ملف العدد
اتجاهات ظاهرة الانفصال وتحديات دولة ما بعد الاستعمار فى أفريقيا
2017/12/27
بقلم د.حمدى عبد الرحمن
0
2018
69
العدد :

تُعد أفريقيا قارة التعدد والتنوع حيث يقطنها ما يربو على المليار نسمة، يتوزعون على 54 دولة متمايزة عرقيا، ولغويا، ودينيا، وبينها العديد من الدول - مثل نيجيريا، وأثيوبيا، والسودان، والكونغو الديمقراطية- التى تعانى من انقسامات حادة.ورغم قابلية دولة ما بعد الاستعمار فى أفريقيا للتفكك وتعرضها لمخاطر الدعاوى والحركات الانفصالية فإن المحاولات التى نجحت فى الانفصال الفعلى عن جسد الدولة الأم تعد محدودة للغاية. ولعل الرادع الأكبر الذى وقف حائلا أمام تغيير واقع الحدود الإقليمية الموروثة عن العهد الاستعمارى هو الخوف من فتح صندوق الباندورا بمفهوم الميثولوجيا الإغريقية القديمة.هذا هو جوهر الفهم التقليدى لسياسة الحدود الأفريقية، وعدم تشجيع الدعاوى الانفصالية التى مثلت تحديا لا يستهان به للسياسة الأفريقية بعد الاستقلال. إن القابلية للتفكك والخوف من مآلات الانفصال يثنى صانعى السياسات عن دعم  الحركات الانفصالية فى دول أخرى. كما أنها تؤدى، فى الوقت نفسه، إلى تعزيز قاعدة السلامة الإقليمية وقدسية الحدود التى أقرتها مؤسسات العمل الأفريقى المشترك، وعلى رأسها الاتحاد الأفريقى.

لقد مثَّل مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن العهد الاستعمارى، والذى وافق عليه المشاركون فى اجتماع  منظمة الوحدة الأفريقية فى عام 1964 القاعدة الأساسية التى حكمت العلاقات الدولية الأفريقية فى مرحلة ما بعد الاستقلال. ففى الستينيات من القرن الماضى، كان الأمر منطقيا: الدولة الأفريقية الموروثة عن الاستعمار هشة وضعيفة،ولا تتطابق حدودها المصطنعة مع تركيبتها الإثنية والاقتصادية، ولكنها مع ذلك تتطلع إلى ضمان وجودها واستقرارها. وعليه، عندما حاولت كل من بيافرا (فى نيجيريا)، وكاتانغا (فى جمهورية الكونغو الديمقراطية) الخروج عن رابطة الدولة الوطنية فى الستينيات، كان من الحكمة الالتزام بقدسية الحدود، وعدم تشجيع الحركة الانفصالية فى الإقليمين بسبب المخاطر والنتائج السلبية التى يمكن أن تنجم عن هذا الانفصال بالنسبة للدول الأفريقية الأخرى.

فى ذلك الوقت، كان من المهم إقرار مبدأ قدسية الحدود الاستعمارية والدفاع عنه.ولكن بعد مرور نحو خمسين عاما، تغيرت أحوال البلاد والعباد وأصبح السياق جد مختلفا. فالدول الأفريقية فى معظمها- على الأقل نظريا- راسخة البنيان، وحدودها مقبولة فى التعاملات الإقليمية والدولية. بعبارة أخرى، اكتسبت خريطة أفريقيا مشروعية الأمر الواقع، ومع ذلك فإن مشكلات الحدود ما فتئت تهدد استقرار منظومة العلاقات البينية الأفريقية، وتؤثر فى وحدة العديد من الدول الأفريقية. ويمكن النظر إلى حالة انفصال جنوب السودان، وإعلانه دولة مستقلة عام 2011، بحسبانه نقطة تحول فارقة فى تاريخ العلاقات الدولية الأفريقية فى مرحلة ما بعد الاستقلال. فلقد أضحى بالإمكان تغيير وإعادة رسم  الحدود الأفريقية منذ انتهاء الحقبة الاستعمارية. صحيح أن إريتريا فعلتها من قبل، وأعلنت استقلالها عام 1993، وهى رغم موقعها الاستراتيجى المطل على البحر الأحمر تُعد دولة صغيرة وهامشية بالنسبة لباقى القارة الرحيب. ورغم ذلك، لا يوجد ما يشجعنا على القول إن حركات الانفصال الأخرى ستنجح فى مسعاها نحو الاستقلال، أو أن تفكك السودان ستتبعه حركات انفصال أخرى. ولكننا اليوم لا نجد حركات أخرى فى أفريقيا تمتلك دعما محليا ودوليا مماثلا لما حققته حركة تحرير جنوب السودان. وسوف يحاول هذا المقال فهم خريطة واتجاهات ظاهرة الانفصال فى أفريقيا، ولاسيما منذ تسعينيات القرن الماضى، كما يناقش إشكاليات العلاقة بين متغيرات الهوية الإثنية وتحولات الراديكالية الإسلامية من ناحية، وموجات الحركات والدعاوى الانفصالية المعاصرة فى أفريقيا من ناحية أخرى.

أولا ــ معايير الانفصال.. نحو محاولة لفهم الموجات الانفصالية الكبرى:

لعل أبرز معالم خريطة الحركات الانفصالية الراهنة فى أفريقيا تتركز فى كازامانس (السنغال)، وكابيندا (أنجولا) وزنجبار، (تنزانيا)، وصوماليلاند (الصومال)، والصحراء الغربية (المغرب)، وبيافرا (نيجيريا). وهى نفس الحركات التى أدعى كثير من الكتاب أنها سوف تشكل نقاطا «محتملة للانفصال» عقب حصول إريتريا على الاستقلال. وباستثناء صوماليلاند، لم تحقق أى من هذه الحركات أى مكاسب فى ميزان القوى، مقارنة بما كان عليه الوضع فى التسعينيات. والواقع أن العديد منها  أصيب بالضعف والهزال؛ فالحركات الانفصالية فى كازامانس وكابيندا وزنجبار تعد غير نشطة نسبيا فى السنوات الأخيرة.وباستثناء الصحراء الغربية، فإن المتمردين وحاضنتهم الاجتماعية فى هذه المناطق الانفصالية الأخرى لم يشهدوا خبرة الانفصال نفسها فى كل من جنوب السودان وإريتريا. فقد استمرت الحرب الأهلية فى السودان طيلة أربعين عاما، أى ما يقرب من عمر الدولة فى مرحلة ما بعد الاستعمار، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من مليونى شخص. ومن جهة  أخرى، حارب المتمردون الإريتريون بلا هوادة على مدى ثلاثين عاما أو يزيد. ولعل السؤال الأهم فى هذا السياق يرتبط بالمعايير التى تحدد تطور ونجاح ظاهرة الانفصال فى السياق الأفريقى: 

توافر الدعم الدولى:

تؤكد خبرة جنوب السودان أنه لكى تتاح لأى حركة انفصالية فرصة النجاح، ينبغى لها الحصول على دعم دولى كبير. لعل أحد أبرز أسباب نجاح جنوب السودان فى الحصول على الاستقلال والاعتراف الدولى هو أن ركيزة اتفاقية السلام الشامل التى أنهت الحرب الأهلية الثانية فى السودان تتمثل فى الإقرار بحق الجنوب فى تقرير المصير. ولا يخفى أن هذه الاتفاقية  كانت نتاج المشاركة الدولية النشطة، إن لم تكن التدخل الدولى المباشر (من قبل الولايات المتحدة، والجهات  الدولية  والإقليمية الرئيسية الأخرى).يعنى ذلك أن المجتمع الدولى كان شريكا مع السودانيين فى اتفاقية السلام الشامل، وهو ما مكنه من الولوج  إلى عملية  الاستفتاء، وما ترتب عليها من نتائج.

واستنادا إلى هذا المعيار، يمكن القول إنه لا توجد حركات انفصال أخرى فى أفريقيا (مع استثناء محتمل لجبهة البوليساريو فى الصحراء الغربية) لديها ما يعادل اتفاق السلام الشامل الذى قد يجبر أعضاء المجتمع الدولى المؤثرين على الاعتراف بحقها فى تقرير المصير. ولا شك فى أن الاعتراف الدولى يعد أمرا حاسما لنجاح الانفصال. ولعل عدم الاعتراف بإقليم صوماليلاند الذى يمارس مهام الدولة المستقلة بفاعلية منذ عام 1991 ينهض مثالا  واضحا وبالغ الدلالة على ذلك. إنه بدون الدعم الدولى، لا تستطيع حركات الانفصال الأخرى فى أفريقيا أن تحصل على الاستقلال. ويرى ادموند كيللرأن حالات الانفصال الكبرى فى أفريقيا تشمل فقط كلا من أريتريا وجنوب السودان، وبيافرا. وقد انتهت حالتان  منهم بالاستقلال، بينما تم تسوية أزمة بيافرا من خلال تبنى صيغة فيدرالية فى شكل الدولة.

إن فكرة الاعتراف الدولى بالحركات الانفصالية تعد مسألة غير مألوفة فى التقاليد الدولية. ففى الماضى،كانت كل من بيافرا وكاتانغا  قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الاستقلال ،كما حاولت صوماليلاند وأنجوان الحصول على الاعتراف الدولى بشتى السبل، ولكن لم ينجح فى هذا السياق سوى إريتريا وجنوب السودان. ولعل ذلك هو ما دفع  هورويتز، إلى القول إن ظهور الحركات الانفصالية تحدده السياسة الداخلية للدولة، ولكن السياسة الدولية هى التى تحدد مدى نجاحها من عدمه.

الدعم الشعبى:

 تحتاج الحركات الانفصالية، مثل جميع أنواع التمرد على السلطة القائمة، إلى دعم شعبى. وعادة ما تميل هذه الحركات إلى استثمار الجهد فى  كسب القلوب والعقول، من خلال تعزيز مشاعر الخوف والكراهية تجاه السلطات المركزية، مقابل طرح تصورات وردية بشأن مستقبل مزدهر فى دولة جديدة. وفى بعض الأحيان، يتجاوز هذا الدعم حدود الإقليم ليشمل أطرافا خارجية كثيرة. وعلى سبيل المثال، شهد استفتاء إريتريا الذى أجرى فى عام 1993 تأييدا للاستقلال بنسبة 99 %  ؛كما  اختارت الأغلبية الساحقة من الذين شاركوا فى الاقتراع  الخاص بحق تقرير المصير فى جنوب السودان عام 2011 الاستقلال عن الشمال. وفى جزيرة أنجوان الانفصالية، تم إجراء استفتاءين عامى (1997 و 1998)، وأجريت انتخابات واحدة عام 1999، حيث أظهرت النتائج دعما كبيرا لسياسة هذه الجزيرة الانفصالية. ومع ذلك، فإن معظم الحركات الانفصالية فى أفريقيا تفتقر إلى هذه الدرجة من الدعم الشعبى. وعلى سبيل المثال، فإن الانفصاليين فى المجلس الوطنى لجنوب الكاميرون يمثلون أقلية فى المجتمع الناطق بالإنجليزية، مقارنة بالدعم الشعبى الذى تحظى به الجبهة الديمقراطية الاجتماعية التى تعد أكبر حزب معارض فى الكاميرون، وتدعو إلى اللامركزية الإدارية وإعادة النظر فى الدستور، والحوار بشأن المظالم الخاصة بالأقاليم الناطقة باللغة الإنجليزية. وإذا فشلت الحركات الانفصالية فى كسب قاعدة دعم قوية والحفاظ عليها، يتعين عليها أن تعيد النظر فى حكمة الحفاظ على سياسة الانفصال والبحث، عوضا عن ذلك فى صيغ لاقتسام السلطة، وتعزيز الحكم الذاتى. وتشكل جاذبية قيادة التمرد ونضوجها السياسى عاملا بارزا فى  تأمين الدعم الشعبى وكسب الحلفاء السياسيين والعسكريين خارج الإقليم الذى يرغب فى الاستقلال أو الحكم الذاتى. لقد استندت مقاربة جون قرنق، زعيم جيش تحرير السودان، إلى الاعتقاد بأن حكومة الجبهة الإسلامية الوطنية فى السودان لن يتم الإطاحة بها أبدا دون حركته، وبمساعدة حلفاء خارج الجنوب. وعليه، فقد انفتح على مجموعات  معارضة من الشمال مثل التحالف الوطنى الديمقراطى. ومن ثم، فقد ترك قرنق عمدا جميع الخيارات السياسة، مثل الاتحاد والكونفدرالية والانفصال مفتوحة ليتم تحديدها عن طريق الاستفتاء، بعد الإطاحة بالنظام السودانى بنجاح.

استجابة الدولة الوطنية:

تُظهر الخبرة التاريخية فى مرحلة ما بعد الاستقلال أن الادعاءات الانفصالية تواجه بحسم من قبل الدولة الوطنية، إذ لا يمكن للسلطة الحاكمة أن تقبل من ينكر حقها فى السيادة على كامل إقليمها الجغرافى.كما أن الحق المزعوم فى تقرير المصير سيقابله حق الدولة فى حماية سيادتها وسلامتها الإقليمية. يقول الرئيس السنغالى الأسبق، عبده ضيوف : « إننا نعتبر  كازامانس -كحقيقة ثابتة وتاريخية- جزءا لا يتجزأ من السنغال، وبالتالى لا يمكن للحكومة أن تسمح  بالتنازل عن شبر واحد من أراضيها الوطنية». وفى المقابل، فضل الرئيس الكاميرونى بول بيا، الصمت المدروس، من خلال رفضه  الدخول فى محادثات مع الانفصاليين، على الرغم من دعوته لإجراء نقاش وطنى حول الإصلاح الدستورى فى عام 1993. هذا الموقف الكاميرونى كان عاملا أساسيا فى تحويل الحركة الانفصالية فى البلاد إلى حركة إصلاح دستورى. وبشكل عام، تخشى الدول من أن قبول المبادئ الانفصالية يفتح الباب واسعا أمام مجموعات أخرى تسعى هى الأخرى للانفصال.

ويطرح ادموند كيللر إطارا تحليليا لفهم ظاهرة الانفصال فى أفريقيا، من حيث قدرتها على التأقلم والنجاح، وفقا لمتغيرات السياق وبنية علاقات الدولة بالمجتمع فى الإقليم الذى يسعى للانفصال، بالإضافة إلى طبيعة قيادة التمرد:

- السياقات التاريخية والمعاصرة للظاهرة. وعلى سبيل المثال، حالة التطور السياسى والاقتصادى للدولة عند ظهور الدعاوى والمحاولات الانفصالية. ففى بعض الحالات تساعد معرفة الأوضاع الاقتصادية على فهم متى ولماذا تعد الدوافع السياسية أكثر أهمية فى فهم الحركات الانفصالية. ولا يخفى أن المتغير الثقافى يعد محفزا وسيطاً. كما أن العامل الجغرافى يكتسب أهمية كبرى فى فهم طبيعة الانفصال. وهنا يطرح التساؤل: هل ترتبط الدعوى الانفصالية بإقليم جغرافى معين داخل الدولة؟ وهل استطاع الانفصاليون السيطرة على جزء منه، أم أن الدولة فرضت هيمنتها عليه بقوة السلاح؟

- تمثل طبيعة علاقات الدولة بالمجتمع فى الإقليم الذى يشهد محاولات انفصالية عاملا محوريا يساعدنا على فهم طبيعة وخريطة الحركات الانفصالية فى أفريقيا، ودائما ما يطرح التساؤل حول طبيعة الدولة :هل هى قوية وتميل إلى استخدام وسائل الإكراه المادى المملوكة لديها، أم أنها دولة ضعيفة وفاشلة؟ وعادة ما ترفض الدولة الوطنية الدعاوى الانفصالية كافة. ولكن تختلف وتتباين ردود أفعال الدول فى مواجهة تحديات النيل من سيادتها وسلامتها الإقليمية. فثمة من يلجأ إلى خيار العنف والقوة المادية لإخماد نيران الانفصال، بينما يميل البعض الآخر إلى حلول توفيقية مثل آليات اقتسام السلطة، أو اللامركزية الإدارية، أو الحكم الذاتى، وذلك تجنبا لخيار تعديل الحدود الموروثة عن العهد الاستعمارى.

- ويعد المتغير القيادى داخل الحركات الانفصالية ذا أهمية بالغة فى نجاح هذه الحركات. إذ أن وجود قيادة تمتلك رؤية واضحة وقادرة على جذب الأتباع والتوفيق بين النخب السياسية التى تنتمى إلى هويات إثنية متباينة أمر حاسم فى توحيد الحركة. فالدعاوى الانفصالية نادراً ما تحدث داخل أقاليم متجانسة عرقياً. وعليه يتعين أن تشعر الأقليات التى تعيش داخل الإقليم الذى يسعى إلى الانفصال أن مصالحها سوف تُحترم، ويتم الدفاع عنها من قبل قادة الحركة الانفصالية. وهنا يصبح التنافس على اكتساب عقول وقلوب المواطنين فى الإقليم المضطرب عاملاً حاسماً بين الدولة وحركات الانفصال.

ثانيا ـ اتجاهات الظاهرة الانفصالية فى أفريقيا منذ عام 1990:

تُظهر البيانات الإمبريقية عن تطور الحركات الانفصالية فى أفريقيا منذ التسعينيات من القرن الماضى إمكانية التمييز بين عدد من الاتجاهات الكبرى وذلك على النحو التالى: 

الاتجاه الأول والأكثر وضوحا يرتبط بحقيقة الدعاوى والصراعات الانفصالية التى تحدث فى إثيوبيا. إذ تشير الإحصاءات إلى أن 35 ٪ من جميع الصراعات الانفصالية الأفريقية واسعة النطاق منذ عام 1990 تقع فى المناطق التى تحاول الانفصال عن إثيوبيا،  مثل أوجادين وأوروميا. ومع ذلك، فقد انخفض النشاط الانفصالى فى أوروميا منذ عام 2010، على الرغم من استمرار العديد من الحركات فى المطالبة بالاستقلال. فقد اعتمدت الجبهة الرئيسية لتحرير أورومو، التى دعت صراحة إلى الانفصال فى التسعينيات، برنامجا سياسيا يتسم بالغموض الشديد خلال فترة العقد الماضى، حيث طالبت أساسا بإجراء استفتاء حول تقرير المصير.ويمكن تفسير هذا التداعى الانفصالى فى الواقع الإثيوبى، من خلال فهم الطبيعة الإمبراطورية للدولة الإثيوبية، حيث مارست القوة والمقايضة مع القوى الاستعمارية الأوروبية  أواخر القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين، من أجل الحصول على مزيد من الأراضى، ولعل ذلك يفسر لنا طريقة سيطرتها على كل من أوجادين وأوروميا، فى ظل حكم الإمبراطور منليك الثانى. ولا تزال الحركات السياسية الفاعلة فى هذه المناطق تسعى نحو التحرر من السيطرة الإثيوبية.

الاتجاه الثانى تطرحه حالة كازامانس السنغالية التى استمرت منذ أوائل التسعينيات، واتسمت بوجود قائمة طويلة من اتفاقات السلام التى لم تنفذ بشكل جيد،فضلا عن وجود ميل واضح نحو الانشقاق داخل حركة القوات الديمقراطية فى السنغال. وقد تمكن الرئيس عبد الله واد من تجنب اندلاع أعمال عنف واسعة النطاق بعد توقيع اتفاق سلام فى عام 2004. ومع ذلك، شن الجيش السنغالى هجوما كبيرا على قوات التمرد فى الإقليم فى مارس 2010، وبلغ العنف ذروته فى  ديسمبر 2011، قبيل الانتخابات الرئاسية، حيث قتل متمردو الحركة ما يقدر بنحو ثلاثين جنديا سنغاليا. ويبدو أن اعتراف الحكومة السنغالية  بأن الحركة الانفصالية فى كازامانس تمثل أصعب مشكلة تواجهها السنغال قد دفع إلى الطريق التفاوضى مع الانفصاليين مرة أخرى. وبالفعل بنى ماكى سال حملته الرئاسية عام 2012،  على مبادرة السلام فى كازامانس. وقد أبدى استعداده للتفاوض مع مجموعة كبيرة من فصائل حركة القوات الديمقراطية المتمردة. وبعد توليه زمام السلطة، أطلق العديد من المشاريع التنموية  الموجهة نحو الشباب. وبعد أشهر من وساطة  سانت إيجيديو، وهى منظمة كاثوليكية يقع مقرها فى روما، وافق ساليف ساديو، زعيم الفصيل الأكثر قوة فى جبهة التمرد، على وقف إطلاق النار، وبدء محادثات السلام الرسمية مع الحكومة السنغالية.

الاتجاه الثالث يرتبط بحركة تمرد الطوارق فى شمال مالى، حيث بدأت  انتفاضتها الأولى عام 1961 أيام حكم الرئيس المالى، موديبو كيتا. ونظرا لاستمرار  سياسات التهميش من قبل الدولة الوطنية ضد الطوارق، ترسخت قناعة لديهم  بضرورة الانفصال وتأسيس دولة مستقلة. وقد حدثت موجة جديدة من انتفاضة الطوارق ضد الحكومة المركزية فى باماكو سنة 1990 ولكنها انتهت باتفاق سلام خفف من قبضة الحكم المركزى فى إقليم أزواد، ووعد بتنمية المنطقة. وفى عام 2006، تحرك الطوارق مجدداً وفشلوا فى تحقيق حلمهم، وظلت المنطقة مهمشة لتتحول  بعد ذلك إلى مرتع خصب لأنشطة  جماعات الجريمة المنظمة والجماعات المتطرفة.

وبعد الإطاحة بالرئيس القذافى فى ليبيا فى عام 2011،  عاد كثير من مقاتلى الطوارق الذين أعلنوا التمرد فى الماضى على حكوماتهم من أجل استقلال إقليم أزواد، والذى يشمل حسب تعريفه الواسع  شمال مالى، وأجزاء من الجزائر، والنيجر. ولا شك فى أن هذه العودة إلى مالى بأعداد كبيرة،عضدت من قوة حركة تحرير أزواد التى  تأسست فى أواخر عام 2011. وبحلول أوائل عام 2012، استطاعت قوات الطوارق المتمردة السيطرة على شمال مالى وإعلان دولتهم المستقلة. لقد فشلت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، على الرغم من إعلان استقلال أزواد فى الحصول على الاعتراف الدولى، كما أضحت تعانى من تباين الرؤى مع الجماعات الطارقية الأخرى، ولاسيما مع الجماعات الإسلامية المتطرفة المسلحة التى تحالفت معها فى المراحل الأولى من الانتفاضة. وشملت هذه الحركات الإسلامية: حركة التوحيد والجهاد فى غرب أفريقيا وجماعة أنصار الدين.وقد أدت زيادة قبضة الإسلاميين على السلطة فى شمال مالى، بعد طرد العناصر العلمانية، إلى دفع فرنسا للتدخل من أجل دعم الحكومة المركزية فى باماكو.

الاتجاه الرابع وتطرحه حالة كابيندا فى أنجولا. وهى منطقة صغيرة من أنجولا تفصلها عن البر الرئيسى أراضى جمهورية الكونغو الديمقراطية، وكانت دائما فى علاقة غير مستقرة مع الحكومة فى لواندا. فالمفاوضات التى أدت إلى استقلال أنجولا فى عام 1975 لم تشمل ممثلين عن إقليم كابيندا. وقد  أبدى العديد من سكان المنطقة استياءهم  من خضوعهم بحكم الأمر الواقع  لسلطة الدولة الأنجولية بعد رحيل البرتغاليين. ولا يخفى أن المنطقة لديها ثقافة وتاريخا يختلف عن معظم التراث السائد فى أنجولا.  وقد شنت جبهة تحرير كابيندا فى معظم سنوات ما بعد الاستقلال حملات مسلحة ضد السلطة المركزية، من أجل الانفصال وإعلان الاستقلال. على أن حكومة لواندا رفضت رفضا باتا القبول بهذه المطالب الانفصالية فى الوقت نفسه الذى  استفادت فيه بشكل كبير من احتياطيات النفط الواقعة قبالة شواطئ كابيندا، وهو ما يجعلها من بين أكثر الدول ثراءً فى أفريقيا. ويعتمد اقتصاد أنجولا اعتمادا كبيرا على النفط، كما تمتلك كابيندا معظم الاحتياطيات النفطية الوطنية.والملاحظ أن إقليم كابيندا  لم يشهد عنفا انفصاليا كبيرا منذ عام 2007، ويرجع ذلك أساسا إلى تمكن الجيش الأنجولى من تدمير القوات العسكرية لجبهة تحرير كابيندا فى هجوم 2002-2003. وتعانى حركات التمرد من التفكك والانقسام، فإن أبرمت إحداها اتفاقا للسلام مع الحكومة المركزية أنكرته الفصائل الأخرى. فلم يكن مستغربا أنه على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار، فى عام 2006، وقع هجوم على فريق كرة القدم الوطنى فى توجو وسيارة عسكرية أنجولية فى عام 2010. وفى أبريل 2012، عرضت أنجولا الدخول فى محادثات سلام مع باقى الجماعات الانفصالية فى الإقليم.

الاتجاه الخامس ويمثله التوجه العام نحو المطالبة بإجراء استفتاءات شعبية حول حق تقرير المصير: إذ عند النظر إلى القضايا الانفصالية فى أفريقيا تاريخيا بعد الاستقلال يظهر لنا بوضوح الميل إلى المطالبة بإقامة استفتاء شعبى من أجل تقرير المصير،على الرغم من أن ذلك لا يعنى  بالضرورة عقد هذه الاستفتاءات  فى كل حالة. فقد نجحت إريتريا فى تنظيم استفتاء عام 1993؛ كما يطالب المجلس الوطنى للكاميرون الجنوبى بتنظيم استفتاء عام فى الإقليم منذ عام 1995؛ ونظمت جزيرة أنجوان استفتاءً عاما فى  أكتوبر 1997 بشأن الاستقلال (99.88 % لصالحه)، وفى عام 2000،  نظمت استفتاءً آخر بشأن إمكانية تطبيق حل اتحادى (رفض هذا الحل)؛ وعقدت صوماليلاند استفتاءا فى عام 2001؛ ونظم الفرنسيون فى 2009  استفتاء  عاما حول وضع إدارة جزيرة مايوت؛ ونُظم استفتاءً جنوب السودان فى عام 2011» وفى عام 2012 طلبت جبهة تحرير أوجادين الوطنية أن تلتزم الحكومة الإثيوبية بإجراء استفتاء على الانفصال فى غضون 15 عاما (وهو حق يمنحه الدستور الإثيوبى)  - ولكن الطلب قوبل بالرفض التام، كما تقدمت بالطلب نفسه جبهة تحرير أورومو، ولكن دون جدوى.ومن الطريف حقا أن الحركة الوطنية لتحرير أزواد حاولت تنظيم استفتاء الكترونى فى صفحتها على الإنترنت فى عام 2012، ولكنها لم تلتزم بنشر نتائجه. ولا تزال  جبهة البوليساريو تطالب بعقد استفتاء حول حق تقرير المصير، منذ أن أعربت إسبانيا لأول مرة عن عزمها القيام بذلك فى عام 1974.ومنذ عام 2012، لا تزال البوليساريو مصرة على إجراء استفتاء يقدم خيارات الحكم الذاتى،  أو الاستقلال للصحراء الغربية، فى حين تصر المغرب على سيادتها الإقليمية  وانفتاحها فقط على مبدأ  الحكم الذاتى الإقليمى. وفى عام 2012، طالبت جمعية التوعية الإسلامية والدعوة بزنجبار بإجراء استفتاء شعبى بشأن انفصال زنجبار عن تنزانيا. وأخيرا، دعا مجلس التنسيق من أجل الحكم الذاتى فى كاتانغا  فى عام 2012 إلى إجراء استفتاء على استقلال الإقليم.

ثالثاً ــ ظاهرة الانفصال بين جدلية الإثنية والإسلاموية:

يرى إيمانويل والرشتاين قياساً على أزمة كاتانغا  «أن المناطق التى تكون أكثر ثراء فى الدولة وتتطابق فيها الهوية الإثنية مع حدود الثروة الاقتصادية تصبح دعاوى الانفصال فيها قوية وجاذبة. إن كل دولة أفريقية، سواء كانت صغيرة أو كبيرة الحجم، موحدة أو فيدرالية، لديها كاتانغا  خاصة بها.» يعنى ذلك أن ثمة علاقة ارتباطية بين الهوية الإثنية وطبيعة الإقليم الذى تنتمى إليه. ومع ذلك، فإن الشعور بالاغتراب وعدم الاندماج السياسى بين شعوب الأشانتى فى غانا، أو منطقة غرب نيجيريا أو البوغندة فى أوغندة لم يفض إلى محاولات انفصالية حقيقية بينهم. وعلى العكس من ذلك تماماً، اندلعت حروب انفصالية كبرى داخل أقاليم فقيرة، مثل جنوب السودان وشمال تشاد.

