم تداعيات سلطاتها الواسعة من الزاوية السياسية، ولكن تظل الدول القومية هى الساحات الوحيدة لممارسة السياسة، إذ إنها الوحيدة التى تربط وجودها وتسوغه بإرادة الشعب والديمقراطية والسيادة، وهى الموضع الذى تمارس فيه الاختيارات العامة، والتى تواجه انحسارا متزايدا وممنهجا منذ انطلاق الرأسمالية المعولمة فى الثمانينيات، حيث إن المزيد من محددات النمو الاقتصادى والتشغيل والاستهلاك والرفاه بات مرتبطا بعوامل تتجاوز قدرة حكومات الدول القومية على التأثير، ناهيك عن الإدارة والتوجيه كما كان يؤمل من البعض، ومن هنا، فإن الدول القومية ستظل هى وحدة البناء السياسى لعالم أمسى اقتصاديا متجاوزا لها، ولذا فإنه من المنتظر أن يستمر منطق الدول القومية فى إنتاج ظواهر لا تصب بالضرورة فى استقرار النظام الرأسمالى المعولم، وفى مقدمة ذلك، الحركات الانفصالية، والرغبة فى إنشاء المزيد من الدول القومية بتقسيم ما هو قائم منها على الرغم من كل ما يؤدى إليه ذلك من آثار سلبية٫ واضطرابات٫ ومخاطر.

لقد كان آخر قبول لموجات استقلال دول قومية جديدة فى التسعينيات مع تفكك الاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية، وهى المسألة التى استمرت حتى استقلال كوسوفا المثير للجدل، وكان هذا التفكيك فى سياق إنتاج وحدات سياسية يتم دمجها فى تقسيم العمل الرأسمالى مع انحسار البديل الشيوعى، ومد ظل الرأسمالية المعولمة إلى دول الكتلة الشرقية السابقة نفسها، وكانت هذه هى آخر موجات إنتاج دول قومية من أجل الدمج. ولكن اليوم٫ فإن هذه العملية قد انتهت، باستثناء التوتر الجيوسياسى المتصاعد بين روسيا والولايات المتحدة فى شرق أوروبا والقوقاز، والذى يبدو تمثلا من تمثلات الحرب الباردة٫ وإن كان محدودا بمجال روسيا الحيوى -إن جاز التعبير- فبهذا الاستثناء٫ فإن العالم لا يبدو مستعدا للترحيب بالمزيد من الوحدات القومية الصغيرة، والتى لن تكون فى إطار الدمج فى الرأسمالية العالمية بقدر ما سيكون من قبيل إرسال موجات من الاضطراب ورفع المخاطر لا أكثر.

المراجع:

Arrighi٫G2007. Adam Smith in Beijing: Lineages of the twenty-first century (Vol. 3). London: Verso.

Hardt٫M. and Negri٫A2001. Empire. Harvard University Press.

North٫D.C1991. Institutions. Journal of economic perspectives٫5(1pp.97- 112.

Tilly٫C1985. War making and state making as organized crime. Violence: A reader٫pp.35 -60.

عن الكاتب : باحث فى الاقتصاد السياسى، باحث زائر فى برنامج اتجاهات الشرق الأوسط بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق