ملف العدد
أصول أزمة الهوية فى الشرق الأوسط
2017/12/27
بقلم د.نصر محمد عارف
0
1920
69
العدد :

 

مثلت المجتمعات التى احتواها مفهوم الشرق الأوسط حالة نموذجية للتفجر المتوالى لأزمة الهوية، جعلتها تنافس على المستوى النظرى مجتمعات البلقان، وإن لم تشهد صراعاتها العرقية المتعددة نفسها . ولعل تتبع تاريخ هذه المنطقة يوضح بصورة جلية أنه عبر حقب تاريخية متوالية ومتتالية كانت هناك علاقة جدلية بين الوحدة والتنوع بصورة تعطى للمنطقة هوية واحدة، وفى الوقت نفسه لا تفقدها التعدد الداخلى الذى حافظ على تكوينات ثقافية متمايزة متداخلة فى الوقت نفسه .

وعلى الرغم من تعدد عناصر التمايز الداخلى بين الجماعات المكونة للمنطقة، فإن عوامل التنافر الداخلية لم تكن هى الأساس المحرك لأزمة الهوية، إذا ما قورنت بعوامل التنفير الخارجية القادمة من قبل القوى والأطراف، سواء التى تملك السلطة والقوة داخليا، أو من قِبل القوى الدولية التى يقع الإقليم فى بؤر استراتيجياتها واهتماماتها مباشرة . وبالذات القوى الاستعمارية الأوروبية فى مرحلة الاستعمار التقليدى، أو القوى الوارثة فى مرحلة الاستعمار الجديد، الذى بدأ يأخذ صورة تقليدية فيما بعد حرب الخليج الثانية، التى تزامنت مع انتهاء الحرب الباردة، وظهور ما عرف بالنظام العالمى الجديد .

وإذا كان موضوع بحثنا هو أزمة الهوية فى الشرق الأوسط، مع التركيز على الأكراد كنموذج، فإنه من الأهمية التأكيد على بعض المقدمات المفهومية :

1 - إن ما يطلق عليه الشرق الأوسط هو محاولة لتعريف المنطقة من خلال نسبتها للآخر وليس لشىء فى ذاتها . فانطلاقا من المركزية الأوروبية، نظر إلى هذه المنطقة على أنها هامش يقع إلى الشرق ليشمل العالم الإسلامى خلال القرن التاسع عشر وقبله. وفى أثناء الحرب العالمية الثانية استخدم مصطلح «الشرق الأدنى» ليشمل المنطقة العربية وتركيا، والشرق الأوسط يشمل الهند، وباكستان، وبنجلادش وسيريلانكا، وأفغانستان، وإيران، ووسط آسيا . وبعد الحرب العالمية، الثانية وفى ظل اشتداد الحرب الباردة، ومع محاولات إنشاء حلف بغداد جرت زحزحة الشرق الأوسط إلى الغرب قليلا ليبدأ من باكستان، وإيران، وتركيا، والشام، وجزيرة العرب، ومصر . ثم بعد انتهاء الحرب الباردة ودخول العرب فى عملية السلام مع إسرائيل أصبح الشرق الأوسط يطلق على الدول العربية كافة، ومعها إسرائيل . وفى جميع الأحوال، أطلق هذا المفهوم ليشير إلى محددات ومعايير معينة فى المنطقة ، منها أنها خليط من أجناس وثقافات وأعراق وأديان مختلفة، وأنها لا تتمتع بهوية واحدة ، وإنما هى عبارة عن فيفساء من التكوينات اللغوية والعرقية والدينية متراص متجاور لا يشكل وحدة حضارية أو اجتماعية واحدة .

وعلى الرغم من أن هذا المفهوم حديث نسبيا، فإنه استطاع أن يغير الوعى العام حول هذه المنطقة، وأن ينسخ تاريخا متكاملا ممتدا من الوحدة والتنوع فى إطارها، ومن التكامل والتفاعل والاندماج بين هذه المكونات ثقافيا واجتماعيا وحضاريا وسياسيا . ودون الدخول فى التفاصيل التى سوف نعرض لها فى السياق التالى، ينبغى أن نؤكد أن استخدامنا لهذا المفهوم لا يعنى القبول به، ولا يعنى الإقرار بالنتائج التى تمت عملية تشكيلها فى الواقع، سواء بالتغيير الثقافى والاجتماعى أو بتغيير الوعى، أو من خلال التغيير المادى، سواء بخلق كيانات سياسية وتخطيط حدود، أو بفرض أمر واقع بالقوة المسلحة .

2 ــ أما مفهوم الهوية، فكما عرفه عبد القاهر الجرجانى فى كتاب «التعريفات» فهو يعنى احتواء الشىء على حقيقته كاحتواء البذرة على الشجرة فى الغيب المطلق ، والشىء فى هذا السياق هو الجماعة البشرية، لأن الهوية لا تتعلق إلا بالمجتمعات، وحقيقة الجماعة البشرية لا تكمن فى لونها، أو جيناتها أو أصلها العرقى، وإنما تستقر تلك الحقيقة فى البناء الثقافى والمعرفى وفى شبكة العلاقات الاجتماعية التى تفصل الإنسان عن غيره من الثدييات التى ينتمى إليها بيولوجياً، أى أن هذه الحقيقة - التى هى الهوية - هى مسألة ذات طابع ثقافى، حضارى، ومعرفى، واجتماعى، يتجلى فى أعراف، وتقاليد، وقوانين، وسلوكيات ونظم حياة على اختلاف أنواعها ومستوياتها .

ولفهم وتحليل أزمة الهوية فى الشرق الأوسط بوجه خاص، وفيما يتعلق بالمسألة الكردية ينبغى النظر فى القضايا الآتية :

أولا ــ الإسلام وصياغة نموذج جديد للهوية يتجاوز الهوية العرقية ولا يلغيها :

رسالة الإسلام لا تخاطب قوما، أو عرقا، أو جماعة بشرية محدودة، فليست رسالة من رسالات الاصطفاء الحصرى لجماعة بشرية معينة ، وإنما هى رسالة للبشرية كافة على اختلاف ألسنتها وألوانها وأعراقها ومواطنها وأزمانها . وإن كانت بلغة عربية، فليس لأى شىء خاص بالعرب وإنما لأن لغتهم من أكثر اللغات نقاء من الثقافة، أو من الأديان السابقة، فهى لغة فطرية لم تختلط بعقائد قوية راسخة، ولم تنشئ ثقافة معقدة . وقد بدأت رسالة الإسلام بالتأكيد على الروابط الثقافية والعقائدية والاجتماعية والسياسية فكانت ظواهر المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكانت ظواهر الجماعة السياسية، فى المدينة التى يحكمها دستور سياسى يتجاوز الاختلافات الدينية ناهيك عن العرقية والقبلية . ومن هنا بدأ الإسلام يخرج العرب عن روابطهم التقليدية، ويدخلهم فى تنظيم اجتماعى جديد أهم دعائمه وجود رابطة متسامية تجمع البشر من مختلف الأعراق والألوان والأجناس تحت رابطة واحدة هى فى جوهرها رابطة حضارية اجتماعية .

والناظر فى التاريخ يجد أن هذا النموذج قد استطاع أن يكون قدوة مثالية متحققة فى الواقع، فتحليل أى بعد من أبعاد الحضارة الإسلامية يثبت بلا أى شك أن جميع الأعراق والأجناس قد أسهمت بدور محورى فيه، وكان لها السيادة، سواء علميا، أو سياسيا، أو اقتصاديا، أو عسكريا. لم يشهد تاريخ الإسلام احتكار جماعة عرقية معينة لسدة الحكم والسياسة، كما كان الحال فى الحضارة الرومانية؛ بل إن جميع الأعراق التى انتظمت فى إطار الحضارة الإسلامية تشعر أن هذه الحضارة هى جزء لا يتجزأ من هويتها وثقافتها، لأن تاريخها تشكل مع تاريخ هذه الحضارة ، ومن خلاله.

ثانيا ــ محددات الهوية فى البيئة الحضارية الإسلامية :

تفرض طبيعة البيئة الحضارية الإسلامية مجموعة من المحددات تؤثر بصورة فعالة فى تشكيل هوية الجماعات البشرية التى تكونت أو تفاعلت فى إطار الكيان الحضارى الإسلامى، ومن هذه المحددات :

1 - النشأة الدينية للكيان الاجتماعى الإسلامي : حيث برزت الجماعة البشرية التى انضوت فى إطار حضارة الإسلام كجماعة أنشأتها فكرة مركزية محورها عقيدة جامعة، أبرز قيمها التوحيد، وأبرز مؤسساتها الأمة، تؤطرها شريعة، ويقع فى القلب منها القرآن الكريم، وتنجذب قلوبها وجباهها نحو قبلة واحدة، وينظم صيرورتها التاريخية تفاعل الشعائر بالزمن فيوحد بينها ويذيب تنوعاتها .

فهذه الجماعة لم تنشأ أو تتوحد عبر ثلاثة عشر قرنا، فى ظل قومية، أو عرق، أو إقليم جغرافى، أو نظام سياسى، أو وجود خطر خارجي . فعلى الرغم من تعدد نظمها السياسية، وتعدد أقاليمها وأعراقها وألوانها فإن هناك شعوراً عام بالإنتماء إلى أمة واحدة تضم هذه الجماعة وتوحد بينها .

2 - انعدام المركزية العرقية للأمة الإسلامية، حيث لا توجد جماعة عرقية واحدة قادت الأمة الإسلامية على مر التاريخ، أو مثلث النخبة السياسية، أو الفكرية، أو الدينية، أو أى نخبة، بل على العكس أسهمت كافة الجماعات والفئات بل الملل والنحل والأديان فى بناء هذه الحضارة . وعلى الرغم من محورية اللغة العربية، وكون العرب هم الجماعة القابلة لمولد الرسالة الإسلامية فإن لا يمكن ملاحظة أى تميز أو نفوذ للعرب بصورة شاملة يمكن مطابقته بالرومان أو غيرهم . بل لم يكد ينتهى القرن الأول إلا والعرب قد تراجع دورهم الفعلى وإن ظل هناك دور اسمي . والملاحظ لتطور العلوم، حتى العربية، يجد بما لا يدع مجالا للشك تأثير جميع الأعراق والأجناس، ومن ثم فإن مفهوم الهوية قد تجاوز العرق والقومية، وأصبح يتعلق بالمكون الأعلى المتعلق بالأبعاد المعرفية والثقافية والحضارية .

3 - انعدام وجود علاقة المركز والأطراف فى تنظيم الحضارة الإسلامية حيث لم يكن هناك مركز اقتصادى أو سياسى يستنزف الأطراف، بل إن الأمصار كانت تمثل وحدات ذات استقلال ذاتى فى كل شىء إلا التبعية الإسمية، أو على الأكثر فيما يتعلق بالسياسة الخارجية والدفاع . ومن ثم، لم تنشأ علاقات ظلم واستنزاف للأطراف، وذلك فيما قبل التدهور الداخلى للدولة العثمانية الذى أدى إلى بروز هذه العلاقة التى صاحبته وتزامن معها تفجر مشكلة الهوية . أما قبل ذلك، فانعدام هذه العلاقة أثر فى طبيعة مفهوم الهوية ومحدداته .

4 - تداول الجماعات العرقية المختلفة على حكم الجماعة السياسية الإسلامية . فقد شهد التاريخ الإسلامى أن جميع التكوينات العرقية قد تولت سدة الحكم، وقادت الأمة الإسلامية، كليا أو جزئيا، فى فترة من الفترات، حتى الرقيق كان لهم دولة دامت قرونا وقادت الأمة الإسلامية، وحمت الجماعة السياسية فى أصعب فترات تاريخها. وللأكراد فى هذا الخصوص نموذج فريد فى تاريخ الإسلام يمثل أنصع حلقات التجديد الحضارى والسياسى للأمة الإسلامية، ونموذج نور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبى ليس فى حاجة إلى مزيد تفصيل .

ثالثا ــ الاحتكاك بالغرب فى فترة الضعف ( رجل الشرق المريض ):

منذ الحملة الفرنسية على مصر والشام، دخل العالم الإسلامى، النازل على درجات سلم الحضارة، فى مرحلة احتكاك حضارى ثقافى غير متوازن مع الحضارة الأوروبية الناهضة الصاعدة . حكم هذه المرحلة قانون سنن طبيعى فى الإنسان والمجتمع أشار إليه ابن خلدون فى قوله :  «إن المغلوب مولع بتقليد الغالب فى أخلاقه وسلوكه ومأكله وملبسه وسائر أحواله وعوائده ». ولم يقف الأمر عند التقليد الطوعى بل كانت هناك عملية قسرية عمدية للإرغام على التقليد، أو تسريبه، أو التبشير به، أو غرسه فى الناشئة .

وقد تمثلت أخطر عمليات التقليد فى تقليد المشكلات والأزمات الأوروبية، ومحاولة نقلها للعالم الإسلامى، بل وغرسها وتأصيلها وكأنها مشكلاتنا الخاصة الناشئة فى بيئتنا، والنابعة من تطور مجتمعنا . وكان من أخطر هذه المشكلات ، مشكلة القومية، ومشكلة رابطة الدم والعرق، أى المشكلة الإثنية، ومشكلة الدين والدولة، وغيرها من المشكلات التى لم تكن وليدا طبيعيا للبيئة الإسلامية وتفاعلاتها التاريخية .

ونظرا لطبيعة المجتمع الأوروبى التاريخية، ومحورية العرق، وعلاقات الدم فى جمع القبائل الأوروبية التى كانت تتشكل فى صورة تجمعات تمثل دولة أو شبه دولة، ونظرا لتنامى الظاهرة القومية فى أوروبا ودورها، الإيجابى فى توحيد الإقطاعيات والمقاطعات، وتزامن ذلك مع ضعف الدولة العثمانية، وتحولها من كونها مصدر تهديد لأوروبا إلى رجل مريض يسعى الأوروبيون لاقتسام ثروته وتقسيم ممتلكاته، أدى كل ذلك إلى تحول حوض الحضارة الإسلامية، خصوصا المنطقة العربية إلى بؤرة لتصارع القوى الأوروبية المتنامية، سواء الدول، أو الكنائس والإرساليات، أو الشركات، والمدارس الفكرية غير الدينية . ولم يكن هؤلاء جميعا يستطيعون تحقيق مصالحهم، فى ظل المعادلة الثقافية السائدة فى ذلك الوقت، فكان، ولا بد من تعديلها أو تغييرها بإيجاد معادلة أخرى تقوم على مسلمات مختلفة، فتم الإلحاح على قضايا ثقافية معينها، مثل : القومية، العرق، الدين والدولة، التقدم، الأصالة والمعاصرة ... الخ . ومن خلال التعليم والإعلام، تحولت هذه القضايا الخارجية القادمة مع الغازى إلى قضايا داخلية تتصارع حولها القوى والجماعات من داخل المجتمع . ومن ثم، تم توطين مشكلات المجتمعات الأوروبية فى المجتمعات الإسلامية، وبدأت تؤدى تفاعلاتها وتتوالى فى تطورها حتى وصلنا إلى الحالة الراهنة التى ستليها مرحلة القبلية والعائلية حتى يكون لكل قبيلة دولة ونظام .

رابعا ــ عوامل الطرد المركزى فى الدولة العثمانية والمنطقة العربية :

مع انتقال الأزمات الأوروبية إلى العالم الإسلامى، وتجذرها فى تلك البيئة المهزومة، وبداية دورات متتالية من محاولة تقديم حلول أوروبية لأزمات أوروبية فى بيئة حضارية إسلامية، برزت مجموعة من الظواهر لم تكن منسجمة فى مسلماتها وأفكارها مع النسق الحضارى الإسلامي . فنلاحظ أن الفكرة القومية فى أوروبا كانت عامل تجميع وتوحيد لقوى وجماعات مشتتة. أما فى العالم العربى والإسلامى، فإن الفكرة القومية أدت إلى عكس تلك الآثار، فكانت عامل تفتت وتمزق، بل إنها أدت إلى دورات متتالية من التمزق والتشتت . ومن الجدير بالملاحظة أن هذه التداعيات الناجمة عن نقل الأزمات الأوروبية، ونقل حلولها لم تحدث فى الأطراف، وإنما جاءت من قلب العالم الإسلامى، والمنطقة العربية ، ومن ثم كانت مصدراً قوياً للطرد المركزى، أى لتحويل المركز لأن يكون قوة طاردة، بدلا من أن يكون قوة تجميع وجذب . فأصبحت عوامل الجذب هى ذاتها عوامل طرد . ففى قلب عاصمة الدولة العثمانية نشأت الفكرة الطورانية، وهى فكرة قومية متعصبة تعلِّى عنصرا بشريا معينا على باقى العناصر، وتمارس الظلم والقهر ضد باقى الأعراق المكونة للدولة العثمانية، وبذلك تحول الأتراك الذين هم قلب العالم الإسلامى آنذاك ــ من رابطة تجمع عناصر الأمة، ومركز لجذب عناصر الأمة المتباعدة وتوحيدها إلى قوة مركزية طاردة لهذه العناصر . ومن هنا كان من المنطقى أن تنصرف مختلف الجماعات العرقية المكونة للأمة الإسلامية إلى النبش فى ماضيها ،سواء كان ماضيا يستحق أو لم يكن؛ لإيجاد عناصر للهوية وللرابطة العرقية بين أبنائها . فظهرت فى هذا السياق القومية العربية التى ركزت بدورها على العنصر العربى، وتجاهلت أن العنصر العربى، عرقيا، ضئيل الوزن فى تكوين المنطقة العربية ، وأن العرب مثلوا قوة مركزية تجذب مجموعات، من الأعراق والأجناس وتنظمها فى عقد واحد . وبذلك كان أيضا منطقيا أن تبحث الجماعات التى لا تريد الانتساب إلى العنصر العربى، وتنبش فى ماضيها؛ فظهرت قوميات أخرى فينيقية، وفرعونية، وبربرية، وكردية، وغيرها . وتحولت الساحة العربية إلى خريطة معقدة التركيب من القوميات، ولم تستطع القومية العربية لعب أى دور لإعادة توحيدها بل انتهى بها  الأمر إلى تقسيم الوطن العربى إلى دول حقيقية أو مصطنعة، وحاولت كل دولة أو جماعة أن تصنع  لنفسها تاريخا مستقلا، وأن تحقق الاقتطاع، فتم تمزيق التاريخ العربى، كما مزقت الجغرافيا العربية .

خامسا ــ تفجر مشكلة الهوية وبداية انتهاء الهوية :

فى ظل تلك الظروف سالفة الذكر، تصاعد مفهوم وإشكالية الهوية فى الساحة العربية والإسلامية، وبدأت دعوات متعددة من قبل النخب المثقفة فى مختلف التكوينات الاجتماعية فى العالم العربى والإسلامى تبحث وتناقش قضية الهوية، بل وتخوض صراعاً لتحقيق الهوية واقعيا، من خلال ايجاد إطار سياسى فى صورة دولة تعبر عن الهوية، وتعكسها فى الواقع السياسى والاجتماعى .

ونظرا للتركيز على البعد العرقى، أو روابط الدم كمحور لتحقيق الهوية، والدعوة لها، فإن هذه القضية حملت فى ثنياها بذور فنائها، فكانت الدعوة إلى الهوية هى فى ذاتها دعوة إلى نقض الهوية وإنهائها . فعلى المستويين العربى والكردى ظهرت دعوات للاستقلال العربى عن الدولة العثمانية، وللاستقلال الكردى عن دول العالم العربى، أو عن الدولة العثمانية أيضا . ونظرا لأن تلك الدعوات القومية فى سعيها للانفصال عن الإطار الثقافى الحضارى الذى مثَّل وعاءً جامعا لمختلف الجماعات والأعراق فى العالم الإسلامى، فقد ركزت على البعد العرقى أو القومى وأعطته مزيداً من الأهتمام، ونظرا لأن البعد العرقى لا يقدم إطارا ثقافيا أو حضاريا، بل مجرد وعاء فارغ من أى محتوى لأن هذا المحتوى ارتبط بالإسلام، حضارة وثقافة، ولا يمكن إيجاد محتوى آخر غير الإسلام نظرا ذلك، تم  ــ هذه الدعوات القومية بعقائد وأطر ثقافية وسياسية واجتماعية مستوردة من العالم الغربي سواء الاشتراكى أو الليبرالى، فكانت الدعوات القومية تلك مجرد وعاء لمحتوى إشتراكى، أو ماركسى، أو ليبرالي . وتم ربط هذه الدعوات والحركات المرتبطة بها بهذه الأيديولوجيات والقوى السياسية المؤسسة والراعية لها ومن ثم أدى السعى لتحقيق الهوية القومية إلى تذويب الهوية ذاتها فى إطار عالمى غريب ثقافيا وحضاريا عن ثقافة الجماهير حتى فى داخل تلك الجماعات العرقية . وكان المنتوج النهائى زوال الهوية والسقوط فى التبعية السياسية، فلا تكاد تجد دعوة قومية فى العالم الإسلامى، فى التاريخ أو فى الواقع، إلا وارتبطت بإحدى القوى الاستعمارية فى العالم، واعتمدت عليها بصورة أساسية لتحقيق الاستقلال، أو الدفاع عن الذات، أو غيره ، والمحصلة الأخيرة هى الانتهاء الواقعى لمفهوم الهوية .

عن الكاتب : أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة
البريد الالكترونى
 
الاسم
 
عنوان التعليق
 
التعليق