لقد درج كثير من الكتاب على اعتبار إريتريا مثالا واضحا على «الانقسام الإثنى» الذى تطور إلى حركة انفصالية من أجل الاستقلال. وعلى سبيل المثال، قام الأكاديمى الأمريكى  تيد روبرت جور بتصنيف إريتريا على نحو مماثل كحالة من حالات الإثنية القومية. ومع ذلك، خلافا لما يقترحه هؤلاء الكتاب، فإن مطالبة إريتريا بحق تقرير المصير، وبالتالى  تحديد هويتها الوطنية لا يمكن أن يُعزى ببساطة إلى أسباب إثنية: لعدة أسباب منها، أن إريتريا لا تشكل مجتمعا عرقيا متجانسا. إنها تضم ما لا يقل عن تسعة مجموعات إثنية معترف بها.وعلى الرغم من شيوع وصف هذه المجموعات بأنها إثنية نظرا لسهولة التعرف عليها ثقافيا ولغويا، فإن الأمر على أرض الواقع هو أكثر تعقيدا إلى حد كبير. وفى المقابل  فإن قضية العفر تعتبر ذات أهمية، خاصة  نظرا لأن هذه المجموعة، التى تمتد على حدود إريتريا، وإثيوبيا، وجيبوتى، لديها تاريخ  طويل من المعارضة لحكام إثيوبيا. لقد ظلت سلطنة أوسا العفرية مستقلة  حتى عام 1974. ولاشك فى أن منطقة العفر التى تقع حول ميناء عصب الاستراتيجى  تعقِّد الأمور كثيرا بالنسبة لحكومة إريتريا. وعليه، فإن محاولة اللجوء إلى نظرية واحدة لتفسير الظاهرة الانفصالية فى أفريقيا لا تجدى نفعا ولا تلائم الطبيعة المعقدة والمتشابكة لهذه الظاهرة. 

ومن الناحية الفكرية، يمكن تفسير المشروع الإسلامى الأصولى بأنه عبارة عن محاولة للخروج من هيمنة مفهوم الدولة الموروثة عن الفترة الاستعمارية، سواء من خلال الاستيلاء، أو التحول، أو الانفصال الإقليمى.كان ذلك واضحا، على سبيل المثال، عندما أعلنت  جماعة التوحيد والجهاد فى غرب أفريقيا، بعد سيطرتها على شمال مالى، عن نيتها فى تولى المسئولية، وإضفاء الطابع الإسلامى على كامل أرجاء البلاد بدلا من الاكتفاء بتحرير إقليم أزواد فى الشمال. كما أن جماعة بوكو حرام أعلنت مرارا أنها لا تعترف بدولة نيجيريا، وأنها تسعى لإقامة دولة الخلافة الإسلامية التى تقوم على مفهوم الأمة وتأبى أن تجعل من الدولة مجرد حقيقة إقليمية.ونتيجة لذلك، فإن الدعاوى الانفصالية الإسلامية الراديكالية، تهدد ــ شأنها شأن الحركات الانفصالية الأخرى، وجود وشرعية دولة ما بعد الاستعمار الغربى فى أفريقيا المسلمة. على أن نقطة الخلاف الكبرى تتمثل فى أنه بينما تهدف الحركات الانفصالية العلمانية إلى زيادة عدد الدول الوطنية بالمفهوم الغربى (مزيد من التفكيك والتجزأة)، تسعى الإسلاموية إلى إلغائها، وتأسيس الخلافة الكبرى، ومفهوم الأمة الواحدة (الاندماج والتوحيد). وعلاوة على ذلك، فإن النزعة الانفصالية الإسلامية، من خلال نزوعها إلى السرديات التاريخية التى تشكل إطارا سياسيا بديلا لدولة ما بعد الاستعمار، مثل خلافة سوكوتو فى نيجيريا، أو سلطنة زنجبار تستطيع أن تكتسب مشروعية تاريخية معتبرة. كما يذهب  الإسلاميون كذلك إلى تبنى قضايا أخلاقية عامة تتحدى طريقة عمل الدولة الأفريقية فى  مرحلة ما بعد الاستعمار، وهو ما يوفر تأييدا واسعا لدعوتهم، ولاسيما بين الشباب والمهمشين، كما هو الحال فى شمال نيجيريا ومناطق الساحل والصحراء.

خاتمة:

ليس بخاف أن الدعاوى والحركات الانفصالية فى بعض مناطق أفريقيا لا تزال، بعد أكثر من خمسة عقود من الاستقلال، قادرة على تقديم خطاب شعبوى جاذب للمجتمعات السياسية المهمشة ونخبها. بيد أن ترجمة هذه الدعاوى إلى حملات عسكرية مستمرة من أجل نيل الاستقلال والسيادة لا تزال عصية على أن تكلل بالنجاح. وعلى الرغم من أن أفريقيا شهدت منذ أوائل التسعينيات زيادة ملحوظة فى تداعى الحركات والمطالبات الانفصالية، فإن تراجع التأييد والاعتراف الدولى قد خفف كثيرا من عنفوان موجات الانفصال فى الواقع الأفريقى. وبالفعل لم تخرج عن قاعدة مبدأ قدسية الحدود الموروثة عن العهد الاستعمارى سوى حالتى إريتريا وجنوب السودان.

لقد كان الاعتراف الدولى بجنوب السودان كدولة مستقلة ذات سيادة، على الرغم من كونه جزءا أصيلا فى دولة ما بعد الاستعمار بمنزلة انقلاب جذرى  على الممارسة السابقة فى إطار العلاقات الدولية الأفريقية فى مرحلة ما بعد الاستقلال، وهو الأمر الذى اعتبره بعض الكتاب بمنزلة بريق أمل متجدد للانفصاليين الأفارقة. ومع ذلك، فإن البيانات المتوافرة عن الصراعات العنيفة الناجمة عن الحركات الانفصالية تؤكد أن جنوب السودان لا يشكل تحولا فارقا عن الممارسة السابقة، ولا يبدو أنه أدى حتى الآن إلى تجدد النشاط الانفصالى فى القارة.إن حالة جنوب السودان لا تزال تمثل الاستثناء الذى يثبت القاعدة. بيد أن الدرس الذى يمكن أن يتعلمه الانفصاليون الأفارقة يتمثل فى تعزيز ثقافة الاستفتاء الشعبى بغرض إضفاء الطابع الديمقراطى والشرعى على حركاتهم الانفصالية فى القارة.

ويطرح فشل استفتاء كاتالونيا، والنضال من أجل الاستقلال عن إسبانيا فى أكتوبر2017 ثلاثة دروس مستفادة لأفريقيا قد أكدنا عليها فى هذه الورقة، وهى : أولا ،لن تقبل الحكومات غالبا بمبدأ الانفصال وتهديد سلامتها الإقليمية. قد يبدو الأمر فى أفريقيا مرتبطا بالنزعات الإثنية والقبلية المتباينة، وأن الظروف ستكون مختلفة إذا كانت البلاد متجانسة. بيد أن هذا الربط غير صحيح دائما، فبعد أن حصلت جنوب السودان على استقلالها، سرعان ما وقعت فى أتون الحرب الأهلية وبدأ البعض يتحدث عن انفصال دولة النوير المستقلة، كما أن إقليم أزواد يضم، إلى جانب الطوارق، الشعوب العربية والفولانية.ثانيا ،أهمية اقتسام الثروة والسلطة لمعالجة أسباب الانفصال. فكما هو الحال بالنسبة لثراء إقليم كاتالونيا، تتمتع كثير من المناطق الانفصالية فى أفريقيا بثروات طبيعية هائلة، مثل كابيندا، وبيافرا، وكاتنجا. ثالثا ،عدم تدويل قضايا الاستفتاء والمطالبة بالحكم الذاتى. فكما أعلن الاتحاد الأوروبى أن استفتاء كاتالونيا يُعد مسألة داخلية فإن الدول الأفريقية سوف تحذو هذا الحذو, وترفض تدويل دعاوى الانفصال داخلها. ولعل ذلك يفقد الحركة الانفصالية فى أفريقيا العامل الأبرز فى نجاحها، وهو الاعتراف والتأييد الدولى.

على أن المعضلة التى سوف تزيد مشهد الظاهرة الانفصالية فى أفريقيا تعقيدا وارتباكا تتمثل فى التطور التدريجى لعلاقة واضحة بين الدعاوى الانفصالية من جهة,  والأيديولوجيات الإسلاموية من جهة أخرى، كما ظهر ذلك بجلاء فى  منطقتى  الساحل و الصحراء والقرن الأفريقى. وعلى الرغم من عدم وجود نظرية واحدة تفسر نشأة وتطور الظاهرة الانفصالية فى أفريقيا إلا أن التحليل الإمبريقى لتوجهاتها فى مرحلة ما بعد الاستقلال يؤكد استمرارها كأيديولوجية ديناميكية قادرة على تعبئة  الأنصار والمريدين, من خلال تبنى خطاب راديكالى لا يخلو من سمات شعبوية. وبغض النظر عن طبيعة هذا الخطاب وأخطاره الكامنة على الأفراد والمجتمعات المحلية، فإنه يتصدى بشكل مباشر لإخفاقات الدولة الأفريقية ما بعد الاستعمارية فى تحقيق وظائفها التنموية، ومن المرجح أن  يظل هذا الخطاب الانفصالى محافظا على قدر كبير من  جاذبيته فى المستقبل المنظور.

مراجع مختارة:

Baker٫B. 2001. «Separating the Sheep from the Goats among Africa’s Separatist Movements». Terrorism and Political Violence. 13 (1): 66-86.

Bereketeab٫Redie. 2016. Self-determination and secession in Africa: the post-colonial state.London; New York: Routledge٫Taylor & Francis Group.

Christopher٫Anthony J. 2011. «Secession and South Sudan: an African precedent for the future?» South African Geographical Journal. 93 (2): 125-132.

Horowitz٫Donald L1985. Ethnic Groups in Conflict٫University of California Press٫Berkeley

Keller٫Edmond J. 2007.Secessionism in Africa٫The Journal of African Policy Studies. 13٫No. l٫pp.1-26.

Saideman٫Stephen M. 1997. «Explaining the international relations of secessionist conflicts: vulnerability versus ethnic ties». International Organization (Print). 721-753.

Wallerstein٫Immanuel. 1961. Africa: the politics of independence. New York: Vintage Books٫p.88.

عن الكاتب : أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، وجامعة زايد بالإمارات المتحدة
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق